آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة)
الروهينغا.. حياة بطعم الموت (عدد خاص)

رقم العدد : 46

تاريخ العدد : ديسمبر/كانون الأول 2015

-1/18-

ميانمار.. تجسيد للدولة الفاشلة

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

اعتدنا أن نصف دولا بعينها بالفاشلة لأنها وفقا لما درج عليه دارسو العلوم السياسية فشلت في مقومات الدولة الوطنية وأولها تكريس روح المواطنة وشعور الجميع بأنهم متساوون حقوقا وواجبات.

 

في أدبيات السياسة من العادي أن نصف دولة كالصومال بأنها فاشلة، وأن نصف دولة أخرى دخلت مكوناتها في حروب أهلية انتهت بها إلى بلدان متعددة كيوغسلافيا بأنها دولة فاشلة.

 

هنا يتوقف الناظر عند سبب وحيد هو انتهاء السلطة أو تفكك الدولة بسبب الحرب الأهلية، وبالمعيار نفسه وهو النظر إلى عامل واحد لمَ لا ننظر إلى عجز الدولة عن تحقيق شروط المواطنة بحسبانه شرطا كافيا لتكون دولة فاشلة؟

 

الدولة التي تفشل في بناء علاقة طبيعية مع مواطنيها دولة فاشلة، والدولة التي تصادر جنسية مواطنيها بسبب عرقهم أو دينهم فاشلة، والدولة التي تبني نظاما لا يستجيب لشروط المواطنة الطبيعية دولة فاشلة، حتى لو تدثرت بكافة الصفات والنعوت وبدت متماسكة وفيها نظام يتعاطى معه ما بات يعرف بالنظام الدولي.

 

ميانمار نموذج للدولة الفاشلة في مصادرة حقوق المواطنين بالنظر إلى عرقهم ودينهم، والغريب أن الجميع ينظر إليها في سياق الفشل الديمقراطي، وهو سياق عام في دول عالم ثالث عديدة، إن لم يكن طابعا عاما، أو بالنظر إلى طبيعة الصراع الدولي بين معسكر شيوعي شمولي وآخر ليبرالي غربي، لكن لا أحد يصفها بالدولة الفاشلة وقد عجزت عن تحقيق أبسط شروط المواطنة، وهو تمتيع المواطنين بهوياتهم، وما يترتب عنها من حقوق مواطنة، لا لسبب غير أنهم لا ينتمون للعرقية الغالبة أو الدين السائد.

 

الجزيرة تخصص هذا العدد لمشكلة مسلمي الروهينغا، وهي وإن كانت مشكلة إقليمية، إلا أنها مشكلة هذه الدولة التي يتجسد فيها كل ما يشير إلى الفشل المركّب، ولا يشفع لذلك أن ظهرت فيها بوادر ديمقراطية ما، فشرط المواطنة تأسيسي للنظام السياسي، وليس تحسينا حتى يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه.

 

هنا في ملف غني متكامل، سنستعرض حياة هذه المجموعة في بلد يصادر الوجود قبل الحياة، وكالعادة بعدسة دقيقة ومتوازنة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/18-

الروهينغا.. حياة بطعم الموت (عدد خاص)

الروهينغا.. حياة بطعم الموت (عدد خاص)

تعود جذور معاناة المسلمين الروهينغا في ميانمار إلى أكثر من ستين عاما، يختلط فيها الديني بالقومي، ومورست فصول كثيرة من مأساة هذا الشعب على مرأى ومسمع العالم، إلا أن ثورة الإعلام الجديد وضعت قضية الروهينغا تحت مجهر المنظمات الحقوقية، خاصة في ظل رغبة حكام ميانمار في الانفتاح على العالم.

 

مجلة الجزيرة تفرد هذا العدد للتعريف بقضية الروهينغا من زوايا مختلفة؛ تاريخية وإنسانية وسياسية، وتقرأ هذه القضية في سياق مسار ميانمار الدولة والحكم العسكري وسطوة منظمات الرهبان البوذيين.

 

فنتعرف على إقليم أراكان المسلم؛ متى دخله الإسلام؟ وكيف عاش قرونا تحت الحكم الإسلامي؟ وما تركته تلك العصور من معالم إسلامية يحاول النظام الحالي طمسها؟ وهو ما انعكس على حياة المسلمين الروهينغا في رحلة العذاب بسبب هويتهم الدينية.

 

وبات الروهينغا يعرفون "بأهل القوارب"؛ لكثرة ركوبهم البحر هربا من الاضطهاد والقمع، ومع القوارب تبدأ رحلة المعاناة ولا تنتهي، فإما الغرق في البحر أو الوقوع في قبضة تجار البشر، أو في أحسن الأحوال مصارعة الحياة القاسية في مخيمات اللجوء.

 

ونستمع لشهادة بعض الناجين من رحلة الموت بالقوارب؛ مثل امرأة لا تزال تبحث عن زوجها الذي فقدته، وطفلة وجدت نفسها وحيدة في إندونيسيا وبقي أهلها في أراكان.

 

وتطلعنا تقارير أخرى على وجه آخر للبوذية التي تُعرف بتسامحها ودعوتها للسلام، فبعض أتباعها يمارسون العنف ويحرضون عليه بحق المسلمين، ومنهم منظمة للرهبان البوذيين.

 

وهو ما شتت شعب الروهينغا بين مشردين عبر القوارب إلى بلاد غريبة، أو معزولين في معسكرات مغلقة لم يغادروها منذ ثلاث سنوات.

 

إلا أن الحكم العسكري في ميانمار توجه مؤخرا لإنهاء مرحلة الانغلاق على الذات، وبدأ حقبة الانفتاح والديمقراطية، وإن بقيت مرحليا تحت مظلة العسكريين وهيمنتهم؛ لذلك أتيح للإعلام الأجنبي تغطية الانتخابات الأخيرة بأريحية بخلاف العقود الماضية.

 

وتناقش تقارير ومقالات أخرى حدود ومقاييس الانفراجة الديمقراطية التي تعيشها ميانمار، وما بقي للعسكر من دور فيها، وموقع هذا التحول السياسي في سياق السباق الدولي على الاستثمار في بلد ظل مغلقا لعقود، ويمثل أرضا بكرا للاستثمار الأجنبي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/18-

الروهينغا.. مأساة ممتدة

الروهينغا.. مأساة ممتدة

من موسوعة الجزيرة

مسلمون استوطنوا شمالي إقليم راخين (أراكان سابقا)، وبدأت معاناتهم مع الاحتلال البريطاني الذي حرّض البوذيين على قتلهم وتعذيبهم، واستمرت المعاناة عقودا، واعترفت الأمم المتحدة بمآسيهم لكنها لم تتحرك لإنقاذهم.

 

تعرض مسلمو الروهينغا في ميانمار (بورما) على مدى عقود لانتهاكات جسمية لحقوقهم، شملت حرمانهم من حق المواطنة، وتعريضهم للتطهير العرقي، والتقتيل، والاغتصاب، والتهجير الجماعي.

 

بدأت هذه الممارسات ضد الروهينغا -الذين استوطنوا بكثافة شمالي إقليم راخين (أراكان سابقا)- في عهد الاستعمار البريطاني الذي قام بتحريض البوذيين وأمدهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً عام 1942 ففتكوا خلالها بالآلاف.

 

وبعد أن نالت ميانمار استقلالها عن بريطانيا عام 1948، تعرض الروهينغا لأبشع أنواع القمع والتعذيب، وتواصل هذا الجحيم بموجب قانون الجنسية الصادر عام 1982، الذي انتهك المبادئ المتعارف عليها دولياً بنصه على تجريد الروهينغا ظلماً من حقوقهم في المواطنة.

 

وترتب على هذا القانون حرمان مسلمي الروهينغا من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية، كما حرمهم من حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة الأنشطة السياسية.

 

وفرضت الحكومات المتعاقبة في ميانمار ضرائب باهظة على المسلمين، ومنعتهم من مواصلة التعليم العالي، إضافة إلى تكبيلهم بقيود تحد من تنقلهم وسفرهم وحتى زواجهم، كما أشارت تقارير إلى أن السلطات قامت عام 1988 بإنشاء ما يسمى "القرى النموذجية" في شمالي راخين، حتى يتسنّى تشجيع أُسَر البوذيين على الاستيطان في هذه المناطق بدلا من المسلمين.

خارطة ميانمار ويظهر فيها إقليم أراكان (الجزيرة)

حرب دينية

ولم يكن الجانب الديني والعقائدي بمنأى عن تلك الإجراءات القمعية، حيث تشير تقارير إلى قيام سلطات ميانمار بهدم مساجد ومدارس دينية في المناطق التي يقطنها الروهينغا، إضافة إلى منع استخدام مكبرات الصوت لإطلاق أذان الصلاة، ومنعهم من أداء فريضة الحجّ باستثناء قلة من الأفراد.

 

ولا تكاد السلطات تترك فرصة تمرّ دون أن تستغلها للتنكيل بالمسلمين، ففي مايو/أيار 2012 نُكل بالمسلمين بعد اتهامهم بالوقوف وراء حادثة اغتصاب وقتل امرأة بوذية، حيث اعتقلت الشرطة ثلاثة منهم، وتبع ذلك مطاردات وهجمات أسفرت عن مقتل العشرات من المسلمين في موجة العنف التي اندلعت بعد الحادث.

 

وحسب ما ذكرت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وقتها، فإن قوات الأمن في ميانمار نفذت اعتقالات جماعية بحق المسلمين ودمرت آلاف المنازل، وحاول النازحون الهرب عبر نهر ناف إلى بنغلاديش المجاورة، وتوفي البعض أثناء العبور.

 

مع العلم أن السلطات لا تقدم أرقاما دقيقة عن عدد القتلى، بينما وصفت وسائل الإعلام في ميانمار المسلمين في بداية الاحتجاجات بالإرهابيين والخونة.

 

تطهير عرقي

وقد أوردت صحيفة نيويورك تايمز -من جهتها- في تقرير لها في يوليو/تموز 2012 عن أوضاع مسلمي الروهينغا أن ما تعرض له هؤلاء من قتل وتشريد يرقى إلى "التطهير العرقي"، مشيرة إلى أن أوضاع المسلمين تدهورت رغم ما أسمتها الخطوات الديمقراطية التي تحققت في ميانمار.

 

كما جاء في تقرير للمفوضية العليا للاجئين سنة 2012 أن الروهينغا تعرضوا لكل أنواع "الاضطهاد"، ومنها "العمل القسري والابتزاز وفرض القيود على حرية التحرك، وانعدام الحق في الإقامة وقواعد الزواج الجائرة ومصادرة الأراضي".

 

وقالت المفوضية إن ذلك الوضع دفع عددا من المسلمين إلى الفرار، وأشارت إلى أنه من المؤسف أن هؤلاء لم يتم الترحيب بهم -عموما- في البلدان التي يحاولون اللجوء إليها، كما وصفتهم الأمم المتحدة بأنهم إحدى أكثر الأقليات تعرضا للاضطهاد في العالم.

 

ورغم الاعتراف الأممي بالوضع المأساوي لمسلمي ميانمار، فإن رئيس الدولة لم يحرك ساكنا، بل طلب من الأمم المتحدة إيواءهم في مخيمات لاجئين، حيث قال أثناء لقائه مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس "إن الحل الوحيد لأفراد هذه العرقية يقضي بتجميعهم في مخيمات للاجئين أو طردهم من البلد".

 

وقد أكد التقرير الدوري لقطاع حقوق الإنسان بالمركز الروهينغي العالمي -الذي غطى شهري فبراير/شباط ومارس/آذار 2015- أن الشرطة المحلية واصلت ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد الروهينغا، وأوضح مسؤولو المركز أن هذه الأقلية تعيش محرومة من كل الحقوق الإنسانية المعترف بها من قبل الهيئات والمنظمات ذات الاختصاص.

 

ومنذ عام 1982، تصنف الحكومة في ميانمار مئات الآلاف من أبناء الروهينغا على أنهم مسلمون بنغال بلا جنسية جاؤوا من بنغلاديش المجاورة، مما جعلهم عرضة للاضطهاد والتمييز العنصري وإساءة المعاملة.

 

ويحذر الروهينغا من أن الحكومة تختلق مشكلة تلو الأخرى لإبعادهم عن وطنهم أو إجبارهم على قبول العيش كالعبيد في بلدهم.

الروهينغا.. حقائق وأرقام (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-4/18-

أراكان.. مآذنها تدل على تاريخها

أراكان.. مآذنها تدل على تاريخها
عبد الله عبد القادر
إعلامي وكاتب روهينغي 

 

يعود وجود المسلمين إلى أراكان، خاصة في المناطق الساحلية إلى زمن قديم، ويسبق وجود البوذيين (الماغ) -الذين يدعون أنهم هم السكان الأصليون بهذه المنطقة- وتؤكد المصادر التاريخية أن المسلمين عندما وصلوا إلى مروهانغ لم يجدوا هناك إلا الهندوس.

 

ويؤكد المؤرخون أنه بعد اندلاع الصراع في الهند بين البوذيين والهندوس على مدى ثمانية قرون، وخسارة طائفة "تِهْرَأَوْدُا" البوذية الصراع على أيدي خصومها من طائفة "مَهَايَانَا" البوذية والهندوس العنصريين، اضطروا إلى النزوح شرقا واللجوء عند ملوك دولة فيسالي التي تعرف اليوم بأراكان.

 

وتذكر المصادر أن جماعات البورمان (Burmese) التي تشكل غالبية سكان ميانمار حاليا إلا بعد نحو عشرة قرون من وصول الجماعات العرقية الأخرى.

 

ويقول المؤرخ ولاية حسين إن الأراكانيين تعرفوا على الإسلام في القرن الثاني الهجري عام 171 في عهد الخليفة هارون الرشيد. ودخل الإسلام في أراكان على أيدي التجار والصوفيين من العرب والفرس والمغرب، إبان حكم الملوك الهندوكيين الذين سبقوا أسرة الملك(شَانْدَرَا).

 

هذا ما بقي من مبنى ملاصق لمسجد في أراكان (الجزيرة)

ومن الآثار والمعالم التاريخية التي تركها حكم المسلمين لمنطقة أراكان:

جامع "بَدَرُ المقَام": على الشاطئ الصخري له قبة واحدة في جنوب "أكياب" بناه تجار العرب في القرن الثامن الميلادي، ويتبع المسجد ركن للسكن والتعبد، ولم يندثر المسجد مع طول الزمان، ولا تزال تقام فيه الصلوات الخمس والجمعة والعيدان.

 

الجامع الكبير في أكياب:  أحد أكبر المساجد القديمة، بني في القرن السابع الميلادي، وكانت أراض كثيرة موقوفه لصالحه، صادرتها حكومة ميانمار.

 

مسجد سندي خان: الذي بني في العام 1430م وضع الحجر الأساسي لهذا المسجد في مدينة "ومِيُوهَانغ" القائد العسكري المسلم سِنْدِي خان، وله اسم آخر اشتهر متأخرا بـ (عيسى خان مسجد) وقد بني بالحجر، ولا يزال بحالة جيدة دون أن يجدد بناؤه أو يرمم.

 

جامع موسى:  في باتر قلعة (مروهانغ) بني في القرن الرابع عشر الميلادي.

 

العملات الإسلامية: المضروبة بـ(أقيموا الدين) و(لا إله إلا الله) و(مملكة أراكان) وعبارات إسلامية أخرى تدل على قدم وصول الإسلام لتلك المنطقة.

 

جامع حمزة العربي: في مروهانغ العاصمة القديمة لأراكان،  ويرجع تاريخ بنائه إلى 700هـ، وهكذا كان مكتوبا على جدرانه، إلا أن بعض البوذيين الموغ أزالوا التاريخ.

 

جامع المغربي: (مغربي مسلمون مسجد) قام ببنائه مهاجرون من المغرب في القرن الثامن الهجري.

 

بندر شهر: (مدينة بندر) على شاطئ البحر، كانت مركزا للمسلمين العرب، وكان يسكن بها الغوريون المعروفون بـ(غَورِيْ فارة) والمغوليون المعروفون بـ(مَغوُلِي فارة).

 

الجامع الديواني:  في مدينة أكياب عاصمة أراكان المسلمة، أسسه المهاجرون في القرن الخامس عشر الميلادي، وقد هدّمته السلطات البوذية عام 1964 بأمر الجنرال العسكري (نيوين).

 

جامع موسى الديواني:  في قرية (نَاظِرْة فَارَة) أسسه مسلمون من إيران عام 1258م، ولا يزال الجامع بحالة جيدة وتقام فيه الصلاة.

 

المسجد الأراكاني: في رانجون العاصمة القديمة لميانمار (بورما)، بناه مسلمو أراكان عام 1530م مساعدةً لمسلمي رانجون قبل سقوط أراكان، ولا يزال المسجد في حالة جيدة.

 

مسجد ولي خان: الذي بناه القائد العسكري (ولي خان) في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، الذي أعاد الحكم الإسلامي في المنطقة بعد أن فقده المسلمون لخلافات داخلية.

 

مسجد علم الشكر: بني في القرن الخامس عشر الميلادي، وله أراض شاسعة موقوفة لتأمين مصاريف المسجد من رواتب الإمام والمؤذن وغيرهما.

 

وهناك مساجد أخرى بنيت قبل القرن العاشر الميلادي على ضفة بحر خليج البنغال ونهر ليمرو ونهر كلادان، وكلها تقام فيها الصلاة، وكان المسلمون يهتمون بها بالترميم والتجديد قبل صدور قرار حظر ترميم وتجديد المساجد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/18-

الروهينغا.. محطات في رحلة العذاب

الروهينغا.. محطات في رحلة العذاب

إلياس محمد طاهر
محرر بشبكة كالادان الإعلامية


يعتبر الروهينغا البورميون أكثر الأقليات العرقية ضعفا وتعرضا للاضطهاد في العالم، ويعود سبب وضعهم هذا للخلافات مع الأغلبية البوذية، حيث صنفهم النظام العسكري الحاكم في ميانمار (بورما) على أنهم بدون جنسية، الأمر الذي جعلهم يفتقدون لوضع قانوني، إنهم لا يعاملون على أنهم غرباء فحسب، بل يتعرضون للعبودية الحديثة في موطن آبائهم وأجدادهم بمقاطعة أراكان (في ميانمار بورما سابقا).

تقع ولاية أراكان -وتعرف أيضا باسم "راخين"- على طول الساحل الغربي لميانمار، تحدها من الشمال ولاية تشن وماغواي وباغو، ومن الشرق يحدها آيياروادي، وإلى غربها يقع خليج البنغال، بينما تقع مقاطعة تشيتاغونغ البنغالية إلى شمالها الغربي.

 

بلغ عدد السكان الرسمي لولاية أراكان ٣٫٧٤ ملايين نسمة عام ٢٠٠٧، ثم ارتفع إلى ٣٫٨٣ ملايين نسمة عام ٢٠١٠، وتقطنها بشكل رئيسي قوميتان رئيسيتان هما الراخين (بوذيو أراكان) والروهينغا (مسلمو أراكان)، وطبقا للتقديرات الحكومية فإن مليون روهينغي يقطنون شمال ولاية أراكان التي تتكون أغلبيتها من البوذيين والمسلمين الذين يتواجدون بأعداد كبيرة في الولاية.

 

كانت أراكان مملكة مستقلة لأكثر من خمسة آلاف عام حتى وقعت تحت الحكم البورمي عام ١٧٨٤، وتقع في نقطة تلاقي أديان وثقافات مختلفة، الهندوس والمسلمون في جنوب آسيا، والبوذيون في جنوب شرق آسيا، ومن الناحية العرقية فهي تقع في وسط مناطق تقطنها أعراق هندو-آرية ومنغولية.

عندما كانت أراكان مملكة مستقلة كانت تضم منطقة تشيتاغونغ في الجنوب، والتي تقع اليوم في بنغلاديش، وكانت مساحتها الكلية أكبر من مساحة ولاية أراكان الحالية.    

 

طوابير طويلة تضم الرجال والنساء في انتظار المعونات الدولية الشحيحة (الجزيرة)

معضلة الروهينغا

الروهينغا مجموعة عرقية ذات جذور أصيلة في المنطقة، ويعود تواجدها في المنطقة إلى القرن السابع الميلادي، وتعيش في أراكان التي تفصل بين مسلمي وبوذيي آسيا.

وتجسد قومية الروهينغا هذه الحقيقة الجغرافية فهي خليط من الفرس والبنغاليين والمغول والترك والبشتون، وقد طور الروهينغا ثقافة ولغة خاصة بهم وهو أمر فريد في المنطقة التي يعيشون فيها.

يتحدث الروهينغا لهجة من اللهجات البنغالية تشبه لهجة إقليم تشيتاغونغ، كما توجد فيها مفردات من لغة الأوردو والهندية والعربية، بالإضافة لكلمات من اللغتين الإنجليزية والبورمية.
 

من جهة أخرى، تشكل لدى الروهينغا مع مرور الوقت خواص عرقية فريدة من نوعها، وبذلك أصبحوا قومية تتميز عن الخلفية العرقية للأغلبية التي تسكن البلاد.

 

رفض النظام العسكري في ميانمار (بورما سابقا) إعطاء الروهينغا صفة قومية وطنية أصيلة، الأمر الذي أثر كثيرا في نظرة الرأي العام البورمي للروهينغا، كما كان لذلك التوجه أثر على المنظمات والحركات التي تعنى بالديمقراطية في البلاد.


وانعكس ذلك بتردد المجموعات السياسية والعرقية في ضم الروهينغا إلى تحالفاتهم السياسية، وبالتالي عزل هذه العرقية الأصيلة عن المسرح السياسي والعملية الديمقراطية في البلاد.   

 

مصطلح الروهينغا

يعود أصل التسمية إلى اشتقاق لغوي من كلمة "روهانغ/روشانغ" وهو الاسم القديم لولاية أراكان.

ويقول الدكتور مايكل دبليو شارني "أقدم استخدام موثق لاسم قومية الروهينغا لاحظه فرانسيس بوكانان عام ١٧٩٩ عندما كان يكتب دراسة بشأن لهجة مشتقة من اللغة الهندية. وقد أشار إليها بأنها لغة يتحدث بها المحمديون (المسلمون) الذين استقروا في أراكان منذ أمد بعيد، والذين يطلقون على أنفسهم اسم الرواينغا أو أهل أراكان".


ويمضي في كتابته قائلا "يمكن الجزم أن الادعاء الذي تتبناه المدرسة البوذية حول تاريخ راخاينغ والقائلة إن الروهينغا من اختراع العصر الاستعماري يمكن تفنيدها بالأدلة".

 

يرزح الروهينغا تحت حمل ثقيل من المآسي والحزن على مدى عقود من الاضطهاد البوذي في ميانمار (الجزيرة)

سياسات لا إنسانية

عانت الروهينغا لعقود طويلة من ممارسات لا إنسانية تحمل خلالها شعبها شتى أنواع الظلم والاضطهاد نتيجة الحملات التي كان يشنها ضدهم النظام العسكري البورمي.


عام ١٩٨٢ رفضت حكومة الجنرال ني ون منح الجنسية للروهينغا الذين أصبح أغلبيتهم بدون بلد ينتمون إليه رسميا.


إضافة إلى ذلك، شن النظام العسكري الحاكم عدة حملات "تطهير عرقي" قتل خلالها عدد غير قليل من الروهينغا، وفي موازاة تلك الحملات كانت هناك محاولات لتهجير الروهينغا إلى بنغلاديش.

في ميانمار اليوم يعاني الروهينغا من حالة من الاضطهاد الديني القاسي والقتل على الهوية وأعمال السخرة ومصادرة الأملاك ومنع التحصيل الدراسي.

إن حملات النظام العسكري الحاكم في ميانمار القائمة على التهجير ومنع إعلان الهوية والثقافة والقيود المفروضة على الزواج والقتل والاغتصاب والتعذيب والتجويع تعتبر شكلا من أشكال الإبادة العرقية التي أجبرت الروهينغا على مغادرة أرض الوطن.

لقد مر ٢٢ عاما على اعتراف الأمم المتحدة بمعاناة الروهينغا في بورما بموجب القرار رقم ٤٧/١٤٤ عام ١٩٩٢، إلا أن الروهينغا وباقي المسلمين في بورما لا يزالون عرضة لحملات منظمة من القمع والتمييز العرقي والحرمان من الحقوق الأساسية في الوطن ودول الجوار.

 

لاجئون روهينغا فروا من عصابات الرهبان البوذيين وخاضوا في الوحل إلى أن وجدوا من يقدم لهم شربة ماء (الجزيرة)

الوطن تحول لجحيم

بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي وإلى حد الآن تأسيس ما تسمى "القرى النموذجية" أو "النتالا" المخصصة لإعادة توطين البوذيين ضمن مشروع لإعادة رسم الخريطة السكانية والتوزيع العرقي لمنطقة أراكان.

 

وفي عام ١٩٩٢ شهدت حركة بناء القرى النموذجية نشاطا متميزا بعد تشكيل ما تسمى "ناساكا" (قوات أمن الحدود البورمية)، حيث يوجد اليوم أكثر من سبعين قرية نموذجية، في كل منها حوالي مئة بيت وتتركز في منطقة شمال ولاية أراكان، وقد بنيت تلك القرى بسواعد الروهينغا الذين استخدموا في أعمال سخرة ليبنوا لغيرهم بيوتا في الأراضي التي صودرت منهم.

في مارس/آذار ٢٠٠٣ أوردت منظمة العمل العالمية أن أعمال السخرة في مشاريع البنية التحتية قد انخفضت في بورما بشكل عام، إلا أنها مستمرة بوتيرة مرتفعة في شمال ولاية أراكان.

وتتركز معظم أعمال السخرة اليوم على بناء وصيانة المواقع العسكرية والقرى النموذجية ومشاريع البنية التحتية، خاصة تلك التي ترتبط بمبادرات مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين


ويمكن الإفلات من أعمال السخرة التي يستخدم فيها الروهينغا بدفع رشوة لبعض المسؤولين، ونتيجة لذلك فإن أكبر المتضررين هم أولئك الذين يعانون من حالة مادية ضعيفة.

بالإضافة إلى ذلك، يعاني معظم الروهينغا في شمال أراكان من نقص في الأمن الغذائي ويشكو حوالي ٦٠٪ منهم من نقص التغذية لأن النظام الحاكم يقوم بشكل منتظم بمصادرة محاصيل الأرز أو شرائه عنوة ومنع تداوله، وينطبق ذلك أيضا على المحاصيل الأساسية الأخرى.

 

من جهة أخرى، يفرض النظام الحاكم قيودا على عمل منظمات الإغاثة ويحدد لها المناطق التي توزع فيها المعونات، وقد شكا برنامج الغذاء العالمي من القيود التي تفرضها السلطات في بورما على توزيع المساعدات الغذائية للروهينغا الذين يتضورون جوعا، الأمر الذي أدى إلى منع وصول حوالي ٩٠٪ من المساعدات المخصصة لهم.

ويستخدم النظام العسكري الحاكم أساليب متعددة في عرقلة عمل منظمات الإغاثة، مثل نقاط التقتيش والتصاريح والضرائب وقيود أخرى، ورغم تلك القيود فإن حضور المنظمات الدولية غير الحكومية ومنظمات الأمم المتحدة كان له دور أساسي في توفير درجة من الحماية للروهينغا وتخفيف معاناتهم ولو بقدر طفيف.

 

البؤس واليأس يطبع الجيل الجديد من الروهينغا في مخيمات اللجوء بلا أفق للمستقبل (الجزيرة)

تقييد الحريات الدينية

أدت ممارسات وسياسات النظام البورمي إلى إحداث شرخ بين القوميتين الرئيسيتين في أراكان الروهينغا والراخين، حيث أعطت للأخيرة امتيازات غير متوفرة للأولى.

وتمنع السلطات البورمية حاليا الروهينغا من التصويت في الانتخابات بالإضافة إلى قيود أخرى مقابل امتيازات ضخمة لقومية الراخين البوذية، الأمر الذي أدى لارتفاع مستوى التوتر بين القوميتين.

وقد سجلت حوادث صدام بين الراخين والروهينغا واقتتال على أسس دينية، وقد اتهمت تقارير السلطات البورمية بافتعال تلك الحوادث واستخدام عدم الاستقرار الطائفي لأغراضها الخاصة.

 

وتجبر السلطات المسلمين الذين يقطنون شمال أراكان على دفع "رسوم" لإقامة شعائرهم الدينية، أما الصلاة في أماكن مفتوحة مثل صلاة الجمعة فهي ممنوعة

أما الحج فموسمه يشهد عادة قيودا إضافية مشددة ورشاوى مضاعفة يتقاضاها المسؤولون من القرويين الروهينغا، بينما يتعرض مشايخها لمعاملة مهينة مثل إجبارهم على الحلاقة بشكل مذل أو جرهم من لحاهم في العلن.

وفي مسعى منها لتغيير هوية إقليم أراكان دأب النظام العسكري الحاكم في بورما على تحطيم النصب الإسلامية وبناء مئات آلاف المرافق البوذية.

وفي بداية الحملة العسكرية على الطابع الإسلامي لأراكان عام ٢٠٠٢ أمرت السلطات المحلية بهدم حوالي أربعين ألف مسجد ومركز ومدرسة إسلامية، كما أمرت السلطات العسكرية بمنع تعمير المرافق الإسلامية أو صيانتها.  

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/18-

قصة "أهل الزوارق" في أراكان

قصة "أهل الزوارق" في أراكان

نظام روني
محرر بشبكة كالادان الإعلامية


في سبعينيات القرن الماضي وفي خضم حرب فيتنام هرب اللاجئون الفيتناميون من المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون وركبوا البحر والنهر مستخدمين الزوارق، وأطلقت عليهم في حينها تسمية "أهل الزوارق".



وفي فترة لاحقة، أطلقت نفس التسمية على اللاجئين الكوبيين والهايتيين الذين كانوا يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة عن طريق البحر وباستخدام الزوارق أيضا، ونفس المصطلح استخدم أيضا لوصف الآسيويين الذين يحاولون الوصول إلى أستراليا.

 

وفي عام ٢٠٠٩ برز المصطلح مرة أخرى في الإعلام ولكن بقوة هذه المرة وانتشر كالنار في الهشيم، ولكن هذه المرة لوصف مسلمي الروهينغا البورميين الذين هرب الآلاف منهم من بطش البوذيين وركبوا البحر في محاولة للوصول إلى تايلاند لعلهم يجدون الأمان هناك، لكن عاملتهم السلطات التايلندية بقسوة شديدة وتركتهم في البحر بزوارقهم الصغيرة من دون محركات تتقاذفهم الأمواج في خليج البنغال.

 

وتقول المعلومات الواردة بهذا الشأن أن أكثر من خمسمئة روهينغي لقوا حتفهم في البحر عامي ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، وقد أثارت هذه الأرقام زوبعة في وسائل الإعلام، الأمر الذي أجبر عددا من المسؤولين الحكوميين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات ومناقشة أزمة الروهينغا بجدية.

 

ورغم المقابلات والاجتماعات والمؤتمرات الدولية لا نزال نرى نفس القصة تتكرر مرارا، ولا تزال أعداد من الروهينغا تركب البحر بزوارق صغيرة في محاولة للوصول إلى بر الأمان.

 

يعرف قاموس ميريام ويبستر مصطلح "أهل الزوارق" بأنهم اللاجئون الذين يهربون من مناطقهم باستخدام الزوارق، ورغم هذا التعريف الوارد في واحد من أشهر القواميس وأكثرها اعتمادا في العالم فإننا نرى أوصافا أخرى لـ"أهل الزوارق" تتردد هنا وهناك من قبيل "مهاجرون غير شرعيين"، و"طالبو لجوء"، وحتى "مهاجرون كسبة" أي لكسب العيش ولأسباب اقتصادية.

 

عوائل روهنينغية في أحد القوارب التي تقلهم للفرار من أراكان غرب ميانمار (الجزيرة)

بداية الرحلة

الروهينغا هم قومية مسلمة تعيش في غرب ميانمار (بورما سابقا) بمنطقة راخين المحاذية لبنغلاديش والتي كانت تعرف سابقا باسم أراكان، وتتميز أراكان بتركيبة جغرافية مستقلة حيث تحدها من الشرق سلسلة من التلال والهضاب، أما من الغرب فيحدها حزام ساحلي يمتد على طول ٥٨٠ كيلومترا يطل على خليج البنغال.

 

وفي شمالها الشرقي توجد سلسلة مرتفعات "تشين"، والدولة الوحيدة التي لها حدود مع إقليم أراكان هي بنغلاديش التي تشترك معه بخط حدودي طوله ٢٨٣ كيلومترا، منه ٧٧ كيلومترا نهر ناف.  وتبلغ مساحة أراكان اليوم ٢٢ ألفا و859 كيلومترا مربعا.

 

أراكان إقليم غني بالموارد الطبيعية، فقد حباه الله بسبعة أنهار تشكل شبكة ثمينة لنقل المسافرين والبضائع، هي ناف ومايو وكالادان وليمرو وذي آن تونغوب ساندواي، إضافة إلى وجود قطاع زراعي غني وغابات كثيفة غنية بالأخشاب، ناهيك عن ثروة بحرية كبيرة.

مشهد ليلي لعوائل روهينغية على قارب متهالك على سواحل بعض دول الجوار (الجزيرة)

وتعتبر منطقة أراكان وطنا لعدد من الأعراق، خاصة الروهينغا والراخين والساك والمرو والدنت وباروا وأخيرا التشين، إلا أن القوميتين الرئيسيتين في المنطقة تاريخيا هما الروهينغا والراخين.

 

عاش الروهينغا والراخين متآخين بسلام حتى الغزو البورمي للمنطقة في ديسمبر/كانون الأول ١٧٨٤، من الطبيعي أن كل من هاتين القوميتين تتميز بصفات خاصة بها من حيث الصفات الجسمانية والثقافة إلا أن الدين كان العنصر الرئيسي الذي استندت إليه حياتهما الثقافية.

 

كان الراخين يدينون بمذهب المهايانا البوذي ثم تحولوا إلى مذهب ثيرافادا في القرون التي تلت هجرة الرهبان البوذيين من سريلانكا إلى إقليم أراكان، ثم تلا ذلك اختفاء تدريجي لمذهب المهايانا الذي كان يدين به حكام المنطقة السابقون من سلالة "فايسال"، أدت هذه التحولات المذهبية وصعود حكام من التبت الصينية إلى تحول في السياسة العامة والتعصب للبورمية.

 

أما الروهينغا فهم مسلمون، ويعود تاريخ دخول الإسلام إلى منطقة أراكان للقرن الثامن الميلادي أي بعد قرنين تقريبا من بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

عوائل وأطفال روهينغيون تعطل قاربهم وسط أوحال بعض سواحل دول الجوار (الجزيرة)

يقول المؤرخ المتخصص في شؤون الروهينغا الدكتور عبد الكريم إنه في أواخر القرن الثامن تحطمت عدة سفن عربية قبالة سواحل جزيرة رامبري، وتمكن الناجون من السباحة والوصول إلى البر، وكانوا أول مسلمين تطأ أقدامهم أرض أراكان.

 

عاش أولئك العرب في المنطقة وتزوجوا من أهلها، ولكنهم حافظوا على دينهم وكانوا نواة المجتمع الإسلامي في تلك الأصقاع، ثم تحولوا بعد ذلك إلى مجموعة عرقية مستقلة تعرّف نفسها باسم الروهينغا. 

 

ولا يرجع الروهينغا جذورهم إلى العرب وأهل المنطقة التي يعيشون فيها فقط، بل يمكن تقفي أصول عديدة في سلالاتهم، مثل عرب الأندلس والفرس والترك والمغول والباتان والراخين والتشاكماس وصولا إلى الهولنديين والبرتغاليين الذين احتلوا بقاعا كبيرة من آسيا في القرون الوسطى .

 

وهكذا، فإن الروهينغا هم قوم خليط من عدة أعراق بدءا من سكان المنطقة التي يعيشون فيها وانتهاء بأقوام كثيرة مرت بهم، ثم تمكنوا من تشكيل مجموعة عرقية فريدة تتميز بثقافة ولغة وعادات ودين خاص بها . 

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/18-

البوذية "المسالمة".. ماذا فعلت في أراكان

البوذية "المسالمة".. ماذا فعلت في أراكان
عبد الله عبد القادر
إعلامي وكاتب روهينغي

في تعاليم الديانة البوذية دعوة إلى المحبة والتسامح والتعامل بالحسنى، والتصدق على الفقراء، وترك الغنى والترف، وحمل النفس على التقشف والخشونة. وهذه كلها معان سامية، تحمل روح التصوف، والزهد، وترك ملهيات الحياة، للبحث عن المقصد الأسمى في الحياة، وسبر أغوار الوجود فيها، لكن ما مدى التزام البوذيين بهذه التعاليم.

 

عانى المسلمون الروهينغا -ولا يزالون- من أتباع الديانة البوذية في ميانمار على مدى عقود، ولم يقتصر الاضطهاد على المدنيين أو العسكريين البوذيين، بل شارك رجال الدين الرهبان بقوة في اضطهاد المسلمين.

 

وفي كتاب (الإسلام والمسلمون في أراكان بورما قديما وحديثا)، وهو بحث ماجستير أعده محمد أيوب محمد إسلام، أشار المؤلف إلى أن بداية الاضطهاد كانت في العام 1784، عندما قام الملك البوذي بغزو عاصمة مملكة أراكان وضمها إلى ميانمار، ثم جاء الاحتلال البريطاني في العام 1824، فضم ميانمار إلى حكومة الهند البريطانية آنذاك، ثم ضمت أراكان إلى ميانمار رسميا، وجعلت ميانمار مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند، وهو ما يؤكده كتاب "مسلمو أراكان وستون عاما من الاضطهاد".

 

كل هذه كانت إرهاصات لوقوع المذبحة الكبرى في العام 1942، التي شهدت مقتل وتشريد آلاف المسلمين في أراكان، لكن ضعف الإعلام ووجود حكومة قمعية حال دون توثيق تلك الأحداث، التي حفرت في ذاكرة من عايشوها وذاقوا ويلاتها.

 

بيوت ومساجد ومدارس الروهينغا تحرق لدفعهم إلى إخلاء مناطقهم في أراكان (الجزيرة)

"كبير أحمد" أحد هؤلاء الذين نجوا من تلك المذبحة، وهرب بأهله في جنح الظلام إلى بنغلاديش فرارا من بطش البوذيين، تاركا وراءه كل أملاكه وتجارته، ثم انتقل من بلد إلى بلد، حتى استقر في مكة المكرمة.

 

التقيت أحمد وسألته عن تلك الأحداث، فتنهد تنهيدة ثم قال "كانت أهوالا عظيمة، لم يفرق البوذيون بين الشيخ الهرم والطفل والمرأة، وقتلوا كل من وجدوا أمامهم، واغتصبوا الفتيات وسلبوا الأموال.

 

وفي العام 2012 اندلعت موجة جديدة من العنف الطائفي في ولاية أراكان، مخلفة المئات من القتلى المسلمين والآلاف من المشردين، الذين أقاموا في مخيمات بدائية على جنبات الطرق.

 

وفيما تقول الرواية البوذية لأسباب اندلاع العنف إن "شبانا مسلمين اغتصبوا فتاة بوذية ثم قتلوها"، وأشاعوا هذه الرواية عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية، واستغلوها لشحن المجتمعات البوذية بالكراهية والعنف حتى بلغت مبلغا لا بدّ فيه من التنفيس عن غضبها.

 

حركة تنقل دورية للمساجين الروهينغيين بين السجون الحكومية دون تهم أو محاكمات (الجزيرة)

وبعد أسبوع تقريبا من الحادثة المزعومة مرت مجموعة من العلماء المسلمين بمحاذاة قرية بوذية، فتعرض لهم سكان القرية وضربوهم حتى الموت بطريقة بشعة، بحجة أن المنطقة بوذية ولا يحق للمسلمين الاقتراب منها، حسب قول راهب بوذي متطرف تحدث على قناة الجزيرة.

 

المسلمون من جهتهم ينكرون هذه الرواية جملة وتفصيلا، لأن المنطقة التي وجدت الفتاة مقتولة فيها كانت منطقة بوذية خالصة، ومن المستحيل ارتكاب هذه الجريمة والهروب منها، خصوصا أنهم لا يسمحون بدخول المسلمين في هذه المناطق.

 

وإن افترضنا جدلا أن الرواية صحيحة فماذا كان دور الرهبان في هذه الأزمة ؟

عقائدهم تقول إن عليهم التسامح والتعامل بالحسنى وكان عليهم أن يبحثوا عن الجناة ومحاسبتهم على فعلتهم، إن ثبتت عليهم التهمة، لا أن يقتل مئات الأشخاص على رواية مشكوك في صحتها.

 

وفي الأحداث الأخيرة التي اندلعت عام 2012 كان للرهبان دور بارز في إشعال الفتنة وتحريض السكان المحليين ضد المسلمين، رغم أن بعضهم كانت لهم صلات وعلاقات تجارية مع المسلمين.

 

قمع السلطات في ميانمار للمسلمين الروهينغا وكأنهم مدانون بجريمة (الجزيرة)

منظمة (969) التي ينتمي إليها الراهب المثير للجدل "ويراتو" أنشئت بعد هذه الأحداث، وهي أكبر شاهد على التطرف والتحريض على الكراهية ودفع القرويين إلى مهاجمة المسلمين ومقاطعة متاجرهم.

 

في 29 ديسمبر/كانون الأول 2013 أفاد مراسل وكالة أنباء أراكان أن "ويراتو" خرج بمكبر صوت بين طائفة الموغ يحرض على الشغب وإثارة العنف بأقوال تحريضية ضد المسلمين، ويقول "هذه أراض بوذية خالصة، ولا مكان فيها للمسلمين الروهينغا، ويجب القضاء عليهم واستئصالهم لتخليصها منهم" .

 

وفي يونيو/حزيران 2013 وضعت مجلة تايم الأميركية صورة هذا الراهب على غلاف المجلة واصفة إياه "بوجه الإرهاب البوذي، الذي يحمل في داخله كراهية عميقة". وقالت إنها اكتشفت في تحقيق امتد من مايو/أيار 2013 إلى يونيو/حزيران من نفس العام أن "الوجه السلمي للبوذية التي يقول أول مبدأ فيها لا تقتل، قد لطخه تيار متطرف من داخلها".

 

الحكومة في بورما أيضا كان لها دور في تعزيز روح الكراهية في نفوس البوذيين ضد المسلمين لتحقيق مصالح سياسية، فاستمرار التوتر في ولاية أراكان وإشعال الحرب بين الأقليات فيها، يبرر للحكومة العسكرية، التي اختبأت في ثوب ديمقراطي، أن تبقى على سدة الحكم حتى تستقر الأوضاع.

 

قافلة طويلة من الروهينغا الذين يقتلون على يد المتطرفين البوذيين لا يثني المسلمين عن التمسك بأرضهم  (الجزيرة)

في هذه الأثناء كان على الرهبان البوذيين أن يفطنوا قليلا، وألا يكونوا ورقة تلعب بها الحكومة بإشعال الكراهية. وكان عليهم أيضا أن يتمثلوا بمبادئهم وأن ينشروا السلام والعدل والتسامح بين أتباع الديانة، كما تقول تعاليمها، بدل أن تشن حملات تحريضية ومظاهرات حاشدة ضد المسلمين الروهينغيين.

 

ففي أواخر مارس/آذار 2014، هاجم بوذيون قوميون من عرقية الراخين مقار منظمات دولية غير حكومية، وهيئات تابعة للأمم المتحدة، في أكياب عاصمة ولاية أراكان بعد اتهام العاملين فيها بتفضيل المسلمين من أقلية الروهينغا على البوذيين في توزيع المعونات الغذائية.

 

وأدت أعمال الشغب إلى رحيل أكثر من 170 فردا من العاملين في القطاع الإنساني من ولاية أراكان، حيث يواجه آلاف الأشخاص نقصا في المياه والغذاء.

 

ومؤخرا شنَّت الدوائر البوذية في ميانمار حملة شَرِسة لمقاطعة شركة الاتصالات القطرية "أوريدو" التي دخلت السوق المحلي قبل فترة، بحجة أن "أوريدو" شركة مسلمة وستساعد المسلمين في نشر مبادئ دينهم. وأن ميانمار ليس بها مسلمون. وذلك رغم ضَعف قطاع الاتصالات، إضافة إلى ضَعف الاقتصاد في ميانمار في ظل تبعات الحكم العسكري الديكتاتوري، والحكومة شبه المدنية الحالية.

 

كل هذه الحوادث تظهر أن سبب الأزمة لم يكن مجرد حادثة الاغتصاب التي احتج بها، وتظهر أيضا الهمجية التي تتستر خلف الوجه البوذي الناعم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/18-

ويراتو.. الوجه المتطرف للرهبان البوذيين

ويراتو.. الوجه المتطرف للرهبان البوذيين

هاني فتحي
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار

 

يبلغ عدد الرهبان البوذيين في ميانمار نحو نصف مليون، ويتمتعون بنفوذ وتأثير كبيرين في الحياة العامة، ويحظون باحترام واسع في أوساط الأغلبية البوذية، ورغم أنهم لا يتمتعون بحق التصويت في الانتخابات فإن تأثيرهم السياسي والشعبي ليس له حدود.

 

للرهبان هيئتهم المميزة؛ فهم حليقو الرؤوس، ويرتدون الإزار والرداء (مثل ملابس الإحرام لدى الحاج المسلم، لكنها حمراء اللون) وينتشرون في جميع المدن والقرى، ومن طقوسهم الصوم عن الأكل من الظهيرة حتى صبيحة اليوم التالي، ويعتمدون بالكلية على التبرعات التي تدفع لهم بسخاء من الناس.

 

وفي حين ترتبط البوذية -غالبًا- في أذهن الناس بالتأمل والهدوء النفسي والسلام ورفض القتل ومبدأ اللاعنف، فإن الصورة اختلفت في السنوات الأخيرة، فقد تنامت الأصولية البوذية في ميانمار، وعاشت حالة تصاعد في التطرّف غير المسبوق الموجه في الأساس ضد المسلمين.

 

مظاهرة لرهبان بوذيين يطالبون بطرد الروهينغا من ميانمار واعتبارهم لاجئين (الجزيرة)

اسم آشين ويراتو بات أشهر من نار على علم في ميانمار، فهو زعيم الرهبان المتشددين في ميانمار، ويهاجم المسلمين ويصفهم بالكلاب، ويحرض عليهم ليل نهار، ويعدهم تهديدا للبوذية، رغم أن البوذيين يمثلون نحو 90% من سكان البلاد.

 

أسهم ويراتو في تأسيس منظمة "969" المتشددة، التي تحذر من خطر المسلمين وتحاربهم، ثم أصبح عضوا مؤسسا في جماعة ضغط قوية للرهبان المتشددين اسمها "ماباثا"، أو منظمة حماية العرق والدين، التي لها سطوتها عند الحزب الحاكم، وضغطت على البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومررت قوانين جديدة تحظر الزواج بين الأديان المختلفة، وتحظر تعدد الزوجات، وتقيد عدد الأطفال؛ وكلها إجراءات موجهة ضد المسلمين.

 

وتكاد لا تقع أزمة للمسلمين في ميانمار إلا ويكون ويراتو ضالعا فيها؛ ففي أحداث راخين منتصف عام 2012 (التي تعرض فيها مسلمو الروهينغا لمجازر وقُتل منهم المئات) قاد ويراتو مظاهرات للرهبان تطالب بالتخلص من الروهينغا وتهجيرهم من البلاد، وحصارهم في معسكرات، وهو ما حدث بالفعل.

 

وفي مكتيلا في مارس/آذار 2013، عندما قتل عشرات المسلمين بأيدي العصابات البوذية على إثر خلاف تجاري، أطلق العبارات العنصرية، وقاد حملة وطنية تدعو لمقاطعة التجار المسلمين.

 

مظاهرة لمجموعة من الرهبان البوذيين أتباع الراهب ويراتو المطالب بطرد الروهينغا من ميانمار (الجزيرة)

سجن ويراتو عام 2003 بتهمة التحريض على أعمال عنف ضد المسلمين، وأطلق سراحه عام 2010 في إطار عفو عام عن السجناء، ومنذ ذلك الحين ينشط ويحرض بحرية، حتى أنه حذر المواطنين من انتخاب المعارضة في الانتخابات الأخيرة، متهما إياها بأنها في حال فوزها ستمنح المسلمين السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد.

 

نشاط وتحريض ويراتو ضد المسلمين قاده إلى غلاف مجلة تايم الأميركية في يونيو/حزيران 2013 تحت عنوان "وجه الإرهاب البوذي". إلا أنه لا يمكن تعميم هذه الصفة على كل الرهبان في ميانمار، ففي أوج عمليات القتل ضد المسلمين في مارس/آذار 2013 بوسط ميانمار، تحوّل دير بوذي إلى ملجأ آوى فيه رهبان بوذيون أكثر من تسعمئة مسلم أياما وحموهم من القتل. ويقول أحد الرهبان إنه وقف في الطريق لحمايتهم من الحشد المسلح بالسواطير عند بوابة المعبد.

 

وتثير مرحلة الانفتاح السياسي في ميانمار أسئلة بشأن نفوذ الرهبان المتطرفين، فهل ستظل سطوتهم كما هي، أم أن خروج الحزب الحاكم من السلطة سيؤدي إلى تراجع نفوذهم في المجتمع؟ والنتيجة على كل حال ستنعكس على أحوال المسلمين الروهينغا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/18-

ناجون من فم الموت يلخصون مأساة قومهم

ناجون من فم الموت يلخصون مأساة قومهم

صلاح عبد الشكور
مدير  المركز  الإعلامي الروهينغي

 


 ونحن على مقربة من الملجأ الرابع في سلسلة زياراتنا للاجئين الروهينغيين في هذا اليوم، وبعد ساعات من السير والتنقل، مررنا فيها بعدد من المحافظات والقرى، وصلنا إلى ملجأ "باستريغا" أحد الملاجئ التي اتخذتها الأمم المتحدة لإيواء اللاجئين في إندونيسيا.

 


يتكون الملجأ من وحدات سكنية متعددة الطوابق، تتوسطها ساحة كبيرة يجتمع فيها أطفال اللاجئين للعب، تفاجأْت حين وصلنا إلى هذا الملجأ بأنه يتكون من خليط من عدد من الجنسيات العربية والأفريقية بمن فيهم الروهينغيون، التفّ حولنا الروهينغيون يستقبلوننا بالترحيب والسلام، وقد كانوا على علم مسبق بوصولنا إليهم، وكانوا ينتظروننا منذ فترة.

 


على يمين الساحة الخارجية توجد قاعة للتعليم وفرتها الجهة المعنية برعاية اللاجئين في الأمم المتحدة، استقبلونا فيها، وقاموا بجمع جميع الروهينغيين وعوائلهم بداخلها، وبعد أن استقروا في أماكنهم بدأ الدكتور طاهر الأراكاني كعادته في كل زيارة يلقي عليهم كلمة موجزة يعرفهم فيها بوفدنا، وبهدف مجيئنا، ويواسيهم في محنتهم، ولقد رأيت لتلك الكلمات تأثيراً عجيباً في نفوسهم، وتسلية لما هم فيه من حزن وأسىً على فراق موطنهم وأهليهم،

 


ولاحظت أن بعض الروهينغيين أصبحوا يتحدثون اللغة الإندونيسية، وأتقنها بعضهم من طول الإقامة في الملجأ واختلاطهم بالإندونيسيين،

 


وعندما بدأت بإجراء مقابلات مع بعض الروهينغيين لسماع قصصهم، عشت أوقاتا حزينة وأنا استمع إلى قصص أليمة وذكريات حزينة عاشها بعض أولئك اللاجئين أثناء طردهم من بلادهم، وركوبهم قوارب الموت، ووصولهم إلى شواطئ الدول مثل تايلند وإندونيسيا، ولعلي أقص لكم حكاية طفلة روهينغية، عاشت أياماً مأساوية صعبة قبل أن تصل إلى إندونيسيا .

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/18-

هل سأرى والدي بعد اليوم؟!

هل سأرى والدي بعد اليوم؟!

صلاح عبد الشكور
مدير  المركز  الإعلامي الروهينغي

 


سألْت الطفلة فاطمة، ووجها مثقل بالبؤس والحزن "حدثيني عنكِ من أنتِ؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ وأين والداك؟ ومع من تسكنين؟".

 


استحيت الطفلة في بداية الأمر من الحديث أمام الكاميرا والميكرفون، ثم قالت والأسى يتقاطر من حديثها:


أنا طفلة روهينغية كنت أعيش مع أسرتي وأبي وأمي في مدينة أكياب بأراكان بورما، وكنا في أمن إلى أن جاء ذلك اليوم الأسود الذي لا أنساه أبداً، حين بدأت عصابات بوذية تتوافد إلى قريتنا بشكل مريب، وهذه العصابات من طائفة (الموغ) ولم نكن نعرفهم من قبل.


أحاط البوذيون بالقرية، وشكلوا طوقاً حول منازلنا، حينها دبّ الرعب في قلبي، وأخذ والدي يتمتم ببعض الآيات والسور، وعلى وجهه ارتسمت علامات الخوف والرعب مما يخطط له البوذيون، وما هي إلا ساعات حتى أغاروا علينا بكل همجية ووحشية، وأخذوا يحرقون قريتنا ومنازلنا، فاضطررنا إلى الخروج من منازلنا في حالة رهيبة من الخوف، ونحن لا ندري هل نستطيع إنقاذ أنفسنا أم أن البوذيين الذين ينتظروننا في الخارج بالبنادق والسيوف سيقضون علينا؟

بدأ الحريق ينتشر بسرعة وأخذ الرجال والنساء يصيحون ويخرجون من منازلهم بملابسهم دون أن يتمكنوا من حمل أي شيء، لأن النيران أخذت تنتقل بشكل سريع والدخان يتصاعد بقوة، وكدنا نموت بسبب الاختناق ولكن الله سلّم.


تفرق الأهالي في قريتنا بعد ما أضرم فيها البوذيون النار ، ومن هول الفاجعة هرب أبي وأمي إلى جهة، وهربت أنا مع أخي إلى جهة أخرى، لكي ننجو  بأنفسنا من النار، ونسلم من ملاحقة البوذيين لنا في الخارج.

  

واستطعنا بعد عدة محاولات وجهود مضنية أن نصل إلى الشاطئ ونركب سفينة بحرية صغيرة مع مجموعة من أهالي القرية الفارين، لقد بقيت أبكي لعدة أيام أسأل عن أبي وأمي كل من أقابله على متن القارب الذي ركبناه، كنت أنظر إلى قريتنا وهي تحترق، وأتخيل أن أبي قد مات وأن أمي قد احترقت، كنت أتمنى أن أموت معهم.


وفكرت أن أرمي بنفسي في البحر لأتخلص من جحيم المعاناة، لقد بكيت وبكيت كثيراً، وكان من في السفينة يحاولون تهدئتي والتخفيف عني، ولكن لم يكن هناك شيء يسليني عن أبي وأمي، وجميع من على القارب يبكي ويصرخ، فالبوذيون قتلوا الكثير في هذه الحملة، والحرائق التي اندلعت في حيّنا أيضاً قتلت الكثير حرقاً، فصار الجميع في حالة من البؤس والحزن، لا يعلم مداها إلا الله،

 

ولم أستطع أن آكل شيئاً، فأي أكل وأي راحة بعد أن صرت في عرض البحر مع أناس أغراب من قريتنا ولا أعلم عن مصير عائلتي شيئاً، وامتدت رحلة الموت أكثر من أسبوعين، كنت أبكي فيها وأرثي لنفسي وأتألم من داخلي، ويصيبني دوار البحر فأغمض عيني، وأتذكر حنان أمي، ولطف أبي، ودفء أسرتي، آه على فراقهم. لقد صرت يتيمة مشردة ضائعة، أين أنتِ يا أماه تمسحين دمعاتي؟! أين أنت يا أبتاه تهدّئ من لوعاتي؟!

جيل جديد يفتح عيونه على دنيا ضيقة بحجم معسكر العزل ينقطع فيه عن الدنيا- مجلة الجزيرة (الجزيرة)

هكذا كنت أعيش وسط دوامتين، دوامة الحزن والأسى بفراق أمي وأبي، ودوامة أخرى مع أمواج البحار وهول المصير الذي ينتظرنا وسط هذا البحر الذي لا يهدأ.



واصلنا السير في البحر حتى وصلنا إلى حدود تايلند، وبدأ الشاطئ التايلندي يلوح في الأفق، وظننا أننا نجونا من مصيبتنا بسلام، وأن الغمة قد انقشعت، ولكن لم نكن نعلم أن مصائب أخرى، وفاجعات أشد كانت في انتظارنا، ما كدنا نصل إلى شواطئ تايلند حتى اعتدت قوات البحرية التايلندية على من في سفينتنا من الرجال والنساء، وضربوهم ضرباً شديداً بلا أدنى رحمة، وكأننا مجرمون أو  قطاع طرق.

 


وبعدها نهبت القوات محرك القارب الذي كان يقلّنا، ودفعونا قسراً نحو البحر مرة أخرى دون محرك، ودون أن يزودونا بأي مؤنٍ غذائية أو أدوية للعلاج، وكأنها طريقة مؤدبة لإبادتنا وإغراقنا جميعاً.

 


وتحركت السفينة مع الأمواج، والنساء والأطفال يصيحون ويصرخون، حتى وصلنا بها إلى جهة أخرى من الحدود التايلندية، فمنعتها القوات البحرية هناك، ودفعتها للبحر مرة أخرى، وعشنا أياماً صعبة للغاية، ومكثنا على ظهر السفينة حتى نفد ما كان معنا من طعام وشراب، وارتفع صياح النساء وبكاء الأطفال.

 


وبقينا ننتظر الموت إلى أن تحركت السفينة بفعل الأمواج من جديد إلى جهة كان فيها صيادون إندونيسيون، فلما رأونا على حالنا أخذونا معهم، وأدخلونا البلاد، وانتهى مصيرنا إلى هذا الملجأ، وأنا الآن أعيش هنا مع اللاجئين، ولكن أبي وأمي ما زالا هناك في أكياب داخل أراكان، وأنتظر اللحظة التي أكحل فيها عيني برؤيتهما، ولكن يا ترى من سيحقق لي حلمي؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/18-

ما زلت أبحث عن زوجي

ما زلت أبحث عن زوجي

صلاح عبد الشكور
مدير  المركز  الإعلامي الروهينغي


 

 طلبت من مجموعة من النساء أن يتحدثن عن معاناتهن في ميانمار. تهامست السيدات فيما بينهن ورشحن واحدة، وكانت تمتلئ حياءً وخجلاً، فتقدمت للحديث بعد أن ناولت طفلتها التي كانت تلعب في حجرها لجارتها، سألتها: حدثيني عن قصة رحلتك وما جرى لك في أراكان-بورما وكيف وصلت إلى إندونيسيا؟ فأجابت والدمعة في عينيها:

 

أنا سيدة روهينغية مسلمة، كنت أعيش بأرض أراكان في بورما، وتعرضنا هنالك لأبشع أشكال الظلم والاضطهاد من قبل عصابات "الموغ" البوذية، وبدعم من الحكومة البورمية. إذ أحرق البوذيون قرانا واعتدوا على رجالنا وشبابنا، واغتصبوا نساءنا، وأصبحنا مثل الفريسة، لا نملك أي وسيلة للدفاع عن أنفسنا وأعراضنا.

 

أما قصتي فهي سلسلة من المصائب وحلقات متصلة من المآسي، لا أدري كيف أحكيها لكم، وكيف أسرد فصولها المريرة عليكم، عندما أغار البوذيون علينا وشنوا حملات القتل والإحراق خرجت مع زوجي وطفلتي، وتفرقنا أثناء هروبنا، فصار  زوجي في جهة وأنا في جهة أخرى. وبدأ أهالي الحي يتجهون نحو الشاطئ للنجاة بأنفسهم، لأن البوذيين لا يرحمون طفلاً رضيعاً ولا امرأة ولا شيخاً، ولا يتركون أحدا إلا قتلوه أبشع قتلة.

 

وكان المشهد مهولاً للغاية، الكل يهرب بنفسه لا يلوي على شيء، ركبنا قارباً بحرياً متوسط الحجم مع بعض أهالي القرية، اشتريناه بما كان معنا من نقود وركبنا فيه جميعاً وأبحرنا هاربين ننشد النجاة في أي اتجاه كان. بحثت عن زوجي كثيراً فلم أقف له على أثر، وسألت عنه كل من قابلته، فلم يشفِ غليلي أحد،

 

كان القلق يعذبني ويقتلني ألف مرة ومرة، وبعد أن سرنا بضعة أميال في عرض البحر، أوقفتنا سفينة تابعة للقوات البحرية البورمية، وكان بها مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح، اقتحموا علينا قاربنا وبدؤوا بضرب الرجال ضرباً مبرحاً، وبطريقة عشوائية كانت تنم عن الحقد الذي يملأ قلوبهم، ونحن نصيح ونبكي ولا ندري ماذا نصنع، وبعض الجنود حاولوا أن يغتصبونا ولكن الله سلمنا ولم يتمكنوا لوجود الأطفال والرجال معنا على متن القارب.

 

البؤس يرتسم على ملامح الروهينغا في مخيماتهم ومعسكرات عزلهم في إقليم أراكان بميانمار (الجزيرة)

بعد ذلك قاموا بنقلنا إلى سفينة أخرى، ثم أعادونا ثانية إلى سفينتنا، وتفاجأنا بأنهم قاموا بفصل محرك السفينة وإخفائه عن أعيننا، وبعد ذلك شاهدت بعض الجنود يربطون سفينتنا بسفينة تابعة للقوات البحرية، وقاموا بسحبنا وسط المياه الإقليمية القريبة من تايلند، ثم أطلقونا وسط الأمواج دون أدنى رحمة، ودون أي التفات لاستجدائنا وصراخنا، عندها أيقنا أن المنية قد دنت، وأننا سنهلك جميعاً وسط هذه الأمواج بعد أن صرنا وسط البحر ، دون محرك يحرك سفينتنا ودون أي غذاء أو دواء، أخذ الرجال يحاولون التقدم في البحر  نحو  أي شاطئ أو جزيرة لننجو بأنفسنا وأطفالنا من الهلاك .

 

تواصل السيدة الروهينغية حديثها: وبعد مسيرنا لمحتنا سفن المراقبة التابعة للقوات البحرية التايلندية، وكانت بالنسبة لنا لحظة فرح على أمل النجاة، فاتجهنا صوب هذه السفينة التي ما إن رآنا الجنود حتى عرفوا أننا روهينغيون فارّون من أراكان بورما، فاقتادوا سفينتنا إلى جهة قريبة من الشاطئ وأعطونا بعض الغذاء والماء.

 

وظللنا واقفين على وضعنا في السفينة ثلاثة أيام، كنا ننتظر خلالها أن يسمحوا لنا بدخول تايلند، ونمني أنفسنا بالحياة والنجاة، ولكن خابت كل توقعاتنا، حيث قام الجنود بدفعنا للبحر مرة أخرى وسط توسلاتنا، وقاموا بإبعاد سفينتنا عن الشاطئ مسافة بعيدة جداً، وأطلقوا سراحنا هناك، وكأنهم حكموا علينا بالإعدام غرقاً بطريقة مشروعة في نظرهم تعفيهم من المساءلة والقانون، وتخفي كل آثار الجريمة. وهنا عشنا أصعب اللحظات، ازداد صراخ النساء والأطفال، الجميع يشكو المرض والجوع ودوار البحر وسيلان البطن جراء سوء التغذية وتقلبات الطقس، كانت لحظات كربٍ شديدة الوقع على أنفسنا، وساعات قهر  لم نكن نتخيلها، حيث تفاقم الخطب واشتد علينا الكرب، وبتنا وسط البحر لا أمل لنا إلا في الله، ولا مغيث لنا سواه.

 

وبعد أن شارفنا على الموت وفقدنا كل شيء ولم يبق إلا أرواحنا لتصعد إلى خالقها، مرت سفينة صيد إندونيسية، فلما رأتنا على تلك الحال وقد بلغ منا الجهد والإعياء مبلغه، تحركت في نفوسهم الرحمة وقاموا بجرّ سفينتنا إلى شواطئ إندونيسيا، وأنا الآن أعيش مرارة الفقد والحرمان وما زلت أبحث عن زوجي الغائب، وأسأل عنه هنا وهناك، ولم أقف حتى اللحظة على خبر  من أي شخص.

 

واسترسلت تقول والدموع تملأ مآقيها: لقد هربنا من أراكان للحفاظ على أرواحنا وأنفسنا، وكل ما نرجوه من دول الجوار أن نجد موطأ قدم يحفظنا ويحفظ أبناءنا، نحن حُرمنا من التعليم وأخشى أن يحرم أبناؤنا منه، لذلك أحمل في نفسي همّ تعليم أبنائنا وبناتنا، ولن أنسى ما حييت ما شاهدته في أراكان من مجازر ومحارق راح ضحيتها المئات من أهلنا أمام أعيننا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/18-

مسلمو أراكان.. خبرة اللجوء وقسوة المخيمات

مسلمو أراكان.. خبرة اللجوء وقسوة المخيمات

إلياس محمد طاهر
محرر بشبكة كالادان الإعلامية


بسبب المعاناة القاسية والطويلة التي تعرض لها المسلمون الروهينغا فقد لجؤوا إلى الهجرات الجماعية منذ وقت مبكر ولا تزال تتوالى، وكان أكبرها في العامين 1978 و1991 حيث هاجر معظمهم إلى بنغلاديش ودول أخرى مثل السعودية، وباكستان، وماليزيا، وليبيا، وتايلاند، والإمارات العربية المتحدة وغيرها.

 

وما زالت الهجرة والهروب عبر الحدود تتم بشكل مستمر وإن بوتيرة مختلفة، والمحظوظون من يمكنهم القدر من الوصول إلى بنغلاديش عبر النهر الفاصل بين البلدين، أو من خلال السياج الحدودي، أما من يغامرون بركوب القوارب عبر الخليج فقد تقودهم الأمواج إلى  تايلاند التي تقوم بإلقائهم ثانية في المحيط بعد فصل محركات القوارب ليواجهوا الموت المحقق في محيط متلاطم.

 

ويقدر عدد اللاجئين الروهينغيين الفارين من أراكان إلى بنغلاديش بنحو مئتي ألف إلى أربعمئة ألف، وفي تايلاند -حسب ما تعتبرهم السلطات التايلاندية مهاجرين غير نظاميين- يبلغ عددهم حوالي عشرين ألف شخص، ووفقا لاتحاد حدود تايلاند وبورما -وهو مجموعة من المنظمات الإنسانية الدولية العاملة على طول الحدود البالغة 1.800 كيلومتر- يعيش نحو 142 ألف لاجئ روهينغي في تسعة مخيمات تديرها الحكومة.

 

أما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فقد قامت حتى الآن بتسجيل مئة ألف لاجئ روهينغي في تايلاند. وفي ماليزيا تقدر لجنة حماية حقوق عمال بورما -ومقرها كوالالمبور- عدد المهاجرين من ميانمار المسجلين وغير المسجلين في البلاد بحوالي خمسمئة ألف، كما يقدر عددهم في السعودية بنحو نصف مليون، وفي باكستان 350 ألفا.

 

وعندما ازداد عدد اللاجئين في بنغلاديش بادرت كثير من المنظمات الإسلامية بالوقوف إلى جانب اللاجئين الروهينغيين بالدعم والمساعدات الغذائية والطبية وغيرها، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة منعت الحكومة البنغالية المنظمات الإسلامية من العمل بمخيمات اللاجئين الروهينغا على الحدود.

 

النساء والأطفال أكثر من يعانون من حصار البوذيين لهم في معسكرات العزل (الجزيرة)

المعاناة درجات

وتنقسم مخيمات اللاجئين الروهينغيين في بنغلاديش إلى نوعين، مخيمات مسجلة لدى حكومة بنغلاديش ولدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث يوجد 28 ألف روهينغي مسجلين لدى المفوضية، منهم 11 ألفا فقط يقيمون في مخيم كوتوبالونغ للاجئين خارج كوكس بازار و17 ألفا بمخيم نايابار الذي يقع على مسافة أبعد جنوبا، وهؤلاء يجدون بعض المواد الغذائية والعلاج من منظمات الأمم المتحدة رغم أنها مساعدات ضئيلة جدا مقارنة باحتياجات وعدد اللاجئين الروهينغيين.

 

أما المخيمات الأخرى فهي غير مسجلة رسميا، ويوجد بها أكثر من مئتي ألف نسمة يعيشون في مخيمات اللاجئين على الحدود بين بنغلاديش وميانمار في أوضاع مأساوية تنذر بكارثة إنسانية، فلا ماء ولا غذاء ولا دواء ولا حياة لهم إلا في خيام بلاستيكية.

 

ويتعرض اللاجئون في هذه المخيمات لأنواع شتى من الأوبئة والأمراض الفتاكة، مثل الحمى والملاريا والأمراض الجلدية والإسهال المزمن، ويموت عدد كبير من الأطفال بسبب الأمراض الخطيرة، كما يموت عدد من النساء بسبب الولادة المتعثرة لعدم وجود مستشفى.

 

وقد حذرت منظمة حقوق الإنسان الأميركية (أطباء من أجل حقوق الإنسان) في تقرير لها من أن مئتي ألف روهينغي في بنغلاديش يعانون من أوضاع إنسانية صعبة، وأن الروهينغيين سيتعرضون لخطر المجاعة إذا لم تتم زيادة السلع الغذائية، وتقول المنظمة "إن 18% من الأطفال يعانون بالفعل من سوء تغذية حاد".

 

من جهة أخرى، تقوم السلطات في بنغلاديش بحملات دعائية عبر وسائل الإعلام المحلية لبث الكراهية والتحريض ضد اللاجئين الروهينغيين، وتقوم أيضا بتهديد القرويين بالاعتقال إذا لم يقوموا بدورهم بإبلاغ السلطة عن جيرانهم الروهينغيين.

 

أقمشة بالية تقيهم حر الشمس هو كل ما يجده اللاجئون الروهينغا (الجزيرة)

معاناة متواصلة

تبدأ الرحلات عادة من أحد المواقع الساحلية في ميانمار أو بنغلاديش، وتنطلق نحو جنوب تايلند أو إلى الساحل الشمالي الغربي الماليزي، وبالتحديد إلى ولاية بينانغ، ومن ينجح من المهاجرين في الوصول إلى تايلند يتخذها محطة فقط في قبل أن يواصل رحلته إلى ماليزيا، أما أستراليا فهي وجهة لا يفكر بها إلا القليل منهم لارتفاع تكاليف الرحلة إلا لمن ينجح في العمل أثناء وجوده في تايلند أو ماليزيا ويوفر ثمن الرحلة.

تبدأ رحلات الهروب ليلا بالتجمع في نقطة انطلاق الزورق، أجواء يغمرها مزيج من المشاعر المتضاربة، الفرح والدموع من المسافرين والمودعين، وحالما تبدأ الرحلة يضع المهاجرون الروهينغيون مصيرهم بيد المهربين والقدر المجهول، أخطار الرحلة كثيرة فحرس الحدود في ميانمار وبنغلاديش بالمرصاد، وإذا سلم المهاجرون من أولئك يبقى خطر العواصف، وإذا سلموا من هذه يبقى تلاعب المهربين بمصائرهم، واحتمال عدم الوفاء بالاتفاق، وقد يلقى بهم في مكان غير المتفق عليه ليلقوا مصائرهم.

 

قصص مهاجري الروهينغا كثيرة، فمنهم من وصلوا لتايلند ومنهم من وصلوا إلى ماليزيا ولكن منهم أيضا من استقروا في قعر المحيط ولم يصلوا إلى بر الأمان الذي تاقوا إليه، ولا يعني الوصول إلى الوجهة المطلوبة نهاية الرحلة، لأن مرحلة جديدة من المعاناة تبدأ من تلك اللحظة،  المعاناة في مخيمات اللجوء والهروب الدائم من السلطات. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/18-

غيتو ميانمار.. معسكرات عزل المسلمين بأرضهم

غيتو ميانمار.. معسكرات عزل المسلمين بأرضهم

هاني فتحي
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار


 

منذ عشرات السنين تواجه أقلية الروهينغا المسلمة في إقليم أراكان (راخين) غرب ميانمار حملات اضطهاد ممنهجة من جانب السلطات، التي تعدهم مهاجرين قدموا من بنغلاديش، رغم أنهم يقطنون هذه المنطقة منذ مئات السنين كما تؤكد المصادر التاريخية، ونجم عن هذه الحملات موجات من الهجرة القسرية إلى دول الجوار والنزوح الداخلي.

 

ويحفل تاريخ الروهينغا بحملات القمع والمجازر، كان آخرها في يوليو/آذار 2012 عندما وقع شجار بين جماعة من الروهينغا وجيرانهم البوذيين، إثر اتهام البوذيين شبابا روهينغيين باغتصاب امرأة بوذية وقتلها، حيث قام بعدها البوذيون بمجازر انتقامية، قتلوا فيها المئات من المسلمين، وأحرقوا منازلهم وهجروهم تحت أعين السلطات، التي لم تتدخل وتركت المسلمين يذبحون، كما تعالت أصوات الرهبان البوذيين المتطرفين بضرورة طرد الروهينغا أو على الأقل عزلهم.

 

وهو ما حدث بالفعل، فتحت ضغط الرهبان المتطرفين، وتماشيا مع الدعوات المحلية وقبول القيادات السياسية، ووسط صمت وتخاذل المجتمع الدولي، قامت سلطات ميانمار بحصار مئات الآلاف من الروهينغا داخل مناطق تابعة لهم، وقامت ببناء أسوار حول هذه المناطق، ونقاط تفتيش على مداخلها، ويوجد حاليا 12 معسكر عزل للروهينغا في إقليم أراكان.

لاجئون محتجزون من أقلية الروهينغا في إحدى دول الجوار بعد فرارهم من الاضطهاد في أراكان (الجزيرة)



وخلال رحلتنا لميانمار حرصنا على دخول أحد هذه المعسكرات للمرة الأولى، لننقل للعالم كيف يعيش الروهينغا داخل هذه المعسكرات غير الإنسانية.

 

سافرنا إلى مدينة سيتواي عاصمة إقليم أراكان، وتقدمنا بطلب إذن بالتصوير داخل أحد المعسكرات، وعلمنا أن التصريح سيتأخر لليوم التالي،  فحاولنا استغلال الفرصة للتجول في مدينة سيتواي، التي تم تفريغها بشكل شبه تام من المسلمين، وتحولت مساجدها التي كانت عامرة بالمصلين مئات السنين إلى خرائب مهجورة، بعد أن هاجم البوذيون أغلبها ودمروها أو أحرقوها، ولم تعد تقام صلاة الجمعة في المدينة بأكملها منذ منتصف عام 2012.

 

التقطنا صورا لهذه المساجد، وسط نظرات المواطنين المرتابة والغاضبة، وفي عصر اليوم التالي حصلنا على الترخيص، لكنه محدد بغروب شمس اليوم نفسه، أي أنه كانت أمامنا ثلاث ساعات فقط، قررنا استغلالها على الوجه الأمثل.

 

مسلمون روهينغا يقادون مقيدين إلى المعتقلات البوذية كالمجرمين-(الجزيرة)

بمجرد أن تعبر نقطة التفتيش على مدخل معسكر عزل الروهينغا وتخطو خطوات داخله يعود بك الزمن نحو قرن من الزمان، حيث الشوارع الترابية غير المعبدة، ولا توجد كهرباء أو أنابيب مياه، بل يتم الحصول على الماء عبر مضخات يدوية قديمة، ومجاري الصرف الصحي غير مغطاة.

 

والمنازل بدائية صنعها قاطنوها يدويا من أعواد البامبو، ودورات المياه في أكواخ تفتقر أدنى الشروط الصحية، وينتشر الحطب في كل مكان فهو المصدر الوحيد لطهي الطعام وتسخين المياه، فمولدات الكهرباء بدائية تعمل بالسولار فقط لإنارة مناطق دورات المياه ليلا.

 

البيت الواحد تقتسمه ثلاث أو أربع أسر، وهي بيوت تكاد تكون خالية من الأثاث، ولا يملكون إلا الملابس التي تستر عوراتهم، وفي بعض الأحيان لا تغطي عورات أطفالهم، أما الوجوه فهي بائسة ويائسة، ورغم ذلك يصطنعون الابتسامة أمام الضيوف.

 

منذ ثلاث سنوات لم يتصل سكان هذه المعسكرات بالعالم الخارجي، أطفال ولدوا وترعرعوا داخل المعسكرات، فهي بالنسبة لهم الدنيا وما فيها، وتجد هنا بعض الدجاج وهناك وأبقار وجواميس، وتوجد بحيرة صغيرة يصطادون منها بعض الأسماك، وأرض قليلة يزرعون فيها بعض المحاصيل المحلية، وأكشاك بها بعض المواد الغذائية البسيطة يبتاعون منها حاجاتهم الأساسية.

 

مسلمون روهينغا معتقلون تحت حراسة الأمن في محاولة لكسر إرادتهم (الجزيرة)

ويعتمد سكان معسكرات العزل بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية، والمأساة تكتمل أركانها عندما يمرض ويتألم أحدهم، فليس لديهم سوى انتظار الموت البطيء، كحال السيدة العجوز التي شاهدناها تعاني من التهاب في الأمعاء، وتتألم بشدة بسببه، وتحتاج إلى الخروج من المعسكر لمراجعة طبيب، إلا أن حراس المعسكر يرفضون إعطاءها تصريحا، وبعد ثلاثة أيام من مغادرتنا المعسكر وصلنا خبر وفاتها.

 

ويؤكد سكان المعسكر أنه إذا أفلح أحدهم في الحصول على تصريح للذهاب إلى مستشفى خارجي يرافقه حارس، وعندما يرى الطبيب البوذي أنه روهينغي مسلم يقول له حالتك غير عاجلة، ارجع بعد أسبوع. وهو يدري بالطبع أنه سيعود ولكن في كفن.

 

على الرغم من البؤس الشديد فهناك العديد من المساجد المتواضعة التي تكتظ بالمصلين، فضلا عن مدارس بدائية لتحفيظ القرآن، يحرص الكثيرون على إلحاق أولادهم بها.

 

بقينا معهم نحو ساعتين، حاولنا توثيق كل شيء حتى ننقله للعالم، بدأت الشمس تتجه للمغيب، وبدأت صيحات مرافقينا تحذرنا من البقاء وتطالبنا بالخروج قبل هبوط الظلام، فالمكان غير آمن والجواسيس منتشرون في كل مكان، كما يقولون. اضطررنا إلى جمع معداتنا على عجل وركوب الحافلة الصغيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/18-

نهاية عقود من التعتيم الإعلامي

نهاية عقود من التعتيم الإعلامي

هاني فتحي
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار

ميانمار أو (بورما) سابقا، تلك الدولة المغلقة في جنوب شرق آسيا، مساحتها نحو سبعمئة ألف كيلو متر مربع، أي مثل مساحة فرنسا وإنجلترا مجتمعتين، عاصمتها السياسية نايبيدو، وعاصمتها التجارية وأكبر مدنها يانغون.

 

يبلغ عدد سكانها نحو 52 مليون نسمة، وينحدرون من 135 عرقية مختلفة، ويدين أغلب سكانها بالبوذية، وبها أقلية مسلمة تُقدر بمليوني نسمة، ينحدرون من عدة عرقيات منها الصينية والهندية، وأكبرها الروهينغا من أصول بنغالية.

 

لميانمار حدود مع بنغلاديش والهند والصين ولاوس وتايلاند، ويطل ساحلها الغربي على خليج البنغال، وهي قبلة البوذيين في المنطقة، ففيها خمسمئة ألف راهب لديهم تأثير كبير في الحياة العامة، وبها عدد كبير من المعابد البوذية، أو كما يطلقون عليها "باغودا".

 

احتل البريطانيون ميانمار في القرن الـ19، وحصلت على استقلالها عام 1948، وفي عام 1962 وقع انقلاب عسكري، سيطر بعده العسكر على مقاليد الأمور في ظل حكم شمولي شيوعي سيئ السمعة في مجال حقوق الإنسان والحريات، وأشهر مثال على انتهاك الجيش الحريات هو حال أقلية الروهينغا المسلمة، التي صنفتها الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهادا في العالم، كما يواجه هذا النظام حركات تمرد وما يشبه الحرب الأهلية خاصة في الشمال.

 

الحرائق أكثر ما يمكن مشاهدته في مناطق المسلمين الروهينغا لدفعهم للهر ب خارج البلاد (الجزيرة)

وكان المجلس العسكري الحاكم حلّ نفسه عام 2011 عقب انتخابات صورية عام 2010، ولكنه لا يزال يسيطر على مقاليد الأمور عمليا، من خلال حزب التضامن والتنمية الحاكم الذي يهيمن عليه العسكر.

 

وتعد ميانمار بلدا غنيا اقتصاديا، فهي متعددة الموارد مثل البترول والغاز الطبيعي والأحجار الكريمة، والثروات المعدنية الأخرى، إضافة إلى الأراضي الزراعية شديدة الخصوبة، وإمكانيات سياحية كبيرة. لكن -بالطبع- يسيطر العسكر وأتباعهم على معظم هذه الثروات، ويتركون الفتات للشعب الذي يعيش معظمه تحت خط الفقر.

 

في انتخابات الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وللمرة الأولى، دعت حكومة ميانمار الإعلام الأجنبي لتغطية الانتخابات، كما سمحت بوجود مراقبين دوليين، بخلاف ما دأبت عليه عقودا من التعتيم الإعلامي.

 

فقد حاولت قناة الجزيرة مرات عديدة الحصول على إذن للقيام بتغطيات هناك، لكن أفضل ما حصلنا عليه كان السماح لمدير مكتبنا في الصين عزت شحرور بالدخول في فبراير/شباط 2012، حيث أعد عدة تقارير عن وضع المسلمين في يانغون. وكان ذلك قبل الاضطرابات العرقية التي وقعت منتصف 2012، وأدت إلى وقوع مجازر للمسلمين الروهينغا في إقليم أراكان (غرب البلاد)، ثم وضعتهم السلطات في معسكرات بدائية ومنعت خروجهم منها.

مأوى للاجئين الروهينغا لم يبلغ مستوى الخيام والمخيمات  (الجزيرة)


لكن هذه المرة ، جاءت موافقة السلطات سريعة ومفاجئة على طلبنا بالتغطية، وعقب حصولنا على التأشيرة كان فريق الجزيرة على متن أول طائرة إلى أكبر مدنها يانغون.

 

منذ اللحظة الأولى تشعر بأنك في بلد الألف معبد كما يطلقون عليها، فمن الطائرة تلحظ قباب المعابد الذهبية منتشرة في كل مكان، والمدخل الرئيسي للمطار مصمم على شكل معبد، وموظفو الجوازات ورجال الجمارك بيروقراطيون كما في معظم دول العالم الثالث.

 

فقد احتجزت سلطات المطار الكاميرات بحجة عدم اكتمال الأوراق، وحصلنا عليها بعدها بيوم بعد معاملات روتينية، وعند خروجك من المطار تشعر بأنك عدت عشرات السنين إلى الوراء؛ سيارات قديمة وحافلات متهالكة وشوارع مزدحمة ووجوه يائسة وفقيرة والمباني السكنية متواضعة، وتنتشر بكثافة المعابد شديدة الأناقة، بلونها الذهبي الملفت، كما تلاحظ بعض المباني الحديثة والسيارات الفارهة، التي يتبين -بعد السؤال عنها- أنها مشاريع مستحدثة، تعود بالطبع لقادة العسكر وأتباعهم، وبين الفينة والأخرى تلاحظ مسجدا.

 

اللون الأحمر وصورة السيدة في كل مكان، والباعة الجائلون الذين يمرون وسط السيارات في إشارات المرور لبيع الجرائد والمجلات يحملون تقويما للعام يحمل صورا مختلفة لها، والسيدة هو الاسم الذي يطلقه أفراد الشعب على الناشطة السياسية أونغ سان سوتشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وزعيمة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية المعارض، واللون الأحمر هو لون حزبها الذي اكتسح الانتخابات بالفعل، دون أن يعني ذلك دخول ميانمار مرحلة سياسية جديدة عنوانها الديمقراطية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/18-

انفراجة ديمقراطية أقل من تحول سياسي

انفراجة ديمقراطية أقل من تحول سياسي

هاني فتحي
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار


 

هل فوز المعارضة في ميانمار بالانتخابات الحالية يعد خطوة على طريق الديمقراطية ؟ للإجابة عن هذا السؤال يتعين علينا أن نعود 25 عاما إلى الوراء، عندما أجريت آخر انتخابات حرة في ميانمار وفازت بها المعارضة، وبالتحديد حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الذي اكتسح الانتخابات الحالية أيضا.

 

لكن ماذا حدث حينئذ؟ الإجابة أنه لم يحدث أي شيء، لأن العسكر تجاهلوا نتيجة الانتخابات واستمروا في حكمهم الشمولي كأن شئيا لم يكن، وواصلوا الحكم علنا 21 عاما أخرى، ومن خلف الستار أربع سنوات إضافية حتى اليوم.

 

يقول البعض إن الوضع مختلف الآن، حيث أجرت أونغ سان سوتشي زعيمة المعارضة محادثات مع رئيس البرلمان بعد فوز حزبها الساحق بالانتخابات، مما يُعد إيذانا ببدء عهد جديد للديمقراطية، يمكن أن يطيح بالكثير من العسكريين، الذين يمثلون الحرس القديم، خاصة أن حزب اتحاد التضامن والتنمية الحاكم اعترف هذه المرة بهزيمته مبكرا، بل وهنأ المعارضة في سابقة تحدث للمرة الأولى.

 

لكن هناك العديد من الإشارات المقلقة حدثت قبل الانتخابات تجعل الكثيرين يتخوفون من نوايا العسكر، حيث حذّر الرئيس ثين سين -الجنرال السابق وآخر رئيس للحكومة- من أي محاولة لتقليد ثورات الربيع العربي، كما بثت الرئاسة مقطع فيديو دعائيا غريبا في هذا الشأن، تؤكد فيه أنها لا تريد أن تصل الأمور إلى "أنهار الدم" التي رافقت بعض "عمليات التحول إلى الديمقراطية".


وإذا افترضنا جدلا أن الحزب الحاكم اعترف فعليا بنتيجة الانتخابات، وقبل الهزيمة، وسلّم السلطة للمعارضة، فسيكون أمامها العديد من التحديات، فإذا تركنا جانبا الاقتصاد المتردي والبنية التحتية المنهارة والتوزيع الظالم للثروات والحرب الأهلية في الشمال والشرق ومشاكل الأقليات، وفي مقدمتها الروهينغا، فسيكون أمام المعارضة مهمة صعبة في بسط سيطرتها على الحياة السياسية والإمساك بتلابيب الأمور، فقد حرص العسكر على تثبيت أركان حكمهم من خلال مواد في الدستور يحتفظ الجيش بمقتضاها بـ25% من مقاعد البرلمان، ويجعل من الصعب تغيير الدستور.

أعضاء البرلمان الجديد من مدنيين وعسكريين في افتتاح البرلمان الجديد  (رويترز)

وكتطبيق عملي لذلك، اعترض الجيش في يونيو/حزيران الماضي على إجراء تعديل دستوري يسمح لزعيمة المعارضة أونغ سان سوتشي بخوض الانتخابات الرئاسية، استنادا إلى أن زوجها وابنيها يحملون الجنسية البريطانية، فالجيش له صلاحية الاعتراض على التعديلات الدستورية.

 

كما أن الجيش لا يزال يتمتع بنفوذ كبير في اختيار الرئيس، فيتم اختيار الرئيس من بين ثلاثة مرشحين، أحدهم من جانب مجلس النواب، والآخر من مجلس الشيوخ، والثالث من الجيش، ثم يجري مجلسا البرلمان تصويتا عليهم، حيث يحظى بالمنصب الفائز بأكبر عدد من الأصوات، ويشغل المرشحان الآخران منصبي نائبي الرئيس.

 

بعبارة أخرى، حتى إذا اعتمدت نتيجة الانتخابات الأخيرة، فلا زال الطريق طويلا جدا وشاقا أمام التحول الديمقراطي في ميانمار.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/18-

ميانمار تحت ديمقراطية العسكر إلى حين

ميانمار تحت ديمقراطية العسكر إلى حين
 
صهيب جاسم
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار 

 

غمرت الفرحة قلوب الملايين من الميانماريين ممن أيدوا المعارضة في انتخابات الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وامتد ذلك إلى دول كثيرة في المنطقة وحول العالم احتفت بتقدم حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة أونغ سان سوتشي التي حصلت على 390 مقعدا من مقاعد مجلسي القوميات والبرلمان البالغ عددها 664 مقعدا، ومن المفارقات أنها كانت قد فازت بـ392 مقعدا أيضا في انتخابات عام 1990 التي رفض الجيش قبول نتائجها وأبقى حكمه لربع قرن آخر.

 

في يانغون تجمع الآلاف أمام مقر حزب الرابطة محتفلين بانتصارهم بعيد ظهور النتائج الأولية، فحلم التغيير اقترب من التحقق في نظرهم، والنتائج تجاوزت توقعات الحكومة، لكن الواقع السياسي والعقبات الدستورية والقانونية توحي بأن التغيير الفعلي داخل أجهزة الدولة سيحتاج -إن سار بخطى ثابتة- لعقد آخر يزيد على ذلك أو يقل حسب المستجدات السياسية والإقليمية في السنوات المقبلة.

 

فالعسكر الذي حكم البلاد منذ انقلابه عام 1962 لم يكن يتوقع في نظر معارضين أن تكون خسارة حزبه -حزب تضامن الاتحاد والتنمية- بهذه الصورة، لكن الجنرالات رسخوا في الدستور الذي أقروه عام 2008 ما يضمن لهم عدم ضياع نفوذهم ومصالحهم بفعل صناديق الاقتراع خلال هذا العقد على الأقل.

 

انتخابات ديمقراطية لن تفضي بالضرورة إلى حكم ديمقراطي كامل لعقد من الزمن (الجزيرة)

فالدستور يحفظ للجيش ربع مقاعد المجلسين أو 166 مقعدا يضاف إليها 42 مقعدا حصل عليها حزبه الحاكم، وليست القضية عددية مجردة، بل يجعل الدستور هذا الربع معطلا، فلا تعديل دستوريا ولا سن لأي قوانين إلا بموافقة الجيش، بل إن استقراء الدستور يكشف عن ترسيخ دوره غير العسكري في المجتمع، فضمن المبادئ أو الأهداف في مقدمة الدستور يشار إلى "تمكين الجيش من المشاركة بدور في القيادة السياسية الوطنية للدولة"، وفي مادة أخرى يفتح المجال لتدخل العسكر إذا ما تهدد البلاد عنف داخلي أو تمرد، ففي تلك الحالة لرئيس أركان الجيش أن يتسلم القيادة من المدنيين.

يذكر هذا والبلاد لا تزال تشهد صراعات دامية مع الأجنحة العسكرية لبعض القوميات في شمال البلاد، بل إن الدستور يعتبر الجيش حارسا عليه، وبرلمانيا يتم التعامل مع القضايا الدفاعية والأمنية من خلال لجنة برلمانية تحددها كتلة الجيش في المجلس.

 

ولهذا يتحدث محللون كثر عن مشهد سيُشرك فيه الجيش المدنيين المنتخبين معه في الحكم ابتداء من اختيار رئيس البلاد الذي سيتم مطلع العام المقبل من خلال مجلسي البرلمان والقوميات، حيث سيكون للجيش حق ترشيح واحد من بين ثلاثة نواب للرئيس، يُنتخب من بينهم رئيس ويصبح الاثنان الآخران نائبين له.

 

ومن المتوقع أن يفوز مرشح المعارضة بالرئاسة، بينما يكون من نصيب الجيش أحد نائبي الرئيس والذي يشرف على جزء مهم من ميزانية البلاد، والأهم من ذلك أن ثلاث وزارات ذات أهمية بالغة في بلد حكمه العسكر منذ عام 1962 تظل محفوظة للجنرالات من دون الحاجة للتقاعد من مناصبهم العسكرية، وهي: الدفاع والداخلية وشؤون الحدود.

 

مسجد مغلق وتحت حراسة الجيش بسبب أحداث العنف في بلدة ميتيلا في وسط ميانمار (الجزيرة)

وميانمار من الدول القليلة في العالم التي تنظر إلى ولاياتها الحدودية ذات التنوع العرقي والديني بخصوصية تجعل التعامل معها يستلزم وزارة خاصة يعمل فيها أكثر من 24 ألف موظف.



وهنا يبرز البعد الأمني في التعامل مع الأقليات المسيحية والمسلمة، ويشمل عمل الوزارة مختلف نواحي الحياة في تلك الولايات، مما يعقد أي جهد لتغيير واقع تلك المناطق التي ظلت تعاني من صراعات وأزمات وتوترات دامية على مر العقود الماضية، بما فيها ولاية أراكان التي تقطن فيها أقلية الروهينغا المسلمة.

 

ولهذا يدرك كبار الساسة من المعارضة والباحثين في الشأن الميانماري -وبعيدا عن نشوة انتصار المعارضة في الانتخابات- أن النموذج الميانماري للتحول الديمقراطي لن يكون بالصورة التي توقعها متفائلون كثر حول العالم، بل وحتى داخل ميانمار، وبين كثير من عامة مواطنيها.

 

يأمل المسلمون وباقي الأقليات في ميانمار تغير سياسة الدولة تجاههم  (الجزيرة)

صحيح أن الانفتاح الاقتصادي سيكون عنوان المرحلة القادمة، وبوادر ذلك تتحقق باستثمارات تتدفق على البلاد من كل دول العالم، لكن الجوانب السياسية والأمنية والتعامل مع العرقيات والأقليات وملف المسلمين والمسيحيين كلها قضايا ستواجه فيها المعارضة تحديات كبيرة لإحداث تغيير في سياساتها.

 

ومع أن المعارضة تتحدث عن سعيها إلى تحقيق الانتقال السلمي للسلطة، والوفاق الوطني مع القوميات التي تحمل السلاح ضد الدولة، ثم تعديل الدستور، ثم التحول إلى دولة فدرالية.

تلك الأهداف البعيدة كما يقول عضو اللجنة المركزية لحزب الرابطة من أجل الديمقراطية أو وينغ تاي في حديث لمجلة الجزيرة "تصطدم بحقيقة مرة هي نفوذ الجيش في الإدارات الحكومية بالعاصمة والمقاطعات".

ويضيف "علينا أن نتقبل الدستور الحالي رضينا به أم لم نرض، حيث سيظل حضور الجيش كما هو، وسنتجرع مرارة ذلك كل يوم، لكن على المدى البعيد نأمل، وسنحاول التفاوض مع الجيش لتحقيق انتقال للسلطة وتعديل الدستور".

 

لهذا قد تحتاج ميانمار لعقد أو أكثر حتى يتحقق الكثير من أحلام مواطنيها الذين خرجوا في انتفاضة عام 1988 التي قمعت، ثم عادوا ليختاروا المعارضة في انتخابات عام 1990 التي أجهض الجيش نتائجها، واليوم يتطلعون لأن تلحق بلادهم بجيرانهم الآسيويين، وهو أمر سيتحقق في نهاية المطاف في نظر أغلبية المهتمين بالشأن الميانماري.

 

العزلة التي تبنتها الحكومات العسكرية المتعاقبة لم تعد تجدي من الناحيتين الاقتصادية والتنموية على الأقل، ولا مفر من فتح أبواب التواصل مع العالم، لكن تغيير تفاصيل المشهد السياسي وما يحكم شؤون الأقليات قد يحتاج إلى وقت وجهد سياسي وشعبي، وانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني خطوة تأمل الأغلبية -التي اختارت المعارضة من خلال صناديق الاقتراع- أن تكون بداية لتحولات مستقبلية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/18-

ميانمار.. التحول الديمقراطي والتنافس الدولي

ميانمار.. التحول الديمقراطي والتنافس الدولي
صهيب جاسم
موفد قناة الجزيرة إلى ميانمار 

 



 المتأمل في موقع ميانمار على الخارطة يدرك أهميتها الإستراتيجية، ففي شمالها الشرقي الصين وفي شمالها الغربي الهند، عملاقان آسيويان يحيطان بها، وفي جنوبها تايلند ولاوس، وهما نافذتاها على دول جنوب شرق آسيا، وغربا تطل على خليج البنغال وبحر أندامان اللذين يتصلان بالمحيط الهندي، واقتصاديا تحوي سهول وجبال ميانمار ثروات طبيعية هائلة، ابتداء من النفط والغاز والفحم والأخشاب وانتهاء بالقصدير والنحاس والذهب والمجوهرات والنيكل والزنك وغيرها.

 

وما وراء الاهتمام الإقليمي والدولي ببوادر التحول الديمقراطي، هناك تنافس بين كبرى الدول على نيل موطئ قدم في ميانمار اقتصاديا وسياسيا، فزعماء الصين والهند والولايات المتحدة استبقوا فوز زعيمة المعارضة أونغ سان سوتشي باستضافتها وبلقائها في مناسبات عديدة، ومن ورائهم اهتمام ياباني و"آسياني". كل هؤلاء يدركون كيف أن صنع القرار الدبلوماسي ظل بيد العسكر منذ أواخر الخمسينيات، حيث كانت نقطة التحول عندما سيطر على الحكم الجنرال ني وين عام 1962، وشهدت بعدها ميانمار -أو ما كانت تعرف بـ بورما-  فترات من الحكم العسكري فرض مستويات مختلفة من العزلة عن معظم دول العالم.

 

 بل إن الخطاب الدبلوماسي للعسكر ظل مفعما بروح قومية ملتحفة بغطاء الدين والعرق تشكك في كل ما هو أجنبي، ورغم حدوث تغيير في وجوه العسكر الحاكمين للبلاد في يوليو/تموز من عام 1988، وبدء بناء قنوات تواصل مع منظمات دولية وبعض الدول، لكن لم تغب تماما تلك النظرة في رؤية الآخر حتى عندما وقع إعصار نارغيس عام 2008، حينها حاولت دول العالم، حتى العربية منها، تقديم العون. لكن العسكر نظروا إلى كل مساعدة على أنها تهديد، هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيا بحضور منظمات إغاثة دولية وغير حكومية اليوم في ميانمار، وإن كانت بأطر محدودة، ولهذا تتوقع دول غربية وآسيوية أنه رغم بقاء نفوذ العسكر إلى يومنا هذا فإن فوز المعارضة يمهد لمشاركة مدنية في صنع القرار، ما قد يعني توسعة لدائرة التواصل الخارجي والحضور الأجنبي في المشهد الميانماري.

لقاء قمة بين الرئيسين الصيني والميانماري حيث تشكل الصين البلد الأكثر انفتاحا على ميانمار (رويترز)

بين الصين والهند

مما قد يثير استغراب كثيرين أن اليابان كانت من الدول القليلة التي حافظت على علاقة جيدة بعسكر ميانمار منذ ما قبل الاستقلال وحتى بداية عقد التسعينيات، حيث بدأت الصين تملأ الفراغ الذي تركته اليابان. فقد كانت الصين من أوائل الدول التي بدأت ميانمار توثق علاقتها بها منذ أواخر الثمانينيات، وإن كانت بوادر ذلك قد ظهرت منذ أواخر السبعينيات، ولهذا تقف الصين في صدارة الدول المستثمرة بحكم علاقتها الوطيدة بالنظام العسكري طوال السنوات الماضية، امتدت إلى صفقات سلاح جيش ميانمار، ثم تأثيرها في المناطق الحدودية المتوترة، حيث يبلغ طول الشريط الحدودي بين البلدين 2192 كلم.

 

وتنظر الصين إلى ميانمار على أنها نافذتها المستقبلية على خليج البنغال والمحيط الهندي، ما يعني أن جزءا من شحنات الغاز أو النفط القادم من الخليج العربي سيصل إلى جنوب غرب الصين عبر ميانمار، حيث سترسو السفن التي تحمله في مرافئ قبالة حوض البنغال، قبل أن تنقله أنابيب إلى يونان (غربي الصين). وإذا ما استقرت الأوضاع الأمنية والسياسية فإن السلع الصينية يمكن أن تصدر إلى بعض دول المنطقة عبر أراضي ميانمار، ورغم أن التحول الديمقراطي والانفتاح الاقتصادي يعني جذب منافسين للصين، فإن الصين ستظل لاعبا رئيسيا في المشهد الميانماري لعدة سنوات مقبلة على الأقل.

 

ومن وراء الصين يأتي الحديث عن الهند، فبعد فترة من التوتر شهدتها علاقات الهند وميانمار بالعقود الأولى من الحكم العسكري، بدأت العلاقات تتحسن في عقد التسعينيات، تعزيزا للعلاقات الهندية مع منطقة آسيان، ورغم أنها مازالت أقل حضورا اقتصاديا من الصين، لكنها دخلت من نافذة التدريب وتأهيل الكوادر في مجالات الإدارة الحكومية والزراعة والتقنية، وتسعى نيودلهي إلى إنجاح مشاريع ممر "بنغلاديش الصين الهند ميانمار" الاقتصادي، في ظل تنافس هندي صيني تحكمه الجغرافيا والثروات الطبيعية والأهمية الإستراتيجية لميانمار بالنسبة للولايات الهندية الواقعة في أقصى شمال شرق البلاد.

 

الاقتصاد الميانماري يتوقع ان يشهد انتعاشا بعد الانفتاح السياسي على العالم (لأوروبية)

واشنطن والتحول الديمقراطي

ولعل أكثر الأطراف الدولية اهتماما بالتغيير السياسي الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فالمنظمات الأميركية ومشاريعها التي تخص المجتمع المدني في ميانمار، وكذلك المنظمات التبشيرية بين بعض القوميات في الشمال والجنوب الشرقي للبلاد، كانت حاضرة في ميانمار منذ وقت مبكر، وتحديدا منذ عام 1953، حتى جاء العسكر عام 1962، وما أن رفض العسكر قبول نتائج انتخابات عام 1990 حتى فرضت واشنطن حزمة من العقوبات والقيود الاقتصادية والدبلوماسية على ميانمار وعلى أي تعامل اقتصادي أميركي معها، معتمدة خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي، وكأن تلك القيود جاءت عقوبة لرفض العسكر التحول الديمقراطي قبل ربع قرن.

 

ولهذا فالدعم الغربي للتغيير والحشد لأي شكل من أشكال الانفتاح الاقتصادي والسياسي كان حاضرا طوال العقدين الأخيرين، وهذا ما يفسر بدء تغير السياسة الأميركية تجاه ميانمار منذ بدء العسكر إجراء بعض التغييرات السياسية والإدارية عام 2012، ويدور حديث بالأوساط الرسمية عن الانتقال إلى مرحلة العلاقات العسكرية بين واشنطن و "ني بي دو" في المستقبل المنظور، فكما أن ميانمار بوابة الصين الغربية إلى المحيط الهندي فقد تكون نافذة جديدة للأميركيين على الصين، ليس الجانب الاقتصادي إلا واحدا من تلك المجالات التي تتطلع واشنطن إلى الحضور في ميانمار من خلالها، فأمامها سوق يبلغ تعداد سكانه 51 مليون نسمة.

 

ولهذا يتوقع أن يزور يانغون وفد كبير يضم نحو ثمانين من كبار رجال الأعمال ومديري الشركات والمستثمرين الأميركيين خلال الأسابيع القليلة القادمة، ممن لا يريدون أن تفوتهم الاستفادة من قطار الانفتاح الاقتصادي، فقد بلغت الاستثمارات الأميركية منذ عام 1988 ما قيمته 248 مليون دولار فقط، مقارنة بـ 14 مليارا هي قيمة استثمارات الصين، وعشرة مليارات استثمارات تايلند، ولهذا يتوقع أن تتجه واشنطن تدريجيا خلال السنوات المقبلة إلى رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على ميانمار، لفتح مزيد من فرص حضور الشركات الأميركية هناك.

ميانمار بلد غني بالموارد الطبيعية وسيساعد الانفتاح السياسي الداخلي وعلى العالم في إنعاش اقتصاد البلاد (سوشيتيد برس)

آسيان.. ثروات ميانمار

وباستثناء اليابان والصين في بعض الفترات، فإن ميانمار ابتعدت عن معظم الدول الآسيوية الأخرى، فسياسة العزلة التي فرضتها على نفسها جعلتها لا تنضم لرابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) التي أسست عام 1967، حيث كان الجنرال ني وين يعتبرها منظمة توجهها الولايات المتحدة، لكن دول آسيان لاسيما المسلمة منها كإندونيسيا وماليزيا رأت ألا مفر من التواصل الدبلوماسي مع يانغون، لاسيما بعد موجة أعمال العنف التي تعرض لها المسلمون الروهينغا ما بين عقد السبعينيات وبداية التسعينيات، حيث هُجر مئات الآلاف منهم في موجة نزوج جديدة إلى بنغلاديش ودول أخرى.

 

واللافت أن آسيان توافقت مع إجهاض العسكر لنتائج انتخابات عام 1990 وثورة 1988 الطلابية الشعبية قبلها، حينها دفع الرئيس الإندونيسي الأسبق سوهارتو ورئيس الوزراء الماليزي الأسبق محاضر محمد ورئيس الوزراء السنغافوري الأسبق لي كوان يو، دفعوا جميعا آسيان إلى تبني سياسة التواصل مع ميانمار، تمهيدا لضمها لرابطة آسيان، ضمن ما عرف حينها بسياسة "الشراكة البناءة" التي رفضتها دول غربية كانت ترى في العقوبات أسلوبا أمثل للتعامل مع يانغون.

 

وكان الخلاف حول بناء علاقات مع نظام عسكري في ميانمار قبل أي تحول ديمقراطي موضوعا ساخنا في كل قمة تجمع قادة آسيان مع نظرائهم الأميركيين والأوروبيين، لكن الكفة رجحت لضم ميانمار إلى المنتدى الآسياني في يوليو/تموز 1997، سبقتها ولحقتها زيارات متبادلة بين جنرالات يانغون وساسة كوالالمبور وجاكرتا، ممن كانوا يؤمنون بضرورة إيجاد قنوات تواصل بل والدخول باستثمارات آسيوية إلى ميانمار، مخالفين بذلك توجه العقوبات الغربية آنذاك، حتى صارت ماليزيا من أبرز الدول المستثمرة في بداية العقد الماضي، ولم يعكر صفو تلك العلاقات إلا انتقادات ماليزيا لتعامل يانغون مع الروهينغا واستقبالها لعشرات الآلاف منهم.

 

واليوم يعود الغربيون ليتراجعوا عن سياسة العقوبات متبعين ما تبنته دول آسيان قبل نحو عقدين، فالعقوبات في نظر ساسة كثيرين بدول آسيان لم تصب في صالح شعب ميانمار المتطلع للتغيير، ولهذا يتوقع أن يكون التنافس الدولي على المصالح والصفقات والثروات في ميانمار عنوان المرحلة المقبلة، ولا تخلو الصحف والأنباء في ميانمار ودول جوارها من أخبار عن صفقات واستثمارات ومشاريع أجنبية جديدة تقبل على يانغون يسارع أصحابها الخطى كسبا لنصيب من ثروات وسوق ثاني أكبر بلد من حيث المساحة في جنوب شرق آسيا بعد إندونيسيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-18/18-

ميانمار.. تمييز ضد الروهينغا

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك