آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة)
-1/18-

إحالة أوراق الصحافة للمفتي

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

يعج المشهد المصري بالتفاصيل المضحكة المبكية، على كل الصعد، إن كان على مستوى أداء نظام الحكم السياسي وسلطتيه التنفيذية والقضائية، نظرا لغياب السلطة التشريعية، أو معاناة المواطن المصري المهتم بالسياسة أو المشغول بلقمة عيشه على حد سواء.

 

وفي زحمة تفاصيل الكرب المصري، تتكرر التراجيديا السوداء تحت الآية الكريمة "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، باستهتار استفز المنظمات الحقوقية والأنظمة السياسية في أقاصي الأرض.

 

واستخدام سيف القضاء لتصفية الخصومات السياسية أمر شاع في الأنظمة الشمولية العسكرية على مر التاريخ، لكن ما نحن بصدده في هذا المشهد هو ذهاب الاستفزاز منتهاه في الحكم على صحفية شابة "بالإعدام" بسبب ممارستها مهنتها تحت سقف النظام المطاح به.

 

سندس شلبي، حالة استثنائية في مسيرة السحق القضائي بمصر، أن يحال أوراق صحفي إلى المفتي، لمجرد انتمائها لحزب الحرية والعدالة، وعملها ضمن الفريق الإعلامي للرئيس المطاح به محمد مرسي.

 

ويرتكب هذا النظام خطيئة بحق المجتمع، حين لا يميز الخط الفاصل بين الصراع السياسي والعمل المهني، وخصوصا مهنة الصحافة التي هي ضمانة الرقابة الحقيقية على أداء السلطات. والخلط بين هذه الفضاءات هو ما ينتج هذا السحق الجماعي لكل ما صوت معارض أو محتج على واقع البلاد.

 

بطبيعتها لا تقبل أنظمة الحكم العسكرية إلا بسماع رواية واحدة، ولا تطرب إلا لصوتها هي، وبخلاف ذلك، لا تطال يدها إلا الهراوة لتخاطب الآخر، ولا تستدعي من قاموسها إلا مفردة "الخيانة" و "الإرهاب" و "أعداء الوطن" لتبرر لنفسها قبل غيرها سحقه.

 

أما أكثر ما يدمي القلب في هذا المشهد، فهو أن يبارك بعض أبناء "صاحبة الجلالة" تحطيم العسكر بهراوة القضاء جماجم أشقاء المهنة، بسبب خلاف  في السياسة، بات يفسد الود والقضية وحتى الوطن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/18-

ملف العدد

ملف العدد

 

شادي الايوبي- سلوفاكيا

على ضفة نهر الدانوب شرق أوروبا تغفو سلوفاكيا، وهي واحدة من الدول التي انتقلت من المعسكر الاشتراكي إبان الحرب الباردة إلى سوق الرأسمالية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ويفرد هذا العدد من المجلة ملف (سلوفاكيا.. جارة الدانوب) من إعداد الزميل شادي الأيوبي موفد الجزيرة نت لسلوفاكيا، للتعريف ببعض زوايا هذا البلد.

 

كيف احتفظت سلوفاكيا بنسخة ناعمة من الاشتراكية في أوج العصر الشيوعي في شرق أوروبا، وينقلنا تقرير آخر إلى الطبعة الجديدة للبلد بعد اعتناقها الرأسمالية واقتصاد السوق. وكيف يجد المستثمرون تسهيلات وإغراءات لتوظيف أموالهم في هذا البلد.

 

ومن قطاعات الاستثمار الحيوية في سلوفاكيا، التعليم الجامعي، حيث باتت جامعات سلوفاكيا من نقاط الجذب في هذا البلد الذي يعيش انفتاحا في شتى القطاعات.

 

ويخصص الملف عدة تقارير تعالج أوضاع المسلمين في سلوفاكيا، رغم  قلة عدد الجالية المسلمة وضعف تأثيرها في الحياة العامة هناك.

 

فيعالج أحد التقارير صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام السلوفاكي، ودور اليهود في تشويه هذه الصورة، في مقابل ضعف الصوت الإعلامي للمسلمين أنفسهم، وهو ما ينعكس على وضع الجالية المسلمة وحضورها في المجتمع السلوفاكي. ونظرته للحجاب والمرأة المسلمة.

 

ولأن السياحة باتت إحدى معالم سلوفاكيا يعرف تقرير بألوان السياحة الرائجة في البلاد، والتي باتت وجهة جديدة لسائح العربي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/18-

سلوفاكيا.. إرث الاشتراكية الناعمة

سلوفاكيا.. إرث الاشتراكية الناعمة

 

سلوفاكيا إحدى دول وسط أوروبا، تحدها من الغرب النمسا والتشيك، ومن الشمال بولونيا، ومن الشرق أوكرانيا ومن الجنوب هنغاريا. كبرى مدنها هي العاصمة براتيسلافا، ثاني أكبر مدينة هي كوشيتسيه الواقعة في الجزء الشرقي من البلد. أعلى جبال في البلد هي جبال تاترا. تجري فيها أنهار عديدة منها نهر فا، ونهر هرون، ونهر أورافا، والدانوب. العيد الوطني يوم 1 سبتمبر/أيلول، وهو يوم الدستور ويوم 1 يناير/كانون الثاني وهو يوم نشأة جمهورية سلوفاكيا.

 

سلوفاكيا عضو في الاتحاد الأوروبي ومنطقة تشينغن وحلف الناتو ومنظمة التعاون الأوروبي. لغتها الرسمية هي السلوفاكية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات السلافية، فيما تتحدث مجموعات سكانية اللغة الهنغارية وأخرى الغجرية. يبلغ عدد سكان سلوفاكيا حسب آخر تعداد سكاني (2011) خمسة ملايين شخص، فيما تبلغ مساحتها 49.035 كلم مربعا.

 

وتنقسم التركيبة السكانية إلى 80% من السلوفاك، و8.5% من الهنغار، إضافة إلى أقليات من الغجر بحوالي 2%، والأوكرانيين  والروسناك وهم من أصول روسية، ومجموعات أخرى غير محددة العرقية.

 

المسرح الوطني في براتيسلافا (الجزيرة)

يضمن الدستور السلوفاكي حرية الاعتقاد. على الصعيد الديني، تسود المسيحية الكاثوليكية بنسبة 62.0%، ثم البروتستانتية بنسبة 8.9% ثم اليونانيون الكاثوليك بنسبة 3.8% واليونان الأرثوذوكس بنسبة 0.9%، بينما صرّح 13.4% من المواطنين أنهم لا يؤمنون بإله، وهناك نسبة من شهود يهوه0.2%،  ولم يجب 10.6 % بخصوص معتقداتهم (إحصاء2011). قبل الحرب العالمية الثانية كان في البلد حوالي تسعين ألف يهودي بقي منهم اليوم 2300. لا يعترف الدستور بالإسلام كديانة موجودة في البلد ولا توجد إحصائيات رسمية حول أعداد المسلمين فيها.

 

النظام السياسي في البلد برلماني، وذلك حسب دستور عام 1993. لرئيس الجمهورية صلاحيات محدودة وينتخب من الشعب لمدة خمس سنوات. ويتمتع المواطنون بحق الاقتراع من عمر 18 سنة.

 

انضمت سلوفاكيا عام 1918 الى مناطق من بوهيميا ومورافيا لتشكل تشيكوسلوفاكيا، ولفترة صغيرة بعد تفكك جمهورية النمسا-هنغاريا نشأت جمهورية سلوفاكية سوفياتية. وخلال الفترة التي توسطت الحرب العالميتين كانت تشيكوسلوفاكيا مهددة بتطلعات ألمانيا الهتلرية وهنغاريا.

 

نهر الدانوب كما يظهر من قلعة المدينة المسماة محليا باسم هراد (الجزيرة)

تم تقسيمها بموجب اتفاقية موناكو عام 1938 حيث خضعت سلوفاكيا لألمانيا النازية، لكن البلد شهدت مقاومة مسلحة عنيفة ضد الاحتلال الألماني. وتوحدت تشيكوسلوفاكيا من جديد عام 1944 ودخلت في دائرة النفوذ السوفياتي وحلف وارسو. بعد الحرب العالمية الثانية أجلي عدد  من الهنغاريين من القسم السلوفاكي كما أجلي عدد من الألمان من القسم التشيكي.

 

يعتبر ربيع براغ من المحطات الهامة جدا في تاريخ تشيكوسلوفاكيا، حيث حاول الحزب الشيوعي الحاكم بقيادة الإصلاحي ألكسندر دوبتشيك القيام بإصلاحات ديمقراطية، وذلك ابتداء من يناير/كانون الثاني 1968. وكانت الإصلاحات تقضي بإعطاء حريات أكبر في مجال حرية التعبير والصحافة والتنقل والاقتصاد والسماح بعمل الأحزاب السياسية والسير في اتجاه الاشتراكية الديمقراطية أو الاشتراكية الإنسانية خلال عشر سنوات. وانتهت المحاولة باجتياح سوفياتي لتشيكوسلوفاكيا في أغسطس/آب من نفس العام أطاح بالإصلاحات. بعد ربيع براغ عاد الحزب الشيوعي لتسيير أمور البلاد حتى العام 1989 حيث انهار النظام مع أحداث الثورة المخملية.


 

لكن الشيوعية التي سادت تشيكوسلوفاكيا لم تكن صارمة كما كانت في دول أخرى. فقد كان المواطنون في هذه الدولة في حالة اقتصادية أفضل من سائر الدول الشيوعية وكانت لهم ممتلكات خاصة وسيارات، مما كان يعكس رغبة المنظومة الشيوعية في استمالة هذه الشعوب إلى الاستمرار في الانتماء إلى حلف وارسو.

 

القلعة وسط البلد وتعرف محليا باسم هراد وهي من أشهر معالم العاصمة (الجزيرة)

بعد الثورة المخملية عام 1989 فككت تشيكوسلوفاكيا عام 1993 من جديد، وذلك بشكل توافقي بين الجمهوريتين الناشئتين التشيك وسلوفاكيا اللتين حافظتا على مستوى جيد من التعاون والشراكة. دخلت سلوفاكيا الاتحاد الأوروبي منذ 1 مايو/أيار 2004 وتحولت إلى اليورو عام 2009.

 

انتقلت سلوفاكيا من الاقتصاد المركزي الى اقتصاد السوق وقامت بعملية خصخصة خاصة للبنوك والمصانع وبعض المرافق الحيوية، فيما تشهد البلاد حركة استثمارات واعدة. شهدت البلاد نموا متسارعا قبل أعوام 2007-2008، ولا تزال حتى اليوم من أسرع اقتصادات أوروبا نموا.

  

لذلك تعد سلوفاكيا جاذبة للاستثمار بفضل انخفاض الأجور ومحفزات الاستثمار فيها واليد العاملة المدربة جيدا. وبسبب التاريخ المشترك بين البلدين، تجري دوماً مقارنة بين سلوفاكيا وتشيك في مناحي الحياة من اللغة إلى التفاوت في المستوى المادي والثقافي وصولاً إلى النظامين التعليمي والإداري.

 

العاصمة براتيسلافا كما تبدو من القلعة وتبدو كنيسة سان مارتين التاريخية في وسط الصورة (الجزيرة)

تشتهر سلوفاكيا بطبيعتها الجميلة وجبالها وبحيراتها وقلاعها القديمة، مما يجعل من البلد مقصداً سياحياً. تعتبر جبال تاترا من أهم المقاصد السياحية لممارسة رياضة التزلج، ويأتي معظم الزوار من البلاد المجاورة خاصة ألمانيا. كما تعرف سلوفاكيا بالسياحة العلاجية بفضل عشرات المصحات الموجودة.

 

تسود التقاليد الشعبية بقوة وصلت إلى الآداب والموسيقى المحلية، فيما أعلنت يونيسكو بعض القرى القديمة جزءا من التراث العالمي عام 1993. يتداول السلوفاكيون قصة بطل شعبي اسمه يوراي يانوشيك (1688-1713) وهي مشابهة لقصة روبن هود الذي كان يأخذ من الأغنياء لإطعام الفقراء. وقد ترجمت حياته في أكثر من عمل أدبي وفني.

 

الشعب السلوفاكي شعب مثقف ومحب للقراءة، حيث يطالع كتب الأدب والتاريخ والسياسة والروايات. ولا يبذل السائح الأجنبي كبير جهد للعثور على من يرشده في طريقه حيث إن نسبة إتقان الإنجليزية والألمانية مرتفعة بين السلوفاكيين بوضوح.
السابق

السابق

التالي

السابق

-4/18-

سلوفاكيا.. حين اعتنقت الرأسمالية

سلوفاكيا.. حين اعتنقت الرأسمالية

وقد شكلت تشيكوسلوفاكيا حجرا في سياسة الاتحاد السوفياتي بالنسبة لأوروبا الشرقية والعالم الخارجي، حيث إن الروس ضحوا برفاهية مواطنيهم من أجل مواطني الدول الخاضعة لسيادتهم، فكان للأخيرين بيوت وعربات، وكان مسموحا لهم الخروج إلى بلاد أخرى، وكان دخل الفرد التشيكوسلوفاكي أفضل من دخل الروسي، لضمان عدم تعاطيه السياسة.


 

وبعدما كان الاتحاد السوفياتي أول شريك اقتصادي لتشيكوسلوفاكيا، أصبحت ألمانيا ودول أوروبا الغربية اليوم أكبر شركاء سلوفاكيا التي تستورد من روسيا الجازولين والغاز. من هذه الناحية تعد روسيا مهمة جدا لسلوفاكيا لاعتمادها عليها في الغاز. ويمر الغاز والبترول الروسيان عبر سلوفاكيا إلى التشيك ودول أوروبية أخرى. تقليديا هناك علاقات ومشاعر طيبة بين سلوفاكيا وروسيا بخلاف دول مثل بولندا، فلم تعرف تجارب روسية قاسية، باستثناء تجربة 1968. كذلك فإن الروح السلافية تقرب السلوفاك من الروس.

 

يقول محمد العمري، أستاذ اللغة العربية المقيم في البلد منذ 30 سنة، إن السلوفاك قدموا تنازلات للتشيك عند الانفصال، فتنازلوا عن البنك المركزي وشركات إنتاج السيارات وعلم الاتحاد التشيكوسلوفاكي، وذلك في سبيل الاستقلال، فيما اعتقد التشيك أن الانفصال أجدى لهم اقتصاديا. ويضيف أن الطرفين كانا ذكيين وواعيين لأنه لو تصارعا بعد الانفصال لكانا دمرا بلديهما بأيديهما.

 

إحدى المؤسسات الحديثة - مول - في العاصمة براتيسلافا (الجزيرة)

عن تلك المرحلة يقول الأكاديمي غابرييل بيريسكي، إنه في الحقبة الشيوعية لم تكن هناك فروقات كبيرة في الرواتب والمعاشات التقاعدية، لذا لم يكن هناك احتجاج من جهة ما أنها تتلقى معاشات أقل بكثير من جهة أخرى، مثلما يحدث الآن.

 

ويضيف أنه بسبب الماضي الشيوعي وانقسام تشيكوسلوفاكيا، لا تزال بلادنا أضعف اقتصاديا من بلاد مثل النمسا. لقد كنا محظوظين جداً بانفصالنا عن النظام السوفياتي وانتقالنا إلى اقتصاد السوق واكتساب استقلال حقيقي. 

ويقول بيريسكي إنه بعد 25 عاما من اقتصاد السوق، يمكنني القول إننا أفضل من السابق، وأعتقد أن الأجيال المتوسطة والصغيرة لا ترغب بعودة تلك الحقبة، وأضاف أن كبار السن حالتهم أكثر تعقيدا، لأنهم يتلقون رواتب تقاعدية ضئيلة من الدولة، حيث من الصعب أن تعيش براتبك التقاعدي فقط.

 

إحدى السفن النهرية المثبتة وتستعمل اليوم من بين عشرات السفن أمثالها للترفيه (الجزيرة)

ويضيف الأكاديمي السلوفاكي أن العاصمة براتيسلافا قريبة من المعايير الأوروبية في المعاشات والأسعار، وهكذا، لو سكنت فيها لقلت كم تقدمت البلد، لكن هناك مناطق أخرى فيها نسبة بطالة تصل إلى 40%. ويعتبر أن البلد جديد وقد حصل على استقلاله عام 1993 واقتصاده صغير مقارنة بالتشيك وهنغاريا. لكن هناك اليوم العديد من الاستثمارات الغربية في البلد، مثل بيجو، وكيا، فولكس فاجن. 

 

ويلفت إلى واقع يعيشه السلوفاك اليوم، حيث إنهم أقل اهتماما بالسياسة منهم قبل عشرين عاماً، وحيث يهتم الجيل الجديد بالأعمال الخاصة، إذ يرحل آلاف الشباب السلوفاك للعمل في بريطانيا وإيرلندا وألمانيا والنمسا.

أما أرتان كينيتي.. أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة ترنافا، فيلاحظ ثلاثة عهود من التغيرات في البلد، المرحلة الأولى بعد 1989 حيث سقط النظام الشيوعي، لكن سلوفاكيا بقيت قسما من تشيكوسلوفاكيا الفيدرالية، ثم المرحلة الثانية من 1993 حيث تمّ الانفصال حتى 1998، ثم المرحلة الثالثة من 1998 حتى اليوم.

 

شارع اوبخودنا التجاري ويظهر تحول المجتمع إلى العادات الاستهلاكية الغربية (الجزيرة)

ويقول كينيتي إنه بعد العام 1989 حدثت تغييرات في النظام الراديكالي لكنه بقي محتفظاً بتأثيرات اشتراكية، وقد كان تأثر سلوفاكيا بالتغيرات أكبر، حيث عانت سلوفاكيا في فترة التحولات من أعلى معدل للبطالة، ودفعت ثمنا اجتماعيا عاليا. 

  

بعد 1993 نشأت حكومة قومية متشددة، حاولت خلق صفوة من رجال الاقتصاد والأعمال مقربة إليها، فواجهت نوعا من العزلة، وتجمدت عملية الاندماج في الاتحاد الأوروبي.

 

ويضيف أنه بعد 1998 سقطت الحكومة القومية وتشكلت حكومة جديدة دفعت البلاد نحو الاتحاد الأوروبي مع عشر دول أخرى. وقد بدأت سلوفاكيا تلحق بالتشيك التي كانت متقدمة عليها وبدأت أعمال واستثمارات تأتي للبلد، خاصة في الفترة 2005-2007 حيث كانت نسبة النمو 7%-8 % سنويا.

 

محلات تجارية في منطقة بيوشتاني البعيدة 120 كلم عن العاصمة وتبدو متواضعة وقديمة (الجزيرة)

ويقول كينيتي إن الحكومة حاولت تطوير الاقتصاد وتخفيض نسبة البطالة عبر تشجيع الاستثمارات الأجنبية بمحفزات مثل الإعفاء الضريبي وتخفيف البيروقراطية، فجاءت شركات عالمية مثل شركات تصنيع السيارات المعروفة. هذه الشركات قلصت البطالة وزادت صادرات سلوفاكيا التي تعد أكبر مصدر للسيارات في أوروبا.

 

ويضيف أنه بعد تلك الفترة جاءت الأزمة الاقتصادية التي أثرت على الاقتصاد السلوفاكي، لكنه لا يزال ينمو بشكل أسرع من غيره من الدول الأوروبية.

 

ويعتبر أن مشكلة البلد الأساسية هي البطالة حيث وصلت الى 14%، وهي مشكلة مزمنة ومؤثرة حتى في وقت النمو، لافتاً إلى وجود مشكلة خاصة مع مكون الغجر الذين تبلغ نسبتهم 10% من السكان وهم غير مندمجين مع العناصر الأخرى من المجتمع وهم يشكلون غالبية العاطلين عن العمل، ولم تفلح محاولات الحكومات في إلحاقهم بالأعمال.

 

فندق كراون بلازا ، رمز من رموز الرفاهية الحديثة في البلد (الجزيرة)

ويلاحظ كينيتي أن مناخ الاستقرار يشجع الاستثمار في البلد، إضافة إلى أن الدولة تحفز المستثمرين الأجانب بإعفاءات ضريبية لعشر سنوات. من الناحية الأخرى، يتابع، هناك مشاكل بيروقراطية وقانونية، إضافة إلى الفساد الذي يشكل مشكلة، لكنه ليس أكبر من الفساد في التشيك أو هنغاريا. 

 

ويلاحظ الزائر لسلوفاكيا انتشار نمط الحياة الغربي الاستهلاكي فيها، حيث انتشرت الشركات العالمية والمعارض والمصارف والفنادق والمطاعم والمقاهي والمكتبات في المدن السلوفاكية، وأصبح المواطنون يقنتون السيارات الحديثة غالية الثمن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/18-

سياسة إغراء المستثمرين

سياسة إغراء المستثمرين
من مشروع منتجع البحيرة الذي تقوم به شركة سناب العربية قرب منتجعات بيوشتاني (الجزيرة)

هذه الإجراءات أتت بنتائج ملموسة، حيث اجتذبت شركات عالمية من مختلف المجالات. وبحسب ألكساندروس فاساراس من شركة الاستشارات ذياس إنترناشيونال سوليشيون غروب، فلسلوفاكيا مناخ استثماري ثابت وفيها حضور استثماري من شتى البقاع.

 

ومنذ دخولها الاتحاد الأوروبي، أصبحت لها شبكات تنمية بمساهمات عالمية في مجالات النقل والمعلوماتية وصناعة السيارات والسياحة والبناء والعقارات والتعليم، والثقافة. كما أن المستثمر يعرف واجباته القانونية والضريبية دون مفاجآت غير متوقعة، مما يعني أرباحاً فورية بتكلفة منخفضة. في المقابل، بقي الاستثمار العربي محدودا ومحصورا في شركات متوسطة وصغيرة الحجم، إضافة الى مطاعم اللحم الحلال.

 

ويعزو أرتان كينيتي أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة ترفانا، هذا الغياب إلى أن البلد صغير، أو أن ثمة تفضيلا للدول المجاورة مثل التشيك والمجر والنمسا، كما أن العلاقات العربية السلوفاكية ليست قوية بما فيه الكفاية.  

 

ويضيف كينيتي للجزيرة نت أنه حان الوقت لتمتين العلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين، فسلوفاكيا تشكل نقطة لوجستية جيدة بين شرق أوروبا وغربها، والمستثمر فيها يستطيع الوصول بسهولة إلى الأسواق المجاورة، كما أن تكلفة العمالة مناسبة، حيث يبلغ معدل المعاشات 750 يوروا.

 

وعن الإجراءات العملية للاستثمار، يوضح محمد ممدوح مالك ومدير شركة مايندسيت آند كامبسيرفينغ التي تعمل على دعم وفتح شركات للمستثمرين الأجانب في البلد وتقديم الاستشارات لهم، أن عملية تسجيل الشركات سهلة وتستغرق أسبوعين، مضيفا أن الامتيازات تختلف بين الشركات الكبيرة والصغيرة، فالشركات الصغيرة من السهل أن تسجلها وتبدأ عملها مباشرة مع إعفاء ضريبي لمدة سنة.

 

أرتان كينيتي أستاذ الاقتصاد الزراعي في جامعة ترفانا (الجزيرة)

ويوضح ممدوح أنه في حال الاستثمار بالشركات الكبيرة في مجالات الصناعة أو السياحة أو التكنولوجيا، أو في بعض المناطق خارج العاصمة، فإن الحكومة تدعمها بـ60% من كلفة المشروع، أو بتخفيض قيمة الأراضي والآليات، أو رفع الضرائب عنها.

 

هذه السياسة اجتذبت -بحسب ممدوح- شركات عالمية مثل مايكروسوفت، وديل، وغوغل، وآي بي أم، ولينوفو، وسوني، وأمازون. وتعتبر سلوفاكيا اليوم أكبر منتج للسيارات مقارنة بالدول الأوروبية، حيث تعمل فيها مصانع سيارات لشركات: كيا، وهيونداي، وفولكسفاغن، ومرسيدس، وشركات أخرى، كما أنها أكبر منتج لشاشات التلفاز.

 

من ناحية أخرى، اجتذبت مصحات البلاد الثماني وطبيعتها الخلابة العديد من الشركات السياحية، حيث يأتي زوار خليجيون بشكل خاص للعلاج بالمياه الكبريتية والطين، أو للسياحة

 

مستفيدين من الأسعار المنخفضة في البلد. كما يأتي أشخاص لتخفيف أوزانهم، حيث يتبعون برنامجا مختلفا يشمل بعض الجهد الجسمي إضافة الى برنامج غذائي دقيق. وتمتاز المصحات بخدمات رفيعة المستوى، كما تقع في أماكن وغابات جميلة جدا، وتوفر أماكن وأوقات علاج خاصة بالنساء.

 

وتختلف تركيبة المياه من مصحة لأخرى، وبالتالي فكل مصحة تتخصص في علاج أمراض معينة، فهناك مصحات تركز على علاج مشكلات العمود الفقري وأمراض الروماتيزم، بينما تركز مصحات أخرى على مشكلات الكلى والكبد والمسالك البولية أو المشاكل الجلدية. كما تختلف تكلفة الرحلة العلاجية بحسب مكان الإقامة وفترة العلاج، حيث تنخفض الأسعار من شهر يناير/كانون الثاني حتى شهر مارس/آذار بسبب برودة الطقس، مما يدفع الزائرين العرب إلى تفضيل فترات أخرى.

 

أحد الأسواق الداخلية في مدينة براتيسلافا (الجزيرة)

وبحسب الاختصاصيين، فإن الأمراض التي يمكن علاجها في المصحات هي الأمراض التنفسية والجلدية والعصبية وأمراض الجهازين الهضمي والكسور الناجمة عن حوادث وأوجاع المفاصل. وتبدأ رحلة العلاج بإرسال تقرير طبي عن حالة المريض إلى المصحات للنظر فيها، لكن المصحات ترفض بعض الحالات الميؤوس منها.

 

المدير التنفيذي لشركة سناب ترافيل، مصطفى عرار، يقول للجزيرة نت إن شركته تركز على جذب سياح الخليج، خاصة السعوديين. ويوضح أن الكويتيين يأتون منذ عشرات السنين لزيارة المصحات العلاجية، بينما بدأ سياح عرب يأتون منذ عشر سنوات من السعودية والإمارات وقطر ومصر وسوريا ولبنان.

 

ويوضح عرار أن الفترة العلاجية تتراوح عادةً بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، أو شهرين أحياناً، مضيفاً أن العلاج الطبيعي يحتاج للصبر. ويقول إن "90% من زبائننا هذا العام صرحوا أنهم استفادوا من العلاج ويرغبون بالعودة، ولدينا زيادة سنوية في عدد القادمين، حتى إن بعض الزبائن يأتي مرتين خلال ستة أشهر".

 

ويضيف عرار أنهم يقومون -إضافة إلى السياحة العلاجية- بجولات سياحية إلى التشيك والنمسا والمجر وسلوفاكيا للأفراد والعائلات، حيث تأتي الأسر في رحلة سياحية لمدة معينة، تزور خلالها مدن بودابست وبراغ وبراتسلافا وفيينا وزلامسي، وترتب الشركة لهم كل تفاصيل الرحلة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/18-

الاستثمار في التعليم الجامعي

الاستثمار في التعليم الجامعي

 

وتعطي سلوفاكيا اليوم منحا دراسة جامعية سنوية لدول مثل أفغانستان وفلسطين وسوريا، حيث يدرس الطلاب مجانا باللغة المحلية ويحصلون على سكن جامعي مجاني، وحوالي 300 يورو شهريا. في المقابل، بدأت جامعات محلية منذ العام 1991 التعليم باللغة الإنجليزية مقابل رسوم دراسية، في خطوة تهدف لدعم نفسها اقتصاديا.


وهكذا، ينقسم الطلاب الأجانب في سلوفاكيا إلى قسمين؛ قسم يأتي بنظام المنح الدراسية ويدرس باللغة السلوفاكية، وقسم آخر يدرس باللغة الإنجليزية مقابل رسوم دراسية. وفيما تدرس معظم المواد باللغتين السلوفاكية والإنجليزية، تدرس مواد أخرى بالروسية أو الإسبانية أو الألمانية أو الفرنسية.

 

ويقول عزام أبو حسن، صاحب وكالة طلابية في براتيسلافا، إن 95% من الطلاب الدارسين في البلد مقابل رسوم يفضلون مجال الطب، لأن العديد من الدول الأوروبية، مثل النرويج والسويد واليونان وقبرص، لديها عدد هائل من الطلاب الراغبين في هذا الفرع، وهم لا يجدون جامعات تستوعبهم أو أنهم لا يستوفون شروط دراسة الطب في دولهم، فيما يجدون شروطا أسهل في سلوفاكيا. ويأتي طلاب الصيدلة في الدرجة الثانية، ثم طلاب الهندسة المدنية والميكانيكية والكيماوية وهندسة السفن. أما طلاب الدكتوراه فتقبل الجامعات عددا محدودا منهم.

 

حفل تخرج 1600 طالب في إحدى الجامعات السلوفاكية (الجزيرة)

وأوضح أبو حسن للجزيرة نت أن هناك ثلاث جامعات طب في سلوفاكيا، جامعة كومينيوس في براتيسلافا، وجامعة كوشيتسه، وهي أكبر جامعة حيث تقبل سنويا حوالي 240 طالبا جديدا، وجامعة مارتين التي تقبل حوالي 80 طالب سنويا، إضافة إلى كلية صيدلة واحدة في براتيسلافا وكلية طب بيطري في كوشيتسه، ومعظم الطلاب فيها يأتون من إسرائيل كونها تهتم جدا بتطوير قطاع الإنتاج الحيواني. إضافة للجامعات المذكورة هناك عدة جامعات خاصة للإدارة والاقتصاد، وهي تخضع لرقابة الدولة، وكلية قانون معروفة. 

 

وفيما يخص ميزات الدراسة في البلد قال إن الجامعات السلوفاكية معترف بها في الاتحاد الأوروبي ودول العالم، مما يعني أنه مع انتهاء الدراسة يمكن للخريج مزاولة المهنة مباشرة

 

دون معادلة شهادته. كذلك فتكلفة المعيشة ليست مرتفعة، وهي أرخص من التشيك المجاورة، مع وجود الأمان والاستقرار، كما أن العاصمة براتيسلافا تبعد حوالي 40 كلم عن مطار فيينا الذي تتم منه حوالي 90% من حركة السفر في البلد.

 

مهرجان رياضي للطلاب الجامعيين (الجزيرة)

إضافة إلى أن مستوى الجامعات جيد مقارنة بالجامعات العالمية، حيث إن جامعة كومينيوس جاءت في المركز 600 ضمن 24 ألف جامعة في العالم، وهذا مستوى ممتاز. ومن الميزات أن للجامعة وحدها قرار قبول الطلاب دون أي علاقة لوزارة التربية والتعليم، كما يحدث في دول أخرى. ثم إن هناك إمكانية للانتقال من جامعة سلوفاكية الى جامعة أخرى داخل البلد أو خارج البلد. كما يأتي طلاب من جامعات في دول أخرى الى الجامعات السلوفاكية.

 

ويقول إليكساندروس فاساراس، وكيل مؤسسة يونانية تعنى بشؤون الطلاب اليونانيين، أكبر مجموعة طلابية أجنبية في البلد، إن العاصمة براتيسلافا تبعد مسافة 25 دقيقة حتى 6 ساعات برا عن عشر دول محيطة بها، كما يمكن للمرء أن يعيش فيها بمبلغ 350 يورو، وتجري فيها مئات النشاطات الثقافية والاجتماعية والترفيهية من جميع نواحي الأرض.

 

مشاركة طلاب يونانيين في نشاطات طلابية تقيمها الجامعات السلوفاكية (الجزيرة)

طالب الطب التركي محمد بايصال المقيم في البلد منذ خمس سنوات يقول للجزيرة نت "كنت ثاني طالب تركي في البلد. لم تكن سلوفاكيا معروفة لنا. كانت بلدا صغيرا وكان الطلاب الأتراك يفضلون بلادا أخرى أكثر جاذبية مثل الولايات المتحدة. معظم الطلاب الجامعيين الذين يدرسون في الخارج ينفق عليهم أهلهم لا الحكومة التركية التي تدعم طلاب الدراسات العليا. سلوفاكيا مكلفة بالنسبة للأتراك، لأن اليورو يساوي 3 ليرات تركية. لدينا حوالي 25 طالبا في مجالي الطب والهندسة المدنية. اليوم لدينا طلاب جدد لأنهم افتتحوا اختصاصات جديدة".

 

ويوضح بايصال أن الدراسة في رومانيا وبلغاريا أوفر بكثير من سلوفاكيا، لكن الجامعات السلوفاكية أفضل بكثير من الجامعات البلغارية والرومانية. وقد يجد الطالب عملا في سلوفاكيا، لكن الأجر زهيد، فيما تصل تكلفة تأجير المنازل إلى 800 يورو. ويقول إنك ربما تسكن في الضواحي بمبلغ 500 يورو لكنك ستدفع الفرق في المواصلات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/18-

الإعلام والإسلام.. كثير من الجهل قليل من العداء

الإعلام والإسلام.. كثير من الجهل قليل من العداء

 

شأن سائر الإعلام الغربي، تميل الكثير من وسائل الإعلام السلوفاكية إلى التحيز ضد القضايا الإسلامية والتحريض على المسلمين، ولا تكلف تلك الوسائل نفسها عناء البحث عن الحقائق،  طالما أن ذلك يحقق لها نسبة متابعة عالية.

 

في المقابل تقوم المؤسسات الإسلامية في البلد بجهد إعلامي متواضع عبر مواقع إنترنت وإصدارات ورقية توضح رأيها في الأحداث، كما يشارك مسلمون في برامج تلفازية وإذاعية، لكن هذا الجهد لا يزال بحاجة إلى الكثير من الدعم ليعادل صوت الإعلام المتحامل ويوصل صوته إلى المواطن السلوفاكي، كما يقول القائمون على العمل الإسلامي في سلوفاكيا.

 

ويقول مهاجرون عرب في سلوفاكيا إن من يتابع الإعلام السلوفاكي من قنوات وصحف وإذاعات، ويقارنه بالدعايات الإعلامية في الدول الأوروبية يستطيع أن يميز نمطا فريدا من التغطية يدفعه للتساؤل عن "من يقف وراء الشاشات" وهل هي غرفة عمليات موحدة تدير كل الشاشات والصحف لتظهر بهذا النمط الموحد، بحيث تظهر كل شهرين أو ثلاثة قضية جديدة ملفقة؟

نماذج من اعلام الجالية المسلمة الذي يحاول الرد على الدعايات المضادة، والنشرات المعروضة (الجزيرة)

 

هذا التساؤل يقود إلى سؤال حول قوة النفوذ اليهودي في الدولة السلوفاكية وتاريخه في تشيكوسلوفاكيا. ويقول الأستاذ محمد العمري أستاذ اللغة العربية إنه رغم أن تشيكوسلوفاكيا كانت صديقة للعرب رسميا، ورغم علاقاتها الجيدة مع بلاد عربية اشتراكية مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا لاحقا، يقال إن أعضاء الحزب الشيوعي المحلي تبادلوا الأنخاب لانتصار إسرائيل عام 1967 لأن أغلبهم كانوا يهودا.

 

لكن العمري يستبعد أن يكون النفوذ اليهودي وراء التحامل الإعلامي على المسلمين، معتبراً أن التحامل إرثٌ من الحروب الصليبية والحقبة الشيوعية ونتاج العلمانية والجهل ومعاداة كل ما هو غريب وأجنبي والخوف من الاسلام، ولا ننسى أن سلوفاكيا دولة أوروبية تتأثر بمحيطها وتاريخها ودينها وثقافتها، ولكن الغالبية العظمى من الناس ليس عندهم مثل هذا العداء، حسب قوله.

 

أما محمد صفوان، مسؤول مؤسسة قرطبة فيعتبر أن الشعب السلوفاكي في موقفه من الإسلام لا يشكل استثناء بين الشعوب الأوروبية. ويعتبر أنه ينقسم إلى ثلاث شرائح، شريحة لها موقف سلبي مرتبط بالذاكرة الصليبية التي لا تزال حاضرة في المجتمعات الأوروبية، وشريحة ثانية محايدة، وشريحة ثالثة متعاطفة مع المسلمين، والشريحة الأخيرة تتقلص مع مرور الزمن بسبب الأحداث العالمية، حسب قوله.

 

ويضيف صفوان أن "أداء وسائل الإعلام السلوفاكية في الغالب سلبي، ليس بالضرورة عن خلفية متحيزة وحاقدة، فربما كان هذا جهلا أو كسلا فكريا يحول دون البحث المتعمق في المسائل، أو ربما كان بفعل عامل السرعة وضغط العمل والمنافسة".

القضية الفلطسينية حاضرة في الكتابات السلوفاكية في المكتبات العامة (الجزيرة)

 

ويقول إن من وسائل الإعلام ما تكون تغطيته لقضايا الإسلام سلبية، مثل صحيفة سميث وهي يومية يمينية، ومنها ما هو أفضل قليلا مثل صحيفة براودا، وهي امتداد لصحيفة برافدا العائدة للحقبة السوفياتية، وقد تحولت إلى صحيفة يسارية.

  

وهناك وسائل إعلام تحاول أن تكون موضوعية، حسب صفوان، مثل قناة تي آر تي وهو تلفاز وموقع إخباري، وسلوفينسكي روز هلاس، وهو راديو رسمي ويعتبر من أفضل الموجود.

 

إضافة إلى ما سبق، يضيف صفوان، هناك صحافة صفراء تعتمد الإثارة، مثل نوفي تشاس أو "الوقت الجديد"، وأخرى شعبوية مثل "بلوس يدن دن" أي زائد يوم واحد.

 

ويلاحظ أن الفروق تتقلص مؤخراً في تعامل وسائل الإعلام مع القضايا الإسلامية، حيث إن معظمها يتعامل بشكل مأزوم وغير حيادي شبيه بطريقة الوجبات السريعة وتغلب عليها الإثارة والسلبية. ملاحظا أن المسلمين لا يظهرون في الإعلام إلا في أوقات الأزمات.

 

أحد أفراد الجالية اليهودية في براتيسلافا (الجزيرة)

وعن مشاركات المؤسسة في الإعلام يقول "ندرس مسألة مشاركتنا في الإعلام بين الإيجابيات والحسنات، كما نصدر بيانات للتعليق على الأحداث وتبيين رأينا فيها، وعادة تُنشر تلك البيانات.

 

أتيلا كواج، أستاذ مقارنة الأديان في جامعة كومينيوس،  يقول إن الإعلام متخوف من منظمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية، وهو لم يكن مهتما بسوريا قبل ظهورها، وأضاف أن الصحفيين اهتموا بهذا التنظيم خاصة. ويقول كواج إن "معظم الصحفيين ليس لديهم أي معلومات، ولو أساسية، عن الإسلام حيث كانوا يسألون أسئلة ساذجة من قبيل: كيف يحتفل المسلمون بعيد الميلاد"؟

 

واستبعد كواج بدوره وجود لوبي صهيوني في البلد. وقال إن الجالية اليهودية في سلوفاكيا صغيرة ومعزولة عن الأحداث وليس لديها ثقل مهم في البلد. وقال إن الإسلاموفوبيا ليست موضوعا حاضرا بقوة في سلوفاكيا، مثلما يحدث في التشيك، كما أن الإعلام السلوفاكي ليس قويا مثل إعلام الدول المجاورة. وأوضح أن نفس الصحفيين يعطون تعليقات على الأحداث الجارية في العالم من الصين إلى المغرب دون احترام للتخصص.

 

رمزان للمحرقة اليهودية أقيما في العاصمة براتيسلافا (الجزيرة)

أما جوزيف لينتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ترنافا فقال للجزيرة نت إن الإعلام يستضيفنا عندما يحدث شيء ما فقط، ويدعوك للتبرير والاعتذار، فيما لا يهتم بالأمور الإيجابية.

 

ويقول لينتش، الذي اعتنق الإسلام منذ سنوات "لا تعلم جميع وسائل الإعلام السلوفاكية أني مسلم، لأن اسمي وأصلي يدلان على أني سلوفاكي. وعندما يسألونني أقول إنني مسلم. وأحيانا يعرفوني بـ (محلل سياسي - مسلم) وأسألهم: لماذا تعرفونني بمحلل سياسي مسلم ولا تعرفون زملائي بالمسيحيين كذلك"؟.

 

واستبعد لينتش سيطرة معادين للإسلام على الإعلام، وعزا التحامل الإعلامي إلى قلة فهم وإدراك الإعلاميين السلوفاك، موضحا أن الموضوعات التي تطرح عليه بكثرة هي الموضوعات التقليدية مثل مكانة المرأة في الإسلام وموقف الإسلام من العنف ونحو ذلك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/18-

وجهة جديدة للسياح العرب

وجهة جديدة للسياح العرب

 

سلوفاكيا دولة حديثة النشوء، ورغم وجود الكثير من المقومات لديها، فهي لم تستطع الترويج لنفسها سياحياً. فجبال التاترا لها نفس جمال جبال الألب، لكن الأخيرة أكثر شهرة. كذلك تحيط بتلك الجبال محميات طبيعية كثيرة لم تكن معروفة حتى وقت قريب، حتى إن السلوفاك أنفسهم لم يكونوا يزورونها.

لكن السياحة السلوفاكية بدأت تتطور منذ عام 2007 بالتوازي مع تطوير البنية التحتية في البلد، حيث بُنيت فنادق جديدة وزاد عدد الغرف بالتوازي مع تطوير وزيادة قدرات شبكات النقل العام. كما أنشئت مطارات ومستشفيات ومراكز خدمات في المناطق السياحية.

 

وتشهد سلوفاكيا رواجا سياحيا متزايدا في الصيف، فخلال الموسم السياحي لا تجد موطئ قدم في مدينة براتسلافا القديمة. وقد أصبح عرفا أن كل من يزور فيينا يمرّ بمدينة براتسلافا لقرب المسافة بينهما. ويأتي في طليعة السياح من الجنسيات: الألمان والإسبان والعرب والصينيون. ويلاحظ مهتمون أن قدوم السياح العرب إلى البلد بدأ يزداد منذ السنة الماضية، يساعد على هذا انطلاق رحلات طيران مباشرة من دبي إلى براتسلافا ابتداء من شهر ديسمبر/كانون الأول 2014 بمعدل رحلتين أسبوعيا.

 

سياح آسيويون يزورون قلعة العاصمة المعروفة باسم هراد (الجزيرة)

وبينما يزور سياح عرب سلوفاكيا بهدف الترويح عن النفس، تزورها فئات أخرى للعلاج، حيث إن البلد مشهورة بمصحاتها الطبية التي تعالج بالمياه المعدنية والطين، بينما راجت أخيراً سياحة المغامرات التي تجذب الشباب.

 

وتجتذب منتجعات ومصحات مثل مصحة بيوشتاني وغيرها أعدادا ملحوظة من السياح العرب، لكنها لا تزال دون المطلوب. ويقول المهتمون إن سلوفاكيا لم تكتشَف بعد من العالم العربي، خاصة من الطبقتين المتوسطة والغنية.

 

ففي بيوشتاني التي تبعد 120 كلم عن العاصمة، التقت الجزيرة نت بالسيد نويجي الشيخ المصاب بمرض باركنسون منذ أربع سنوات، وقد جاء إلى البلد طامعاً في العلاج البديل للتخفيف من المرض، لأن الطب التقليدي لم يفده في شيء، بحسب قوله. وقد زار الهند حيث يركزون على صب الزيوت على الجسم وإندونيسيا حيث يركزون على التدليك، ولم يستفد من البلدين، ثم جاء إلى سلوفاكيا بناء على نصيحة أحد معارفه.  

 

فتيات عربيات مشاركات في رحلة في سلوفاكيا (الجزيرة)

ويقول الشيخ القادم من السعودية، إن العلاج الذي يتلقاه هو عبارة عن تمارين رياضية مع استجمام في المياه الكبريتية لتفكيك العضلات وتخفيف التشنج، ويضيف إن جميع معارفه الذين جاؤوا إلى سلوفاكيا تحسنت حالتهم، مع اختلاف أمراضهم. ويلفت إلى أن التكلفة المادية للإقامة والعلاج مشجعة جداً مقارنة بالدول الأخرى، كذلك فالراحة النفسية موجودة وهذا مهم للغاية، كما أن جلسات العلاج تتم داخل الفندق ولا يضطر المريض للخروج كي لا يتأثر بالطقس.

 

ويقول رجل الأعمال السعودي، نبيل محمد الحربي المصاب في ركبته بسبب ممارسة رياضة رفع الأثقال، إن الألم ازداد منذ أربعة أشهر حتى لم يعد قادرا على المشي. ويضيف "جئت إلى هنا لتفادي العملية الجراحية حيث أخبروني بإمكانية التحسن بالعلاج الطبيعي. كانت وجهة نظر أغلب الأطباء تتجه لإجراء جراحة، لكنني جئت هنا منذ عشرة أيام والحالة أفضل".

 

ويضيف "قابلت الطبيب المعالج في اليوم الأول، ووضعوا في نفس اليوم برنامجاً علاجياً يتضمن الوخز بالإبر والاستجمام بالمياه المعدنية والطينية والتدليك. حتى الغضاريف لها طريقة مختلفة. العلاج يحتاج التزاماً بالأوقات دون تأخير. في اليوم الواحد عندي خمس جلسات علاجية مختلفة، ومن الجلسة الأولى مع الاخصائي تشعر باهتمام كبير من طرفهم، حيث هناك متابعة طبية وتحاليل بعيداً عن أي أدوية كيميائية".

 

قلعة تاريخية خارج العاصمة تعد من الأماكن السياحية  (الجزيرة)

ويقول الحربي إن المسبح الطيني والمياه المعدنية مفيدة جدا للإنسان حتى لو لم يكن لديه أي مشكلة صحية، مضيفاً أن هناك اهتماماً من أصحاب الفندق بثقافات القادمين، وهم يقدمون الطعام المناسب لهم حسب عاداتهم ومعتقداتهم.

 

محمد ممدوح، مهندس مصري مقيم في البلد منذ عدة أعوام، ينشط في مجالي الاستثمار ورياضة المغامرات في سلوفاكيا والتشيك والمجر والنمسا. يقول ممدوح إن أعمار المشتركين في هذه الرحلات تبدأ من سن تسع سنوات حتى الثلاثينيات، وتبلغ تكلفة الرحلة التي تستمرّ تسعة أيام 1500 يورو، تراعى فيها شروط السلامة الأوروبية بصرامة مع تأمين طبي شامل للمشتركين.

 

ويوضح أن مدربين مؤهلين يستلمون الأطفال منذ خروجهم من المطار ويتابعونهم طوال فترة الرحلة حتى رجوعهم إلى بلادهم. ويهتم هؤلاء بحالة الطفل الصحية، خاصة إن كان يحتاج إلى أي علاج أو دواء، وتتلقى الشركة تقريراً طبياً عن الحالة الصحية لكل مشترك.

 

رياضة القفز بالمظلات إحدى أوجه جذب السياح العرب  في سلوفاكيا (الجزيرة)

يجرّب القادمون -البالغ عددهم حوالي خمسين شخصاً في كل رحلة- المغامرات المائية المختلفة والقفز من الطائرات بارتفاع 14 ألف قدم والقفز من الأبراج العالية، إضافة إلى ركوب الدراجات وتسلق الجبال واكتشاف الغابات والتزلج، فضلا عن زيارات للكهوف المنتشرة بكثرة في البلد ومناجم التعدين ومناجم الملح.

 

ويقول ممدوح إن الشباب يأتون خاصة من مصر والسعودية والإمارات وألمانيا وبريطانيا، ومن الأخيرتين يأتي شباب المدارس خاصة خلال فترة الأعياد المسيحية بهدف التزلج. ويوضح أن كثيراً من المشتركين يعودون للمشاركة في النشاطات من جديد، كما أن الشباب يأتون بحماس بالغ لتجربة كل النشاطات، خاصة القفز من الطائرة، يشجعهم على ذلك ما سمعوه من أقرانهم الذين خاضوا التجربة.

 

ويختم قائلاً إن ثمة إمكانيات ممتازة للتسوق كذلك، ليشعر المشترك بالتميز عن السائح العادي، حيث نذهب إلى أفضل الأماكن لإنتاج الأجبان الحيوانية في جبال تاترا، ونراعي توفير اللحم الحلال للمشتركين من الخرفان التي نشتريها من المزارع.
السابق

السابق

التالي

السابق

-9/18-

الجالية المسلمة.. قليلة العدد محدودة الأثر

الجالية المسلمة.. قليلة العدد محدودة الأثر

 

تشير معلومات وكتابات إلى أن مسلمين تشيكا كانوا يعيشون في البلد بين الحربين العالميتين، وكانوا يصدرون صحيفة باسم "الصدى". وتذكر المعلومات المدونة على إحدى ترجمات القرآن إسلام  تشيكي اسمه د. محمد علي شلهاوي، وتأسيس اتحاد إسلامي عام 1934 ثم تعليق أعماله بسبب الحرب العالمية الثانية وسيطرة الشيوعيين. وفي العام 1945 أعيد تأسيس الاتحاد من جديد، وقد حاول د. شلهاوي الدراسة في الأزهر قبل الحرب العالمية الثانية بطلب من مسلمي التشيك، لكن قيام الحرب وسيطرة الشيوعيين أفشلا المشروع.

وأثناء قيام تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية، كان هناك وجود عربي في البلاد، ثم جاء طلبة متدينون بعد سقوط النظام الشيوعي واتصلوا بالمسلمين البلقان وأقاموا مصليات كانت تؤدي خدمات بسيطة مثل اللحم الحلال والزواج والدفن. ويوجد اليوم حوالي 20 محلا تجاريا يقدم اللحم الحلال في العاصمة براتيسلافا وحدها.

 

تقدر أعداد الجالية بحوالي عشرة آلاف شخص أغلبهم مثقفون وحملة الشهادات الجامعية. وهناك تمثيل دبلوماسي للكويت ومصر والعراق، وإندونيسيا، إضافة إلى تركيا، فيما تغيب المؤسسات الإسلامية العالمية.  

 

مؤتمر عقده المركز الاسلامي في براتيسلافا قبل عشرة أيام بحضور الشيخ عبد الله المصلح (الجزيرة)

تعد الجالية العربية أكبر الجاليات المسلمة، خاصة أبناء بلاد الشام، إضافة إلى حوالي 2500 مهاجر مصري جاء معظمهم طلابا أو رجال أعمال، ثم تأتي الجالية الألبانية، ومعظم أبنائها يملكون محلات حلويات ومثلجات. وقد جاء عشرات الطلاب الأفغان للدراسة وبقوا في البلد، لكن خلفيتهم الدينية ضعيفة. كما يوجد مئات الطلاب والتجار الأتراك.

 

ويقول محمد العمري، أستاذ اللغة العربية المقيم منذ 30 سنة في البلد، إن بعض العرب أسسوا قبل 1989 جمعية "أصدقاء الثقافة العربية" وكانت جمعية ذات طابع ثقافي بحت، وذلك بدعم من بعض أصدقاء العرب والمستشرقين. وقد أسهمت نفس المجموعة لاحقا -مع مهاجرين ألبان- في استئجار مكان للصلاة، كما استأجر أحد الألبان جزءًا من مقبرة لمدة خمسين سنة، ليكون مقبرة للمسلمين. وفي سنة 1992 أنشئ اتحاد الطلبة المسلمين في تشيكوسلوفاكيا رسميا.

 

مع انقسام تشيكوسلوفاكيا، انقسم الاتحاد، يتابع، فأقمنا أول مؤتمر للطلبة المسلمين قبل أشهر من الانفصال سنة 1993، وقمنا بعده بأكثر من مؤتمر طلابي، تشمل محاضرات تثقيفية وتوعوية وتستمر ثلاثة أيام، مع التركيز على الأطفال.  ثم أنشئت لاحقا ثلاثة مراكز إسلامية، أحدها للأتراك والألبان والكوسوفيين، والآخران للعرب وجنسيات أخرى.

 

محمد العمري أستاذ اللغة العربية  (الجزيرة)

ويقول العمري إن أجيالا لا معرفة لها بالإسلام نشأت في البلد، لذلك تبذل جهود لتدارك الأمر. وهناك مساعٍ منذ ثلاث سنوات لإنشاء روضة أطفال. ويتابع "نخصص ثاني أيام العيد لتسلية الأطفال، أو نقضي الأعياد في مزارع خارج العاصمة، ونستأجر أماكن رياضية للشباب".

 

من ناحيته، يقول محمد صفوان، مدير مؤسسة قرطبة، إن للمؤسسة حضورا في الإعلام المحلي، وموقع إنترنت باللغتين السلوفاكية والتشيكية يزود يوميا بمقالات عن الإسلام والمسلمين. ويضيف "نتواصل مع أي كاتب يكتب بإيجابية عن الإسلام، ولنا محاضرات في الجامعات السلوفاكية، كما نعمل منذ خمس سنوات على ترجمة معاني القرآن الكريم وقد أنجزنا المهمة".

 

ويوضح أن مؤسسة قرطبة ترجمت عشرات الكتب، كقصص الأنبياء وقصص خاصة للأطفال، وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولديها برامج تعليمية، مثل برنامج عن الإسلام يقدم عبر الإنترنت، ويعتمد الدراسة عن بُعد وتقديم امتحانات ثم إعطاء شهادات للناجحين. ويقول إن المهتمين بهذه البرامج هم من المهتمين بالإسلام أو المسلمين الجدد أو الصحفيين.

 

مدير مؤسسة قرطبة محمد صفوان في حوار مع طلاب سلوفاكيين (الجزيرة)

وقال "لدينا حوالي 500 مسلم جديد، أغلبهم يعيش في أوروبا الغربية، بعضهم يسلم عن طريق القراءة وآخرون عن طريق العلاقة الشخصية، وبعضهم عن طريق ارتباط بمسلم أو مسلمة، ونحن نتواصل مع حوالي 300 منهم تقريبا عبر واتس آب والإيميل وغيرها من التقنيات الحديثة.

 

بعد انفصال التشيك عن سلوفاكيا، تبين أن ترجمات القرآن في تشيكوسلوفاكيا كانت بالتشيكية فقط، مما دفع المحامي عبد الوهاب السبيناتي ذا الأصول السورية، إلى ترجمة القرآن إلى السلوفاكية، حيث إن هناك فروقا بين اللغتين.

 

يقول السبيناتي للجزيرة نت إنه تعاون مع صديق له في الترجمة، وكانت  الصعوبة الأساسية في البحث عن تفسير الآية نفسها، لا تفسير معين لها. ويضيف أنه استعان بأمهات كتب التفسير مثل القرطبي وابن كثير وغيرهما، إضافة لمعاجم عربية وسلوفاكية وإنجليزية.

 

أطفال مسلمون في حضانة تابعة للمركز الإسلامي في براتيسلافا (الجزيرة)

ويقول إن الترجمة انتهت بعد 13 سنة، وانتهت آخر مراجعة لها عام 2007، وقد أسهمت فيها أكاديمية سلوفاكية مختصة باللغة السلوفاكية، كنا نراجع معها الترجمة وكيفية تلقي القارئ السلوفاكي لها. وصدرت أول نسخة منها عام 2008.

 

ويقول السبيناتي إن الناس تقبلوا الترجمة منذ البداية قبولا جيدا، وكانت هناك ردات فعل إيجابية تجاهها، واليوم توجد في الدوائر المهتمة مثل الجامعات والمكتبات مع سائر مؤلفاته.

 

ولا تعترف الحكومة السلوفاكية بالإسلام دينا موجودا في البلاد، بسبب قانون يشترط وجود 20 ألفا من تابعي أي ديانة للاعتراف بها، فيما تقل أعداد المسلمين عن العدد المذكور.

 

ويقول جوزيف لينتش، وهو أكاديمي سلوفاكي اعتنق الإسلام منذ عدة سنوات، إن الحكومة حتى اليوم لا ترى أننا موجودون هنا ولا تهتم بالأمر. نحن جالية صغيرة حتى الساعة ولا نلفت النظر. وأمل لينتش أن الجيل الجديد سيكون أقدر على تمثيل الإسلام في مجتمعه. ولاحظ أن علاقات سلوفاكيا مع العالم العربي كانت قوية قبل عام 1991، فيما هي اليوم عادية تماما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/18-

الحجاب في سلوفاكيا.. نادر ومستغرب

الحجاب في سلوفاكيا.. نادر ومستغرب

 

لا تعرف سلوفاكيا الكثير من قصص الحجاب، فجاليتها الإسلامية قليلة العدد، ولا ترتدي كل بناتها ونسائها الحجاب. لكن المحجبات في سلوفاكيا مررن بتجارب توضح مدى جهل المجتمع بالحجاب وبالإسلام عموما.

ويبدو أن البلد الذي يشهد حضورا لافتا للنساء في كل مجال سيشهد في السنوات القادمة مزيدا من قصص الحجاب، حيث ستظهر نساء مسلمات أكثر ويطلبن مكانا لهن في الحياة العامة. يدعم هذا كون أغلب الجالية المسلمة من فئة المثقفين.

 

وبالإضافة إلى نساء الجالية المسلمة، تشهر العديد من النساء السلوفاكيات إسلامهن إما لتجربة شخصية أو لاقترانهن بمسلمين. وهؤلاء لهن تجارب أخرى في مواجهة أسر وأقارب ومجتمع يشحنهم الإعلام يوميا ضد الإسلام والمسلمين.

 

مريم العمري، طالبة الحقوق في السنة الثالثة، والدها سوري ووالدتها سلوفاكية. أرادت ارتداء الحجاب في الثانوية، ولم يكن في ثانويتها مسلمات أخريات. قالت مدرستها إنها ستؤيدها في قرارها. لكن مريم فضلت ارتداء الحجاب في الجامعة. تقول إنها لاحظت انزعاج البعض من حجابها.

 

مريم العموري مع والدها  (الجزيرة)

تقول "دخلت الجامعة بحجابي. كانوا يكلمونني بالإنجليزية لظنهم أني أجنبية، فليس في الجامعة مسلمة غيري. أتلقى أسئلة حول كوني سلوفاكية ومحجبة، وأجيب بأن هذا كان اختياري وهذا ديني ومن حقي أن أكون مختلفة عنكم. أحيانا أسمع تعليقات أو أسئلة ساخرة من حجابي. لديّ صديقات مسلمات محجبات في كليات أخرى مثل الطب والهندسة".

 

وتتابع إن إحدى صديقاتها  أسلمت مع أسرتها وواجهت مشكلة في حجابها في مدرستها، فكلمت والدتها المدير وانتهت المشكلة دون أن تتطور. وتعتبر أنه لكون الجالية قليلة العدد، فهي لا تلفت النظر. وتضيف أن هناك مسلمات غير محجبات يعملن في القطاع العام، وهناك مسلمة غير محجبة تعمل في القطاع لم يسمح لها بارتداء الحجاب.

 

وتعتقد مريم أنها لو تقدمت بحجابها لوظيفة في القطاع العام فلن يقبلوا بها على غالب الظن. لكنها تضيف "أحب هذا البلد وأعتبره بلدي وأحب البقاء فيه. وفي حال لم أجد عملا هنا، ربما أبحث عن عمل في فيينا القريبة من هنا، حيث لا مشكلة مع الحجاب".

 

طلاب من مدرسة سلوفاكية يزورون مركز قرطبة الإسلامي للسؤال عن الإسلام ويلاحظ غلبة العنصر النسائي فيه  (الجزيرة)

وتتواصل مريم مع صديقاتها المسلمات عبر فيسبوك للتداول حول قضاياهن ومشاكلهن اليومية، كما يعملن على ترجمة خطب الجمعة والمقالات ومقاطع الفيديو التي تخص الإسلام والمسلمين الى اللغة السلوفاكية، وينظمن بعض الرحلات الخاصة. كذلك يشهدن المؤتمرات الإسلامية التي تقام في سلوفاكيا.

 

وتقول ناتاشا التي اعتنقت الإسلام في زيارة لإندونيسيا، إن الأمر كان قاسيا على أهلها، لكنهم اقتنعوا بعد مناقشات طويلة، وكان الحجاب النقطة الأصعب لها ولأسرتها. وتضيف أنه حتى الشباب كانوا يسألونها لماذا ترتدي الحجاب، ولماذا المسلمون عنيفون، وتقول إن ارتداء الحجاب يمثل لها تحديا يوميا.

 

لكن ناتاشا تضيف للجزيرة نت أنها لم تخسر أيا من صديقاتها بسبب الحجاب، فقد احترمن قرارها، لكن كانت تساؤلات عن معناه، وتضيف أن الحجاب لم يؤثر على مسيرتها المهنية، وتعزو خسرانها لبعض الفرص المهنية إلى مؤهلاتها لا مظهرها.

 

شارع تجاري وسط العاصمة  (الجزيرة)

أما روزانا التي اعتنقت الإسلام في السادسة عشرة من عمرها تأثراً بأحد معارفها المسلمين ، فقالت للجزيرة نت إن أهلها لم يأخذوا الأمر على محمل الجدية في بداية الأمر خاصة الصلاة والصيام، وقد سمعت الكثير من كلمات الشفقة والنقد من أجانب كانوا يظنون أنها لا تعي ما تفعل.

 

وتوضح أنها سمعت انتقادات من والدها، لكنها لم تخسر أيا من صديقاتها، ولم تسمع من أي منهن تعليقاً بشأنه، وتضيف أنها تقدم نشاطا ضمن حوار ثقافي حيث تستطيع النساء تجربة الحجاب ليوم واحد، وهو ما يحارب القوالب الجاهزة ويغيّر التصورات السلبية.

 

وعن مزاولة العمل تقول إنها كانت تعمل لعشر سنوات مع ارتدائها للحجاب، وفي حال عدم رضى الزبون، فقد كان حرا في عدم دخول المتجر، وتستدرك قائلة إن هذا كان قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001، وربما يكون من الأصعب اليوم أن تجد زبائن. وتقول إنها بعدما رزقت بأبنائها ركزت على العمل الخيري، حيث المجال مفتوح بلا حدود.

 

الحفل بمناسبة راس السنة في إحدى ساحات العاصمة  (الجزيرة)

المستشرق أتيلا كواج يوضح للجزيرة نت أن السلوفاكيين لم يعتادوا بعد رؤية نساء محجبات في بلدهم، وهم يستغربونه نوعا ما. ويقول إن ثمة فرقا كبيراً بين ارتداء الحجاب في العاصمة وارتدائه في القرى، فالعجائز كن يرتدين غطاء للرأس هنا، لكن الناس تنسى.

 

وعن صعوبات العمل بالحجاب يقول كواج إن الشركات الكبيرة ربما لا ترغب في أن ترتدي موظفاتها الحجاب لأنها تريد كل شيء على نفس المنوال ولا تحب الاختلاف، وأضاف "لست متفائلا كثيرا بمستقبل المسلمين هنا، لكن كل شيء معرض للتغيير بشكل دائم. الناس يتعرضون لحملات إعلامية قوية ضد الإسلام".

 

ويوضح جوزيف لينيتش أستاذ العلوم السياسية في جامعة ترفانا أن المجتمع السلوفاكي ليس لديه أي معلومة صحيحة عن الإسلام، والكثير من معلوماته بهذا الشأن مصدرها الإعلام، فيما هناك رواسب تاريخية بقيت من أيام الدولة العثمانية حول "العثمانيين الأشرار الذين روّعوا أجدادنا". وأضاف أن الأمر ليس كما في اليونان التي حكمها العثمانيون مئات السنين، فقد حكموا المنطقة حوالي سنتين فقط.

 

ويوضح لينيتش أن "أغلبية السلوفاكيين يظنون أن الإسلام هو شيء غريب، وأنه دين للعرب وحدهم، كما يظنون أن الإسلام يعني الهجمات الإرهابية والعنف ضد النساء".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/18-

سلوفاكيا.. جارة الدانوب

سلوفاكيا.. جارة الدانوب
السابق

السابق

التالي

السابق

-12/18-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وفي التقارير المتنوعة، يعرفنا تقرير بأوجه السيطرة والنفوذ الإيراني في العاصمة السورية دمشق، حيث تشتد صور التشيع والحديث بالفارسية في حواري وطرقات المدينة.

ومن تونس نعيش مع الحجاج اليهود وطقوسهم في زيارة جزيرة جربة التي تحتضن أحد أقدم الكنس اليهودية في العالم.

وفي أفريقيا السمراء، تنشط منظمة الدعوة الإسلامية منذ 35 عاما لتضميد جراح القارة وإغاثتها ودعوتها إلى الإسلامية، ويعرفنا التقرير بهذه التجربة الثرية.

وفي شرق أفريقيا، ينشط شباب صومالي لإحياء الرقصات الشعبية الفلوكورية، نتعرف على هذه الرقصات وجهود الشباب لإعادة الحياة إليها.

أما في عكار شمال لبنان، فيعرفنا تقرير على جهود مدرسة ثانوية لاستثمار عقول الطلبة المتميزين في صناعة الروبوت.

ومن نهر النيل نعايش عائلات تسكن "الفلوكة" وهي قوارب خشبية صغيرة، ترسو على ضفة النيل، وتؤوي هذه العائلات لسنوات طويلة إلى مساكن البؤس هذه. ويختتم العدد بألبوم صور من سلوفاكيا، ملف العدد. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/18-

الجامع الأموي.. حين يتحدث الفارسية

الجامع الأموي.. حين يتحدث الفارسية

 

علاء الدين عرنوس وسلافة جبور- دمشق
 

طالما أنت في دمشق، فلا ضيرَ أن تتذوق الخبز السوري بطعمهِ الجديد مصنوعاً من الدقيق الإيراني الأسمر، وأن تلمحَ مظاهر تجمعات شيعية تؤدي طقوسا غريبة داخل حرم الجامع الأموي، أو تلتقي بسيدات يرتدين ملاءات سوداء ضمن وفود الحج بين فنادق البحصة وسوق المرجة، أو تطالع عناوين كتب عن ثورة الخميني على مكتبات الأرصفة، أو حتى تختار بين أنواع الزبيب الإيراني بين توابل سوق البزورية؛ مظاهر طهران حاضرة إلى حد يفوق إدراك حقيقة هذا التغلغل الذي بدا مفاجئا وفجّا لكل زائر يدخل دمشق ويتجول في أسواقها وحاراتها.

 

مظاهر طهران حاضرة في دمشق، حضورا شرّعته الفوضى القائمة والقصور الحكومي في السيطرة على الأوضاع التي تسير من سيئ إلى أسوأ. يتفق من عايش هذا الواقع -مرغما أو بطيب خاطر- أنه حضور مؤقت، يرتبط بزوال نظام الأسد أو بتر اليد الممتدة إليه بمعزل عن العواقب.

 

بهذا القدر من الحذر، يراقب الدمشقيون التحول في دمشق الذي عبرت عنه مصادر مقربة من محافظة دمشق "بأنه تواجد تعدى الرمزية، حيث باتت الوصاية الإيرانية تتدخل في مفاصل الحياة السورية على نحو يثير قلق الجميع، بمن فيهم المؤيدون.

 

سيدات يرتدين الزي الإيراني يتجولن بساحة الجامع الأموي (الجزيرة)

يعتبر أبو أحمد -وهو مواطن دمشقي من سكان حي الفحامة القديم- أن تدهور الأوضاع المعيشية على نحو صارخ بين السكان الأصليين دفعت ببعضهم إلى تبني المذهب الشيعي، وأجبرت الظروف أشخاصا يعرفهم على التشيّع والانقياد لإغراءات تلك الحملات التي باتت معلنة على نحو واضح في أحياء دمشق.

 

ورداً على سؤال يتعلق بأشكال الإغراءات المقدمة، يجيب أبو أحمد: "يكفي للمتشيع الجديد أن يكون بمنأى عن المضايقة والتهديد من مؤيدي النظام، وزد على ذلك الرواتب المقبولة التي تقدم لقاء التفرغ للمجالس الحسينية في مقام "الست رقية" وندوات المستشارية الثقافية والمناسبات الأخرى الكثيرة".

 

ويضيف: "كل ذلك يتم قبل خطوات لاحقة لتجنيد العناصر المتشيعين لمهام الحراسة والقتال، ودائماً مقابل رواتب شهرية على حساب أبناء الأحياء الأصليين".

 

أطفال شيعة يشاركون في إحياء أربعين الحسين في أحياء دمشق القديمة (غيتي)

وعند سؤاله عن الجهات المشترِكة في دعوات التشيّع، يعدد أبو أحمد قائمة طويلة لجمعيات وجماعات لم تكشف الجزيرة نت عن أي نشاط رسمي معلن لها، باستثناء جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية، والمستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق، ومؤسسة الباقر، وهيئة دعم المقاومة الإسلامية، ومراكز تعليم اللغة الفارسية.

 

ويبدي أبو أحمد تخوفه من اندماج أوسع ينتهي بتجنيد وإغراء مئات الشبان العاطلين عن العمل "يمكنه أن يؤثر على خصوصية المجتمع الدمشقي السنيّ المذهب".

 

أما الناشط أبو عبد الله الشاغوري مؤسس تنسيقية حي الشاغور، فيرى أن تلك المظاهر جزء من واقع التشييع الملموس في العاصمة دمشق، والذي يتجلى بانتشار العبارات الفارسية والرايات السوداء وصور حسن نصر الله وحزب الله، إضافة لتوطين عدد من الإيرانيين في منازل ضمن دمشق بشكل عام وفي الأحياء القديمة منها بشكل خاص، وهو أمر يتم التأكد منه عن طريق تصرفاتهم ولهجاتهم ووجود حراسة خاصة بهم.

 

ولا ينفي بعض المواطنين -ممن تحدثت إليهم الجزيرة نت- أن بعض المؤيدين يتندرون بأسماء وشعارات شيعية لتجنب التهديد والأذى. في أحد محال الوشم بالقرب من الجامع الأموي يعرض رسام الوشوم عبارات متنوعة ورسومات تمثيلية لـ"ذو الفقار" و"علي"، بينما يشير الرسام إلى أن عبارة "يا حيدرة" هي النقش الذي حاز على إقبال الشبان من عناصر الدفاع الوطني وجيش الوفاء.

 

صلاة الجنازة في بيروت على الشيخ مهدي مقداد من قيادات حزب الله الذي قتل في معارك سوريا (الأوروبية )

لم تعد ظاهرة تشييع قتلى جنود النظام وسط أجواء من الانفعال وإطلاق الرصاص الكثيف غريبة على أحياء دمشق القديمة، والتي تمتلئ جدرانها الأثرية اليوم بملصقات عشرات القتلى وشعارات تمجد بطولاتهم وتضحياتهم في ميادين القتال.

 

وباتت جميع تلك الظواهر المنتشرة بكثرة في أحياء دمشق القديمة -ومنها حي الشاغور- مصدر إزعاج لقاطنيها، يقول أبو عبد الله: "السكان ضاقوا ذرعاً بتلك المظاهر الشيعية، إلا أن الخوف من بطش النظام -والذي يمكن أن يتمثل بالخطف أو الاعتقال- يمنع أغلبية السكان من التذمر علانية".

 

ظاهرة انتشار الحسينيات والجمعيات التي تحتضن مجالس عزاء و"لطميات" للشيعة في مناسبات متعددة، لم تعد أيضاً شيئاً غريباً على الدمشقيين، فالمسيرات الشيعية وإحياء مناسبات مقتل الحسين والمناحات الكربلائية تتم في أحياء دمشق القديمة والسيدة رقية والعمارة، والتي ترفع فيها رايات حزب الله ولواء أبو الفضل العباس، أحد أكبر المليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام.

 

مرقد السيدة سكينة ابنة الإمام الحسين في العاصمة السورية دمشق (غيتي)

وبحسب أحد مواطني دمشق القديمة، وصلت تلك المسيرات للجامع الأموي، فيما يبدو استفزازاً متعمداً لسكان المدينة ذوي الأغلبية السنية، حيث تسير -وفي مناسبات شيعية عديدة- أعداد كبيرة من الشيعة بلباس أسود ووشاح أخضر ملفوف حول العنق، يهتفون بشعارات طائفية ويتكلم كثير منهم اللهجة اللبنانية، متجهين من باب قلعة دمشق إلى مقام السيدة رقية، ليلتقوا مع وفود أخرى قادمة ضمن حافلات صغيرة مخصصة لنقل الزوار الشيعة.

 

يتساءل أبو عبد الله: "إن كانوا يدّعون زيارة المقامات في السيدة زينب ورقية، فما الهدف من دخولهم إلى صحن الجامع الأموي ورفع الرايات الفارسية؟".

 

وبحسب الناشط أبو عبد الله الشاغوري، فقد تم توثيق سقوط مقاتل إيراني يحمل هوية إيرانية وبطاقة عسكرية سورية على جبهة حلب في مارس/آذار الفائت، إضافة لتوثيق مقتل عشرات السوريين من الطائفة الشيعية المتطوعين للقتال في صفوف النظام.

 

ويؤكد الشاغوري أن تلك المجموعات المقاتلة تعمل تحت قيادة مباشرة من حزب الله اللبناني الذي يتولى التنسيق مع النظام السوري، وبمساندة كبار العائلات الشيعية في دمشق القديمة.

 

أحد الحجاج الشيعة للمراقد في العاصمة السورية بمناسبة أربعين الحسين بعد عاشوراء (غيتي) 

وكثيرا ما تستخدم الهويات السورية من قبل المقاتلين والعناصر الإيرانيين في التنقلات البرية التي تنطوي على مخاطر الاحتكاك مع قوات المعارضة، مع احتمال اعتقالهم أو أسرهم. جاء ذلك في شهادات متقاربة لقادة ميدانيين في الفصائل المقاتلة على جبهات جوبر والسيدة زينب والقابون.

 

ووفقا لمعلومات حصلت عليها الجزيرة نت في وقت سابق من دائرة نفوس المرجة، فإن اللبناني ربيع الموسوي المقيم في حي المزة فيلات غربية، يحمل بطاقتي هوية سوريتين باسمين مختلفين، وكان موظفون في الدائرة قد تأكدوا من هويته حين أشهرَ "إخراج قيد لبناني" لمشابهة صورته مع الهوية الجديدة.

 

ويقول المصدر إن الموظفة "س" في دائرة النفوس التابعة لوزارة الداخلية واجهت الاعتقال التعسفي، عندما رفضت طباعة بطاقات هوية لعناصر أمنيين من بينهم أجانب ما لم تستند إلى إخراج قيد مدني أصلي.

 

مؤشرات تنامي التغلغل الإيراني المشترك مع عناصر من حزب الله بين عناصر وأفراد أمنيين في أجهزة الدولة، تقود إلى وجود تنسيق ضمن مكتب عمليات مشترك لا يمكن للاجتماعات الأمنية وحدها أن تنظمه، بحسب تصريح مسؤول وحدة الرصد بريف دمشق للاتحاد الإسلامي لأجناد الشام.

 

شيعة يحيون أربعين الحسين بعد عاشوراء في حي الميدان بريف دمشق غيتي (غيتي)

هذا ما أكدته مصادر استخباراتية موثوقة للجزيرة نت، حول مجموعات قتالية خاصة وعناصر مدربة على مستوى عالٍ يطلق على إحداها مجموعة "الواجب المقدس"، تتلقى أوامرها الحصرية من ما يعرف بـ"مكتب الحجي" في دمشق، وهو مكتب قيادة وتنسيق عالٍ يُعتقد أنه -وفقا لمعلومات المصدر- يدير العمليات العسكرية من داخل الطوابق السفلية للمستشارية الثقافية الإيرانية في منطقة المرجة.

 

ووفق تصريح مسجل، يشير مهندس من دائرة الخدمات في مجلس محافظة دمشق للجزيرة نت، أن "بعض الإجراءات الخدمية المتعلقة بالعاصمة باتت تتم بوجود عناصر أمنيين مرتبطين بمكتب التنسيق التابع للمستشارية الإيرانية بدمشق، وليس لأحد الأفرع الأمنية".

 

ويشير المهندس إلى أن جهاز أمن السفارات بات تحت سلطة المستشارية الإيرانية مباشرةً منذ ستة أشهر على الأقل، وينسق عناصر أمنيون تابعون للمكتب مع دوائر محافظة دمشق حول مختلف الجوانب الفنية والخدمية.

 

ويضيف: "غير أن مناطق دمشق القديمة -كحي الأمين والأمويين والشاغور والعمارة- لم تعد في حدود مسؤوليتنا"، معتقدا أن السبب يتعلق بتوطين عائلات مقاتلين وموظفين إيرانيين ولبنانيين في مجمعات سكنية داخل تلك المناطق.

 

المسجد الأموي من الداخل أثناء أداء الصلوات (غيتي)

لا يدور حديث بين اثنين من تجار دمشق، إلا ويحل سؤالهم المؤرق عن الضيوف الغرباء الذين لا يشبهون السياح، وتجمعاتهم التي لا تبعث على الطمأنينة وهم يستقرون في صميم مناطق ارتبطت بتاريخ العاصمة القديمة. يقول صاحب مقهى دمشقي في منطقة المرجة "لم نتوقع أن يتغلغل وجودهم إلى هذا الحد"، ويعلق آخر: "ليسوا سياحا ولا خبراء سوفيات، إنهم المستوطنون الجدد، فوجودهم لم يعد مقتصراً على المساندة العسكرية.

 

ويؤكد تجار وصناعيون منتسبون لغرفتي الصناعة والتجارة السوريتين، أن الحكومة السورية رهنت اقتصادها بالقرار الإيراني من خلال تشريع قوانين اقتصادية جاءت في مصلحة الاقتصاد الإيراني وعلى حساب السوريين.

 

يشير أبو جواد، وهو أحد كبار مستوردي الغذائيات وعضو غرفة تجارة دمشق، إلى هذه الإجراءات قائلا: "وفقا للنظم والقوانين التجارية الجديدة، فإن بوسع التجار والصناعيين السوريين استيراد المنتجات الإيرانية تحديدا وبالدَّين، وتسديد أثمانها خلال ستة أشهر كحد أقصى تحت اسم مشروع الخط الائتماني الإيراني".

 

إحدى البوابات الرئيسية للمسجد الأموي في دمشق القديمة (غيتي)

ويضيف أبو جواد في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت "بما أننا بطبيعة الحال نسدد ثمن بضاعتنا بالعملة الصعبة، فإن الشعارات البراقة التي يطرحها الخط الائتماني الإيراني يستفيد منها الإيرانيون وحدهم عن طريق تصدير ما يرونه من فائض في إنتاجهم وبالعملة التي يرونها مناسبة".

 

ويتهم أبو جواد ما أسماه "مؤسسات التدخل الإيجابي" التي أعلنت تواطؤها المعلن لصالح الخط الائتماني الإيراني السوري عن طريق رفع الأسعار بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار، واصفا الإجراءات بالمهزلة التي لا تقدم حلولا ملموسة بقدر ما تبحث عن آليات استنزاف جديدة لرأس المال السوري.

 

ووفقا لمعلومات من صادر خاصة حصلت عليها الجزيرة في وقت سابق، فإن رفع الأسعار لم يؤثر فعليا على المناطق المؤيدة للنظام التي تحصل على مواردها ومخصصاتها المجانية والشبه مجانية من المؤسسة العسكرية. وتعتبر المناطق ذات الغالبية السنية والبلدات المهادنة إحدى أكثر الأطراف تضررا من الامتياز الإيراني الذي يقتضي بتصريف البضاعة الإيرانية في الأسواق السورية بأسعار مرتفعة، وفق شروط ليست -كما سوقت لها وزارة الاقتصاد والتجارة- "تشجيعية من قبل الطرف الإيراني الصديق".

 

ويشكو مواطنون سوريون تحدثوا للجزيرة نت من النقص الحاد في العديد من الأصناف الغذائية والسلع الرئيسية التي أدت إلى تضاعف أسعارها. وفي هذا الصدد يقول المواطن أبو مروان: "دمشق لم تعد لنا وإن كنا نحن أبناءها، دمشق خمينية".
السابق

السابق

التالي

السابق

-14/18-

الحاخام "مير" وخرجة "المنارة" طقوس حج اليهود بتونس

الحاخام "مير" وخرجة "المنارة" طقوس حج اليهود بتونس
خميس بن بريك - تونس

 


 اعتاد سكان جزيرة جربة في هذه الفترة من كل عام استقبال آلاف الزوار اليهود القادمين من بلدان أوروبا وإسرائيل الذين يأتون للاحتفال بالحاخام "مير" أحد الكهنة اليهود القدامى، والمشاركة في خرجة "المنارة" والتعبد والابتهال في كنيس الغريبة.

 

وتقول التونسية اليهودية المقيمة بفرنسا عزيزة بلهجة تونسية متقطعة إنها تأتي سنويا لمعبد الغريبة مع أفراد عائلتها للمشاركة في الطقوس وإقامة الصلوات وقراءة الأسفار اليهودية والدعاء لقضاء الحوائج وتحقيق الأماني وملاقاة الأصدقاء والاستمتاع معهم.

 

وحول ما يختلج نفسها من شعور وسط جوّ روحاني فياض داخل الكنيس تقول عزيزة التي غطت رأسها بوشاح أحمر لإظهار خشوعها بأنّ ممارستها لتلك الطقوس تجعل قلبها في سكينة، مؤكدة أنّ "اليهوديات يعتقدن بجلب السعادة والبركة بأداء تلك الطقوس".

 

عزيزة التونسية اليهودية المقيمة بفرنسا (لجزيرة)

وتقول عزيزة إنّ كنيس الغريبة في عيون اليهود يعد مزارا مباركا وملجأ روحانيا يقصده اليهود للتقرب من الله والدعاء بتحقيق أمانيهم، وتضيف أن اليهوديات عادة يقصدن معبد الغريبة للدعاء بتحقيق أمنياتهن سواء بالزواج أو الحصول على مولود.

 

وداخل مبنى الكنيس الذي زينت بعض جدرانه بالأبيض والأزرق يجلس اليهود متجاورين على أرائك طويلة لقراءة التوراة وسائر الأسفار والتلمود ، فيما يستمتع آخرون بأكل الحلوى والمكسرات وشرب نبيذ "البوخا" المصنوع من التين والحصول على مباركة الحاخامات.

 

واختلطت أصوات اليهود داخل المعبد بين من يرتل الأسفار ومن يدعو الله تضرعا وخشية ومن ينشد الابتهالات والأغاني التونسية التراثية، في حين يقوم البعض الآخر بإشعال الشموع والتبرع بالنقود وسط مصابيح زجاجية صغيرة معلقة في الجدران.

 

إلى ذلك يضع زائرون قطعا من الفضة داخل نافذة زجاجية كبيرة معلقة بحائط بعد كتابة أمنياتهم وأحلامهم التي يرودون تحقيقها، فيما تقوم يهوديات بكتابة أسمائهن وأمنياتهن على قشور البيض بأقلام ملونة ثمّ يضعن البيض الأبيض بمغارة داخل المعبد.

 

جانب من احتفال اليهود وسط ساحة الغريبة  (لجزيرة )

ولا يقتصر موسم حج اليهود بكنيس الغريبة الذي يستمد عراقة قداسته من أساطيره على مثل هذه الطقوس والاعتقادات فحسب، بل يشمل كذلك الاستمتاع والترفيه في ساحة كبيرة خارج فضاء المعبد بالعزف والغناء والأكل والشرب والتسوق من التجار.

 

وفي فناء تلك الساحة التي زينت جدرانها المقوسة بأعلام تونسية يجلس الزوار اليهود على كراسي لمتابعة عروض موسيقية منوعة تعود بهم إلى عبق غناء التراث التونسي، فيما يستمتع البعض الآخر بأكل لحم الخروف المشوي الذي تفوح رائحته في كل مكان.

 

ويقول جاكوب أحد اليهود التونسيين المقيمين في فرنسا للجزيرة نت إنه يشعر بفرحة كبيرة بقدومه إلى تونس للمشاركة باحتفال اليهود وسط هذه الأجواء، مشيرا إلى أنّ جميع يهود تونس يشعرون بسعادة بفضل نجاح تأمين موسم حج اليهود بكنيس الغريبة.

 

وبالنسبة إليه فإنّ موسم حج اليهود في جزيرة جربة يعد حدثا دينيا ضخما لا يمكن التخلف عنه، مؤكدا أنه يشارك منذ سنوات طويلة في أداء الشعائر داخل الكنيس ومنها خرجة "المنارة" التي يقول إنها "تحافظ على تقاليد الأجداد في إبعاد الشرور وتحقيق البركات".

 

وخرجة "المنارة" هي طقوس يتوّج بها موسم حج اليهود. وتتمثل هذه الطقوس في خروج جماعي لليهود من كنيس الغريبة بعربة يثبت فوقها مصباح تقليدي كبير، مغطاة بأقمشة مزركشة فوقها طبق نحاسي مكسي بالزهور يقودونه إلى حي الحارة الصغيرة المجاور للكنيس.

 

إشعال الشموع داخل المعبد (الجزيرة )

ويرفع اليهود أصواتهم بالأهازيج والأغاني وقراءة الكتب الدينية خلال هذه الخرجة قبل أن يعودوا بها إلى كنيس الغريبة.

 

ورغم المخاوف الأمنية التي زرعها الكيان الإسرائيلي في اليهود لثنيهم عن السفر إلى تونس تحت ذريعة وجود تهديدات "إرهابية" تتربص بهم، لم يستسلموا لتلك التحذيرات وتوافدوا بالآلاف من كل البقاع على جزيرة جربة لإقامة مناسك حجهم مطلع مايو/أيار.

 

وهذه الثقة لم تكن متأتية من فراغ، فقد بعثت السلطات التونسية برسائل طمأنة إلى الجالية اليهودية بفضل تعزيز الاحتياطات الأمنية ومراقبة مداخل جزيرة جربة والمدن المجاورة لها وتأمين حراسة كنيس الغريبة والأحياء المحيطة به وتكثيف الحراسة الأمنية حول الفنادق.

 

وفي ظلّ هذه الإجراءات المشددة، نجحت الجالية اليهودية في توفير ظروف آمنة لإقامة طقوسها الدينية وتأدية ابتهالاتها بكنيس الغريبة الذي يعتقد بأنه أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم وأن تاريخ تأسيسه يعود إلى ما قبل ميلاد المسيح.

 

وتقول أحد أساطير معبد الغريبة الذي يقع بالحارة الصغيرة بجزيرة جربة حيث يقيم أكبر تجمع للأقلية اليهودية، بأنّ المعبد استمد تسميته من امرأة غريبة عاشت وحيدة في كوخ قريب من مكان المعبد وعرفت بتعففها وزهدها، فتم تخليد ذكراها بعد وفاتها بإقامة المعبد.
السابق

السابق

التالي

السابق

-15/18-

منظمة الدعوة.. 35 عاما من تضميد جراح أفريقيا

منظمة الدعوة.. 35 عاما من تضميد جراح أفريقيا
سيد أحمد الخضر- الدوحة 

 

 غيبت المنون والدها فحدّقت في المجهول بعد أن تحولت إلى رقم نحيل ضمن ملايين الأيتام والمشردين في ربوع القارة السمراء. عائشة عباس يتيمة من دولة تشاد، خبرت لوعة الفقد وضنك العيش ونكد الحياة، فواجهت واقع العوز والقسوة والإهمال.

 

لكن الخيّرين نقلوا عائشة من درك اليأس إلى حضن العطف وضمنوا لها العيش الكريم، وأصبحت تأمن على كرامتها وتتطلع لغد مشرق ينسيها مرارة اليتم والإهمال.

 

عائشة التي تدعو الله أن يجزل العطاء للمحسنين تقول إنها تحولت إلى حسن بعد سوء، حيث غادرت مربع العسر إلى اليسر، وباتت طموحاتها تتجاوز القوت اليومي إلى بناء المستقبل.

 

ومثل عائشة يعيش 14 ألف يتيم أفريقي في كنف منظمة الدعوة الإسلامية، حيث تتكفل بمعيشتهم ودراستهم وصحتهم. ويقيم هؤلاء الأيتام في دور مجهزة بوسائل الرعاية وتخضع لإشراف صحي ونفسي وديني.

 

المنظمة تكفل 14 ألف يتيم في أفريقيا (الجزيرة)

وإلى جانب الأيتام تستهدف المنظمة الفئات الهشة الأخرى مثل الفقراء والأرامل والمنكوبين والنازحين واللاجئين، كما تولي عناية خاصة للدعاة وطلاب العلم والمدرسين والمهتدين الجدد.

  

ومنذ إنشائها قبل 35 عاما، ظلت منظمة الدعوة الإسلامية تجوب دروب العوز والجهل والمرض في أفريقيا، لتمسح دموع اليتامى والأرامل وتشيد المدارس والمساجد والمستشفيات وتعين المنكوبين على مواجهة آثار الحروب والصراعات.

 

المنظمة التي أنشئت عام 1985، مولت مشاريع إغاثية وتنموية استفاد منها أكثر من 130 مليونا في أفريقيا، بينما قادت جهودها الخيرية والدعوية إلى دخول الناس في دين الله أفواجا.

 

يقع مقر المنظمة الرئيسي في العاصمة السودانية الخرطوم وتتواجد طواقمها وبعثاتها في أربعين دولة أفريقية إلى جانب بلدان إسلامية أخرى مثل سوريا وبورما واليمن.

 

إغاثة مسلمي أفريقىا الوسطى تخفف من معاناتهم وعوزهم (الجزيرة)

يقود المنظمة حاليا الرئيس السوداني الأسبق المشير سوار الذهب، فيما يشرف على أدائها مجلس مكون من 17 عضوا ينتمون لست عشرة دولة عربية وإسلامية بينها قطر والإمارات والسعودية والكويت واليمن والمغرب ومصر وليبيا.

  

وإلى جانب المقر الرئيسي في الخرطوم تضطلع مكاتب المنظمة في الخليج والدول العربية الأخرى بأدوار رئيسية حيث تمثل حلقة وصل بين المعدمين والخيّرين فتنقل ما يجود به هؤلاء إلى أولئك.

 

ووفق مدير مكتبها في الدوحة الشيخ حماد عبد القادر الشيخ، تعمل المنظمة على رعاية وتنمية المجتمعات الإسلامية في كل دول العالم وبالأخص في أفريقيا، وتحرص على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة بالتوازي مع إشاعة روح التسامح بين أهل الملل.

 

ويوضح الشيخ أن إيرادات مكتب قطر وحده بلغت في الفترة من 2011 حتى نهاية 2014 أكثر من 510 ملايين ريال (حوالي 141 مليون دولار أميركي) تم توجيهيا لجيوب الفقر ومواطن المرض في أفريقيا وأماكن أخرى منكوبة حول العالم.

 

المنظمة وفرت المياه للكثير من القرى الفقيرة في أفريقيا (الجزيرة)

وفي الفترة من 2007 إلى 2014 نفذت منظمة الدعوة الإسلامية 30 ألفا و900 مشروع بأفريقيا في المجالات التعليمية والخدمية والدعوية والتنموية.

  

وخلال هذه الفترة حفرت المنظمة 2552 بئرا حيث يفتقر الناس للمياه الصالحة للشرب، خصوصا في القرى والتجمعات البعيدة عن المدن الرئيسية.

 

فقد حفرت 658 بئرا في الصومال وحدها و465 في تشاد و310 في النيجر، فيما توزعت النسبة الباقية على دول أفريقية أخرى يفتك العطش بفقرائها.

 

تشرف المنظمة على توفير خدمة غسيل الكلى للفقراء في السودان (الجزيرة)

وفي الجانب الصحي، شيدت منظمة الدعوة 53 مركزا وعيادة طبية تستقبل المرضى من مختلف الأعراق والديانات، وجهزت 47 وحدة لغسل الكلى بالمجان.

 

وإلى جانب المشاريع الصحية، تتدخل المنظمة أثناء الكوارث والحروب لمعالجة آثارها فتقدم مساعدات غذائية عاجلة للنازحين واللاجئين.

  

والمنظمة التي شيدت 993 مسجدا في السنوت السبع الماضية، بنت 31 مجمعا إسلاميا متكاملا يضم كل واحد منها مركزا صحيا وبئرا ودارا لتعليم القرآن الكريم.

 

منابر المنظمة ومآذتها تنتشر في ربوع أفريقيا (الجزيرة)

كما شيدت في الفترة نفسها 143 مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية تقدم التعليم المجاني لأبناء المحرومين من مختلف الشرائح، بالإضافة لبناء سبع دور لاستضافة الأيتام.

 

وفي خطوة دعوية جديدة بأفريقيا، أنشأت المنظمة إذاعات إسلامية في أوغندا وسيراليون وليبيريا تخاطب الناس بلغاتهم المحلية وتفقههم في شؤون دينهم.

 

وبالتوازي مع المساعدات الغذائية والعينية، مولت المنظمة أزيد من 2000 مشروع مدر للدخل لتعويد المستهدفين على الإنتاج من قبيل المزارع والمحال التجارية، وعربات النقل الصغيرة، وتربية الأغنام والأبقار ومطاحن الحبوب، وماكينات الخياطة وقوارب الصيد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/18-

الشباب الصومالي يحيي "الرقص الشعبي"

الشباب الصومالي يحيي "الرقص الشعبي"
قاسم أحمد سهل - مقديشو 

 

في جو حماسي مشحون بنشوة وشغف يمارس عدد من أعضاء فرقة تحمل اسم "بنادر باند" في مركز بجنوب مقديشو وهم بأزياء تقليدية رقصة "طانتو" أحد أشهر الرقصات الشعبية انتشارا في مختلف المناطق الصومالية، وهي ضمن رقصات يسعى بعض المسؤولين الحكوميين لنفض الغبار الذي علق بها بعد سنوات حرب حرمت الصوماليين فسحة للتنفس والترفيه.

 

حيث يحرك فتيان وفتيات يقفون في صفين متقابلين أرجلهم وأيديهم ورؤوسهم وأعناقهم، رافعين تارة وخافضين تارة أخرى، بحركات متناسقة تتناغم مع صوت منشد ترافقه موسيقى أضفت لمسة تطويرية على الرقصة، ولم تخرجها عن طابعها التقليدي المعهود، وهو أداء ينتشي ويتلذذ به المؤدون ويبعث شوقا في قلوب المشاهدين والسامعين.

 

ويتدرب في المركز الذي يتبع لإدارة  مقديشو الذي تأسس قبل أكثر من سنة عدد من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18و25 عاما اندفعوا كهواة إلى ممارسة هذه الرقصة التقليدية من خلال دروس عملية يتلقونها من ذوي الخبرة، الذين تفننوا في أداء حركاتها وفنياتها وقت تواجدهم في مواطنهم الأصلية من الأرياف والبوادي.

 

فرقة شعبية تمارس رقصة وليسقو في إحدى المناسباب بميدان السلام في مقديشو (الجزيرة)

 

حمدي أحمدي تمنت كثيرا أن تجد من يساعدها في تعلم الرقصات الشعبية التي تعدها جزءا من تراث الشعب الصومالي، فوجدت ضالتها المنشودة في فرقة "بنادر باند" التي التحقت بها قبل سنة تقريبا، وقطعت شوطا طويلا في التدرب على رقصة "طانتو" حيث تعد أبرز الفتيات في فرقة "بنادر باند"، لقدرتها على استيعاب معظم الحركات التي تتطلبها رقصة "طانتو".

 

وفي لقائنا معها علمنا أنها ولدت في العاصمة، ولم تأخذ جزءا من حياتها في البوادي والأرياف، التي اعتاد سكانها مثل هذه الرقصات الشعبية، غير أنها استطاعت في الفترة القصيرة التي قضتها في الفرقة  كسب كثير من المعرفة حول اللمسات الفنية لرقصة "طانتو"، وهي تنشد وتغني على رقصة "طانتو" ولها أغانيها الخاصة .

 

ومن بين من التقيناهم في المركز أيضا يحيى آدم (20 عاما) الذي قال لنا إن التحاقه بصفوف فرقة "بنادر باند" لم يكن عاطفيا ولا حماسيا، بقدر ما هي عزيمة وحب بالمساهمة في الجهود المبذولة لإحياء التراث الشعبي الصومالي، من بينها الرقصات التقليدية المغيبة في الساحة الصومالية، ولا سيما في المناطق الحضرية بفعل الحرب وفي مزاحمة الرقصات الأجنبية التي تطغى على المشهد.

 

فرقة شعبية تمارس رقصة كبيبي في إحدى المناسبات بميدان السلام في مقديشو (الجزيرة)

وطموحه هو أن  يغترف المزيد من المعرفة من تراث الشعب الصومالي، ويغوص في أعماق الرقصات التقليدية، التي تمارس في كل أنحاء الصومال، وهو هدف يسعى المسؤولون الحكوميون لتحقيقه، من خلال تأسيسهم فرقا شبابية مختلفة مكونة من الجنسين في المديريات المختلفة بالعاصمة الصومالية.

 

ومن بين هؤلاء دهبة صلاد المسؤولة بمديرية ورطيجلي بجنوب مقديشو، التي كونت فرقة "بنادر باند" لجذب اهتمام الشباب الصومالي إلى تراثهم وتقاليدهم المتنوعة في مختلف المجالات من اللبس والطعام والرقص ووقف تهافتهم غير المحدود على ممارسة الرقصات الأجنبية التي تكاد تنسيهم تراثهم التقليدي المتوارث من جد إلى جد.

 

الرقصات التي تمارس في المناطق الصومالية المختلفة كثيرة، حيث يقارب عددها مائة رقصة تقريبا تأخذ تصنيفات متباينة، منها ما هو خاص للنساء، يستعمل في معظمها كلمات إنشادية ترددها الراقصات، ترافقها قرع الطبول والتصفيق، مثل "أَبَولِي" و"أوبَرْخَدله" و"بَتَر" و"سِترَاجام"، ومنها ما هو خاص بالرجال مثل "وَالُو" و"شَبْشَبْلي" و"وِلْوِلُو" و"شِرِبْ" التي يغلب على معظمها الطابع الإنشادي والشعر كمفتاح لها.

 

مجموعة شباب من فرقة بنادر باند يمارسون رقصة طانتو في مركز بمقديشو (الجزيرة)

ومنها ما يشارك في ممارستها الرجال والنساء بمناسبات الأعياد والأفراح، وهي كثيرة جدا، أشهرها "طانْتُو" و"وِلٍيسِقُو" و"عِيرِيغَابُو" و"زَيلِعِي" و"جانطِير" و"بَالوُو" و"جَبْلَيشِمْبِر" و"بُولُّو" و"بارْعَدِي"، يستعمل في أكثرها إنشاد تحمل كلماته معاني تتفاوت بين المدح والفخر والهجاء والتحريض، ترافقها حركات الأرجل والأيدي بالقفز والتصفيق، مع شعارات يرددها الراقصون والراقصات.

 

وهناك رقصات يمارسها المجتمعات الزراعية باستعمال طبول وآلات عزف تقليدية تحدث أصواتا تعطي جمالا لها، وهي رقصات مشبعة بلمسات أفريقية في أدائها مثل "كَبِيبَي" و"بِيرَي" و"دِيلاكَبِيرُو" و"أوبَتِيخَو"، بينما يمارس في نوادي من يزعمون طرد الجن والأرواح الشريرة من البشر رقصات مثل "مِنْغِسْ" و"سَارْ" باستعمال الطبول والتصفيق وحركات قفز مستمرة ينجذب إليها المتضررون بالجن، حسب الاعتقاد الشائع.
السابق

السابق

التالي

السابق

-17/18-

روبوت عكار.. إبداع طلبة المدارس

روبوت عكار.. إبداع طلبة المدارس

 

أساة العويد - عكار/ شمال لبنان

 

يهوي الشاب كرم عيد بجسده النحيل على سريره، ويضع يديه خلف رأسه، وتختفي شاشة الرؤيا لديه في ضباب الأفكار لتحل الأحلام صريعة الموقف.  يتقلب يمنة ويسرة ويداه قد تعرقتا من شدة التفكير، يتمتم في قرارة نفسه "هل أستطيع أنا أن أفعل هذا؟ هذا حلم صعب عليّ وسيكلفني الكثير، وأنا بالكاد أستطيع تأمين مصروف لي، وأهلي وضعهم سيئ. لا، لا.. أظن أنني غير قادر رغم كل المساهمة من المدرسة".

 

وعلى جنب آخر يهتف صوت خفي من أعماق ضيفنا طالب الصف العاشر ليقول له "إنك قادر وتستطيع وهذه الفرصة لن تتكرر ربما، عليك بالتخطيط والتغلب بداية على الهزيمة الموجودة داخلك، ومن يدري ربما سيوفقك الله لأمور كنت تحلم بها.. انفض الغبار عن يأسك وإحباطك وكفاك ركونا لأي شيء. ثم لماذا تخف من المال، ربما ستحصل على جائزة كبيرة تدفن فيها فقرك ويتحسن وضعك المادي.. هيا.. هيا".

 

يقفز كرم من سريره كالمنتفض في سكرة الموت وبسرعة يفتح باب خزانته، يبعثر الثياب ويسحب محفظة سوداء صغيرة كان قد وضع فيها بعض المال ادخره ليوم مهم.. يسحبه في يده ويتمتم "ليس هناك أهم من هذا اليوم، هذا مستقبلي وامتحان لي لأثبت أني قوي وقادر".

 

الطالب كرم عيسى يعمل على برمجة الحاسوب لتشغيل الروبوت (الجزيرة)

هذا المشهد الدرامي ليس محض خيال، ولكنه واقع عاشه الطالب كرم عيد (17 عاما) بعدما انتدبته مدرسته "الحميدية الخيرية" في محافظة عكار شمالي لبنان، للمشاركة في مسابقة الروبوت لعام 2015. ويقول "المدة قصيرة وعلي المساهمة في بعض المصاريف، نعم كان قرارا صعبا اتخذته. أهلي عارضوني بداية خوفا على دراستي ونظرا للوضع الصعب الذي تمر به العائلة، لكن إصراري أقنعهم وجعلهم لي عونا".

 

ويواصل حديثه "قررت وعددا من زملائي الطلاب خوض هذه المغامرة الأولى في صناعة الروبوت الآلي. لقد وفرت لنا إدارة المدرسة كل المستلزمات، وعمدت إلى دعمنا ليصار إلى تنظيم برنامج عمل مكثف. قسمنا العمل بيني وبين الطلاب، وبإشراف الأستاذ أحمد الزعبي".

 

يتابع كرم الحديث للجزيرة نت خلال لقاء في مختبر المدرسة، "لا شك في بداية الأمر كان هناك صعوبات جمة. أذكر في الأيام الأوائل عانينا الكثير، البرامج لم تنجح والعديد من الأعطال واجهتنا، خفت كثيراً وأحبطت، حتى أني كدت أن أعدل عن الاستمرار، إلا أن تدخل المشرفين وبعض المساعدة حال دون ذلك، وفي اليوم الرابع من العمل نجحنا في أول اختبار بسيط، وبدأت الفكرة تتبلور شيئاً فشيئاً، وهناك ارتفعت المعنويات وبدأنا نشعر بالتشويق أكثر فأكثر".

 

الروبوت الذي صنعه طلبة الثانوية برعاية من المدرسة (الجزيرة)

تمر أيام العمل المتواصل على كرم سريعة، وكان ورفاقه يصلون الليل بالنهار، "كنا نخرج من المنزل في تمام الساعة الثامنة صباحاً نرتاح فقط في أوقات الصلاة والغداء، ونسهر حتى منتصف الليل. أنظر ليلاً من شباك غرفتي وأشعر أنني ورفاقي نقترب شيئاً فشيئاً من النجاح".

 

أما الليلة الأقسى التي غاب فيها النوم عن كرم فكانت ليلة المشاركة في المسابقة في العاصمة بيروت، "كان علينا إنجاز بعض الأمور وإتمامها وكان يوم جمعة، صلينا الجمعة ومضينا بالعمل حتى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. جلست أتأمل داخل هذه القاعة الروبوت الصديق والغالي على قلبي، لم أستطع النوم حتى الصباح، وانطلقنا صباحاً إلى المسابقة، فتسارعت دقات قلبي وتصبب عرقي، وكانت لحظات قاسية لن أنساها في حياتي. حاول زملائي تهوين الأمر علي، شعرت أني منفصل عن الواقع، وبدأت أتذكر كل تلك الليالي القاسية التي مرت".

 

"بدأت المسابقة وحضر أصدقائي بقربي. جاء دوري بإطلاق الروبوت. دعوت ربي في قلبي كثيرا، وانطلق الروبوت يبدع في التنقل وتنفيذ الأوامر، ارتسمت الابتسامة على وجهي ووجدتها على وجوه لجنة التحكيم والمشرفين. علا صوت التصفيق واغرورقت عيناي بالدموع ورحت أعانق زملائي. يا لها من فرحة.. عند شعورنا أننا حققنا نجاحا".

 

الروبوت والطلاب والاستاذ في غرفة التجهيز (الجزيرة)

شعور الفرح والتحدي ومراحل النجاح واكبها أحمد الزعبي الأستاذ المشرف على الطلبة، والذي اعتبر أن "الشباب خططوا ونجحوا، وكان هدفهم  من الروبوت هو مساعدة الإنسان على القيام ببعض الأمور، مثلا دفن النفايات السامة، وما أحوج مناطقنا الفقيرة والمهملة إلى هكذا أفكار، وعسى أن تطبق بمشاريع ضخمة يوما ما".

 

كما لفت الزعبي إلى أن "معظم المشاركين اعتمدوا على استخدام  العقل المسمى: أو بي جي، وهذا العقل غال جداً قد يصل مع بعض الأمور إلى سبعة آلاف دولار، أما العقل الذي استخدمناه نحن فهو العقل القديم المختار في الروبوت: أن أكس تي، وعملنا على تطويره، واستطعنا المنافسة بكلفة حوالي 1700 دولار، وحققنا به نتائج ممتازة ".

 

مدير ثانوية الحميدية خالد الزعبي رأى أن الإدارة "تسعى للتميز التربوي والفكري والثقافي، "نحن في عصر التكنولوجيا والواقع الذي نعيش، الحمد لله ورغم ضيق الوقت حقق الطلاب نجاحا مميزا، وأي نجاح يبدأ بالتصميم والإرادة والظروف المحيطة. لا شك أن هناك تحديا. منطقة عكار ينظر إليها نظرة معينة، هيأنا الظروف وأعفيناهم من بعض الواجبات التربوية وقدمنا لهم الإمكانات المتاحة لنا".

 

ويضيف المدير "المشرفة على النشاط زارتنا في هذه المدرسة وقدمت للطلاب الميداليات وكأس الروبوت، وهذه الزيارة بحد ذاتها محفزة للطلاب لتشجيعهم على التميز في قادم الأيام، الطالب اليوم لو قدمنا له الظروف المناسبة لأنتج الكثير، وبالأخص الطالب العكاري، ورغم كل ظروفه هو طالب مبدع يلزمه فقط العناية والدعم".
السابق

السابق

التالي

السابق

-18/18-

"الفلوكة".. مساكن البؤس على صفحة النيل

"الفلوكة".. مساكن البؤس على صفحة النيل

 


دعاء عبد اللطيف - القاهرة

 

مع مرور الوقت، يألف الإنسان معاناته ووضعه المأساوي، ويصبح أي تمرد على ذلك أمرا يستوجب الاندهاش، لكن أسرة المواطن محمد السيد الباشا تعايشت مع مأساة العيش في قارب صيد، وبات خروجها إلى اليابسة هو عين التمرد.

 

هزات الماء الخفيفة لا تجعل القارب ساكنا، فيتمايل يمينا ويسارا تبعا لوجهة الرياح، وهم يصيرون على ما يصير عليه قاربهم، فهو ليس مجرد "فلوكة" للصيد أو النزهة، إنه قارب للحياة، وعليهم تحمل تقلباته كما يتحمل هو حياتهم.


والسكن في قارب صيد يشبه المستحيل، لكن المستحيل هو الممكن الوحيد لدى أسرة المواطن المصري محمد الباشا، ومئات الأسر الأخرى، التي تتخذ من مركب خشبي صغير بيتا ومحلا للعمل بصيد السمك النيلي.

 

الصياد العجوز يشرب الشاي مع زوجته وحولهما الحفيدين (الجزيرة)

 

ولا ينشغل محمد الباشا -ذو الستين عاما- بتحديد تاريخ توديعه اليابسة واتخاذ مياه النيل سكنا له، فما فيه بات واقعا لا يحتاج للتأريخ، لكن كل ذكرياته تؤكد أنه سكن النهر قبل خمسين عاما، أي وهو في عامه العاشر بسبب عدم امتلاك أسرته ثمن مسكن على يابسة القاهرة الواسعة.

 

الباشا الذي لم ينل من ترف الحياة سوى لقبه (الباشا لقب كان يناله الأعيان وكبار الدولة قبل قيام ثورة 1952 بمصر) تزوج السيدة فوقية التي تزحف لإتمام عقدها السادس من العمر، لتشاركه سكن الماء طيلة أربعين عاما.

 

"أنا مع زوجي على الحلوة والمرة". هكذا تلخص الزوجة رحلة زواجها، ويؤكد الباشا حديث زوجته قائلا "تحملت ظروفي ولم تشتكي يوما".

 

وللرجل الستيني ثلاثة أولاد وبنت، لكنه يعيش في القارب حاليا مع الزوجة والابنة فقط، فقد هاجر ولدان إلى اليابسة بعد زواجهما قبل خمسة أعوام، أما الابن الثالث فيعمل في ورشة للنجارة ويبيت بها ليلا.

 

زوجة الصياد تغسل الأواني بمياه النيل  (الجزيرة)

والعيش في قارب يجبر أسرة الباشا على تبسيط احتياجاتهم الحياتية، فمطبخ السيدة فوقية عبارة عن موقد صغير وأربع أكواب زجاجية وإناءين للطهي وبعض الصحون وملاعق صدئة الأطراف.

 

أما خزائن الملابس فتلخصها الأسرة في كيس بلاستيكي يحتوى على القليل من قطع الملابس، وأثناء النوم تُفرش بطانية أسفل النائمين ويكون عليهم غطاءان.

 

أما الدخل اليومي لقارب الأسرة فيتراوح بين عشرين وثلاثين جنيها يوميا (بين ثلاثة وأربعة دولارات) تبعا لما يجود به النيل من أسماك، "وفي أيام كثيرة لا يجود بأي شيء"، وفق تأكيد الصياد العجوز.

 

وبعدما يفرغ الباشا من صيده يتجه إلى مرسى أسفل كوبري الجلاء (وسط القاهرة)، ليمر عليه أحد المشترين ويشتري غلة النيل من الصيد، ثم يبيعها المشتري -بدوره- في سوق الجيزة.

 

والأسرة المائية ترى أن دخلها اليومي جيد مقارنة بأحوال أسر مصرية أخرى لا تجد قاربا تسكن فيه أو عشرين جنيها يوميا تكفيها سؤال الناس، وتقول الزوجة "لا نمد أيدينا لأحد وهذه نعمة".

 

الأحفاد يولدون ويقضون شطرا كبيرا من حياتهم على ظهر الفلوكة  (الجزيرة)

ويمسك الزوج طرف الحديث من زوجته لافتا إلى أنه يدفع ألفي جنيه سنويا (حوالي 250 دولارا) إيجارا لمرسى المركب.

 

وفي محاولة لتحسين دخل الأسرة، صبغ الباشا مركبه قبل شهرين بألوان زاهية لجذب المتنزهين لقاربه للقيام برحلات نيلية، لكن المحاولة فشلت. ويفسر العجوز ذلك بأن "الأمر لم يكن بتلك السهولة، فأصحاب المراكب المتخصصة في الرحلات النيلية خيروه بين دفع إتاوة أو عدم السماح له بالإبحار".


وأوجاع السكن في الماء كثيرة، بدءا من الحياة المباحة لأعين المارة والنوم المهتز بسبب تقلبات مياه النيل، مرورا بالاغتسال والاستحمام بحمامات المساجد، وانتهاءً ببرد الشتاء فهو معاناة لا تبددها ثلاثة أغطية تمتلكها أسرة الباشا.

 

أما الخوص المنتصب على شاطئ مرسى المركب فيذكر الباشا بفاجعته من سكن النيل، وهو تلصص ما وصفهم بالبلطجية على ابنته ذات الـ16 عاما عندما تغير ملابسها خلف خوص المرسى. وعبر عن مأساته بكلمات متلعثمة "الشيب أضعف صحتي ولا مقدرة لي على إبعاد هؤلاء البلطجية عن ابنتي".

 

ورغم كل ما بأسرة الباشا، فإنها دائمة الابتسام، عدا حفيديها محمد ويمنى اللذين لا يتجاوزان أربع سنوات، فهما صامتان حتى حينما يلعبان، كأنهما يدركان تفاصيل مآسي السكن في قارب ألواحه الخشبية على وشك التشقق.

 

تستعمل الفلوكة في قضاء أيام الإجازات والسياحة في نهر النيل (رويترز)

ويبدو الباشا حياديا تجاه التقلبات السياسية الساخنة التي تشهدها مصر، فهو ترك اليابسة لأهلها ليعيش فوق ماء بارد، فيقول "لا أشغل بالي بالسياسة ما دامت لا تضرني ولا تنفعني".

 

والمرة الوحيدة التي أحس بخطر سياسة اليابسة على حياته كانت يوم 28 يناير 2011، ويوضح العجوز أن مظاهرات حاشدة مرت يومها فوق كوبري الجلاء حيث كانت مركبه ترسو، وأطلق رجال الشرطة الرصاص على المتظاهرين، ثم أشعل المحتجون النيران في سيارات الأمن المركزي.

 

ويكمل "شعرت بالخطر خاصة أن طلقات طائشة اقتربت من المركب فتركنا المركب واحتمينا بخوص المرسى يوما كاملا".

 

ويبدو أنه لا يشغل باله حتى بالأمور التي تهدد حياته المائية، فلم يؤثر غرق خمسمائة طن فوسفات -يحتوى على يورانيوم مشع- بمياه النيل قبل نحو شهر، في المسيرة المائية للأسرة، "طول عمر النيل متحمل بلاوي تُرمى بمياهه كالصرف الصحي ومخلفات المصانع والقمامة"، هكذا يبسط العجوز الأمر.

 

وكل ما يتمناه الصياد العجوز هو زيارة بيت الله الحرام مع زوجته، لكن "أمثالنا" (يقصد العامة) لا أحد يهتم بحياتهم أو أمنياتهم إلا لالتقاط صور مع أسرته المائية، أما بؤسه وحلمه فلا يظهران في كادر الصور، لذا لا ينشغل بهم أحد.
السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك