آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
-1/16-

سحر الصورة

  محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

قد لا يكون للحديث معنى، أو إضافة جديدة، إن حدثنا أحدهم عن أهمية الصورة في الخطاب الغربي السياسي كما الإعلامي والفني، وإلى أي حد اعتمد العم سام على الصورة بمعنى الإبهار البصري في الترويج للشخصية الأميركية، سواء على مستواها السياسي والعسكري القتالي، أو الثقافي والفني، وبشكل أوضح في صناعة السينما.

 

ذلك لأن الصورة أداة مؤثرة في صناعة الثقافة والقناعات في المجتمع الغربي، ولذلك أبدعوا في استغلالها واللعب عليها، بناء على قاعدة علمية تدرس دواخل النفس وما يؤثر فيها، ووظفوا ذلك لصناعة الصورة التي يريدون في مخيلة العالم.

 

لكن قد يكون للحديث معنى، ومعنى لافت، عندما نرى أن تنظيما متشددا سياسيا، وأكثر تشددا دينيا، مثل تنظيم الدولة الإسلامية، يوظف الأداة ذاتها لخدمة أهدافه، وإيصال رسالة محددة عنه للرأي العام المحلي والدولي. بغض النظر عن محتوى هذه الرسالة التي قد تكون رسالة سلبية المضمون، قصدا.

 

يبقى أن الانتقال من فكرة تحريم الصورة الشخصية، أو صورة كل ما له روح، إلى توظيف التصوير الاحترافي، وبأحدث الأدوات الفنية تصويرا وتحريرا للصورة، هو نقلة شاسعة، وإن كانت لا تزال غير متوافقة مع ممارسات هذا التنظيم في إدارة حياة البشر في المناطق التي يسيطر عليها.

 

فالسؤال، وبعيدا عن فكرة المؤامرة والتشكيك: لماذا فقط التصوير والعمل الفني هو الوحيد الذي قفز عنه تنظيم الدولة الإسلامية من موروثه الفقهي الغني بالمحرمات والكبائر؟

 

ودون انتظار جواب على هذا السؤال، تبقى النقطة الأهم هي سحر الصورة وقدرتها على التأثير في الرأي العام، وإيصال الرسالة التي يريدها المرسل. دون كثير حديث وشرح، ولعلها أحد الأسلحة التي لا يزال عالمنا العربي عاجزا عن توظيفها كما ينبغي لخدمة قضاياه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

عدد خاص

عدد خاص
غدير أبو سنينة - هافانا

 

بعد الصراع الأيديولوجي والسياسي لعقود، انعطفت العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا منعطفا حادا بشكل مفاجئ في أواخر العام الماضي، وهو حدث يستحق القراءة بعمق لدواعيه ودلالاته. ولذلك نخصص هذا العدد من مجلة الجزيرة للتعريف بكوبا ومعالم الحياة فيها، وجدوى وجدية تقاربها مع أميركا، في ملف أساسي أعدته الزميلة غدير أبو سنينة من الأرض الكوبية.

 

نتعرف على آخر قلاع الشيوعية بعد انهيار معسكرها، ورحلة صراعها مع مركز الرأسمالية وأقوى قواعدها، منذ اندلاع ثورة كاسترو ورفاقه وإلى فتح قنوات التفاهم بين البلدين.

 

ثم نعرّج على تفاصيل الحياة في كوبا الشيوعية، لنلمس مدى معاناة الشعب الكوبي في معيشته، ومدى الإرهاق الاقتصادي والاختناق الذي يعيشه النظام جراء الحصار السياسي والاقتصادي المفروض على البلاد من قبل واشنطن.

 

الحصار أجبر الكوبيين على بث الحياة في كل ما يملكون، لأن ما يستغنون عنه لا يجدون له بديلا، فمعالم الحياة في كوبا قديمة، وكذلك الأدب الذي تراجع كثيرا عن عصره الذهبي وقت اندلاع الثورة. وفي المستشفيات والمرافق الطبية تبدو الصور وكأنها التقطت في السبعينيات، رغم أن مستوى الخدمات الطبية فيها متقدم ومجاني للجميع.

 

ونتعرف على العرب المقيمين في كوبا، وهامش الحرية والخصوصية التي يتمتعون بها في عاداتهم وعباداتهم، وكذلك الأديان الأخرى السماوية منها والأرضية وحتى الخرافات، إلى أي حد تجد متسعا في دولة شيوعية لا تؤمن بالأديان.

 

ثم نعرج على الكوبيين لكن على الضفة الأخرى، في الولايات المتحدة، أولئك الذين فروا من قسوة الحياة في بلادهم إلى جنة الرأسمالية، ماذا يأملون من خطوة التقارب؟ وإلى أي مدى يتفاءلون بانتهاء غربتهم القسرية عن وطنهم؟

 

وعلى صعيد القراءة بعمق لخطوة التقارب، نطالع آراء ثلاثة أطراف معنية بالقضية: كوبيون مقيمون في كوبا يعايشون واقعها ويقرؤون أفكار ساستها، وكوبيون يقيمون في الولايات المتحدة معارضون لسياسة نظام الثورة، وكيف يرون جدية الطرفين في القفز عن تاريخ وواقع الصراع بين البلدين؟ وأي طرف سيخفف من أعبائه وسيستفيد أكثر من الآخر؟

 

 ثم نطلع على رأي ثالث يتعلق بتقدير الموقف من باحث أميركي مختص بالشأن الكوبي، وقراءته لواقعية خيار التقارب لتجاوز الأزمات الداخلية في المعسكرين، في ظل تعقيدات العلاقة التي تشكلت على مدى عقود من الصراع، وهو ما يمكن وصفه بالطريق الوعر، إن كان ممكنا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

كوبا.. أطلال الشيوعية

كوبا.. أطلال الشيوعية

 

هي إحدى جزر البحر الكاريبي، وأكبرها في الأرخبيل وأكثرها تأثيرا في المنطقة الكاريبية، تبعد عن الولايات المتحدة تسعين ميلا عبر مضيق فلوريدا، إلا أن المسافة السياسية بين البلدين تبدو شاسعة للغاية.



سكنتها قبائل التاينو، وهم السكان الأصليون للجزيرة  قبل أن يصل إليها الإسبان بقيادة كريستوفر كولومبوس عام 1492، وأصبحت أهم مصدر للسكر الخام للإمبراطورية الإسبانية في القرن الـ18 حتى لقبت بـ"لؤلؤة جزر الأنتيل".

 

ورغم أن إسبانيا واجهت مصاعب كثيرة ضد حملات التحرير المطالبة بالاستقلال التي كلفتها الكثير فإن كوبا لم تخرج عن سيطرتها حتى عام 1898 عندما هزمت من قبل الولايات المتحدة والقوات الكوبية في الحرب الإسبانية الأميركية، وسرعان ما حصلت كوبا على استقلالها رسميا إلا أنها بقيت تحت هيمنة الولايات المتحدة.

تتعايش في كوبا ثقافات عدة، وتعتبر العاصمة هافانا أو (لا أبانا) مركز البلاد وعاصمتها التجارية، حيث تقع على الساحل الشمالي الغربي، ولديها واجهة بحرية ذات مناظر خلابة  محاطة بالشواطئ الجميلة التي تشكل عامل جذب لأعداد السياح المتزايدة من الخارج كغيرها من المدن، مثل سانتياغو، وكاماغويه، وأولوغين وترينيندا التي تقدم إرثا غنيا من العمارة الكولونيالية الإسبانية، إضافة للمباني المعاصرة.

 

صور تعود لعام 2004 تجمع الشقيقين فيديل كاسترو قائد الثورة الكوبية وراؤول كاسترو الرئيس الحالي لكوبا (أسوشيتدبرس)

 

في يوم رأس السنة الميلادية عام 1959 أطاحت القوات الثورية بقيادة فيدل كاسترو بالدكتاتور فلوخينسيو باتيستا. وبعد عامين، أعلن كاسترو الطبيعة اللينية والماركسية للثورة، وأصبحت كوبا معزولة اقتصاديا عن جارتها الشمالية بسبب تطور علاقتها مع الاتحاد السوفياتي، إلا أن انهياره عام 1990 أثر سلبا على اقتصاد كوبا، مما جعلها تمر بمرحلة سميت "الفترة الخاصة".

 

وبحلول القرن الـ21 خففت كوبا الكثير من القيود والقوانين التي كانت مفروضة على السياسة الاجتماعية والاقتصادية، لكن الولايات المتحدة استمرت بفرض الحصار الاقتصادي على نظام فيدل كاسترو، مما جعل حياة الكوبيين صعبة ومليئة بالتحديات، من ضمنها محدودية دخول الطعام والمواصلات والطاقة الكهربائية، والاحتياجات الأخرى حتى استأنفت العلاقات من جديد في أواخر عام 2014.

 

ورغم ما مرت به البلاد من ظروف صعبة فإن كثيرا من الكوبيين يعتزون بثورتهم الفريدة من نوعها في القارة اللاتينية، فكوبا تشبه إلى حد كبير ما جاء على لسان بطل رواية "أغنية راشيل، 1969" للكاتب ميغيل بارنيت، حيث قال "ثمة شيء مميز على هذه الأرض، وقعت فيها الأحداث الأكثر غرابة والأكثر مأساوية، وستبقى هكذا للأبد، فالأرض كالبشر ترتبط بالقدر، وقدر كوبا غامض".

 

نساء كوبيات بأزياء تقليدية غنية بالألوان (رويترز)

 

رفع العلم الكوبي لأول مرة عام 1850 ليكون شعارها الوطني، جمعت ألوانه (الأحمر والأزرق والأبيض) بين البساطة والانسجام، فالقوائم الزرقاء الثلاث ترمز للمحافظات الثلاث التي تقسم لها الجزيرة، والقائمتان البيضاوان ترمزان للمثالية والاستقلالية، أما المثلث الأحمر فيمثل المساواة والإخاء والحرية، وفي الوقت نفسه الدم المراق من أجل الاستقلال، فيما ترمز النجمة للحرية بين الشعوب الأخرى.

 

يأخذ الشعار الوطني الكوبي شكل الدرع، في قسمه الأفقي الأعلى مفتاح ذهبي بين جبلين، وشمس تشرق تمثل موقع كوبا في الخليج، وظهور دولة جديدة بين الأميركيتين. فيما ترمز الخطوط البيضاء والزرقاء لموقع محافظات الجزيرة في الفترة الاستعمارية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

رحلة صراع “اليانكي” وثوار كاسترو

رحلة صراع “اليانكي” وثوار كاسترو

 

في الأول من يناير/كانون الثاني 1959 تنتصر الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو ضد حكم فولخينسيو باتيستا الدكتاتوري. فمنذ استقلالها عن إسبانيا عام 1898، خضعت كوبا لحماية الولايات المتحدة، في حين تولت حكمها أنظمة دكتاتورية، وسيطرت المصالح الأميركية على اقتصادها وخصوصا فيما يتعلق بإنتاج السكر.

 

بعد أسبوع من هروب باتيستا لجمهورية الدومينيكان، وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 1959، دخل كاسترو وقواته شوارع هافانا في موكب ظافر وسط حشود الناس التي اعتبرته بطلا قوميا.

 

وفي العاشر من يناير/كانون الثاني من العام ذاته، وخلال إلقائه خطابا أمام الحشود حطت حمامة بيضاء على كتف كاسترو وبقيت في مكانها حتى أنهى خطابه، فاعتبر كثير من الكوبيين أن ذلك دليل على أن الآلهة نفسها قد اختارته للحكم، حسب الدين الأفريقي القديم (السانتيريا).

 

كاسترو مع الثوار وهي موجودة في متحف الثورة (الجزيرة)

 

قامت الحكومة الجديدة بتغييرات جذرية، فناهيك عن مصادرة الاحتكارات المحلية والأميركية، فقد خطت خطوات واسعة في الإصلاح الزراعي، وتوسيع الخدمات الصحية، وتحسين مستوى التعليم بفرضه على الجميع، وزيادة عدد المدارس والجامعات وحملات محو الأمية، ومساواة الأجور.

 

كانت هذه الإجراءات، التي قضت على النظام الرأسمالي وعلاقة كوبا التجارية والدبلوماسية الجيدة بالدول الاشتراكية والدعم الذي قدمته للنضال الاجتماعي في عدد من البلدان، سببا في قيام "اليانكي" بعزل الجزيرة عن الدول اللاتينية الأخرى، وإغراقها في حصار اقتصادي وبحري أثّر على الشعب الكوبي منذ عقود.

 

ففي عام 1960، حاول "اليانكي" -وهو الاسم الذي يطلق على الأميركيين في القارة اللاتينية- الإطاحة بحكم كاسترو والتخلص منه بسبب استبعاده مصالح الولايات المتحدة في الجزيرة، وعلاقته القوية بالاتحاد السوفياتي.

 

بعد ذلك بعام، قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ كانت حكومة كاسترو قد أممت جميع الشركات الأميركية، وردت عليها واشنطن بفرض حظر تجاري على الجزيرة، فوسعت كوبا روابطها التجارية مع الاتحاد السوفياتي، فما كان من الولايات المتحدة سوى أن ضغطت على بقية بلدان القارة اللاتينية بهدف طرد كوبا من منظمة الدول الأميركية، وتحقق لها ذلك، ما عدا المكسيك التي بقيت محتفظة بعلاقتها بكوبا.

 

طائرة حربية استخدمها الثوار في كوبا وهي أمام متحف الثورة في هافانا (الجزيرة)

وفي السابع عشر من أبريل/نيسان 1961، قام 1300 معارض كوبي بإنزال بحري في جنوب كوبا وتحديدا في خليج الخنازير وذلك بدعم من الولايات المتحدة، لكن العملية التي أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأميركية باءت بالفشل.

 

وفي خريف عام 1962، أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر توترا، حينما وجدت الولايات المتحدة أن كوبا أقامت في أراضيها قاعدة صواريخ سوفياتية الصنع. أعلن حينها الرئيس الأميركي جون كينيدي حصارا بحريا على الجزيرة من أجل منع وصول السفن السوفياتية المحملة بالأسلحة. وبعد أيام عدة من المفاوضات، وافق الرئيس السوفياتي السابق نيكيتا خروتشوف على تفكيك الصواريخ وإزالة قواعدها، في مقابل وعد من كينيدي بعدم غزو الجزيرة.

 

وبوساطة من السفارة السويسرية في كوبا، سمحت الدولتان عام 1965 للكوبيين الراغبين في الهجرة للولايات المتحدة بالسفر، حيث هاجر 260 ألف كوبي من البلاد قبل إنهاء عملية النقل الجوي بطريقة رسمية في أبريل/نيسان 1973.

 

واحدة من الآليات التي استخدمها الثوار لمواجهة باتيستا (الجزيرة)

وبعد طردها من منظمة الدول الأميركية، اتهمت الولايات المتحدة كوبا بمحاولة إشعال ثورات في فنزويلا وغواتيمالا وبوليفيا، البلد الذي انتقل إليه تشي غيفارا مع مجموعة من الثوار حيث ألقي القبض عليه وإعدامه عام 1967.

 

في هذه الأثناء بقيت كوبا تتلقى الدعم من الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، ثم وقعت عدة عقود تجارية عام 1972 لضمان المساعدات المالية السوفياتية والتبادل التجاري بين البلدين، ثم أصبحت كوبا عضوا في مجلس التعاون الاقتصادي المشترك (كوميكون).

 

في يوليو/تموز 1975، وخلال اجتماع عقد في عاصمة كوستاريكا سان خوسيه، أصدرت منظمة الدول الأميركية قانونا يمنح حرية الحركة لكوبا بهدف تخفيف الحظر الاقتصادي والعقوبات. كما تحسنت علاقة كوبا بالولايات المتحدة، وأصبحت القيود على السفر من كوبا إلى أميركا أكثر مرونة.

 

وفي عام 1977، فتح البلدان مكتبي "رعاية المصالح" في عاصمة كل منهما. مع هذا، فقد حذرت الولايات المتحدة كوبا من أنه لا يمكن تطبيع العلاقات إلا إذا قبلت بمطالبها المتعلقة بإيقاف الأخيرة نشاطها في أفريقيا.

 

طائرة أميركية تحط في مطار هافانا بعد إعادة العلاقات بين البلدين (غيتي)

 

في أواسط الستينيات من القرن الماضي، دخلت كوبا القارة الأفريقية بعدد من المستشارين العسكريين في أنغولا وإثيوبيا. وكان كاسترو قد أرسل جنودا شكلوا جزءا من الحرس الوطني الشخصي للرئيس الكونغولي ألفونس ماسيمبا ديبات، ثم اشتركت فعليا في القتال إلى جانب حكومة أنغولا الماركسية عام 1975.

 

بعد ذلك، عززت القوات الكوبية الحكم الماركسي في إثيوبيا، وساهمت بانتصاره على الصومال في إقليم أوغادين. فسر الغرب الوجود الكوبي في القارة الأفريقية بأنه رأس حربة السيطرة السوفياتية في المنطقة، في حين تلقت كوبا من الاتحاد السوفياتي مساعدة مالية تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين دولار يوميا عام 1979.

 

وفي عام 1980، خفف كاسترو من القيود المفروضة على السفر خارج كوبا، فخرج 125 ألفا من البلاد للولايات المتحدة، قبل أن يوقف ذلك فيما عرف بـ"الهروب الجماعي للمارييل". وعلى أثر ذلك، أوقفت العلاقات مع الولايات المتحدة مرة أخرى حينما اتهمت واشنطن كوبا بدعم المتمردين اليساريين في السلفادور، وتقديم مستشارين لحكومة نيكاراغوية ساندينية.

 

متحف الثورة الذي كان القصر القومي قبل أن يتحول لمتحف (الجزيرة)

 

وبحلول عام 1990 وانهيار الاتحاد السوفياتي، خسرت كوبا أهم حليف وداعم لها في المنطقة. في حين شددت الولايات المتحدة عقوباتها على كوبا، رغم قرار جمعية الأمم المتحدة عام 1992 وضع حد للحظر الأميركي.

 

وفي عام 1996، أقرت الولايات المتحدة قانون هيلمز بورتون، الذي عزز المقاطعة التجارية.



وفي عام 1998، قام البابا يوحنا بولص الثاني بزيارة تاريخية لكوبا، في رسالة وجهها للولايات المتحدة كي تغير من سياستها، في وقت أعلن كاسترو أن الحصار الاقتصادي هو إبادة جماعية وتجويع للشعب الكوبي.

 

وفي عام 1999، كانت هافانا مقر مؤتمر الدول الأيبيرية الذي وقع فيه "إعلان هافانا"، الذي يدعو لإيقاف العمل بقانون هيلمز بورتون.

 

وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2014 تم إنهاء أطول حصار اقتصادي في التاريخ، استمر خمسين عاما من قبل الولايات المتحدة الأميركية ضد كوبا، وذلك إثر صفقة تبادل أسرى بين البلدين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

الكوبيون.. الاختناق بحبل الاشتراكية

الكوبيون.. الاختناق بحبل الاشتراكية

 

كانت عيناي تجوبان داخل سيارات الأجرة التي ركبتها في العاصمة الكوبية هافانا، ولم تكد تخلو إحداها من مفكات وأدوات تصليح بدائية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من محركات السيارات التي ما زالت تعمل منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وحالة السيارات هذه تكاد تنطبق على حياة الكوبيين القائمة على إحياء الموتى.

 

"نحن الكوبيون، نخترع، كي نواصل العيش"، هذا ما ستسمعه كثيرا في الشارع حين تسألهم كيف يتدبرون أمورهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة، فالأشياء بين أيديهم تعمر طويلا، لأن التخلص منها يعني فقدانها للأبد.

 

في الشارع أيضا لن ترى صورا كثيرة لفيدل كاسترو، أو حتى لأخيه الرئيس الحالي راؤول، وإن وجدت صور فيدل فهي بجانب تشي غيفارا أو الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، على عكس ما يتوقع من بلد اشتراكي يعتمد على شخصية الرئيس الكاريزماتية، فالثورة -سيحدثك الكثيرون- هي الأهم في عيني فيدل كاسترو "المثاليتين". وفي ذات الشارع، لا يمكن أن تلمح طفلا مشردا، أو متسولا، أو عاملا. يقولون في كوبا "دولة فقيرة، وشعب غني".

 

خمس بيضات وأقل من نصف كيلو لحم أو دجاج ومثله من الأرز والسكر والفاصوليا هي حصة كل كوبي من التموين الذي توزعه الدولة على مواطنيها مجانا ولمدة شهر كامل، لكنها لا تكفي لخمسة أيام. تعليم مجاني شامل (الأدوات المدرسية من كتب ودفاتر)، محو كامل للأمية، تأمين صحي واستقرار عام يحمل الكوبيين على تحمل انخفاض الرواتب التي تتراوح ما بين 10 و25 دولارا، مطبقين مقولة "عصفور في اليد، خير من عشرة على الشجرة".

 

تربية الخيول لأغراض المسابقات ظاهرة حديثة في المجتمع الكوبي  (غيتي )

الشقة التي تعيش بها ماريلينا -التي تعمل في دار نشر لاس أميريكاس وسط هافانا- تقع مقابل الساحل تماما، وحين سألتها عن كيفية شراء شقة في هذا الموقع أخبرتني أن الثورة أمنت المساكن في البداية، وعند انتصارها صدر قانون يقضي بتمليك البيوت لساكنيها المستأجرين. أصحاب البيوت خسروا ملكيتها واحتفظوا بالبيوت التي يسكنوها فقط، فيما أصبح المستأجر رب المنزل.

 

كان ذلك حلا مؤقتا في تلك الفترة، لكن امتداد العائلة أصبح إشكالية للدولة، حين لم تستطع سوى إنشاء عدد قليل من المساكن التي لا تسد حاجة النمو السكاني، ما حدا بكثير من العائلات إلى تقسيم المنزل لاستيعاب تمدد الأسرة.

 

فماريلينا التي تعيش مع ابنتها فقط، تؤجرغرفتين في منزلها للسياح، وهي متفائلة بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تعتبر أن ما فعلته بكوبا يضعها في خانة الأعداء، لكن لكل زمن أحكامه.

 

خوسيه، المدرس السابق في وزارة التربية والتعليم، والذي يعمل سائق أجرة حاليا يقول إنه سافر للعمل في الإكوادور وفنزويلا لكنه عاد إلى كوبا بعدما تيقن أن الحياة كمواطن كوبي أفضل منها كمهاجر. فترك الوظيفة -التي تستهلك الكثير من وقته ولا تعود عليه بشيء تقريبا- للعمل بالقطاع الخاص، حيث سيدفع جزءا من دخله للدولة إضافة إلى 10% من الربح.

 

على عكس أصحاب الغرف المؤجرة الذين يخشون زيارة المراقبين لبيوتهم للتأكد من تسجيل أسماء النزلاء في إدارة الهجرة، فصاحب المنزل سيدفع غرامة مالية كبيرة، وسيساق للسجن إن كان لديه نزلاء لم يسجلهم في الإدارة.

 

عمال كوبيون يعملون على إصلاح سيارة أميركية قديمة لا يزال يعمل الكثير منها في كوبا (أسوشيتد برس)

خوسيه الذي لا يشكو كثيرا من أوضاع البلاد يقول إنه ينتظر من تطبيع العلاقات "تحسن الاقتصاد وبالتالي زيادة الأجور، وتوفر المواد اللازمة والتي كثيرا ما نفتقدها في كوبا".

 

إلا أن قيصر، الذي يعمل في عدد من الأشغال الحرة، يعتقد أن الأمور لن تتغير في كوبا كثيرا، أو أنها ستتغير ببطء شديد، فإما أن يكون التغيير للأفضل أو تبقى كما هي دون أن تسوء، إذ ليس هناك أسوأ من الوضع الذي هم فيه.

 

سيكون من النادر أن ترى شخصا يعارض عودة العلاقات بين بلده والولايات المتحدة، لكن الكثير منهم يعتقد أن هذه الخطوة لن تكون في صالح المعارضين الكوبيين المقيمين في أميركا، أو اللاجئين الذين استفادوا من قانون الضبط الكوبي الذي يمنح لجوءا سياسيا للكوبي في الولايات المتحدة، حتى بات كثير من اللاتينيين يسعى للاقتران بزوج كوبي لضمان حصوله على إقامة قانونية.

 

ولا يخفي أغلبهم امتعاضه من بعض ما يسمونه تعسفا في قرارات حكومتهم، كعدم إيجاد تفسير مقنع للضرائب المرتفعة المفروضة على السيارات.

 

معظم كبار السن، يفضلون البقاء في كوبا رغم كل المشقات التي استطاعوا بجهد وصبر كبيرين التعايش معها. السيد جيرمو، على سبيل المثال، يعيش أبناؤه منذ عقدين في الولايات المتحدة، ويزورهم مع زوجته من حين لآخر، لكنه يرفض تماما الاستقرار هناك، ويفضل العيش في مدينة ريميذيو الصغيرة، مع زوجته كلارا التي تقول إنه لولا قرار زوجها لبقيت في ميامي مع أبنائها.

 

مواطن كوبي يطهو طعامه على الحطب في أحد شوارع هافانا  (غيتي )

ثمة آخرون استخرجوا جوازات إسبانية، حين أتاحت السفارة الإسبانية للكوبيين ذوي الأصل الإسباني الحصول على جنسيتها إذا استكملوا الأوراق المطلوبة، ما جعل طوابير مؤلفة تقف على أمام السفارة الإسبانية في هافانا للحصول على الجنسية الإسبانية والسفر إلى الولايات المتحدة عن طريق بلد ثالث.

 

ماجدا (مواليد 1968)، حاصلة على الماجستير في الأدب الإسباني، ومع هذا فهي تصنع الحلويات يوميا لتبيعها لأطفال المدارس والمارة من شباك صغير في بيتها يطل على الشارع، تقول -مقاطعة زميلها لويس مانويل، حين قال إن 60% من الشباب يطمحون للهجرة- بل قل: 90%.

 

ترى ماجدا أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، لن يشكل حلا سحريا، فالأزمة التي تعيشها كوبا داخلية في المقام الأول. وحين تحدثت عن انعدام حرية التعبير في بلادها، تذكرتُ الصحيفة الرسمية لكوبا "غرانما"، التي هي عبارة عن صفحتين فقط وبحجم صغير.

 

ماجدا، علقت على التعديلات القانونية التي أجرتها الحكومة لإتاحة الفرصة للعمل الخاص، أو التخفيف من القيود على حرية التعبير -دون إلغائها- هو أن وضع الشعب الكوبي يشبه قدر الضغط، به غليان داخلي، وما تفعله الحكومة هو تنفيس القدر من حين لآخر، لكنها ترى أن القدر سينفجر يوما ما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

ماذا أبقت السنون من أدب الثورة الكوبية؟

ماذا أبقت السنون من أدب الثورة الكوبية؟

 

على تلة مرتفعة في مزرعة "فيهيا"، التي تبعد 15 كلم عن هافانا، ثمة بيت كبير حولته الحكومة الكوبية لمتحف، محتفظة بأثاثه وزواياه كما كانت منذ أن غادره صاحبه الكاتب الأميركي إرنست همنغواي عام 1960، أي قبل عام من انتحاره في أميركا.

 

الشوارع في هافانا القديمة تمتلئ بسطاتها بروايات همنغواي، وليس السبب في ذلك حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1954 فقط، بل لأنه قضى شطرا من عمره في هافانا، تاركا فيها طيفه الذي لم يغادر المدينة أبدا. فغرفته باقية على حالها في فندق أمبوس مونذوس في هافانا القديمة الذي كان يقيم فيه قبل أن ينتقل إلى "فيهيا".

 

وفي مقهى "لا فلوريديتا"، يصادف الزائر تمثالا لهمنغواي وهو جالس كعادته في المقهى الذي كان يرتاده خلال إقامته في هافانا، ووراءه صورة تجمعه بفيدل كاسترو، أما ما دار بينهما من حديث خلال التقاط تلك الصورة وغيرها من الصور، فسيظل سرا عجز المؤرخون عن معرفته، ورفض كاسترو التصريح بطبيعة الصداقة القصيرة التي ربطت بينهما حين كان كاسترو في الـ32 من عمره وهمنغواي في عمر الـ62.

 

تمثال إرنست همنغواي في مقهى فلوريديتا (الجزيرة)

وفي فندق ساراتوغا في هافانا القديمة، ثمة لوحة مهداة للشاعر الإسباني رافائيل ألبيرتي وزوجته ماريا تيريسا ليون، حيث كانا يرتادان الفندق قبل أن يشتري ألبيرتي بيتا صغيرا في حي مينامار، حيث تقيم حاليا ابنته الشاعرة أيتانا ألبيرتي مع زوجها الشاعر الكوبي أليكس باوسيذس.

 

كان ألبيرتي قد زار كوبا قبل الثورة عام 1935، ثم زارها بعد الثورة عام 1960، وحين عاد للأرجنتين كتب رسالة للمترجم الإيطالي أوجينيو لاراغي، قال فيها "مكثت شهرا في كوبا، كم هي الكذبات الغبية التي تنشرها الصحف عن هذا البلد البطل، أناس رائعون ومستعدون لكل شيء، سيكون صعبا إسقاطهم".

 

أيتانا ألبيرتي التي تقيم في كوبا منذ عام 1981، تقول إنها تشعر بانتمائها لقارة أميركا اللاتينية، فقد ولدت في المنفى الأرجنتيني عوضا عن مدريد، ولا تفكر حاليا بترك كوبا، وتعتبرها البلاد التي تعوضها عن الفقدان. كما أن لأيتانا حضور واسع في النشاطات الثقافية في كوبا وتلقى اهتماما مميزا ليس فقط من الحكومة الكوبية بل من عامة الناس أيضا.

 

الطابعة التي كان يستخدمها همنغواي في كتابة رواياته  (الجزيرة)

ماركيز وكاسترو

صور كثيرة على جدران الفندق الوطني في هافانا تجمع بين الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وفيدل كاسترو، وهي لا تعكس سوى جانب بسيط من الصداقة التي جمعت بينهما على مدى عقود. فقد زار ماركيز كوبا في المرة الأولى عقب انتصار الثورة كصحافي لتغطية الأحداث، وذلك قبل أن يذيع صيته. ثم وضح عام 1981 طبيعة تلك العلاقة بقوله "تجمعنا صداقة مثقفين، وحين نكون معا نتحدث في الأدب".

 

بل إن الثقة بينهما وصلت حدا جعلت كاسترو يستشير ماركيز في عملية السلام مع متمردي الـ أم-19، وجيش التحرير الوطني، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، كما كان رسوله للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.

 

وبعد حصول ماركيز على نوبل، قضى أوقاتا طويلة في كوبا، مستمتعا بشواطئها المطلة على الكاريبي، ولطالما رافقه كاسترو في رحلاته البحرية ومنها الرحلة التي قام بها مع رئيس الحكومة الإسبانية السابق فيليب غونزالس. ثم كان ماركيز أحد القلائل الذين عادوا كاسترو في مرضه الذي أقعده عن الحكم عام 2006.

 

في بيت أيتانا ألبيرتي مع مجموعة من الكتاب والأدباء الكوبيين (الجزيرة)

وصف ماركيز كاسترو بأنه "قارئ نهم، محب ومتذوق حقيقي للأدب الجيد في كل الأوقات. تركت له كتابا حين ودعته في الرابعة فجرا، وبعد ليلة كاملة من الحوار، وفي الساعة الثانية عشرة ظهرا وجدت أنه أنهى قراءة الكتاب".

 

كما أكد أنه كان يقظا جدا ودقيقا بحيث يكتشف التناقضات والمعلومات المزيفة التي لا يمكن لأحد تخيلها، ولهذا وقبل نشر "وقائع موت معلن"، فقد أحضر له المسودة التي بيّن فيها كاسترو خطأ يتعلق بمواصفات بندقية الصيد.

 

لقيت هذه الصداقة نقدا شديدا من كتاب آخرين يعتبرون حكم فيدل كاسترو دكتاتوريا، ويرون أن مكانة ماركيز الأدبية لا تسمح له بالتقرب من "طاغية"، وأبرز هذه الانتقادات كانت من البيروفي المعروف بميوله اليمينية ماريو فارغاس يوسا (نوبل 2011)، الذي وصف ماركيز عام 1976 بـ"تابع فيدل"، بعد أن كتب ماركيز كتاب "عملية كارلوتا، كوبا في أنغولا" تحت إشراف كاسترو.

 

أدباء الجزيرة والمنفى

الحديث عن الكتابة في كوبا ما بعد الثورة سيكون مختلفا. إذ ثمة أربعة أجيال أدبية منذ قامت الثورة إلى الآن، بعضهم بقي في الجزيرة، وبعضهم غادرها للمنافي، كالولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية، لينقسم الأدب الكوبي نفسه لما هو داخل الجزيرة وما هو خارجها الذي أصبح يعرف بـ"أدب الشتات".

 

اعتبر بعض النقاد، مثل خوسيه رودريغس فيو، وسيمور مينتون، أن أفضل الأدب الكوبي في النصف الأخير من القرن العشرين هو ذلك الذي يحاكي بدايات الفترة الثورية، أو تراجعها وليس ذلك الذي يحاكي ذروتها خلال عقدي الستينيات والسبعينيات. ولذلك فقد اعتبروا أن الروايات العظيمة والقصص القصيرة لأليخو كاربينتيير وخوسيه ليساما ليما وبيرخيليو بينييرا وغيرهم، تدين بطريقة ما للفترة الجمهورية التي سبقت عام 1959. أما روائيو الستينيات والسبعينيات كرينالدو أريناس وجييرمو روسالس وخيسوس دياس، فقد وضعوا الثورة وسط رواياتهم، تارة لإظهار جوانبها القاسية، وأخرى لتوثيق حطام المدينة الفاضلة.

 

في عقدي الثمانينات والتسعينيات، تعامل الروائيون -مثل ليوناردو بادورا، وخورخي إنريكي لاخي- مع الثورة بأسلوب مختلف، إذ حاوروها كجزء من الماضي. وفي حقل الشعر، بدأ بعض الشعراء أمثال راؤول إرناندس نوفاس ورينا ماريا رودريغس، بطرح أسئلتهم عن الثورة، مستفيدين من تحول النظام بشكل ما من عسكري لمدني، وكان ذلك في المجلة التي أنشؤوها بطريقة مستقلة باسم "الشتات"، التي بدأ يظهر فيها فعليا هذا التحول حتى يومنا هذا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

الفضول ينعش السياحة في كوبا

الفضول ينعش السياحة في كوبا

 

لم يكن للسياحة حضور واضح في كوبا حتى مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، حين انهار الاتحاد السوفياتي تاركا لكوبا أن تواجه أزمتها الاقتصادية وحدها.

 

كان على الحكومة الكوبية أن تفكر في بدائل أخرى، ففتحت المجال أمام القطاع السياحي وروجت له وطورته منذ بداية التسعينيات، ثم جعلت له وزارة خاصة عام 1994، إذ وجدت قبل ذلك التاريخ شركات سياحية في نطاق ضيق، حتى أصبح الاقتصاد الكوبي يتكأ على عكازتين: الطب والسياحة.

 

تعج شوارع هافانا بالفنادق، وقد تعجز عن إحصائها، لكنك لن تجد لافتة واحدة تشير إلى وجود ناد للقمار.

 

فندق راكيل في هافانا القديمة وهو مبنى قديم رممته الدولة (الجزيرة)

أماوري آرتسي مدير فندق برشلونة في مدينة سانتا كلارا، قال تعليقا على ذلك إن الحكومة الكوبية منعت إقامة نوادي القمار التي كان يملكها زعماء المافيا قبل الثورة، كما حققت الثورة إنجازا في السيطرة على تجارة المخدرات وترويجها في الجزيرة، وبذلك فهي لا تعاني من تلك المشكلة التي تعاني منها دول كثيرة في أميركا اللاتينية.

 

وبذلك نجحت الثورة الكوبية في توفير الأمن لمواطنيها أولا، ثم لسياحها الذين بإمكانهم التنزه في شوارعها حتى ساعات متأخرة من الليل على عكس الكثير من الدول المجاورة، كما أشار لذلك السائح الإسباني خيسوس لوبيس الذي قارنها بالمكسيك وكولومبيا حيث تعرض أصدقاؤه للسطو من قبل بعض أفراد العصابات، ويقول "هذا لا يمكن أن يحدث في كوبا مطلقا".

 

ولا يعني هذا خلو الجزيرة التام من المخدرات أو السياحة الجنسية، لكنها تبقى في إطار ضيق جدا وخصوصا إذا قارناها بتاريخ ما قبل الثورة، إذ أوشكت كوبا أن تشبه لاس فيغاس بسبب كثرة نوادي القمار فيها، وكانت حكومة باتيستا تطمح في "نقل موناكو إلى كوبا"، إلا أن موناكو ظلت مكانها وفرَّ ظلُّ لاس فيغاس من هافانا للأبد.

 

سيارة أجرة فورد من ثلاثينيات القرن الماضي، تجوب شوارع المدينة مع السيارح مقابل خمسين دولارا (الجزيرة)

فما الذي يجذب السياح -وأكثرهم من الأوروبيين- لكوبا؟

هل تكفي شواطؤها المطلة على الكاريبي، أو سياراتها ومبانيها القديمة التي جعلت البلد يحتفظ بنكهة خمسينيات القرن الماضي، بل حولت شوارعها لمتاحف ومعارض مفتوحة؟ وهل يكفي طعم السيجار الكوبي الشهير والرغبة في تجريبه، ومتاحف ومدن كوبا التاريخية للفت نظر السياح لهذا البلد الذي يعتبره الكثيرون معقل الشيوعية الأخير؟

 

يقول آرتسي إن وزارة السياحة الكوبية كانت قد أجرت استطلاعا للسياح عام 1999 بشأن سبب حضورهم لكوبا فكانت إجابة 600 منهم أنهم جاؤوا كي يتعرفوا على الجزيرة التي بقيت معزولة مدة طويلة حتى أثارت فضول الكثيرين لزيارتها.

 

استقبلت كوبا عام 2013 ما يزيد على المليون سائح، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد من قبل السياح الأميركيين بعد رفع الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي عنها، فهل كوبا مستعدة لاستقبالهم؟

 

طرحنا هذا السؤال على آرتسي، فلم نر منه ما يدعو للتفاؤل، إذ قال "لنقل إن كوبا الآن تستوعب  مليون سائح، وثمة نقص في بعض المواد لدينا في الفنادق. البطاطا على سبيل المثال، تتوفر فقط في مواسم زراعتها، أحيانا تنقصنا بعض المواد الغذائية في المدينة، أنا أتساءل كيف ستتمكن الدولة من استيعاب عدد كبير من السياح الأميركيين، والمعروف عنهم أنهم شعب مستهلك؟ ليس هناك سيارات أجرة كافية، المطار نفسه غير مهيأ لاستقبال الأعداد المتوقعة، ثم ماذا عن الإنترنت الذي تماطل الدولة في تسهيل استخدامه من قبل المواطنين؟ علما أن فنزويلا كانت قد أعلنت أن كوبا تستطيع مد كابلات من الكابل الرئيسي الموجود على أراضيها".

 

أوراق التبع بعد حصدها أثناء تجهيزها لصناعة السيجار الكوبي الشهير (رويترز)

ويمضي آرتسي في تساؤلاته: "كيف سيتعامل السياح أنفسهم مع هذه المعطيات؟ أعتقد أننا نحن الموظفين في وزارة السياحة سنواجه مشاكل في استيعاب أعداد جديدة، ولا أظن أن بإمكان الدولة في الوقت الحالي توفير اللازم لاستقبالهم".

 

ويعتقد رغم عدم تفاؤله بترتيبات الدولة أن هذا لن يمنع السياح، الأميركيين خصوصا، من التوافد على كوبا، التي تشكل لهم "الثمرة المحرمة"، التي كانوا ممنوعين من الاقتراب منها، "ثمة أربعة أجيال متشوقة لرؤية الجزيرة المعاقبة"، يقول ضاحكا.

 

في الوقت نفسه، فقد أتاحت الحكومة للمواطنين تأجير غرف في بيوتهم للسياح بعد أن كانت جميع تلك المرافق حكرا على الدولة، أو تحويل المنزل نفسه لنزل صغير.

 

أطفال من طلبة المدارس يتفقدون تمثايل لدببة بأحجام طبيعية زينت برسومات مبهجة (غيتي)

ورغم تحفظات آرتسي على كيفية استعداد الدولة بكل مرافقها لاستقبال الأعداد المتوقعة من السياح، فإن من السهل ملاحظة المباني التي ترممها الدولة في سبيل تحويلها لفنادق، سواء أكان ذلك في العاصمة الكوبية هافانا أو في المدن الأخرى. "الفنادق وحدها لا تكفي" يعلق آرتسي.

 

خيسوس لوبيس، عامل في مقهى خاص، أنهى دراسة سنتين جامعيتين ثم ترك الدراسة لتحسين أوضاعه المادية، يبدو متفائلا جدا فيما يخص التطور الذي سيطرأ على قطاع السياحة كما هو متوقع، ويعتقد أنه من الممكن أن نرى قريبا في شوارع هافانا مطاعم الوجبات السريعة المشهورة كماكدونالدز وكنتاكي، مؤكدا أن وجود تلك الاستثمارات في كوبا سيشغل الكثير من الأيدي العاملة وينعش اقتصاد البلاد.

 

بقي أن نقول إن من الواضح أن كوبا تتعامل مع السائح كطفل مدلل وتعامله معاملة خاصة كونه يشكل موردا اقتصاديا هاما، وربما تكون العملتان النقديتان الكوبيتان من أبرز الاختلافات التي يحار السائح الأجنبي نفسه في تفسير وجودهما، ففي حين يتعامل السياح بـ"سي يو سي" الكوبي والذي يعادل دولارا واحدا، فإن المواطن العادي يتعامل بـ"بيسو" الكوبي، ذي القيمة المنخفضة إذا ما علمنا أن كل "سي يو سي" يعادل ما قيمته 25 بيسوا كوبيا، وهي العملة التي تصرف بها الدولة رواتب الموظفين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

أسطورة الطب في كوبا

 أسطورة الطب في كوبا

 

اتفقت مع الطبيب الكوبي دافيد ليما كاريو على اللقاء في بيته بمقاطعة فيا كلارا الواقعة جنوب العاصمة الكوبية هافانا، لأن إجراء لقاء في المشفى الذي يعمل به يتطلب تصريحا رسميا وإجراءات معقدة.

 

وصلت منزله ووجدت لافتة لنزل صغير على بابه، ظننت نفسي قد تهت كعادتي في المدن الغريبة والكبيرة. طرقت الباب لأسأل فاستقبلني بابتسامة خفيفة، فهم حيرتي فبادر إلى التوضيح: " لا يزيد ما أتقاضاه عن 25 دولارا في الشهر، بالكاد يكفيني لمتطلبات الحياة الأساسية. كما ترين سمحت لنا الدولة بتحويل البيت إلى نزل صغير نستقبل فيه السائحين."

 

لا يفكر كاريو في مغادرة البلاد والبحث عن حياة أفضل خارجها، فهو يرى أن الطب مهنة إنسانية في المقام الأول ويقول "أفضّل البقاء مع عائلتي وفي بلادي على مغادرتها والعيش كمهاجر، فالولايات المتحدة التي يرحل إليها الكثير من الكوبيين لا تعترف بشهادتي كطبيب، وعلى الأغلب سأكون ممرضا في أحسن الأحوال، الأمر الذي أرفضه جملة وتفصيلا".

 

مرضى في مستشفى القلب بانتظار دورهم للعلاج حيث يحظى الكوبيون بالتعليم والعلاج المجاني لكافة المواطنين (رويترز)

لا تشكل مصدر دخل جيد للفرد في كوبا، مع أنها تشكل المصدر الأول لموارد الدولة كما يشير الكتاب السنوي لإحصائيات عام 2013، والذي عثرت عليه في المكتبة الوطنية بهافانا. يؤكد كاريو ذلك، حيث أخبرني أنه تم إيفاده إلى عدة بلدان كفنزويلا وأنغولا ومالي مع عدد من الأطباء الكوبيين، وفي كل مرة كانوا يبقون ما بين عامين وثلاثة.

 

جلوريا فرناندس، الموظفة في مؤسسة الخدمات الطبية الكوبية بهافانا كانت حدثتني عن مستوى الخدمات الطبية المتطور الذي تقدمه كوبا للدول الأخرى عبر إيفاد أطبائها للاستفادة من خبراتهم في أكثر من ستين دولة في العالم، حيث تكون العقود بين الدول، أما الأطباء الكوبيون فتبقى رواتبهم متواضعة كباقي موظفي الدولة.

 

واستوقفتني لفظة "تطور" في الأساليب الطبية، إذ من الصعب أن تقحم هذه الكلمة في ظل الحصار الاقتصادي الذي عانت منه كوبا على مدى سنوات طوال، فكان جوابها أن الدولة تحدّث الأجهزة والمعدات الطبية بمساعدة مهندسين صناعيين، وأحيانا يصنعون قطع غيار للمعدات الطبية أو يشترون الآلات والمعدات من أوروبا والصين واليابان بكلفة عالية، أما الآن فهي متفائلة بأن الحصول على المعدات سيكون أسهل وأقل كلفة حين يتم الشراء من الولايات المتحدة، لأن تكاليف النقل من أوروبا والصين مرتفعة جدا.

 

طبيب يفحص رضيعا في مستشفى 19 أبريل في هافانا حيث تشكو المرافق الطبية من ضعف التجهيزات والخدمات (غيتي)

تابعت الموظفة بحماسة الحديث عن التطور الطبي في كوبا والذي جعلها من الدول المنتجة للأمصال والتطعيمات -كمطعوم ضد سرطان الرئة- التي تبيعها كوبا للعديد من دول أميركا اللاتينية، كما حقق مستوى تدريس الطب فيها خطوات متقدمة جعلت الكثير من الدول ترسل طلابها للدراسة فيها، ليحقق الطب بجدارة المركز الأول للدخل القومي في الجزيرة.

 

ومن خلال جلوريا فرناندس عرفت أن تبادل الخبرات الطبية موجود وحاضر أساسا بين كوبا والولايات المتحدة، فالأطباء من كلا الجانبين كانوا يحضرون المؤتمرات الطبية في البلدين، وإن كان الانتقال يتم عن طريق بلد ثالث.

 

وبالعودة إلى الطبيب كاريو فقد عزا المستوى الطبي المتطور الذي بلغته بلاده إلى الثورة التي وضعت نصب أعينها تحسين الخدمات الطبية لجميع المواطنين، بحيث تكون مجانية وذات جودة عالية. ولو تتبعنا خطوات الطبيب في كوبا لوجدنا أن الواسطة والمحسوبيات في هذا المجال تكاد تكون معدومة، فلا يتابع الدراسة إلا الأكفاء، ثم إن التعليم المجاني للطب -وهو تخصص مرتفع الثمن في البلدان الأخرى- مهد السبيل أمام الراغبين في دراسته بغض النظر عن مستواهم المادي.

 

في سنوات الثورة الأولى هاجر الكثير من المتعلمين والأطباء إلى الولايات المتحدة، وقد استغلت الدولة من بقي منهم لتدريس كفاءات أخرى ونجحت في ذلك، فلم تستقدم أطباء من جنسيات أخرى، بل حققت ما وصلت إليه بجهود أبنائها. وذلك التطور الطبي تبعه تطور آخر -كما يقول كاريو- في معامل الأدوية، فكوبا تستورد المواد الخام كالنباتات الطبية والأعشاب من دول أخرى، أو تزرعها ثم تصنعها في معاملها، ليكون الدواء منخفض الثمن فيها، ثم يتم بيعه للدول الأخرى مما يشكل موردا اقتصاديا هاما.

 

العلاج الطبيعي في أحد مستشفيات كوبا (غيتي)

وإذا كانت شواطئ كوبا ومدنها تشكل عامل جذب للسياح، فإن مراكزها الصحية ومستشفياتها هي عامل جذب للمرضى الذين يقصدونها من كثير من الدول وخصوصا من أميركا اللاتينية لثقتهم بقدراتها الطبية، رغم ظروف الحصار الصعبة التي واجهتها. ويذكر كاريو في هذا المجال، المركز الصحي لأمراض القلب في سانتا كلارا الذي يعد من أفضل المراكز الصحية على مستوى العالم.

 

أما على المستوى الداخلي، فقد جعلت الثورة لكل 120 عائلة طبيبا خاصا من مهامه أن يتفقد العائلات المسجلة باسمه بشكل دوري، كما خصصت الدولة برامج للطفولة والأمومة والمسنين، وهذا يعني أن على الطبيب أن يتأكد بنفسه من أن الأطفال -مثلا- قد أخذوا تطعيماتهم بانتظام. كما أن عليه إجراء فحوص شاملة للأفراد المسؤول عنهم، لكون الجزيرة على مستوى البحر وأفرادها معرضون أكثر من غيرهم للأمراض.

 

لم يكن دافيد يبالغ في أي شيء مما قاله، فهو لم يذكر إلا ما تحض عليه القوانين الصحية الكوبية وما هو واقع، لكن الأمر يختلف إن عرضناه على الناس.

 

ماجدلينا -جارته الأربعينية- لا تعارض كلامه من الناحية النظرية أبدا، لكنها تعقب قائلة "صحيح أن الدواء منخفض السعر، لكن علينا أن ننتظر وصول المضادات الحيوية منذ ساعات الفجر الأولى لأن الصيدلية تخلو منها، أما سيارة الإسعاف فتصل بعد فترة متأخرة من الاتصال بها، أي بعد أن يكون المريض قد شارف على الموت".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

الموريسكيون الجدد في كوبا

الموريسكيون الجدد في كوبا

 

يؤكد المؤرخ الكوبي ريغوبيرتو مينندس باريذس رئيس بيت العرب الذي أسسته الحكومة الكوبية عام  1983، في إطار التأريخ للمدينة، أن أعداد الجيلين الثالث والرابع من العرب المهاجرين في كوبا تصل إلى أكثر من خمسين ألف نسمة.

 

إلا أن انخراط العرب في المجتمع الكوبي بشكل كبير يجعل الكوبيين أنفسهم يتفاجؤون من هذا الرقم، فأسماء العائلات العربية التي يمكن أن تشير إلى أصولهم قد تغيرت لتناسب طريقة النطق باللغة الإسبانية، بل إن بعض العائلات سجلت المعنى الحرفي للكلمة، كعائلة حرب التي تحولت إلى "غيرّا" (Guerra)، وهو المعنى المقابل بالإسبانية، أو عائلة درويش التي تحولت إلى "دريتشي"، وهي الكنية التي يحملها ألفريدو رئيس الاتحاد العربي وأخته ماريا.

 

ليس هذا هو السبب الوحيد في صعوبة الاستدلال على العربي في هذه الجزيرة القابعة في القارة اللاتينية، بل إن مهنة التجارة التي اشتهروا بها هناك قد اختفت من حياتهم بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، والتي كان من تبعاتها أن أصبحت جميع الاستثمارات بيد الدولة.

 

بيت العرب في هافانا وهو مبني على الطراز المعماري العربي (الجزيرة)

 

بدأ وصول المهاجرين العرب من بلاد الشام إلى كوبا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن باريذس يشير إلى أن كوبا كانت تمثل لهم الممر إلى بلدان أميركا اللاتينية الأخرى أو الولايات المتحدة، قبل أن تقرر كثير من العائلات البقاء والاستقرار فيها.

 

وخلافا لبلدان القارة الأخرى فإن الإشارة إلى العرب لم تقتصر في كوبا على تسميتهم بالأتراك فقط، بل عرفوا أيضا باسم "المورو"، في إشارة إلى الموريسكيين. وما تزال هذه اللفظة مستخدمة حتى الآن للتعريف بالعربي، وفي القرن الماضي كان يتم الخلط بينهم وبين اليهود البولنديين الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، فعرفوا أيضا بالبولنديين.

 

سريمة بوفييار إحدى المسؤولات في الاتحاد العربي وحفيدة ماريا دريتشي التي تدير الاتحاد مع أخيها ألفريدو -وهم كوبيون من أصل فلسطيني- تقول إن قسما كبيرا من العرب غادر كوبا إلى البيرو وتشيلي، ليس بسبب اتخاذ موقف معاد للثورة، بل لأن طموحهم كتجار أصبح محدودا، بينما يعتقد باريذس أن القليل منهم فقط قد غادرها، بل إن الأغنياء من اليهود هاجروا منها بعد انتصار الثورة إلى الولايات المتحدة.

 

وعند سؤالهما عن إمكانية عودة العرب للعمل بالتجارة من جديد وخصوصا بعد رفع الحصار عن كوبا والتعديلات الجديدة التي وضعتها الدولة على قانون الاستثمار، مفسحة المجال أمام التجارة الخاصة ولو على مستوى محدود، أجابا بأن هذا مستقبل لا يمكن التنبؤ به، إذ إن العرب ليسوا استثناء، وما يجري على الكوبيين يجري عليهم.

 

غير أن بعض المهاجرين الفلسطينيين واللبنانيين يرون أن كل شيء ممكن، إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار ما صرحت به الحكومية الكوبية من أنها لن تسمح بالتضخم الرأسمالي وتكديس الأموال عن طريق الانفتاح غير المدروس، على غرار ما حدث في دول اشتراكية أخرى مثل فنزويلا، حيث جمع كثير من التجار العرب ثروات ضخمة في أزمنة قياسية مستغلين الثغرات في القوانين الجديدة والفساد المنتشر في الحكومة.

 

مباني بنيت على الطراز المعماري العربي في العشرينيات وحتى الخمسينيات من القرن العشرين (الجزيرة)

 

التأييد المطلق الذي تحظى به الحكومة الكوبية من الجالية العربية له ما يبرره بطبيعة الحال، فمعظمهم حاصل على بعثات دراسية، وأوضاعهم مستقرة ولا يعانون من أي تهميش أو تمييز، بل على العكس تماما، ففلسطين التي يعتبرونها قضيتهم المركزية هي قضية كوبا أيضا، مما يجعلهم لا يكتفون فقط بدعم مواقف الحكومة وإنما يبررونها أيضا، رغم عدم حصولهم على الجنسية الكوبية التي لا يمنحها الدستور الكوبي للمهاجرين من أي بلد.

 

فهم يحيلون مشكلة عدم وجود شبكة إنترنت قوية في كوبا تصل جميع المواطنين إلى مشكلة تقنية، بينما يرى كثير من الكوبيين أنها مشكلة تتعلق بإرادة الحكومة الكوبية التي ترفض أن يتواصل شعبها مع بقية العالم إمعانا في عزله، أو خوفا من تسهيل حركات العمالة والتجسس من الجانب الأميركي.

 

كما يرى العرب أن رفع الحصار عن كوبا -رغم فوائده الكثيرة خصوصا على الاقتصاد الكوبي- جاء لصالح حكومة الولايات المتحدة التي رأت أن كوبا حققت انتصارات خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصة من خلال تحالف دول "الألبا" الذي واجه الولايات المتحدة. كما أن واشنطن لا تريد الخروج من مشروع المنطقة الحرة في ميناء المارييل خاوية اليدين، بل إنها تحاول حجز موقع لها لتحسين اقتصادها.

 

ويرون أيضا أن كوبا تعمل على تعزيز الجبهة الداخلية وتقويتها حاليا، نظرا لأن اختراق أرضها من قبل الولايات المتحدة سيكون أسهل، الأمر الذي يعكس توجسا ما زال قائما من قبلها.

 

يؤيد الكثير من الكوبيين وجهة النظر تلك، لكنهم يجرُؤون -أكثر من العرب على الأقل- على التصريح ولو بصوت خافت بأن الحكومة الكوبية نفسها تفاجأت بخبر رفع الحصار كغيرها من ملايين المشاهدين في العالم الذين استمعوا لخطاب أوباما التاريخي الذي صرح فيه برغبة الولايات المتحدة في رفع الحصار، وأنه في الوقت نفسه أربك الحكومة الكوبية التي لم تجرِ أي ترتيبات مسبقة من أجل الوضع الجديد.

 

فندق إشبيلية في هافانا القديمة وهو مبني على الطراز العربي أو الموريسكي (الجزيرة)

 

بيذرو يحيى رئيس الائتلاف الإسلامي وهو مؤسسة مستقلة عن المؤسستين السابقتين (الاتحاد العربي وبيت العرب)، أبدى تحفظا شديدا في ردوده، متخذا من الصحافة -كغيره من المسؤولين في كوبا- موقفا حذرا، ومع هذا فقد صرح بأن هناك ثلاثة آلاف مسلم من أصل كوبي في الجزيرة، فضلا عن قلة من العرب، وأنهم دخلوا الإسلام عن طريق قراءة القرآن الكريم وكتب تناقش الإسلام، بل إن مصحفا قديما كان موجودا في الكنيسة التي يرتادها كان سببا في اعتناقه الدين الجديد ثم تأسيسه الائتلاف عام 2000 بدعم من حكومة بلاده التي يؤكد أنها لا تضايق أصحاب الديانات المختلفة، بل ثمة مؤتمرات ولقاءات عن الأديان تعقد بها ويحضرها رجال دين من كل مكان وحتى من الولايات المتحدة.

 

وبينما يقع مقر الائتلاف الإسلامي في شقة بسيطة بحي شعبي في العاصمة هافانا، يملك الاتحاد العربي بشارع البراذو الشهير في هافانا القديمة مبنى تمتزج فيه أساليب العمارة العربية والكولونيالية والكوبية، ككثير من المباني الأخرى المنتشرة في الأحياء القديمة من هافانا. أما مبنى بيت العرب أو متحف بيت العرب فهو يمثل أيضا معلما سياحيا في المدينة القديمة بالعاصمة الكوبية، ويظهر عليه الطراز المعماري العربي الذي انتشر في كوبا أوائل القرن العشرين، إذ كان البناء على الطراز الأندلسي العربي هو الموضة التي انتشرت في ذلك الوقت، وكان كثير من المهندسين الذين أشرفوا على البناء منحدرين من مدن جنوب إسبانيا المشهورة بعماراتها العربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

الأديان تتصالح في كوبا الشيوعية

الأديان تتصالح في كوبا الشيوعية

 

حينما أخبرني أصدقائي الكوبيون الذين زرتهم في مدينة ريميذيو بكوبا أن الأوعية الغريبة التي رأيتها على عتبات بيوتهم ما هي إلا أحراز يصنعها لهم عرابوهم في المدينة لحمايتهم ومنحهم القوة والطاقة لم أستنكر الفكرة الموجودة بطريقة ما في تراثنا، ولو أن الدين الإسلامي في الأغلب حد كثيرا من ظهورها.

 

غير أن الفزع انتابني حين أخبروني أن تلك الأحراز ما هي سوى "أموات"، استبدلوا الكلمة سريعا حين رأوا دهشتي بـ"أرواح". سألت: أرواح آدميين؟ فقالوا بل بها دماء حيوانات تفيد كثيرا في إمداد الحرز بالطاقة والقدرة اللازمتين لحماية الأشخاص والبيوت، بجانب الأحراز كأس من الماء أو كأس من مشروب الرون الكحولي أو سيجار تقدم كضيافة للأرواح، على جدران البيت ذاته صلبان وتماثيل لأيقونات من الديانة الكاثوليكية.

 

صلاة العيد في كوبا  (الجزيرة)

 

سألت إن كان تصويري للأحراز سيزعجها، فأشاروا لي أن ألقي على الأرواح فيها التحية أولا. جلسنا القرفصاء، طرقنا الأرض بقبضات أيدينا أكثر من مرة كأنما نطرق بابا نستأذن أصحابه في الدخول. صديقي مانويل بيريس قدمني لهم أولا وأومأ لي بعينيه كي أقدم نفسي بعد تحيتهم، فعلت والتقط الصور، صور أرواح كانت يوما دجاجة، أو ديكا، أو خنزيرا.

 

توجهنا معا لمنزل الأب الروحي أو العراب "خيلبيرتو بيستانو" الذي يعد هذه الأحراز لبعض أفراد المدينة، إذ ثمة آخرون يحترفون هذا العمل، وعلى الأشخاص اختيار من يثقون بهم من العرابين، كان علينا أن نحجز موعدا، إذ إنه من غير اللائق ازعاج العرابين وهم مشغولون بتحضير "قديسين" لمنحهم لمريديهم، كما أنه من غير المقبول أبدا أن تناولهم مالا مباشرة في أيديهم، بل عليك أن تترك المبلغ المتفق عليه -وعلى الأغلب التسعيرة معروفة ورخيصة- في مكانه المخصص بحجرة العرابة.

 

الحجرة الصغيرة -التي يستقبل بها العراب زائريه- مليئة بتماثيل وأيقونات مسيحية وأفريقية، وريش يرمز للسكان الأصليين في كوبا، لكن الأهم هو بعض الأصداف التي يلقي بها كأحجار النرد على مفرش الطاولة ليكشف شخصية الزائر أو يتنبأ بمستقبله، ثم يخبره باسم القديس الكاثوليكي الذي يحرسه، ومقابله من الآلهة الأفريقية "أوشوم"، وتختلف الأحراز باختلاف الأشخاص وحاجاتهم.

 

لا يرى مانويل بيريس وماريا غونسالس اللذان لا يحملان أي ملامح أفريقية تناقضا في ممارسة كلتا الديانتين، ولهذا تاريخ قديم.

 

أيقونات من الديانة الإفريقية (الجزيرة)

 

يسمى هذا المزج بين الديانتين "سانتيريا"، إذ هاجرت هذه الديانة الأبرز إلى كوبا مع الأفارقة النيجيريين الذين تمتد جذورهم لقبيلة اليوروبا في أفريقيا أواخر القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19، وقد جلبهم الأوروبيون كعبيد إلى كوبا والبرازيل للعمل في مزارع السكر، وسرعان ما سميت عبادتهم "لوكومي" نسبة للتحية اليوروبية "أولوكو" التي تعني "يا صديقي".

 

وفي الوقت الذي سمحت به القوانين الإسبانية بالعبودية حاولت أن تظهر بعض التسامح مع العبيد بمنحهم بعض الحقوق لممارسة طقوسهم الدينية، ولو من الناحية النظرية، كان لديهم الحق في الملكية الخاصة، وممارسة تقاليدهم في الزواج والحفاظ على سلامتهم الشخصية. مع هذا، فقد كانت القوانين تلزمهم بالتعميد الكاثوليكي كشرط لدخولهم الشرعي جزر الهند الغربية.

 

حاولت الكنيسة تنصير الأفارقة اللوكومي، لكن النقص الكبير في عدد الكهنة والظلم الذي تعرض له العبيد جعلاهم لا يتقبلون كلام القساوسة ودروسهم عن المسيحية التي مارس أتباعها -حينذاك- كل أنواع الاضطهاد عليهم، ولهذا فقد اعتنقوا الكاثوليكية ظاهريا، بينما احتفظوا بإيمانهم وعقيدتهم في الباطن.

 

وفي جهودهم لإخفاء الممارسات الدينية والسحرية الأفريقية جعل اللوكوميون القديسين الكاثوليكيين مكان آلهتهم الأفريقية الخاصة بهم (أوريشاس)، مما أدى إلى التوفيق بين المعتقدات الدينية التي أصبحت تعرف اليوم باسم "سانتيريا".

 

مسلمات في كوبا (الجزيرة)

 

مع انتصار الثورة الشيوعية في كوبا عام 1959 هاجر أكثر من مليون كوبي إلى بلدان أخرى، خصوصا الولايات المتحدة، وكان من بينهم معتنقو "سانتيريا" الذين نشروها في بيئاتهم الجديدة، كميامي ونيويورك ولوس أنجلوس.

 

فيما ضيقت الحكومة الكوبية العلمانية على الديانات بشكل عام -ومن ضمنها "سانتيريا"- التي اعتبرت طقوسها نوعا من الشعوذة والسحر، لكن الأمر تغير في حقبة التسعينيات، إذ خففت الكثير من القيود، ومع أن القوانين التي تمنعها لم تلغ تماما إلا أن الحكومة أصبحت تغض الطرف عن تلك الممارسات حتى أن بعض السياح يأتون كوبا قاصدين عرابيها لمساعدتهم على تأمين الأحراز، خصوصا أن قتل الحيوانات التي يستخدم دمها في الحرز ليس ممنوعا.

 

صحيح أن "سانتيريا" هي أشهر ديانة في كوبا إلا أن الكنيسة الكاثوليكية قدرت أن 60% من الكوبيين يعتنقون الكاثوليكية، كما يتواجد في كوبا أصحاب ديانات أخرى، كالبروتستانت، وشهود يهوه، والسبتيين، والإنجيليين، والمعمدانيين، إضافة للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والأرثوذكسية الروسية.

 

وهناك أقليات أخرى كاليهود والبوذيين والبهائيين، وكنيسة مسيح قديسي الأيام الأخيرة، إضافة لثلاثة آلاف مسلم من أصل كوبي يتعايشون بسلام في ما بينهم، خصوصا بعد أن سمحت الدولة بحرية المعتقد وعقد المؤتمرات الدينية التي يجتمع فيها ممثلو كل ديانة.

 

أما بالنسبة للمسلمين فلهم اتحاد خاص ومقر يترأسه يحيى بيذرو في هافانا، بل إنهم يقيمون صلاة أعيادهم في أحد أكبر شوارع هافانا وهو شارع "إلبراذو"، كما أكد يحيى أنهم بصدد التخطيط لبناء أول مسجد للمسلمين بدعم من تركيا، وموافقة كاملة من الحكومة الكوبية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

الكوبيون في أميركا.. تفاؤل منزوع الثقة بالتقارب

الكوبيون في أميركا.. تفاؤل منزوع الثقة بالتقارب

 

طارق عبد الواحد - ديترويت / الولايات المتحدة

 

يتطلع الكوبيون الأميركيون والكوبيون المقيمون في الولايات المتحدة بتفاؤل حذر نحو تحسين العلاقات بين أميركا ووطنهم الأم، وإنهاء عقود من الخصومة اللدودة بينهما، آملين أن يسفر هذا التقارب عن نتائج حقيقية تخفف أعباء الأزمة الاقتصادية عن كاهل الشعب الكوبي، وأن تفتح أمامه نافذة نحو الحرية والديمقراطية.

 

كما يأملون أن يتمكن البلدان من تطبيع العلاقات السياسية والدبلوماسية بأسرع وقت ممكن، والسعي نحو حلحلة جميع المسائل والقضايا المتعلقة بحظر السفر والتجارة بين البلدين، وإنهاء حالة التوتر السياسي والأمني المفروضة من قبل الحكومتين الكوبية والأميركية والتي تلقي بظلالها الكثيفة على الكوبيين جميعهم، داخل الجزيرة وخارجها.

 

وفي هذا الشأن، تتابع الكوبية الأميركية ماريا فازكويز تطورات الأوضاع السياسية ومستجداتها باهتمام شديد آملة أن يقود هذا التقارب إلى إحداث تغير حقيقي يوفر على الكوبيين جميعهم، والكوبيون في الولايات المتحدة بشكل أخص، تبعات العداء والخصومة بين البلدين وما ينتج عنها من عراقيل تحول دون تواصلهم مع وطنهم الأم بشكل طبيعي، كحال جميع العرقيات الأخرى التي قادتها ظروفها إلى لهجرة إلى أميركا والإقامة فيها. 

 

فازكويز التي تمتلك وتدير مع ابنها مطعما للمأكولات الكوبية بمدينة ديترويت بولاية ميشيغن، قالت للجزيرة نت: "بعد كل هذه السنين لا أفهم ما الذي يحصل، فالقاصي والداني يعرف أن النظام الكوبي لن يتأثر بقيود الحظر والعوائق الأمنية. وحدهم الكوبيون يذوقون الأمرين ولا أحد يهتم لذلك، فخلال غربتي الطويلة لم أتمكن من زيارة أهلي وأقاربي إلا مرتين فقط، وقد حصل ذلك بعد جهد جهيد".

 

مواطنون أميركيون جدد يؤدون يمين الولاء للولايات المتحدة ومن بينهم عدد من الكوبيين (غيتي)

وكانت فازكويز فضلت مغادرة كوبا مع زوجها والبدء بحياة جديدة في أي مكان، بعدما قامت الحكومة الكوبية بمصادرة أعمال عائلتها وعائلة زوجها مباشرة بعد تسلم الرئيس فيديل كاسترو مقاليد حكم الجزيرة، ووصلت إلى الولايات المتحدة في العام 1976.

 

وحول صعوبات سفر الكوبيين إلى وطنهم الأم، قالت: "إن المسألة معقدة جدا بسبب عدم وجود سفارة كوبية في واشنطن، فضلا عن أن الكوبيين يتكبدون الكثير من التكاليف للحصول على تأشيرات السفر عبر وكالات سفر مختصة، ثم هنالك موافقة الحكومة الكوبية الأمنية، وهذه لوحدها مسألة شائكة ومريرة".

 

وأضافت، "في آخر مرة، فشلت في الحصول على تأشيرة سفر لحضور جنازة أختي رغم أنني كنت قد زرت كوبا مرتين، لكن السلطات الكوبية رفضت منحي التأشيرة لسبب لا أعلمه، فهم مزاجيون".

 

وحول إمكانية أن يوفر التقارب بين كوبا والولايات المتحدة إمكانيات وفرصا استثمارية أمام الكوبيين الأميركيين، ضحكت فازكويز وقالت بأسى: "لا أعتقد أن الجيل القديم من المهاجرين سيفكر بالاستثمار في كوبا، فالكثيرون منهم، حالهم حال عائلتي وعائلة زوجي، خسروا أعمالا وأملاكا بسبب سياسات التأميم التي انتهجتها الدولة في ذلك الوقت، ولا أظن أنهم سيجازفون بأموالهم مرة أخرى". واستدركت بالقول، "ربما يكون هذا الأمر ملائما أكثر للمستثمرين الأميركيين".

 

العلم الكوبي مرفوعا فوق أحد مكاتب المنظمات الكوبية وهي منظمة جونتا الوطنية بمدينة ميامي الأميركية (الجزيرة)

 

وفي موضوع الحوالات المالية إلى أهالي وأقارب المغتربين، قالت: "مسموح للكوبيين أن يحولوا مبالغ إلى أقاربهم المباشرين فقط (أزواج، آباء، أبناء، إخوة) وغير مسموح إرسال الأموال إلى الأقارب البعيدين أو الأصدقاء، كما أن معظم الكوبيين لا يقومون بإرسال مبالغ كبيرة كنوع من الاحتياط  وتجنب المشاكل والمساءلات".

 

بدوره، يراهن الشاب روبرتو تورو مارتن (28 سنة) على تطبيع العلاقات بين البلدين لكي يتمكن من زيارة وطنه الأم ضمن ظروف طبيعية، بعيدا عن الضغوط التي تمارسها الحكومة الأميركية على الكوبيين.

 

وحول السفر إلى كوبا، قال مارتن: "يقولون إن الحكومة الأميركية أصبحت أكثر تساهلا في هذا الموضوع بعد العام 2004، ولكن قبل ذلك العام اضطررت إلى زيارة كوبا سرا، وعندما عدت الى الولايات المتحدة عبر كندا، استوقفتني سلطات الهجرة واستجوبتني لمدة أربع ساعات. لقد سألوني كل أنواع الأسئلة وحاولوا ترهيبي وألقوا بالأوراق في وجهي".

 

وأضاف الشاب الذي يدرس تصميم ألعاب الفيديو ويعمل نادلا بمطعم كوبي في الوقت ذاته: "لقد كان أمرا مذلا، فأنا أحمل الجواز الأميركي ولكنني كوبي أيضا، ولا أستطيع الاعتراف بأنني كنت في زيارة لوطني. لقد كذبت عليهم رغم الضغوطات، ولم يكن أمامي أي خيار آخر سوى الكذب".

 

صور ملتقطة بكوبا لأفراد عائلة تمتلك مطعما بمدينة ديترويت (الجزيرة)

وحول الأسباب التي دعته إلى السفر سرا، والتسلل إلى الجزيرة، قال: "وقتها لم أستطع الحصول على تأشيرة لزيارة كوبا، وكنت أرغب أن أقوم بتلك الزيارة بشدة. الحكومة الكوبية لم تمنحني التأشيرة، والحكومة الأميركية كانت تفرض حظرا على السفر، كما أنها كانت تفرض غرامات مالية على المسافرين إلى كوبا، وكانت الغرامة بحدود سبعة آلاف دولار".

 

وتورو مارتن المولود في كوبا والذي قدم مع عائلته في سن الرابعة عشرة، أكد على جدية النظام الكوبي بعودة العلاقات مع الولايات المتحدة بالقول: "أعتقد أن نظام راؤول كاسترو جاد، ليس من أجل الكوبيين فهو لا يأبه لهم، ولكنه يعاني من العزلة والتردي الاقتصادي، أعتقد أن له مصلحة حقيقية بإقامة علاقات مع أميركا".

 

وحول فرص الاستثمار الممكنة في كوبا، قال: "أعتقد أن الحديث حول هذا الموضوع مازال مبكرا، الاستثمار بحاجة إلى بناء ثقة، وبناء الثقة يحتاج إلى مزيد من الوقت".

 

وتستقطب أخبار التحولات السياسية والجدل الدائر حولها اهتمام الكوبيين الأميركيين، ومن بينهم الشاب إدي بيرتو (33 عاما) الذي بحسب قوله لم يكن يلقي بالا لهذا الموضوع من قبل.

 

وقال بيرتو -المولود لأبوين كوبيين والذي لم يزر كوبا مرة في حياته، فضلا عن أنه لم يكن يخطط للسفر إلى كوبا مطلقا لتجنب التعقيدات الإدارية والمشاكل التي قد تنشأ عنها، سواء من قبل الأميركيين أو من قبل الكوبيين-: أعتقد أنه "حان الوقت لأقوم بهذه الزيارة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

طريق طويل نحو مصالحة حقيقية

طريق طويل نحو مصالحة حقيقية
لويس بريسويلا برينغس
صحافي وكاتب كوبي*

 

 

يقول المثل القديم: طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، في الـ17 من ديسمبر/كانون الأول 2014، قررت كوبا والولايات المتحدة طي صفحة من العلاقات المضطربة، والبدء بكتابة فصل معقد جديد.

وكثمرة لهذا التقارب، فقد عاد العملاء الكوبيون، من المجموعة المسماة عالميا باسم "الخمسة"، والذين اعتبرتهم كوبا أبطالا ومناضلين ضد الإرهاب. وقد وجدوا متسللين في مجموعات متطرفة -في الأراضي الأميركية- كانت تمول وتنفذ خططا ضد عمدة جزر الأنتيل.

ومنذ العام 1998 وهم يقبعون في سجون الولايات المتحدة. شهدت محاكمتهم انحيازا من قبل بعض الوكالات الدولية، ودفعت بالشعب الكوبي وجمعيات التضامن الدولية للمطالبة بالإفراج عنهم.

كما أعيد ألان غروس إلى واشنطن، بعد أن أدانه القضاء الكوبي بتهمة تقديم وتوزيع معدات لإقامة شبكات سرية للإنترنت في كوبا، واعتبر أوباما حينها أن حبس غروس -المتعاقد مع وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية منذ عام 2009- عقبة رئيسة في تعثر المحادثات مع كوبا.

 

كاسترو مع الثوار وهي موجودة في متحف الثورة (الجزيرة)

نهج جديد.. أهداف متشابهة

أقر أوباما بفشل "سياسات عزل الجزيرة، ومنع الأشخاص الذين يعيشون في الولايات المتحدة من السفر هناك"، إذ أكد أنها لم تجدِ. وأوضحت حكومته أن النهج الجديد يتيح "للمواطنين الكوبيين الحصول على عدد من السلع بأسعار منخفضة لتحسين مستوى حياتهم وتحقيق أكبر قدر من الاستقلال الاقتصادي للبلاد، وبالتالي تطبيق حقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية".

يعتبر هذا الاستقراء في هافانا اعترافا ضمنيا بتغيير النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وتقويضا للنظام الاشتراكي، ومن المتوقع افتتاح سفارات في هافانا وواشنطن خلال الأشهر القادمة. إضافة إلى ذلك، فسيرفع البيت الأبيض كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

كما أعلن الرئيس الأميركي إجراءات لتعزيز التجارة، منها تسهيل زيارة مواطنيه للجزيرة، وأيضا السماح لمؤسسات مالية أميركية بفتح حسابات في البنوك الكوبية، وسيسمح باستخدام البطاقات الائتمانية الصادرة من الولايات المتحدة.

وقد ارتفعت التحويلات المالية من 500 دولار إلى 2000 دولار كل ثلاثة أشهر. وهذا أمر مهم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المواطنين الكوبيين يتلقون كل عام ملياري دولار من عائلاتهم في الولايات المتحدة. كما أُعطي الضوء الأخضر لاستيراد مواد بناء وسلع للقطاع الخاص ومعدات لصغار المزارعين.

وسُمح لشركات الاتصال السلكية واللاسلكية بالاستثمار وبيع الخدمات، والبرمجيات والمعدات للشركات الكوبية، ما سيسهل على الكوبيين الوصول إلى شبكة الإنترنت، إذ إن أكبر جزيرة في الكاريبي تتميز بأدنى معدلات انتشار الإنترنت في العالم، بسرعة بطيئة جدا وتعرفة مرتفعة الثمن أدناها ستة دولارات للساعة الواحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن متوسط الأجور 20 دولارا.

بل إن حكومة الولايات المتحدة أبدت رغبتها في التعاون مع كوبا في عدد من القضايا، كالهجرة، والمخدرات، وحماية البيئة، والاتجار بالبشر.

من جهته، أكد راؤول كاسترو أنه من أجل تحسين المناخ الثنائي ينبغي رفع الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي "سبب خسائر إنسانية واقتصادية فادحة للبلاد". واقترح على نظيره الأميركي تطبيع العلاقات على أساس مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وأقر بالخلافات العميقة فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، والديمقراطية وحقوق الإنسان والسياسة الخارجية، لكنه أكد على إرادة كوبا تأسيس "حوار محترم، قائم على المساواة في السيادة من أجل معالجة المواضيع المختلفة على أساس المعاملة بالمثل، دون المساس بالاستقلال الوطني وحق تقرير مصير شعبنا".
 

واحد من خطابات قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو الجماهيرية عام 1970 (رويترز)

جسور على مياه مضطربة

يجد استئناف العلاقات الديبلوماسية بين كوبا والولايات المتحدة تأييدا كبيرا من الطرفين، إذ تشير استطلاعات رأي أن 60% من الأميركيين يعتبرون هذا التقارب أمرا إيجابيا، فعند توليه منصبه عام 2009، خفف أوباما بعض القيود ليتمكن الكوبيون من السفر وتحويل أموال إلى عائلاتهم في كوبا، كما فرض إجراءات جديدة من أجل لم شمل الأسر الكوبية.

وبالنسبة لقطاع العمل، فمن المؤكد أن الزيادة في تصدير المنتجات الأميركية ستزيد من فرص العمل الجديدة. كما ستزيد الخطوط الجوية الأميركية من رحلاتها لكوبا وسيتمكن الأميركيون من زيارتها ومعرفة بلد ظل مغلقا أمامهم مدة خمسين عاما. الأمر الذي سينعكس إيجابا على السياحة، وسيزيد دخول رؤوس أموال جديدة للبلاد، ما سينهض باقتصاد كوبا الهش.

رغم ذلك، ففي كلا البلدين، ثمة أصوات مترددة بقبول التغيير، وعلى سياسة التقارب أن تدفن تلك الأصوات والمواقف المتطرفة، التي رسخت الخطابات العدائية وكانت عقبة في تأسيس علاقات طبيعية. فشعبا كوبا والولايات المتحدة، لا يستحقان قضاء نصف قرن آخر من الخصام، ولم يكن ليكسره خلال تلك السنوات سوى الموسيقى والفنون والأدب.

أظهرت وثائق رفعت عنها السرية، أن الغاية من فرض الحظر على كوبا كانت "خلق استياء شعبي وتجويع السكان"، فقد افترضت حكومات الولايات المتحدة السابقة أن الشعب الكوبي سيعاني من كثير من الصعوبات وسيتكبد اقتصاد كوبا خسائر بمليارات الدولارات.

لذلك فإن قرار الرئيسين كاسترو وأوباما، ينطوي على جانب كبير من الشجاعة السياسية، ويمثل فرصة لهدم الجدار الفاصل بين البلدين. بيد أن الأمر لن يكون بهذه السهولة كما أعلن أوباما. "التغيير صعب، في حياتنا الخاصة وفي حياة الأمم. وتزداد صعوبته حينما نحمل ثقل التاريخ على أكتافنا". ووافقه الزعيم الكوبي بقوله: "علينا أن نتعلم فن التعايش بطريقة حضارية، رغم اختلافاتنا".

*لويس بريسويلا برينغس، كوبا-1980، صحافي وكاتب كوبي، أنهى دراسته الجامعية من جامعة هافانا في الصحافة، وحصل من نفس الجامعة على شهادة الماجستير في العلوم السياسية عام 2011، وعمل مراسلا صحافيا في سوريا من نوفمبر 2012 وحتى سبتمبر 2013. يعمل حاليا في وكالة أخبار (برينسا لاتينا)، أو (صحافة لاتينية).

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

كوبا وأميركا... أن تكون أو لا تكون

كوبا وأميركا... أن تكون أو لا تكون
لويس مانويل بيريس بويتل
 كاتب ومحام كوبي

 

 

"أن تكون أو لا تكون"، هذا هو السطر الأول من مناجاة هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة. ربما يكون هذا التساؤل هو الأنسب، لمعرفة حقيقة مستقبل العلاقات الكوبية الأميركية في إطار المشهد السياسي اليوم. طريق وعر كانت قد سلكته كوبا منذ انتصار ثورتها عام 1959، حيث ظل قوس العلاقات الثنائية بينها وبين الولايات المتحدة مشدودا.


كأنما مسحت سنوات الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو والرؤساء الأميركيين الذين سبقوا باراك أوباما في غمضة عين، وفي جلسة واحدة، فقد تفاجأ المجتمع الدولي بعد خمسة عقود من الخصام بتصريحات أوباما وراؤول كاسترو رئيس مجلس الدولة والوزراء الحالي في الجزيرة. كما أظهر كلا البلدين استعدادهما لفتح مقرات دبلوماسية في كل بلد.


حوار كان قد اختمر في كندا، ودعمته وساطة الفاتيكان، فيما ناقشت الصحف ووسائل الإعلام الأخرى هذه المحادثات السرية، وأشارت للتحسن والتفاهم الحاصل بين البلدين.

لقاء جمع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وبابا الفاتيكان فرانسيس عام 2012 في كوبا  (سوشيتدبرس)


بداية مفتوحة

بدأت نتائج الاستنزاف الاقتصادي الذي عانى منه الشعب الكوبي منذ تطبيق الحصار الاقتصادي القاسي بالظهور منذ تسعينيات القرن الماضي، حين اختفى المعسكر الاشتراكي، مما أدى إلى تدهور الاقتصاد في الجزيرة.


وفي الوقت الحالي، قد يهيأ لنا أن كل شيء قد تم حله، وأن حياة الشعب الكوبي المشتت عائليا، والمنهك بسبب نقص الأجور، والوضع الاقتصادي البائس وغير المستقر، سوف تتحسن. ولذا فلنا أن نتساءل عن مكاسب إعادة العلاقات التي أعلن عنها كلا الرئيسين في 20 ديسمبر/كانون الأول 2014، من منظور شعبي.


حققت جولة المحادثات التي عقدت في يناير/كانون الثاني 2015، في هافانا تقدما ما من قبل وفدي البلدين في الاجتماعات السرية، دون التوصل لاتفاق نهائي بشأن المواضيع المطروحة، كما أكدت مساعدة وزير الخارجية لشؤون غرب الكرة الأرضية روبرتا جاكوبسون بقولها "الاختلافات بين الولايات المتحدة وكوبا لا ينبغي أن تكون سببا في انعدام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين". فالبقاء دون نتائج نهائية كان السمة المهيمنة للمحادثات، إضافة لاتفاقات تضمن استقرار موقع كل منهما، وفق تشريع القانون الدولي العام الذي سيعدل بواسطتهم.

 

فرقة موسيقية أميركية تعزف في أحد شوارع هافانا العام الماضي، وهي أول فرقة أميركية تدخل كوبا (غيتي)

مع هذا، يبدو أن المسألة لا يمكن أن تحل بشكل فوري انطلاقا من العديد من السياسات المتشددة التي باعدت بين الشعبين. فقد أعلن أوباما نفسه عدم فعالية السياسة الخارجية التي اتخذتها الحكومات الأميركية السابقة، واعترف بأهمية البحث عن طرق أخرى لتطور الشعب الكوبي. وفي حين كان يعلن ذلك، نظر بعض المحللين السياسيين بارتياب لتلك التفاهمات، فيما صفق آخرون لتلك المبادرة.

 

وقد كشفت جاكوبسون أنه لم يكن ضمن خطة الحكومة الحالية للولايات المتحدة تغيير سياستها المفترضة أثناء حكومة جورج دبليو بوش، بناء على طلب من وزارة الخارجية، وليس بناء على مبادئ القانون. وأضافت أن هذه المسألة "تعكس وجهة نظر الأميركيين، وهي حق سيادي، لكن في وجود تناقضات، فستكون خاضعة للنقاش".

 

ففي العقود الخمسة الماضية طرأت موضوعات تود كل دولة وضعها على طاولة الحوار، في محاولة لتحقيق التوازن، عن طريق تطبيق آليات كل رئيس، والتي من شأنها المساهمة في تفعيل سياسة حكومته انطلاقا من المصلحة القومية.

 

متظاهرون كوبيون يطالبون الرئيس الأميركي باراك أوباما بفتح علاقات مع كوبا  (الأوروبية)

توجس

من وجهة نظر داخلية للجزيرة، لا أعتقد أنه فقط بتحقيق مصالح الرؤساء ستلتئم الجروح الاقتصادية والثقافية والسياسية التي وجدت بين الجيران القريبين. وسيكون هناك حاجة لصيغ داخلية محلية من أجل وضع هيكلية وخطط اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار الصراعات الداخلية الموجودة أساسا، كي يستفيد المواطن الكوبي مباشرة ويساهم في "تحصين" الدولة التي هي الشاهد على الثورة الكوبية.

 

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، أعتقد أن شجاعة أوباما لن تتمكن من إعادة صياغة التناقضات الواضحة في الكونغرس من أجل الموافقة أو إلغاء القوانين التي تحدد سياسة البلاد الخارجية، كقانون الضبط الكوبي. فالرئيس لديه السلطة التنفيذية، التي من المفترض أن يحل خلالها معضلة هاملت القديمة، لتحقيق توازن مصالح أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب.

 

في حين تشير الصحافة الكوبية لمناخ محترم وبناء، بالنسبة لـ"أول" تطور بين الحكومتين. فقد أشار يوري غالا، في برنامج "الطاولة المستديرة"، إلى أنه بقي الكثير من المواضيع التي تتطلب حلولا، وأن عملية التطبيع ستكون معقدة. وأضاف، أن النقطة الأهم هي رفع الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي، وتصور وجود عقبات في عملية التقارب بين البلدين. كما ذكَّر أن وزارة الخارجية الأميركية أدرجت كوبا في قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي.

 

عسكريون كوبيون أمام نصب للثائر تشي غيفارا بعد إحياء الذكرى 46 لوفاته في كوبا (أسوشيتد برس)

وفي الحقيقة، فإن حل المشاكل الموجودة اليوم في نظام راؤول كاسترو، يتطلب مراجعة أكبر، وقراءة تأملية، من منظور الجزيرة الداخلي من أجل حل مشكلة الركود الاقتصادي الذي تسببت به رؤيتها الاقتصادية، إذ لم تظهر أي تغييرات مهمة منذ تنفيذ المبادئ التوجيهية للسياسة الاقتصادية والاجتماعية، التي تمت الموافقة عليها في إطار المؤتمر الأخير لحزب كاسترو.


وهذا يقودنا لوضع النموذج الاقتصادي الذي تبنته الدولة موضع تساؤل، إذ أصبحت المشاكل الداخلية الأخرى التي ليس لها علاقة بالحصار تنسب إليه.

 

ولهذا علينا ألا نعتقد أن هذا التقارب بإمكانه حل جميع المشاكل التي تلقي بثقلها على النظام الاقتصادي الكوبي، لأن الحصار لم يكن السبب الوحيد والمباشر في تراجع اقتصاد البلاد.

 

كما أنني لا أعتقد أن القضايا التي أشار لها أوباما فيما يتعلق بفشل سياسة العدوان ضد نظام الأخوين كاسترو صحيحة، فالجزيرة قد عانت فعليا من أضرار اقتصادية -وهذا واضح تماما- بل ما حصل هو عكس ما قاله الرئيس الأميركي.

 

مع هذا، فتلك صياغة جديدة ومشجعة في السياسية الخارجية للولايات المتحدة، وسيكون لها هدف وحيد، هو دخول رأس المال الأميركي، خصوصا أن الولايات المتحدة بإمكانها تغيير نظرتها الجيوسياسية، أمام الأزمة العالمية الحقيقية والواقعية المرسومة والمضطربة التي ترسم على خريطة العالم حاليا، بمشاركة كبيرة من الاقتصاد الكوبي.


*لويس مانويل بيريس بويتل (ريميذيو، كوبا -1969)، كاتب ومحام كوبي. وواحد من أبرز شعراء كوبا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

واشنطن وهافانا.. من يستفيد من الآخر؟

واشنطن وهافانا.. من يستفيد من الآخر؟

 

أمير بايي
كاتب وصحافي كوبي*

 

صدمت أميركا اللاتينية العالم بنقطتي تحول تاريخيتين في القارة. كانت الأولى، والأكثر أهمية في المنطقة للقرن العشرين، هي الثورة الكوبية عام 1959، إذ كانت بداية حقبة جديدة من المواجهة بين ما بدأت تدعى "إمبراطورية الشمال" وكوبا، فتحولت الأخيرة رمزا لآمال الكثيرين من أجل عالم محرر من قسوة الرأسمالية وشراهتها.

وفي الـ17 من ديسمبر/كانون الأول 2014، قبل الكاسترو الثاني (راؤول) التحدي الذي فرضه الرئيس أوباما لوقف المواجهة بين البلدين، والتي استمرت لأكثر من نصف قرن.

 

فهل سيتمكن أوباما من تطبيع العلاقات بشكل كامل في سنتي حكمه المتبقيتين، واقفا ضد أغلبية جمهوريي الكونغرس، بل وضد جزء كبير من أعضاء مجلس الشيوخ والديمقراطيين؟ هل سيتمكن من حماية التغيرات الحاصلة في هذه السياسة الجديدة نحو كوبا، هل ستتصرف هافانا بما يتوافق مع العيش الكريم لمواطنيها، وليس كما حدث حتى اليوم في هذا النزاع الطويل، من تمسكها بمصالحها السياسية وأفكارها؟

لقد أشادت الحملة الدولية القوية لرفع الحصار الأميركي ضد كوبا، وتصريحات أوباما بدعم حضور راؤول كاسترو في الاجتماعات السياسية المختلفة، وافتتاحيات نيويورك تايمز، أشادت بالتحول "الراؤولي". أما قطاع الأعمال الأميركي، فقد مارس ضغوطا على واشنطن، إذ إنه يخشى أن يحتكر الاتحاد الأوروبي كوبا كنقطة مهمة في الجغرافيا السياسية واقتصاد المنطقة، ورسم خطة غير نهائية لحقبة من العلاقات الثنائية، جاءت بعد 18 شهرا من المحادثات السرية في كندا، والتي شفع فيها البابا فرانسيسكو.

وبهذا، يفقد فيدل كاسترو حجته في زعامة أولئك الذين يعتبرون الولايات المتحدة عدوا خالدا في العالم، فقد وضع أوباما نهاية لاستراتيجية الضغوط الفاشلة خلال خمسة عقود. إلا أن راؤول كاسترو استجاب بشروط جديدة، وهي أن كوبا لن تستسلم إلا بإزالة الحصار الاقتصادي، وعودة أراضي قاعدة غوانتانامو البحرية، وإيقاف البث الإذاعي والتلفزيوني (مارتي) ضد الجزيرة، وتعويضات عن الأضرار الإنسانية والاقتصادية التي سببتها واشنطن لكوبا منذ عام 1959.

متظاهرون يطالبون الرئيس الأميركي أوباما بإغلاق معسكر غوانتنامو الأميركي على الأراضي الكوبية (الأوروبية)

قلق وتوجس

عدة شخصيات من المنفيين الكوبيين والسياسيين الأميركيين، والجمهوريين والديمقراطيين، أظهروا قلقهم حيال قرار أوباما إطلاق مرسوم رئاسي متعلق بالسياسة الجديدة، معتبرين أن الفائدة من تطبيع العلاقات ليست متبادلة. وأكدوا أنه يجب على كوبا أن تخطو خطوات فاعلة تظهر نيتها لحوار حقيقي، من خلال اعترافها بمجتمع مدني بديل، وإيقاف الضغوط ضد حركة المعارضة المتنامية، وبشكل رئيسي، ضد حركة المعارضة النسائية (سيدات بالأبيض)، وضد الأحزاب والمشاريع المستقلة، التي ازدهرت في القطاعات الشعبية، كحركة التحرير المسيحية، والاتحاد الوطني الكوبي.

وقد أكد الزعيم المعارض أنطونيو روديلس ذلك، بقوله: "إن الإجراءات التي اتخذها الرئيس أوباما في السياق الحالي، ليست حكيمة، بل هي خطيرة جدا، إذ منحت الشرعية وموارد إضافية لنظام أظهر قدرة كبيرة على التكيف في اللحظات الحاسمة. لهذا السبب عبرنا عن عدم موافقتنا -خلال تلك المناقشات- لنقص الشفافية، والصفة غير المشروطة، والجهل بالعوامل الحيوية، سواء من المعارضة الداخلية أو معارضة المنفى".

مصفاة نفط أقيمت في كوبا بالاشتراك مع فنزويلا لتعزيز الاقتصاد الكوبي (أسوشيتدبرس)

تحديات معقدة

سيكون من الأفضل كسر الصمت، كي يناقَش قانون الضبط الكوبي الذي يمنح اللجوء السياسي في الولايات المتحدة لجميع الكوبيين الذين هربوا من الجزيرة، وعودة أراضي قاعدة غوانتانامو البحرية، والتبادل ما بين اللاجئين الأميركيين الذين منحتهم كوبا لجوءا، والكوبيين الذين احتالوا على مؤسسات مالية أميركية وعادوا بملايين الدولارات للجزيرة. إضافة لتمويل المعارضة الكوبية من قبل كيانات أميركية مثل المؤسسة الوطنية للديمقراطية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أو التعويضات المقدمة لشركات أممها فيدل كاسترو بداية الثورة، بمبالغ تجاوزت السبعة مليارات دولار.

خطت الولايات المتحدة خطوات فاعلة لم تستجب لها حكومة راؤول كاسترو لحد الآن، فمنذ الأول من يناير/كانون الثاني 2015، أزال أوباما قيودا مهمة عن التمويل والاقتصاد والسياحة، وكان أكثرها أهمية، تمكين المؤسسات المالية الأميركية من فتح حسابات بنكية في كوبا، يمكن دفعها في الجزيرة عن طريق بطاقات الائتمان والسحب الآلي الأميركية، ورفع مقدار المبالغ للتحويلات العائلية من 2000 إلى 8000 دولار سنويا، وذلك بسبب تأثيرها الفوري في تحسين حياة الشعب الكوبي.

عمر إيفيرليني، من المركز الكوبي للدراسات الاقتصادية في هافانا، يقول: "الآن جاء دور الحكومة لتعلن عن إجراءات من شأنها تحسين أوضاع الشعب الكوبي وزيادة القدرة الشرائية". إلا أن الصحافة الكوبية ما زالت تتحدث عن هذه الحقبة الجديدة كأنما هي نصر ضد عدو تاريخي للثورة. فقد أكدت المتحدثة باسم الحكومة الكوبية، الصحافية روسا ميريال إيليسالدي: أن الحرب ما زالت مستمرة لأن الولايات المتحدة "لبست قفازات من حرير، لكنها باقية على حكمها بالموت على الجزيرة".

مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة في كوبا لا تخلو من صور زعيم الثورة فيديل كاسترو (غيتي)

تساؤلات وشكوك

أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات رسمية في الجزيرة أن الكوبيين يطرحون نقاشاتهم ما بين الأمل والشك في أن يعني هذا تغيرا في حياتهم، فيما قال الكاتب الكوبي أنخل سانتييستيبان من هافانا -المسجون حاليا بسبب أفكاره السياسية-: إنه "لم يجلب أي دعم دولي مالي تلقته الحكومة منافع حقيقية للشعب، ولم يؤد إلا إلى ترسيخ الديكتاتورية".

لكن الوسط الاقتصادي والتجاري بدأ بالتفاعل، ففي الأسابيع الأخيرة زار الجزيرة عدد من رجال الأعمال الأميركيين وممثلو المجتمعات الاقتصادية الأميركية الكوبية، وأعلنت الخطوط الجوية "يونايتد أيرلاينز" عن رحلاتها إلى كوبا، كما رسمت مؤسسة رجال الأعمال الإسبان في كوبا والشركات الأوروبية، واللاتينية كالبرازيل وروسيا والصين، خططا للتكيف مع الوضع الجديد.

كما استخرج رجال أعمال كوبيون تراخيص تسمح لعائلاتهم في الولايات المتحدة بتمويل مشروعات تجارية متواضعة، كالفنادق الصغيرة. كما بدأ أصحاب المطاعم والبيوت التي تحولت إلى نزل بتهيئة أنفسهم لاستقبال ثلاثة ملايين سائح أميركي.

إذن، ما زال وقف الحصار الأميركي موضع شك، لأن أوباما لا يستطيع رفعه بمرسوم، إذ لا بد من تشريعه في قانون هيلمز-بورتون ومجلس الشيوخ، الذي يستطيع إلغاءه مع الأغلبية الجمهورية. وذلك ينطوي على معضلة بالنسبة للكوبيين والأميركيين. فالأمر الإيجابي، هو تمكن الكوبيين من تطوير اقتصاد -أكثر قوة- محرر من القيود التجارية والمالية المفروضة خلال أكثر من خمسين عاما. والأمر السلبي هو تعزيز سياسي لنظام منغلق فكريا ضد المعارضين الذين طالما تلقوا دعما ماليا خارجيا.

* أمير بايي.. كاتب وصحافي كوبي متخصص في شؤون أميركا اللاتينية والشرق الأوسط. له 30 كتابا منشورا، اثنان من كتبه ناقشا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من منظور ديني توراتي: (باسم الرب-1990)، و(مع الله في الطريق-1993). مقيم في برلين حاليا، حيث يعمل في عدد من الصحف، وهو كاتب أعمدة في عدة صحف بإسبانيا والولايات المتحدة والقارة الأميركية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

فرص نجاح التقارب الكوبي الأميركي

فرص نجاح التقارب الكوبي الأميركي
د. إيلاديو خوسيه أرميستو
إعلامي كوبي بارز في أميركا*

 

 

 منذ أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما -في شهر ديسمبر الماضي- عن تحول سياسة بلاده في مجالات التجارة والسفر والعلاقات الدبلوماسية مع كوبا، تنوعت واختلطت بشكل عام آراء الكوبيين سواء منهم المقيمون على الأراضي الكوبية أو أولئك الذين يعيشون في المنفى.


فالبعض منهم، مثل السجين السياسي السابق سيباستيان آركوس الذي يعيش في مدينة ميامي الأميركية، يعتقد أن السياسة الأميركية الجديدة سوف تفيد النظام الماركسي وتقوي قبضته الشمولية على جميع مناحي الحياة داخل المجتمع الكوبي، وهذا بحسب آركوس سيجعل تحول كوبا نحو الديموقراطية أمرا أكثر صعوبة.


آخرون، مثل الخبير السياسي الكوبي الأميركي الدكتور فرانك مورا الذي يعتقد أن سياسة العقوبات والحظر الاقتصادي الطويلة المدى، المفروضة على كوبا من قبل الولايات المتحدة، لن تؤدي إلى نتيجة أبدا. كما يعتقد أن الابتعاد عن عزل كوبا لا يجب النظر إليه كما لو كان دعما لنظام كاسترو أو تجاهلا لسجل كوبا الفظيع في مجال حقوق الإنسان.


وبعد، وبغض النظر عمن يقوم بالمحادثات، فإن سياسة أوباما الجديدة ستفضي إلى مزيد من التقارب والتواصل مع النظام الكوبي الخارج عن القانون الذي استولى على الأمة الكوبية في يناير/كانون الثاني 1959.

 

ويشير الدكتور مورا، الذي كان مسؤولا سابقا في إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى أن سياسة الرئيس الجديدة "لا تتمحور حول نظام كاسترو، وإنما حول إيجاد طرق للتقارب والتواصل مع المجتمع الكوبي". ويعتقد أن هذا التقارب سوف يقوّي الكوبين المظلومين الذي أجبروا على مدى أكثر من نصف قرن على تحمل تبعات الحكم الشيوعي.

سيارة أميركية الصنع تحمل علمي كوبا والولايات المتحدة وهو تمر بالقرب من مبنى الكابيتول في هافانا (أسوشيتدبرس)


ولتكريس السيطرة والسلطة، فقد أنكرت الأنظمة الشمولية على الناس -تاريخيا- الوصول إلى الأفكار والمعلومات والأخبار التي يحتاجونها لينظموا أنفسهم ويتحركوا سياسيا ضد حكامهم الشيوعيين.


ومع أن استطلاعات الرأي تظهر أن معظم الكوبيين الأميركيين يدعمون التغير في سياسة أوباما الجديدة، إلا أن المشرعين الكوبيين الأميركيين في الكونغرس الأميركي، ومن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، غير متأكدين تماما من نتائج هذا التغير. فلقد انتقدوا بشكل صارخ السياسة الجديدة ووصفوها بأنها ترضية تكافئ "نظاما إرهابيا" من دون أن تسأل عن أي شيء بالمقابل.


ففي مؤتمر صحفي مدو -بعد إعلان الرئيس أوباما عن سياسته الجديدة في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي- تعهد السيناتور الجمهوري الكوبي الأميركي ماركو روبيو بالقول: "سأفعل كل شيء يمكنني فعله للكشف عن التغيرات المحتملة بين البلدين".


وأخبر روبيو -المولود في مدينة ميامي الأميركية لأبوين كوبيين- صحفيي الكابيتول هيل أن "هذا التحول السياسي بأكمله قائم على وهم، قائم على كذبة". روبيو الذي من المحتمل أن يدخل سباق الرئاسة الأميركية للعام 2016 هو ناقد مستمر للنظام الكوبي ولسياسة أوباما إزاءه.

وبعد ساعات من انتقاد روبيو لسياسة أوباما الجديدة، كسر سيناتور آخر الصمت، وهو السيناتور الجمهوري الكوبي الأميركي تيد كروز المولود في مخيم لللاجئين الكوبيين في مدينة كالغاري الكندية. وسعّر كروز مشاعر الغضب تجاه سياسة أوباما بوصفها سياسة "سيتم تذكرها كخطأ تراجيدي".


بدوره، انضم السيناتور الجمهوري الكوبي الأميركي إلى جوقة المناهضين لتطبيع العلاقات مع كوبا، وقال: "إن تصرفات الرئيس أوباما قد بررت السلوك الوحشي لنظام كاسترو."


بعد هذا كله، هل يبقى أي شك في أن هناك الكثير من المشككين بأن الأخوين كاسترو أو القادة الكوبيين الأميركيين في واشنطن سوف يسمحون بإنجاح تطبيع العلاقات بين الخصمين التي تمتد خصومتهما على مدى طويل.

حقل شاسع زرع بالتبع (التوباكو) أحد أشهر محاصيل كوبا الزراعية التي يصنع منها السيجار الكوبي الشهير (رويترز)


هؤلاء الذين يديرون الحزب الشيوعي في كوبا يفهمون تماما بأن السماح لمنافس اقتصادي (الولايات المتحدة) أو السماح بنفوذ أقطاب سياسية (المعارضة الكوبية) داخل كوبا هو أمر خطر، إن لم يكن عملا قاتلا.


وهذا يبين لماذا منع النظام الكوبي تحسين العلاقات بين أميركا وكوبا في الماضي. في هذه الأثناء، فإن السياسيين الكوبيين الأميركيين متخوفون من إظهار الليونة تجاه نظام كاسترو وبالتالي فهم يعملون بقوة على تنفير المناهضين للشيوعيين والمناهضين لقاعدة كاسترو السياسية.


بكل حال، فالاقتصاد الكوبي اليوم مفلس والدين الخارجي خارج عن السيطرة، ومعدلات البطالة والفقر والجريمة غير مبشرة. وهنالك شعور داخل كوبا وخارجها بأنه في اللحظة التي سيموت فيها الأخوان كاسترو فإن النظام سوف يموت معهما.


وهذا يشرح كيف أن الأخوين كاسترو -كلاعبين سياسيين ماهرين- يبحثان عن ضمانة يحتفظ بموجبها أولادهما وجنرالاتهما الأوفياء بالثروة التي جمعوها عبر السنين، والتي قدرتها مجلة "فوربس ماغازين" قبل عدة سنوات بمليار دولار. وكنوع من التحضير لما يأتي به المستقبل فإن الأخوين كاسترو قاما بنقل ملكيتهم وسيطرتهم على شركات ومصانع مملوكة من قبل الدولة إلى جنرالات وأعضاء في هرم السلطة.


بعد هذا كله، ماذا يعني هذا التحول السياسي بين أميركا وكوبا بالنسبة لمجموعات المعارضة المناهضة لكاسترو، سواء تلك التي توجد داخل كوبا أو خارجها؟


بالنسبة لأوائل المعارضين، هذا التغيير يجبرهم على إعادة التفكير باستراتيجياتهم وإعادة تموضعاتهم والإتيان بطرق جديدة لمتابعة صراعهم الشاق ضد الحكم الكوبي.


فحتى الآن كان الحظر الأميركي أداة نافعة لكلا الجانبين، وعلى الرغم من حقيقة أنه فشل في إسقاط نظام كاسترو باعتراف المؤيدين لهذا الحظر الذي أعطى النظام الكوبي ذريعة مفيدة -ومقنعة في بعض الأحيان- لتبرير ليس فقط فشله الاقتصادي المذل وإنما أيضا قمعه السياسي الوحشي.


إذا كان الحظر قد فشل باعتراف الجميع وإذا كان قد ساعد النظام في كوبا على تبرير فشله الاقتصادي وتجاوزاته لحقوق الإنسان، فلماذا نسمع هذه الأصوات من المعارضة الكوبية الأميركية التي تقف بشدة ضد التخلص منه؟


يظهر أن هنالك أسبابا متعددة للإجابة على هذا السؤال: الجهل وعدم الكفاءة أولا، والشعور بالرضا والانتهازية ثانيا.

أوراق التبع بعد حصدها أثناء تجهيزها لصناعة السيجار الكوبي الشهير (رويترز)


الجهل وعدم الكفاءة ينبعان من الفشل في فهم الوقائع ومن العجز عن صياغة خطط سياسية واستراتيجية قابلة للتطبيق. أما الشعور بالرضا والانتهازية فمشتقان من السياسة الأميركية الملائمة التي توفر غطاء لقيادات المعارضة الكوبية في المنفى، وهو أمر يرى فيه الكثير من الكوبيين الأميركيين سببا لعدم كفاءة المعارضة وخمولها خلال ما يزيد عن نصف قرن من المعركة ضد النظام الماركسي.

فالحظر زوّد قادة المعارضة بغطاء سياسي ليقدموا لا شيء في سبيل تحرير كوبا، وبعد ما يزيد عن نصف قرن من الحظر السياسي الآمن البليغ لم يتمكن هؤلاء القادة من المضي قدما من أجل إيجاد خطة سياسية واقعية لتقويض أو إسقاط نظام كاسترو.


فإسقاط النظام يتطلب أكثر من محاولة إفقاره ماليا بواسطة حظر أميركي بلا أسنان -هذا لو كان الأمر قابلا للتطبيق- فعندما تتناقص حصص الطعام فإن النظام لن يجوع وعندما يعاني المستهلكون من نقص البضائع والأدوية فكاسترو وجنرالاته لن يعانوا أبدا جراء هذا النقص.


ومع ذلك يبقى السؤال، ما الذي سوف يساعد في إنهاء احتكار الأفكار والمعلومات من قبل نظام كاسترو الذي هو بحاجة لهذه الآلية لإبقاء الكوبيين معزولين وتحت قبضته الحديدية؟ وهل كوبا بحاجة إلى العزلة التي تفرضها العقوبات الاقتصادية الأميركية أم أنها بحاجة إلى مجتمع مدني يروج للسياحة والتجارة؟ أين تكمن حقا المصالح الكوبية الحقيقية؟.


هذه فقط عينة من الأسئلة الهامة التي يفشل داعمو الحظر في أميركا في توجيهها وطرحها ربما لأنهم لا يأبهون حقيقة لإسقاط النظام الكوبي ومع ذلك يفضلون أن يظهروا بمظهر المعارضين له.

في كوبا، استُقبلِت الأنباء حول سياسة أوباما الجديدة بكثير من الغبطة من قبل الكثيرين، بينما وافق قادة المعارضة -كما هو الحال في منظمات "سيدات بالأبيض" و"الاتحاد الوطني من أجل كوبا" و"جبهة أورلاندو زاباتا تامايو للمقاومة الوطنية"، فضلا عن منظمات أخرى- على أن هذا التغير يمثل تحولا ديناميكا في نضالهم، وما سوف ينتج عنه من تحديات جديدة وحواجز فعليهم التغلب عليها.

ويجب على المجموعات المعارضة المدعومة من قبل الولايات المتحدة أن تتماشى مع السياسة الأميركية الجديدة وإلا فإنها ستواجه خطر فقدان الدعم الأميركي. حتى الآن فإن الأموال الأميركية ساعدت في تمويل المظاهرات التي نظمتها مجموعات مثل "سيدات بالأبيض" التي بدأت كمجموعة من زوجات وأخوات وأمهات 75 صحفيا كوبيا قام النظام الكوبي في عام 2003 باعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة القيام "بأعمال ضد الاستقلال والإساءة إلى نزاهة الدولة الوطنية، وزج بهم في السجن حيث وصلت أحكام البعض منهم حتى 28 عاما.

تدريب عملي على تصنيع السيجار الكوبي من أوراق التبغ في مهرجان السيجار السنوي في هافانا (غيتي)


أما المجموعات المعارضة الفعالة وقادتها غير المدعومين أميركيا، فهؤلاء يدركون أن أوضاعهم ستضعف بسبب العلاقة الجديدة بين الولايات المتحدة ونظام كاسترو، والبعض منهم -مدفوعا بمشاعره الوطنية- قد يرى في الولايات المتحدة خصما لاستراتيجيتهم. في أي مناسبة، يجب على المجموعات المعارضة أن تستمر في تحدي ظاهرة الجواسيس الذين يخترقون بانتظام تلك الجماعات ليعرفوا خططها ويضربوها من الداخل.


وقال الدكتور كارلوس دياز لوخان، مدير التحرير في صحيفة "إل نيوفو باتريا"، "بغض النظر عما يحدث لا يوجد هناك شيء يمنع الولايات المتحدة من تطبيع علاقاتها مع نظام كاسترو ومواصلتها المطالبة باحترام حقوق الإنسان والحريات المدنية في كوبا".


ومع أن هناك اتفاق عام بأن الوضع (الناتج عن التغير الجديد في العلاقات بين كوبا وأميركا) لم يحسن من أوضاع حقوق الإنسان للأمة الكاريبية الغارقة في الفقر الشديد، فإن الرئيس أوباما قد تعرض لنقد شديد من قبل الطرفين اللذين يسعيان إلى تطبيع العلاقات مع كاسترو بدون مطالب وشروط مسبقة.

 


وهذه الانتقادات تناقض السياسة العميقة والانقسامات السياسية بين الرئيس والقياديين في الكونغرس، خاصة وأن السيناتور مينيديز في رأس قائمة الديمقراطيين ضمن "لجنة الشيوخ للسياسات الخارجية" في الكونغرس بوضع مثالي ليدافع عن سياسة أوباما الخارجية.

 


من ناحية أخرى، فقد توجه الجنرال راؤول كاسترو للرئيس أوباما بمطالب عديدة لإنهاء ما تبقى من مظاهر الحظر، وإيقاف بث القنوات التلفزيونية والإذاعية (الكوبية المعارضة التي تبث إرسالها من الولايات المتحدة)، وإنهاء دعم الخصوم السياسيين، وإزالة نظام كاسترو عن لائحة الداعمين للإرهاب، فضلا عن إنهاء السيطرة الأميركية على خليج غوانتانامو، وفوق هذا كله التعويض للشعب الكوبي عما لحق به من أضرار سياسية واقتصادية جراء السياسية الأميركية.

 

وإنه لمن المشكوك فيه، أن الديكتاتور المسن يتوقع حقا أن تلبي الولايات المتحدة جميع مطالبه، وتثبت الوقائع السابقة، أنه من المحتمل أنه يقوم بذلك في محاولة منه ليبدو صلبا أمام الشيوعيين المتصلبين في هافانا. وأعتقد أنه عندما يلتقي الرئيس أوباما وجها لوجه في بنما في 11 أبريل/نيسان القادم فسوف تكون لديهما الفرصة لتخفيف حدة الاختلافات والتوصل إلى اتفاق.

 

وعدم قدرتهما على التوصل إلى اتفاق حول مرحلة جديدة من العلاقات الإيجابية -التجارية والدبلوماسية- لن يمثل فشلا لسياسة أوباما الخارجية وحسب، ولكنه سيدفع ملايين الكوبيين إلى إعادة حساباتهم، أولئك الذين يتطلعون إلى تحسين حياتهم اليومية ويتطلعون إلى حرية بلدهم النهائية من الماركسية.

 


*د. إيلاديو خوسيه آرميستو. ناشر صحيفة "إل نيوفو باتريا"، وهي أول صحيفة كوبية في أميركا، أنشئت في العام 1959. وهو النائب السابق لعميد "الكلية الوطنية للصحفيين في جمهورية كوبا" التي تمثل الصحفيين الكوبيين في المنفى.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

التقارب الأميركي الكوبي.. طريق وعر

التقارب الأميركي الكوبي.. طريق وعر

 

جيمي سشليسكي
باحث مختص في الشأن الكوبي*

 

عندما انهارت الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية في العام 1990، توقع الكوبيون الأميركيون والشركات والسياح الأميركيون بتفاؤل أن كوبا ستكون حجر الدومينو المتساقط التالي. في تلك الأثناء أصبحت معروفا بإخباري الجميع بعبارة "لا تحزموا حقائبكم!".


إن إعلان الرئيس باراك أوباما في ديسمبر/كانون الأول 2014 عن تغير في السياسة الأميركية الكوبية ولد تفاؤلا مماثلا. وبعد فإن تحذيراتي التي أطلقتها في تسعينيات القرن الماضي لا تزال صالحة اليوم.
هنالك أربعة أسباب لتخفيف سقف التوقعات حيال التقارب بين أميركا وكوبا.


الأول: أن نظام راؤول كاسترو ليس بوارد تقديم أي تنازلات رئيسية للولايات المتحدة. على العكس ما زال الجنرال كاسترو ستالينيا حازما تدعمه إيران وروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا، وداعما لمجموعات "إرهابية" كحماس (حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية) وحزب الله (اللبناني) ومنظمة إيتا (بإقليم الباسك بإسبانيا).


إنه ليس زعيما إصلاحيا (كالزعيم الإصلاحي الصيني) دن تشاو بينغ، ولا يؤمن بإصلاحات السوق. وبالنسبة له ولحلفائه العسكريين فإن التمسك بالتحكم السياسي الصارم -من دون إصلاحات سياسية في كوبا- هو الطريقة المثلى للحفاظ على السلطة ومن ثم نقلها إلى الورثة المختارين.


قد يكون راؤول كاسترو راغبا بإجراء تغييرات اقتصادية طفيفة، كتسهيل شروط الاستثمارات الأجنبية، وتوفير المزيد من الفرص أمام الكوبيين للعمل في القطاع الخاص الصغير، ولكنه غير مستعد لإجراء تغييرات رئيسية في المجالين الاقتصادي والسياسي، فكوبا لا تتبنى النموذج الصيني ولا تتحرك باتجاه الرأسمالية. والإعلام والإنترنت والنظام التعليمي سيبقى تحت سيطرة الدولة. ولا نظاما حزبيا ولا انتخابات حرة، وواقع حقوق الإنسان يتدهور بدل أن يتحسن. وهذه الوقائع ستجعل من الصعب على الرئيس أوباما تبرير التنازلات التي تقدمها الولايات المتحدة.

رغم انهيار الشيوعية في روسيا إلا أن هافانا لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع موسكو (الأوروبية)


وارتفاع سقف مطالب كاسترو -أثناء لقائه مع أوباما في اجتماعات "قمة مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبية" بكوستاريكا بداية هذا العام- حول تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة هو أمر مثير للسخرية، فمطالب كاسترو شملت استعادة غوانتانامو، وإنهاء الحظر، وإغلاق راديو وتلفزيون "مارتي"، وإزالة كوبا عن لائحة الإرهاب الأميركية، والتعويضات (للكوبيين) الهائلة الناتجة عن الحظر، وكلها قضايا من شأنها أن تعرقل عملية تطبيع العلاقات بين البلدين على الأرجح، أو في أحسن الأحوال أن تؤجلها إلى فترة بعيدة.


ثانيا: يواجه الرئيس أوباما معارضة قوية في الكونغرس الأميركي لأي تنازلات تقدمها الولايات المتحدة من جانب واحد للأخوين كاسترو. وائتلاف المشرعين القوي والموحد -من الحزبين الجمهوري والديمقراطي- سيحبط أي محاولة يقدم فيها الرئيس للأخوين كاسترو ما هو أكثر من اللازم مقابل القليل.
كما أن الكونغرس الأميركي يجب أن يوافق على إلغاء قانون هيلمز-بيرتون الذي يقنن الحظر، وهذا أمر غير مرجح. والحملة الرئاسية إلى البيت الأبيض ستبدأ قربيا في الولايات المتحدة، وبالتالي سيوضع ملف العلاقة مع كوبا على الرف.


أما لماذا قرر أوباما التقارب مع كوبا الآن؟ فالجواب غير معروف. ربما لأنه شعر أن الحظر يجب أن ينتهي، أو ربما لأنه يعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها أن تحدث تغييرا في الجزيرة الكوبية عبر العلاقات التجارية، أو ربما هي محاولة أخيرة لإحداث التغيير الدبلوماسي والتجاري في بلد آخر، فمحاولاته مع إيران وروسيا والشرق الأوسط انتهت إلى الفشل، وكوبا الصغيرة والقريبة تبدو له هدفا سهلا.


ثالثا: إن تحديات السياسة الخارجية التي سيواجهها أوباما في العام 2015 وما بعده ستحول انتباهه عن موضوع كوبا، فالعلاقات مع روسيا والصراع مع إيران والعنف وعدم الاستقرار في العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان وفنزويلا والتوتر المتزايد مع شبه الجزيرة الكورية وعدم استقرار الاقتصاد العالمي وتصاعد الإرهاب محليا ودوليا، كلها تحديات بأكثر مما يستطع الرئيس التصدي لها.


أخيرا: إن تفكيك الحصار على كوبا هو عملية معقدة جدا وبطيئة، وتتطلب براعة وجهدا كبيرين لحل متاهات القوانين واللوائح والقضايا المتعلقة بقانون هيلمز-بيرتون.

 

اجتماع القمة لتحالف ألبا الذي يضم دول أميركا اللاتينية والكاريبي في كوبا (رويترز)


على سبيل المثال، فإن مصادرة الحكومة الكوبية لأملاك أميركية وكوبية يجب أن تحل قبل أي تطبيع حقيقي. وكادر من المحامين الكوبيين الأميركيين والمحامين الأميركيين بانتظار هذه اللحظة لجمع الأحكام القضائية التي أصدرتها محاكم في الولايات المتحدة ضد حكومة كوبا و/أو رفع دعاوى قضائية جديدة تفتح الشهية على عائدات أي تجارة أو استثمارات على الجزيرة. إن قضية الأملاك المصادرة هي واحدة من القضايا التي تحتاج إلى حل قبل أي تطبيع حقيقي.


في الوقت الحاضر، يمكن أن ترتقي المصالح الأميركية الحالية في هافانا إلى افتتاح سفارة، وعدة آلاف من الأميركيين سيزورون كوبا، وهذا سوف يكون تأثيره قليلا على جلب الديمقراطية وتحسين حياة الكوبيين. في العقود الماضية قام ملايين السياح من أوربا وكندا وأميركا اللاتينية بزيارة كوبا، ولكن أوضاع الازدهار والحريات لم تتحسن. إذا كنا نظن أن السياح الأميركيين يمكنهم أن يغيروا المجتمع الكوبي فعلينا إرسالهم إلى كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا.


وكما حدث في منتصف تسعينيات القرن الماضي، فإن ضخ دولارات السياح الأميركيين سيمنح النظام الكوبي مبررا أكبر لكي لا يتبنى إصلاحات اقتصادية عميقة. لقد قامت كوبا في بداية التسعينيات بإصلاحات اقتصادية محدودة عندما كان الانكماش الاقتصادي في الجزيرة بأسوأ حالاته، وقد قام (فيدل) كاسترو بإلغاء تلك الإصلاحات عندما عاد الاقتصاد إلى الاستقرار.


إنه لمن السذاجة افتراض أن القيادة الكوبية ستسمح للسياح أو الشركات الأميركية بتخريب الثورة والتأثير على التطورات داخل كوبا، فالسياح الأميركيون سيتواصلون بشكل محدود مع الكوبيين الذين يعيش معظمهم ضمن تجمعات مبينة بمناطق معزولة ومحكومون بنظام أمني كفؤ، كما أن معظم الأميركيين لا يتحدثون اللغة الإسبانية وهم غير مهتمين بزيارة كوبا من أجل قلب نظام الحكم فيها، هذا إضافة إلى أن "قانون 88" الذي سن في العام 1999 بكوبا يحظر على الكوبيين تلقي المنشورات والمطبوعات من السياح ويفرض عقوبات، بينها السجن، على المخالفين.

 

احتفال رسمي وشعبي بالذكرى 161 لبطل الاستقلال الكوبي جوس مارتي (أسوشيتيد برس)


كما أن أموال السياحة الأميركية ستتدفق إلى الأعمال التي تملكها حكومة كاسترو، مما سيعزز مؤسسات الدولة. صناعة السياحة في كوبا تسيطر عليها القوات العسكرية والجنرال راؤول كاسترو.
وبينما يتم مدّ حكومة كاسترو بالدولارات التي هو بأشد الحاجة إليها، سيكون التأثير الاقتصادي للسياحة على الكوبيين محدودا، فالدولارات التي ستهطل على الفقراء الكوبيين ستكون بكميات قليلة جدا، بينما سيذهب معظمها إلى الدولة الكوبية والشركات الأجنبية.


إن أموال السياح ستنفق على بعض المنتجات التي تنتجها مصانع الدولة، مثل الكحول والتبغ، كما أن السياح سيقيمون في فنادق تملكها الحكومة جزئيا أو كليا، وسوف يسافرون على متن خطوط الطيران الرئيسية، مثل شركة "جافيوتا" التي تملكها وتديرها القوات العسكرية الكوبية.

 

إن إنهاء الحظر ومنع السفر دون تقديم كوبا أي تنازلات جدية سوف يبعث برسالة خاطئة "إلى أعداء الولايات المتحدة" مفادها أن أي زعيم أجنبي يمكنه أن يحجز أملاكا أميركية دون تعويضات، ويمكنه فتح أراضي دولته أمام الصواريخ النووية التي تستهدف الولايات المتحدة، وتبني الإرهاب والقضايا المعادية لأميركا حول العالم، وفي النهاية فإن الولايات المتحدة سوف "تنسى وتغفر" وتكافئ (مثل ذلك الزعيم) بالسياحة والاستثمارات والمساعدات الاقتصادية.


منذ عهدي الرئيسين الأميركيين الأسبقين فورد وكارتر، شددت سياسة الولايات المتحدة في أميركا الجنوبية على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكومات الدستورية، وأثناء إدارة الرئيس ريغان تدخلت أميركا في غرينادا، كما تدخلت في بنما أثناء إدارة بوش الأب، وأنزلت قوات المارينز في هايتي أثناء حكم كلينتون. وكان هدف تلك السياسات استعادة الديمقراطية في تلك البلدان.


إن التدخل العسكري في كوبا ليس ضروريا كسياسة تعتمد حيال كوبا، فقد منعت الولايات المتحدة الانقلابات العسكرية في هذه المنطقة (أميركا الجنوبية)، ودعمت إرادة الناس في الانتخابات الحرة. وفي حين لم تعتمد هذه السياسة بشكل موحد في جميع أنحاء العالم، اعتمدت هذه السياسة في أميركا الجنوبية والتي تعد كوبا جزءا منها، وتطبيع العلاقات مع الديكتاتورية العسكرية في كوبا يرسل رسالة خاطئة إلى بقية بلدان القارة الأميركية الجنوبية.

 

نساء كبيرات السن يمارسن الرياضة في أحد دور رعاية كبار السن في هافانا (أسوشيتدبرس)


وبشكل مبدئي، ستلاقى السياسة الأميركية الجديدة حيال كوبا بالترحاب في بعض الدول بأميركا الجنوبية، في حين أن الدول الحليفة لفنزويلا، مثل بوليفيا والإكوادور وأوروغواي ونيكاراغوا ستبقى ناقدة للولايات المتحدة. أما الأميركيون اللاتينيون فإن السياسة الأميركية-الكوبية (وشكل العلاقات بين البلدين) ليست قضية رئيسية لديهم، فمسائل التجارة والاستثمارات والهجرة وأسعار السلع أكثر أهمية. البهجة الحالية سوف تزول قريبا وسوف تظهر على السطح الاختلافات التي تشوب العلاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية.


إن إنهاء الحظر ومنع السفر من جانب واحد لا يضمن أن يغير الأخوان كاسترو من سياساتهم العدائية نحو الولايات المتحدة، ولن يقدم أي إضافات بشأن الحريات واحترام حقوق الإنسان في كوبا.
إن سياسة دعم الأنظمة والديكتاتوريات التي تستغل شعوبها وتنتهك حقوق الإنسان هي سياسة عليلة تكافئ وتشجع هذه الأنظمة على المزيد من الانتهاكات والاستغلال.


وتدفق أعداد كبيرة من السياح الأميركيين إلى كوبا من شأنه أن يضر باقتصاد الجزر الكاريبية الصغيرة، بل حتى يصيب بالضرر اقتصاد ولاية فلوريدا (التي تعد مقصدا رئيسيا للسياحة الأميركية).

 


وإذا رفع منع السفر من جانب واحد، من قبل الولايات المتحدة، فما الذي سيبقى في يد الحكومة الأميركية للتفاوض مع النظام الكوبي في المستقبل وحثه على إحداث تغييرات في الجزيرة؟ رفع الحظر يمكن أن يكون ورقة مساومة هامة حول مدى استعداد النظام الكوبي لتقديم تنازلات في مجال الحريات السياسية والاقتصادية.

 


حاليا، تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على فنزويلا وإيران وروسيا، وإنه لمن المثير للسخرية أن نقوم بإنهاء العقوبات على كوبا. والتقارب مع الديكتاتورية العسكرية في هافانا هو سياسة طائشة تبث رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لقبول "عسكرتاريا" جديدة في أميركا اللاتينية، وهو ما رفضناه في العقود الأربعة الماضية. إن انخراطنا بعلاقات جديدة مع كوبا يرسل رسائل متناقضة حول السياسة الأميركية الخارجية ويطرح أسئلة حول التزاماتنا بحقوق الإنسان والحرية في العام.

 


*جيمي سشليسكي، بروفيسور ومدير معهد "إيمليو باركادي مورو" للدراسات الكوبية والدراسات الكوبية-الأميركية في جامعة ميامي بولاية فلوريدا.

له ثلاثة كتب، الأول بعنوان "كوبا: من كولمبوس إلى كاسترو"، والثاني بعنوان "المكسيك: من مونتيزوما حتى بزوغ الحظر"، والثالث بالإسبانية بعنوان "تاريخ كوبا الموجز"

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك