-1/15-

"الرسول" الذبيح

 محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

لم تكن مهنة الصحافة في يوم من الأيام مهنة رتيبة ووادعة، فهي بطبيعتها قائمة على المغامرة واقتحام المناطق الساخنة، وكان الصحفيون على الدوام ضحايا الحروب والقصف العشوائي أو المتعمد.. إلا أن أسوأ ما يمكن أن يتعرض له الصحفيون في مهنتهم هو الاختطاف والقتل في سياق المناكفات السياسية بين الأطراف المتصارعة.

 

ما أقدم عليه تنظيم الدولة الإسلامية من ذبح للصحفيين انتقاما من حكومات بلادهم التي شاركت في الهجمات على التنظيم أكثر من جريمة بشعة، لأنه أولا يقتل الشاهد وليس القاتل، وثانيا لأنه يقتل بأبشع صور القتل التي يقترفها البشر في خضم الحروب والأزمات. الذبح.

 

تعارفت البشرية المتحضرة منذ عقود طويلة أن الصحفي هو رسول، ينقل ويبلغ ما يرى لمن وراءه، لتكون صورة الأحداث واضحة أمام الجمهور، ومن هنا اكتسبت هذه المهنة لونا من القداسة والاحترام لدى الجمهور. لذلك يبقى الصحفي في منطقة محرمة بين الطرفين المتنازعين، لا هو يحسب على أحدهما ولا ينبغي أن يحسبه أي طرف على الآخر.

 

أما أن يدفع الصحفي أو غيره من المدنيين حياته ثمنا لموقف حكومة بلاده من هذه القضية أو تلك فهو عين الظلم والقتل الحرام بكل الشرائع السماوية والوضعية. وتزداد بشاعة الجريمة حين يتم القصاص الظالم أمام مرأى العالم وأهل الضحية، فهي تخلق صورة لن تمحى من ذاكرة الرأي العام على بشاعة الجريمة ومن ارتكبها. وتسيء لمرتكبها وقيمه التي يعلنها أكثر مما تخدم أهدافه القريبة والبعيدة في ميدان القتال والسياسة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

ملف العدد

ملف العدد

 

ناظم كاكائي - أربيل

منذ قرابة ربع قرن يعيش إقليم كردستان شمال العراق حكما ذاتيا، فله برلمان وحكومة رغم بقائه ضمن حدود العراق الموحد.. إلا أن الانفصال وإقامة الدولة الكردية كان ولا يزال حلما يراود أكراد العراق مثل غيرهم من الأكراد في المنطقة. مستحضرين دولة (مهاباد) التي أعلنها القاضي محمد  قديما في إيران ولم تدم طويلا، نموذجا يتطلعون إليه.

 

بعد الأحداث الدامية التي تفجرت في العراق مؤخرا بات الحديث عن الانفصال والاستفتاء عليه في الإقليم حديثا رسميا وليس مجرد إشاعات. فهل بدأ أكراد العراق العمل على الأرض لإعلان الانفصال في ظل معاناة العراق من أزمات وترهل وتفكك سياسي ومجتمعي؟

 

ملف كردستان -الذي أعده مراسلنا ناظم الكاكائي - يعالج القضية بشكل غير موسع نظرا لتشعبه وحساسيته، فهي إطلالة على كردستان وحلم إقامة دولة (مهاباد) من جديد.

 

فتعالج مقالات لكتاب أكراد فكرة الدولة عند أكراد العراق رسميا وشعبيا، ومدى ملاءمة الظروف السياسية في المنطقة للإقدام على هذه الخطوة، وكذلك اقتصاد الإقليم بعد ربع قرن من الإدارة المستقلة، وهل بات قادرا على الحياة مستقلا عن المركز في بغداد؟

 

ويبحث حوار مع السياسي البارز سعدي بيره فكرة الدولة والانفصال، وشئون السياسة في الإقليم، وما أثمره ربع قرن من الإدارة المستقلة. فيما تبحث تقارير أخرى وضع المرأة الكردية ودورها في الحياة العامة، وتقييد التقاليد لها من المشاركة الواسعة في الحياة العامة. وكذلك اللغة الكردية وتأثير السياسة والجغرافيا في مفرداتها وتأثرها باللغة العربية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

رحلة الشعب الكردي منذ ثورة الشيخ محمود الحفيد

رحلة الشعب الكردي منذ ثورة الشيخ محمود الحفيد

 

منذ عشرينيات القرن الماضي ظهرت حركات وثورات كردية، من أبرزها ثورة الشيخ محمود الحفيد الذي شكل أول حكومة كردية وقاوم الإنجليز، ودارت المعركة الشهيرة في 19/4/1919 في "دربندي بازيان" قرب السليمانية ضد الإنجليز.

 

جرح وأسر الحفيد في المعركة وحكم عليه بالإعدام، ولكن خفف عنه الحكم ونفي إلى الهند، ثم عاد إلى كردستان عام 1922 وأصبح ملكا عليها، واستقر في السليمانية.

 

وكانت الإدارة والحكم بين المد والجزر بينه وبين البريطانيين والحكومة العراقية آنذاك إلى بداية الثلاثينيات وبعدها ترك العمل المسلح.

 

الحركة البارزانية

قام الشيخ أحمد البارزاني عام 1932 بثورة في منطقة بارزان، وعلى إثرها قصفت المنطقة من قبل الطائرات البريطانية، إلا أن الثورة لم تخمد في هذه المنطقة، حيث قام الملا مصطفى البارزاني بانتفاضة شعبية عام 1943.

 

وفي عام 1945 قاد البارزاني العمل المسلح وانسحب إلى الجبال، وبعدها لم يتمكن من المقاومة وهرب إلى إيران، وكان له دور في دعم جمهورية مهاباد الكردية بقيادة القاضي محمد.

 

إعلان جمهورية كردستان

في 22 يناير/كانون الثاني 1946 أعلن القاضي محمد مع رفاقه ومعاونيه في مدينة مهاباد الكردية الإيرانية الاستقلال وقيام جمهورية كردستان، ولم تدم طويلا، حيث سقطت الدولة بالتعاون الإيراني والأميركي والبريطاني والأذربيجاني في مارس/آذار 1947.

 

وتحطم حلم الأكراد بسقوط الدولة وإعدام الرئيس ورفاقه، ولكن الملا مصطفى البارزاني ترك إيران وتوجه إلى الجبال بين العراق وإيران، ثم أجبر على النزوح مع قسم كبير من مقاتليه إلى الاتحاد السوفياتي.

 

تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي

تأسس ببغداد في 16/8/1946 من قبل مجموعة كردية مثقفة، وهو النواة للحزب الديمقراطي الكردستاني الحالي، مر الحزب بفترات حرجة من العمل السري والعلني إلى ما بعد قيام ثورة الـ14 من تموز 1958، وسيطرة الشيوعيين على الحكم في العراق، وعودة مصطفى البارزاني إلى بغداد واستلامه قيادة الحزب، ولكن لم يدم ذلك طويلا حيث حصلت خلافات مع الحكومة العراقية.

 

ثورة 11 سبتمبر/أيلول 1961

قاد مصطفى البارزاني ورفاقه والسياسيون العمل المسلح ضد الحكومة العراقية تحت شعار"الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"، وفي مارس/آذار عام 1970 اتفقوا مع الحكومة المركزية على تنفيذ الاتفاقية لمدة أربع سنوات.

 

ولكن لم تنفذ بنود الاتفاقية كاملة واندلعت حرب بين الطرفين عاما واحدا، وانتهت الحركة بتوقيع "اتفاقية الجزائر 1975 بين صدام حسين وشاه إيران والرئيس الجزائري هواري بومدين" مقابل التنازل عن جزء مهم من شط العرب، وقسم من الأراضي العراقية لإيران، وذهب مصطفى البارزاني إلى أميركا ووافاه الأجل في واشنطن عام 1979.

 

مرحلة ما بعد أحداث مارس/آذار 1975

أسس جلال الطالباني في يونيو/حزيران 1975 حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وبذلك دخلت الحركة الكردية مرحلة جديدة من حيث العمل المسلح وبدأت رحلة من المفاوضات مع الحكومة العراقية باءت كلها بالفشل إلى أن وقعت مجزرة حلبجة وحملة الأنفال.

 

الانتفاضة الكردستانية 1990

بعد التحالف الغربي لإخراج العراق من الكويت وهزيمة الجيش العراقي بدأت في شمال العراق انتفاضة شعبية أدت إلى تشكيل حكومة إقليم كردستان عام 1992، وتشكل المجلس الوطني الكردستاني (البرلمان)، وهو أول برلمان منتخب بشكل ديمقراطي في إقليم كردستان والعراق بعد إقامة منطقة الحظر الجوي لحماية الأكراد من الغارات الجوية للنظام العراقي السابق عام 1991.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

الدولة الكردية.. بين الحلم والسياسة

الدولة الكردية.. بين الحلم والسياسة
مسعود عبد الخالق
باحث وأكاديمي في العلاقات الدولية

 

لم يكن تأسيس دولة كردستان حلما بل حق مسلوب من شعبها بجميع مكوناته وفئاته، وﻫو اﻟﺸﻌب اﻟذي سكن ﺒﺸﻛﻝ داﺌم ﻋﻠﻰ أرﻀﻪ منذ آلاف السنين، ويشكل أحد أكبر الشعوب الأربعة في الشرق الأوسط.

 

منذ مطلع القرن الماضي -وفي إطار اتفاقية السلام- تحول ملف كردستان إلى ملف خاص وأصبح جزءا خاصا من اتفاقية "سيفر" لعام 1920 تحت عنوان "الجزء الثالث.. كردستان"، وخصص له المواد (62، 63، 64) من الاتفاقية المذكورة.

 

ووفق هذا الوضع القانوني والتاريخي لكردستان، انفصلت عن الدولة العثمانية بقرار ومادة خاصة ومختلفة عن انفصال العراق وتركيا وسوريا، حيث تم فصل كردستان عن الدولة العثمانية بموجب المادتين (63، 64) في حين تم فصل العراق عن الدولة العثمانية بموجب المادتين (94، 132).

 

هكذا نضج الشعب الكردي سياسيا وقانونيا، وقبل نشوء دول المنطقة في العشرينيات وما بعدها كانت المقومات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والسياسية والقانونية متوافرة لبناء الدولة الكردية، لكن مصالح الدول الاستعمارية والأنشطة الصهيونية غلبتا على الخارطة السياسية للشرق الأوسط دون تمكن الكرد من إنشاء دولتهم.

 

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني (الأوروبية)

ورغم العلاقة الأخوية التاريخية بين الكرد والعرب ضمن الأمة الإسلامية ودار الإسلام لم يكن يوما من الأيام الكرد والعرب شعبا واحدا ضمن العراق أو كردستان جزءا من العراق ولا سيما العراق العربي إلى أن فرضت بريطانيا واقع العراق الحالي بالقوة ضمن مشروع استعماري، ولا سيما اتفاقية سايكس بيكو.

 

لم يكن العراق قبل عام 1921 كيانا سياسيا أو حتى ولاية من الولايات العثمانية، وما كانت الولايات الثلاث (الموصل وبغداد والبصرة) تشكل أي فارق أساسي عن بقية الولايات، والأصح هو أن بريطانيا في النهاية اختارت الولايات المذكورة في سبيل صنع العراق منها دون إرادة العراقيين.

 

كما لم يكن إلحاق كردستان بالعراق بإرادة شعبية، وجرى ذلك عبر استخدام القوة ثم بكتاب رسمي رقم 4/3330 في 22/2/1921 من قبل المندوب السامي البريطاني برسي كوكس، وبناء على هذا الكتاب وفي 7/3/1921 اجتمع مجلس الوزراء العراقي واتخذ قرار إلحاق كردستان الجنوبية بالعراق، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن أصبحت مشكلة الشعب الكردي ثاني أكبر مشكلة شرق أوسطية.

 

وبعد 2003 وسقوط النظام السابق يلوح في الأفق تكرار المشهد السابق من عدم الاستقرار والتفرد بالسلطة، ومن جديد نلاحظ خرقا واضحا للدستور ومبادئ الديمقراطية والتي كانت أساسا لخروج العراق من طائلة الفصل السابع وفق القرار 1859جلسة رقم 6059 لمجلس الأمن المعقودة في ٢٢ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٠٨.

 

أكراد يتظاهرون بعلم الإقليم أمام مبنى الأمم المتحدة في أربيل للمطالبة بالانفصال عن العراق (غيتي)

وستكون الدولة العراقية تحت هذه الظروف مصدر خطر على السلام ليس في الشرق الأوسط فقط بل في العالم أجمع، لذا يمكن القول إن التعايش غير ممكن بين المكونات العراقية على مبدأ التهديد والإبادة من قبل الذين يستولون على مقاليد الحكم، لذلك نستطيع القول إن الكرد لم يكونوا مصدرا للمشاكل بل كانت دولة العراق بتصرفاتها غير القانونية مصدرا للمشكلة والقلاقل منذ تأسيسها.

 

أما جامعة الدول العربية التي ترفض إجراء أي استفتاء شعبي في كردستان العراق فقد اعترفت في ميثاقها بحق تقرير المصير للشعوب، ربما سيحصل الكرد في هذا الجزء على دعم دولي في حال إعلانهم دولتهم المستقلة والمنفصلة عن العراق، لما يتمتع به من استقرار أمني وملاذ أمن للشركات العربية والأجنبية، وبنية تحتية جيدة للنفط والغاز على خلاف باقي أجزاء العراق التي باتت ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

 

ولكن السير باتجاه تأسيس دولة كردية في كردستان العراق يجب أن يكون وفق مبادئ قانونية ودستورية، وضمن مواثيق دولية كي تحظى بمباركة عراقية وعربية وإقليمية ودولية، وذلك يتم عبر تأهيل مقومات الدولة المستقلة وتخطيط سليم من خلال تكوين العلاقات الدولية المتينة والتمهيد لها من خلال الأحزاب والتيارات السياسية العراقية بعيدا عن التهديد والوعيد عبر المنابر الإعلامية أو الندوات والمؤتمرات كما فعلت القيادة الكردية في الإقليم مؤخرا.

 

وهنا أريد أن أشير إلى رغبة تلك القيادة -وفي مقدمتها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني- في تحقيق ذلك الهدف بأسرع وقت ممكن، حيث دعا إلى استفتاء شعبي لكسب ثقة الشارع الكردستاني في الموافقة على الاستقلال والانفصال كليا عن العراق، ودعا أيضا إلى التحضير لهذا العمل من خلال تشكيل مفوضية الانتخابات المستقلة عن طريق برلمان الإقليم، ولكن على أرض الواقع هناك معوقات تحول دون الاستفادة من أي استفتاء شعبي قد تجريه المفوضية العليا المستقلة لانتخابات الإقليم والتي ستتشكل قريبا.

 

الرئيس الفرنسي في استقبال رسمي في مطار أربيل بكردستان العراق برفقة رئيس الإقليم مسعود البارزاني (رويترز)

وبالتأكيد فالأغلبية الساحقة من الشعب الكردي وحتى الأقليات -التي لم يتبق لها مكان للعيش الكريم في حدود الدولة العراقية إلا في إقليم كردستان- ستصوت لصالح الاستقلال والانفصال عن العراق نتيجة التهميش والاضطهاد الذي تعرضت له خلال الفترة الماضية خاصة في الظرف الراهن.

 

ويجب أن يحظى أي استفتاء شعبي في أي جزء من العراق بموافقة الحكومة المركزية وعلى أساس اتفاق مسبق مع حكومة إقليم كردستان ومباركتها أي نتيجة يتمخض عنها، وعلى ضوء تلك الاتفاقية يتم ترسيم الحدود بين الجانبين والمناطق التي تدخل ضمن حدود الدولة الحديثة التكوين.



 وفي حال الرفض المطلق من قبل الحكومة العراقية لأي مبادرة كردية والإصرار على العيش ضمن العراق الواحد عندها تتوجه حكومة وبرلمان إقليم كردستان إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بطلب رسمي ترفق معه جميع الوثائق التي تثبت تعرض الشعب الكردي في كردستان العراق لعمليات "الإبادة الجماعية" من قبل الأنظمة العراقية، كعمليات الأنفال وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية، والاستخدام المفرط  للجيش في حسم النزاعات مع المدنيين، واستهدافهم بشراسة.

 

وفي حال عدم الحصول على أي نتيجة إيجابية لمصلحة الشعب الكردي في الوقت الراهن يمكنه التوجه إلى الأمم المتحدة للإشراف على سير عملية الاستفتاء الشعبي في إقليم كردستان العراق كونه ليس مستعمرة حسب تعريف الأمم المتحدة، بل ملحق بدولة، وهذا ما يخالف المواثيق الدولية للأمم المتحدة التي تقضي بالسماح لاستفتاء شعبي جماهيري لتحديد حق تقرير المصير فقط للشعوب المستعمرة أو تلك التي تحت وصايا دولية.

 

أعضاء البرلمان الكردستاني في أربيل مع وفد من حلف الناتو (الأوروبية)

وهذه المبادئ بالتأكيد لم تنصف شعوب الشرق الأوسط بحرية الاختيار، لأن اتفاقية سايكس بيكو لم تأخذ برأي الشعوب بل قسمتها قسرا بين الدول باتفاقيات بين الدول الكبرى، وهنا من حق هذه الشعوب المطالبة بإلغاء "سايكس بيكو" وتأسيس شرق أوسط جديد يقوم بإرادة الشعوب بعيدا عن العنف الذي تعاني منه الدول المنضوية تحت هذا المفهوم، ومن بين المشاريع الإصلاحية للشرق الأوسط لا يوجد مشروع حقيقي يعبر عن تطلعات الشعوب.

 

الواقع السياسي الذي يمر به العراق اليوم في ظل الحرب الطائفية الدائرة وخروج أغلب المناطق العراقية ذات الأغلبية السنية من تحت سيطرة الدولة، وسيطرة مجموعات المسلحة عليها تشكل خطرا كبيرا على إقليم كردستان والمناطق الكردية المتنازع عليها، ويفرض حالة خاصة يمكن للقيادة الكردستانية استغلالها في هذه المرحلة المهمة من تاريخ العراق، وهي تعتبر أعقدها منذ تسعين عاما مضت لأن العراق أصبح قاب قوسين أو أدنى من التفتيت والانهيار المجتمعي.

 

فهذا الواقع الجديد يفرض على القيادات العراقية إما قبول الآخر والانصياع إلى مطالب المكونات على الأرض في إحلال السلام من خلال تأسيس نظام فدرالي سليم، وتشكيل حكومة تحترم إرادة الشعوب وتحافظ على سيادة العراق دون تهميش أو إقصاء أحد، أو لا يمكن للعراق أن يبقى موحدا.

 

وعند التفتيت لا يكون الكرد مسؤولين عنه، وعلى الرغم من ذلك هناك خشية دول الجوار من انتقال هذه الصراعات إلى أراضيها، وتضطر إلى حماية مصالحها السياسية والاقتصادية من خلال إقليم كردستان العراق وترضخ لشروطه، وهذه الدول التي لها تأثير مباشر في الحكومة العراقية أو القيادات والفصائل العراقية إلى جانب الولايات المتحدة -التي لا تهمها كثيرا مصالح الشعوب- لها اليد الطولى في حسم كثير من الأمور.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

اقتصاد كردستان.. الانطلاقة المقيدة

اقتصاد كردستان.. الانطلاقة المقيدة

 

د. يونس أحمد
أستاذ الاقتصاد في جامعة السليمانية

انتقل إقليم كردستان العراق بعد عام 2003 نقلة جذرية في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفيما يخص الجانب الاقتصادي حدثت تغيرات جذرية ومحسوسة، وكان لبعضها آثار إيجابية الطويلة المدى والبعض الآخر له تأثيرات سلبية قصيرة المدى.

 

ومن أهم سمات التغيير توجه حكومة الإقليم نحو الاقتصاد الحر والتخلي الجزئي عن النظام الاشتراكي السابق، وذلك بنقل "الملكية والنشاط والادارة "من المشاريع الحكومية إلى القطاع الخاص، ومن خلال هذه العملية حدث تقلص مستمر في نشاط المؤسسات الحكومية، فقد كان معظمها مؤسسات خاسرة، وفي  معظمها كانت لا تتعدى نسبة النمو (2%) من قدراتها المخطط لها.

 

ومن أهم فوائد "عملية الخصخصة" في الإقليم هو تخفيف عبء الموازنة الحكومية وزيادة الإيرادات الضريبية الحكومية، لكن عدم وجود الأهداف الإستراتيجية المحددة لهذه العملية أدى إلى انتشار معدلات البطالة.

 

وللاعتبارات السياسية والاجتماعية ونتيجة لخصخصة تلك المؤسسات والتي صاحبها تسريح العمال، تم تعيين أعداد كبيرة من القوى العاملة في المؤسسات الحكومية، وبالتالي توزيعهم على الدوائر والجهات الحكومية الأخرى دون الحاجة الفعلية لمعظمهم. بمعنى عدم تحقيق أهم أهداف الخصخصة ألا وهي رفع العبء عن الموازنة العامة.

 

الرئيس العراقي السبق جلال طالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني في تدشين أول خط لتصدير النفط من كردستان (الأوروبية)

واستطاعت حكومة إقليم كردستان العراق إدارة موارده الاقتصادية بشكل مستقل إلى حد ما، وإن لم تخل من النواقص والسلبيات. فمن أهم الموارد الاقتصادية في الإقليم النفط ومشتقاته، ورافق إدارة هذا الملف جدل ونقاش ساخن على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.

 

ويعتقد بعض الاقتصاديين والسياسيين أن إدارة  الموارد النفطية كانت غير كفؤة بسبب عدم الشفافية من جهة، وعدم تلبية احتياجات المجتمع من جهة اخرى، وكذلك عدم استخدام الإيرادات بشكل جيد. بالإضافة إلى المشاكل السياسية والاقتصادية الأخرى الناتجة عن إدارة  الإقليم لموارده الاقتصادية بشكل شبه مستقل, ولكن رغم المشاكل التي حدثت، يمكن القول إن هذه المرحلة يعتبر نقطة انطلاق لإدارة الإقليم لموارده الاقتصادية بشكل مطلق، تمهيدا لإدارتها من قبل الأشخاص المهنيين والمختصين.     

                               

بعد التغيير السياسي عام 2003، تمكنت حكومة الإقليم من جذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة إلى المنطقة لتحقيق النمو الاقتصادي. وتحديد الحلول المناسبة للقضايا ذات الصلة،  وكان إجمالي المبلغ المستثمر خلال 2003 /2013 هو 24 مليار دولار،  بزيادة حجم الاستثمارات عاما بعد عام.

 

وكان من الأسباب الرئيسية جذب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع حجم الاستثمارات المحلية والانفتاح الاقتصادي ووجود الاستقرار الأمني والسياسي في الإقليم وإصدار قانون الاستثمار المرقم (4) في عام 2006 (لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي) الذي تم بموجبه منح الترخيص لـ 93 مشروعا في القطاعات المختلفة.

 

رئيس حكومة إقليم كردستان في مؤتمر حول النفط والغاز في الإقليم (الأوروبية)

ورغم النجاح في مجال زيادة حجم الاستثمارات فإنها لم تكن موزعة توزيعا عادلا بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، فعلى سبيل المثال تلقى قطاع الإسكان استثمارات  بقيمة 13 مليار  دولار أي بنسبة 55.81 % من إجمالي الاستثمارات، وهذا أدى إلى تخلف وانهيار بعض القنوات الاستثمارية الأخرى خصوصا في المجالات الزراعية والصناعية والسياحية.                  

 

وأما الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية فكانت لها أبعاد سلبية مثل خلق التبعية الاقتصادية والسياسية، وإضافة إلى ذلك محدودية الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية في الإقليم، ذلك أن معظم الاستثمارات الأجنبية ركزت في المجالات الهامشية والتنافسية غير الشرعية.

 

فعلى سبيل المثال، كانت غالبية الاستثمارات في الإقليم تعود لشركات تركية وإيرانية وعربية تعمل في قطاع البناء والمواد الاحتياطية، وهو قطاع لا يخلق فرص عمل للعمالة المحلية بمعدلات عالية، وليست لها تأثيرات كبيرة على النمو الاقتصادي الحقيقي في الإقليم.

                                                                                        

وقد أدى النمو السريع بزيادة حجم ومقدار الدخل القومي بعد عام 2003 إلى ارتفاع الدخل القومي بمعدل نمو 46% بمبلغ 29 مليار دولار، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي بمعدل نمو69 % بمبلغ عشرين مليار دولار. ولكن لم تصاحب هذا النمو ارتفاع مستويات الدخول الفردية بالشكل المطلوب.

 

أما من ناحية أخرى، فإن الزيادات والارتفاعات في الدخل القومي والناتج المحلي الإجمالي الناجم عن ارتفاع أسعار النفط عالميا ظاهرية وليست حقيقية، بمعنى زيادة الدخول النقدية، مقابل زيادة  معدلات التضخم بشكل مساوٍ أو أعلى من مستوى زيادة الدخول النقدية.

 

مصفاة نفط جديدة يفتتحها إقليم كردستان (الأوروبية) 

ولهذا فإن الزيادة في الناتج القومي لا تعني تحقيق النمو الحقيقي في دخل الفرد وبالتالي نجد أنها لم تساهم في خفض معدلات الفقر بشكل ملحوظ، وبالعكس فإن بعض من الاقتصاديين يعتقدون أن ارتفاع مستوى الدخل دون انتهاج سياسة مالية حكيمة يزيد من مشكلة الفقر بدلا من حلها.

 

وعلى الرغم من القدرات البشرية الهائلة المتوفرة في إقليم كردستان بمختلف المجالات والمستويات خصوصا بعد الانفتاح الاقتصادي عام 2003 وفتح الأبواب أمام الخبراء الإداريين والاستشاريين الأجانب والعرب، فإن  الإقليم يحتاج إلى تطوير وتفعيل مؤسساته أكثر, من خلال إيجاد الرجل المناسب في المكان المناسب.

 

إضافة إلى أن الإقليم يعاني في الوقت الراهن من ضعف البنية التحتية والبنية الفوقية اللازمة لإدارة الاقتصاد بشكل جيد. أما من الناحية الاقتصادية، فمن الصعب تلبية وإدارة الاقتصاد بالقدرات والإمكانيات المالية المتوفرة حاليا. فعلى سبيل المثال، فإن إقليم كردستان العراق ليست لديه ميزانية كافية لتلبية احتياجات الإقليم وبالأخص الرواتب والأجور للأعداد الهائلة من موظفي القطاع الحكومي الذي يقارب المليون.

 

وكما هو معلوم فإن زيادة حجم رأس المال وازدياد أعداد المستثمرين في أية منطقة هي نقطة انطلاق، وتقدم نحو الأفضل، وبالتالي هجرة أصحاب رؤوس الأموال العراقيين من الوسط والجنوب إلى الإقليم كانت فوائدها  بالدرجة الأولى لأصحاب رؤوس الأموال أنفسهم، بسبب محدودية فرص الاستثمار في الجنوب والوسط الناجم عن تدهور الوضع الأمني هناك.

 

حركة بناء نشطة في إقليم كردستان وخاصة المدن الكبرى بعد الانتعاش الاقتصادي الذي يشهده الإقليم (رويترز)

لكن رؤوس الأموال هذه لم يكن لها دور ملموس في تقدم وتنوع اقتصاد الإقليم بسبب توظيف معظم هذه الأموال في المجالات العقارية والتجارية، والتي تتسم بمحدودية المنافع الاقتصادية، ولأن هذه الاستثمارات ربما تكون مؤقتة لأنها أساسا مرتبطة بتدهور الوضع الامني والسياسي في الوسط والجنوب وليس بعوامل الجذب الاستثماري.

         

تعد السياحة ثاني أكبر القطاعات الإنتاجية في العالم من حيث تحقيق الإيرادات وخلق فرص العمل، ويعتبر إقليم كردستان العراق في المرتبة الـ34 على خارطة مناطق الجذب السياحي العالمي، نظرا لوجود موارد سياحية هائلة ووجود تنوع في المنتجات السياحية، وفيه أكثر من 12 نوعا من أنواع السياحة، وفي مقدمتها السياحة الطبيعية والأثرية والدينية.

 

وتقديرا للإمكانيات السياحية المتوفرة في الإقليم، أعلنت المنظمات السياحية العربية والعالمية محافظة أربيل العاصمة السياحية للدول العربية لسنة 2014. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حصلت تطورات إيجابية في القطاع السياحي في الإقليم، كازدياد عدد السياح المحليين والأجانب بمعدل نمو سنوي 25% ، وارتفاع عدد الفنادق بمعدل نمو سنوي 20%، وكذلك بلغت مساهمة السياحة في الإقليم بالسياحة العراقية عام 2013 50%،  في حين كانت هذه النسبة 10% فقط عام 1980.

 

وعلى الرغم من هذه التطورات في سياحة الإقليم فإن إمكانية هذا القطاع محدودة في زيادة إيرادات السياحة، بسبب قصر مدة بقاء السياح الأجانب (يومين إلى ثلاثة أيام) ومحدودية حجم الإنفاق السياحي بسبب النقص في الخدمات السياحية، وقلة أماكن الإيواء السياحي، وخصوصا في مواسم الذروة السياحية، لذا يجب على الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان عبر وزارة الثقافة والسياحة تبني خطة شاملة لتوفير المتطلبات الضرورية لتطوير قطاع السياحة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

سعدي بيره: الدولة من حقنا.. لكن كيف ومتى؟

سعدي بيره: الدولة من حقنا.. لكن كيف ومتى؟

 

ولدت حكومة إقليم كردستان العراق بعد إجراء أول انتخابات برلمانية في أيار عام 1990 بشمال العراق، وتمخضت عنها أول حكومة منتخبة في 4 سبتمبر/أيلول من العام ذاته، واستمرت إلى عام 2003، حيث انهار النظام السابق واحتل العراق من قبل الولايات المتحدة، وبقيت محافظات العراق الشمالية (أربيل والسليمانية ودهوك) تحت الإدارة الكردية المستقلة بعيدة عن الحكومة المركزية.

 

الجزيرة نت حاورت سعدي بيره عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الوطني الكردستاني حول مسيرة حكومة إقليم كردستان العراق ومسيرة تحقيق الديمقراطية وبناء العلاقات الاقتصادية والدولية مع الدول الإقليمية والعالمية، وفكرة قيام الدولة الكردية (الحلم) على الأرض في ظل تعقيدات الجغرافيا السياسية في المنطقة.

 

هل إعلان إقليم كردستان دولة مستقلة برنامج سياسي حقيق للأحزاب الكردية، أم هو ورقة ضغط على الحكومة المركزية ومناورة لتحسين أوضاع الإقليم؟

 

جميع الأحزاب السياسية الكردستانية ومنذ عام 1992 رفعت طلبا إلى برلمان إقليم كردستان بخصوص حق تقرير المصير، ولكن بعد سقوط نظام صدام حسين قررنا العودة إلى عراق ديمقراطي فدرالي برلماني بمحض إرادتنا.

 

وأنا لا أنكر حق شعبنا بالمطالبة بدولة مستقلة، ولكن كيف ومتى؟ ذلك يحدده المستقبل والعلاقة مع بغداد، لأننا نريد أن نكون شركاء في الحكم وليس مشاركين، كما شاركنا بقوة في إعادة تأهيل الدولة العراقية بعد انهيار النظام السابق، ومنذ ذلك الوقت نتحدث بكل صراحة مع شركائنا، ونطالب بالاحتكام إلى الدستور في حل جميع الإشكاليات مع الحكومة المركزية.

 

سعدي بيره عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الوطني الكردستاني (الجزيرة)

ما هي رؤية الإقليم وحكومته وأحزابه لمسألة كردستان الكبرى والدولة الكردية كما أعلنها رواد الحركة الكردية مثل محمود الحفيد وملا مصطفى البارزاني؟

 

كل حزب لديه رؤية معينة بهذا الخصوص، وكما أسلفت فليس هناك أي كردي سواء على مستوى الحكومة والأحزاب أو الأفراد لا يحلم بدولة كردية مستقلة تنعم بالأمن والسلام وتربطها علاقات ودية مع الدول الإقليمية والعربية وغيرها، ولكن هذا الحلم لا يتحقق إلا ببناء المؤسسات المدنية الرصينة، وحكومات محلية ناضجة في جميع أجزاء كردستان كما هو الآن عندنا.

 

ما هو دور حكومة الإقليم في دعم الحركات الكردية بتركيا وسوريا وإيران الباحثة عن حضور للكيانات الكردية في هذه الدول؟ وهل يمثل وضع الإقليم في العراق حافزا لهذه الحركات للاقتداء به؟

 

حكومة إقليم كردستان لن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة وأي جهة، حتى وإن كانت كردية، كما نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية، وأتصور أن إقليم كردستان الآن نموذج جيد للاقتداء به من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية أيضا.

 

هل يوجد تباين في الرأي بينكم وبين حليفكم الحزب الديمقراطي الكردستاني بشأن التعامل مع الجماعات المسلحة التي تعمل على الإطاحة بالنظام السوري؟

 

 

موقف الحزبين متباين فعلا، نحن نرى مساعدة الفصائل الكردية في سوريا عن طريق الحوار والتفاهم وتقديم المشورة بالآلية التي تفضلها في التعامل في ما بينها لمواجهة نظام بشار الأسد الذي نعتبره نظاما فاشلا يحاول البقاء على جماجم شعبه، ولكن الديمقراطي الكردستاني لديه وجهة نظر أخرى ربما لا تنسجم مع رؤى بعض الأحزاب الكردية هناك.

 

رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني في لقاء مع رئيس الوزراء التركي السابق رجب طيب أردوغان في أنقرة  (رويترز)

منذ عام 1990 وإقليم كردستان العراق يدير نفسه بنفسه بما يشبه الاستقلال، هل تعتقدون أن قرابة ربع قرن من إدارة الإقليم قربتكم إلى القناعة بضرورة الانفصال عن بغداد أم الإبقاء ضمن عراق موحد بنظام فدرالي؟

 

فعلا، إن فترة ربع قرن الماضية تعلمنا منها الكثير، وعملنا الكثير أيضا من أجل بناء النظام والمؤسسات الإدارية، وكذلك لا أخفي عليكم بأننا خططنا وخطونا كثيرا من أجل بناء البنية التحتية والنظام المؤسساتي والعلاقات الدولية، بحيث أصبح الإقليم الآن معروفا دوليا، ويعتبر دولة شبه مستقلة، وفي كثير من الأحيان تحذو الحكومة المركزية حذونا.

 

نرجع ونقول إن الحكومة في بغداد إذا تعاملت مع الشعب الكردي وحكومته المحلية  حسب الدستور مشاركا ومتساويا في الحقوق والواجبات فنحن مع العراق الديمقراطي الفدرالي، وبخلاف ذلك لكل حادث حديث.

 

تثور أزمات بين الحين والآخر في إقليم كردستان بين الأحزاب السياسية الكبيرة على خلفية الحريات العامة والممارسة الديمقراطية، ويعتبر البعض أن الحزبين الرئيسيين -الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي- يمثلان دكتاتورية المصالح المتقاسمة بينهما بما لا يسمح بتقاسم هذه المصالح مع أحزاب أخرى.

 

أي دكتاتورية تتكلمون عنها؟ هل قمنا بهجوم عسكري على جهة وفرضنا أحكامنا بقوة السلاح أم الانتخابات هي التي أفرزت مستحقاتنا وتقاسمنا السلطة في حينها وباقي الأحزاب اختارت العمل في المعارضة فكان من الطبيعي أن نتقاسم السلطة.

 

وهذا هو منهج الديمقراطية في بناء الحكومة، ولكن في التشكيلة الوزارية الجديدة بإقليم كردستان قررت أحزاب المعارضة المشاركة في السلطة، ونحن لم نمانع في ذلك، وأخذوا مواقع مهمة ووزارات سيادية ومناصب رفيعة وحسب استحقاقاتهم الانتخابية، فأين هي الدكتاتورية في ذلك؟

 

برلمان إقليم كردستان العراق أحد أوجه الاستقلال النسي لإقليم كردستان  (الأوروبية)

لكن نرى بين حين والآخر انتهاكات لحقوق الصحفيين والنساء ومنع قيام المظاهرات... إلخ؟

 

في إطار ترسيخنا للديمقراطية بإقليم كردستان نعمل على بناء المؤسسات ووجود الإعلام والصحافة الحرة التي تنتقد الأداء الحكومي على الملأ وكما تشاء، فحرية التعبير مكفولة لأي شخص، وصدرت قوانين عدة تتعلق بالأحوال الشخصية التي تنصف المرأة في الحقوق والواجبات.

 

هل يمثل صعود حركة التغيير كحزب ثانٍ في الانتخابات بداية تغيير في الخارطة الحزبية بكردستان، وتهديدا لثنائية الحزبين الكبيرين؟

 

نحن نلتزم بمبادئ الديمقراطية ونحترم نتائج الانتخابات مهما تكن، ندعم ونعمل بما فيه مصلحة شعبنا، وأنا أتصور أن لكل مرحلة التزامات واتفاقيات حزبية معينة.

 

وأنا لا أعتقد أن زيادة أصوات حزب أو نقص مقاعد الآخر تشكل أي تهديد لمستقبل العلاقات الحزبية، ولكن كما قلت لكل مرحلة سياسة معينة في العلاقات، وإذا كنت تقصد الاتحاد الوطني الكردستاني فأنا أؤكد لك أن الاتحاد الوطني ولد في رحم الأزمات ودائما يجتازها بنجاح.

 

كيف تنظر إلى الخلافات الداخلية بين أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني بعد مرض زعيمه جلال الطالباني؟

 

المشكلة الأساسية داخل الاتحاد هي صعوبة إيجاد بديل عن "مام جلال" الذي يشكل العمود الفقري للحزب، ولديه أفكار خاصة، لا يمكن لأحد أن يحل محله، أما المشاكل الموجودة فهي مجرد اختلاف في الرأي، لأن الحزب منفتح وولد من رحم الأزمات، وقادر على تجاوز تلك الأزمات أيضا.

 

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في لقاء مع الكتل البرلمانية العراقية في أربيل ( الأوروبية)

كانت تركيا على الدوام أكثر من يحذر من توجه إقليم كردستان نحو الانفصال وإقامة دولة مستقلة، واليوم نرى تقاربا كبيرا بين الجانبين، والاستثمارات التركية حاضرة بقوة في الإقليم.. ما الذي تغير؟

 

الآن لدى تركيا مصالح اقتصادية قوية مع إقليم كردستان ولديها مئات الشركات والمصانع في الإقليم، وحجم الاستثمارات التركية في الإقليم تجاوز عشرات  المليارات من الدولارات.

 

فالإقليم منفتح على الكثير من البلدان العربية والأجنبية، وهناك في أربيل عدد من القنصليات والممثليات لدول مهمة، وهناك انفتاح على مستوى الحكومة التركية نحو المسألة الكردية في كردستان عامة، علما بأنها لم تدعم هذا التوجه علنا.

 

رغم التوتر الذي قد يحصل أحيانا بين الحزبين الكبيرين والأحزاب الإسلامية بالإقليم في الاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية فإن التعايش السياسي يغلب على الخارطة الحزبية الكردية، ما مرد ذلك؟

 

الاختلاف في التوجهات والأيديولوجيات وارد جدا في العمل السياسي داخل الحزب الواحد وليس فقط بين الأحزاب، ولكن في المحصلة النهائية إن مصالح شعبنا فوق كل الاعتبارات، وكما رأيتم حتى في مباحثات تشكيل الحكومة الاتحادية كان الوفد الكردي المفاوض يمثل أكثر الأحزاب السياسية في إقليم كردستان، وتقوم بمناقشة الأمور بكل جدية ترى فيه رأي الوفد المفاوض الموحد وتمثل رأي الشعب الكردي. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

المرأة الكردية.. التواري خلف التقاليد

المرأة الكردية.. التواري خلف التقاليد

 

تاريخيا كان للمرأة دور بارز في مسيرة المجتمع الكردي، وحفظ رحلة الكرد الطويلة أسماء لامعة في الفضاء العام، ومنهن ابنة الشيخ معروف البرزنجي من سلالة الشيخ أحمد، وابنة عم الشيخ محمود الحفيد، وزوجة الشيخ قادر الحفيد (حبسه خان النقيب) من مواليد 1891 في السليمانية.

 

فكانت مشهورة بعطائها وثقافتها ومساندتها الفعالة لنساء كردستان ، حيث خصصت أحد بيوتها مركزا لجمعية نساء كردستان لتحل مشاكل النساء وتعلمهن القراءة والكتابة. وفي 1930 أسست جمعية نساء كردستان  للغرض ذاته، وكانت لها مكانتها الاجتماعية والوطنية المرموقة.

 

وعام 1923 وعلى رأس نساء السليمانية، استقبلت الشيخ سمكو شكاك (القائد الكردي آنذاك) وعام 1930 أرسلت رسالة إلى عصبة الأمم تطلب تقرير المصير للشعب الكردي، وعام 1946 أرسلت إمدادات كثيرة إلى قاضي محمد حين إعلان جمهورية  كردستان، وتعرضت مع زوجها وابن عمها الشيخ محمود الحفيد لمعاناة عند انتكاسة انتفاضة الشيخ محمود الحفيد.

 

غير أن هذا الحضور للمرأة تراجع في المجتمع الكردي في الآونة الأخيرة، لأسباب مجتمعية يطغى فيه حضور الرجل، كما تقول الناشطة في منظمة تمكين المرأة شهر زاد العبدلي "إن الانفتاح السريع نحو العالم الخارجي غالبا ما يسبب مشاكل اجتماعية وخاصة في المجتمع الذكوري، حيث كردستان أسيرة له".

 

مغنية البوب الكردية بيلي لوف مع مقاتلين من البيشمرغة في معسكر بمدينة دهوك (رويترز)

وأضافت للجزيرة نت أن "أي تحرر اجتماعي يفترض أن يكون على مدى بعيد وبالتدريج كونه يلاقي الرفض في بادئ الأمر، وربما تنجم عنه مشاكل على صعيد الأسرة ومنها نحو المجتمع".

 

وأشارت شهر زاد إلى عوامل أخرى منها الزواج المبكر والفارق العمري بين الرجل والمرأة في الزواج وضعف الوعي الاجتماعي، والتمييز العنصري بين الذكر والأنثى، جميعها من العادات التي لم تفارق المرأة الكردية على مدى عقود من الزمن.

 

وكشفت أيضا عن علامات مأزق سياسي فيما يخص مشاركة المرأة في المناصب الحكومية، كون الحصة المخصصة للسيدات هي التي توصل النساء إلى البرلمان، ولكن مشاركتها في الحكومة ضعيفة وشكلية جدا، فهناك وزيرة واحدة من بين عشرين وزيرا في الحكومة الحالية التي تشكلت قبل أسابيع.

 

وتوافق لقاء صباح (الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل) على هذا التحليل، وتقول "الانتحار الذي تقدم عليه بعض النساء هو عملية نجاة للاحتماء من الحريق الاجتماعي الذي لا يطاق بالنسبة للكثير من السيدات في إقليم كردستان، وخاصة في المناطق الشعبية من المدن الكبيرة".

 

سمية سعيد الأكاديمية في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة دهوك (الجزيرة)

شهدت المرأة الكردية تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، واستطاعت الوصول إلى مراكز قيادية بارزة في إقليم كردستان، سواء من الناحية الإدارية أو السياسية. ووفق الحقوقية شيان مصطفى (معاونة مدير عام الرعاية الاجتماعية في دهوك) فإن ذلك يعود إلى "القوانين الكثيرة التي قام البرلمان الكردستاني باستحداثها، والتي تخص المرأة وتزيد من حقوقها وتوسع من حريتها، مثل قوانين مناهضة العنف والتعديلات التي أدخلت في قانون الأحوال الشخصية".

 

من جهتها، أكدت الباحثة الاجتماعية سمية سعيد من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة دهوك أن "المرأة ما تزال تتعرض للكثير من المضايقات في عملها وفي أسرتها، وما زالت غالبية الأسر تتحفظ على خروج المرأة إلى العمل".

 

وبينت سمية أن حالات الانتحار الكثيرة التي تتناقض مع المكانة التي وصلت إليها المرأة الكردية سببها "العادات العشائرية التي مازالت مهيمنة على المجتمع، رغم الجهود التي تبذلها الحكومة للحد من العنف الذي يمارس ضد المرأة، عن طريق مديريات مكافحة العنف ضد المرأة التي فتحت في غالبية المدن الكردية". 

    

المجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان، وهو مؤسسة حكومية تدافع عن حقوق المرأة الكردية، يشدد على تحسين واقع المرأة في الإقليم، بالمقارنة مع السنوات الماضية. وتقول عضو المجلس أمل جلال "إن القوانين التي شرعت في البرلمان لصالح المرأة وخاصة قانوني الأحوال الشخصية والعنف الأسري -إلى جانب افتتاح مديريات مكافحة العنف الأسري في محافظات الإقليم- قد قللت من ظواهر القتل المتعمد بدافع غسل العار والانتحار.

 

لقاء صباح الناشطة الكردية في مجال حقوق المرأة والطفل (الجزيرة)

وأشارت للجزيرة نت إلى أن "الحكومة وبالتعاون مع المنظمات المدنية تسعى إلى إدخال القوانين المحلية والمواثيق الدولية التي تخص المرأة وحقوقها ضمن المناهج الدراسية من المراحل الأولية، لضمان قطع دابر العنف الأسري في المجتمع الكردستاني، خلال السنوات القادمة".

 

وبعد إصدار قانوني الأحوال الشخصية ومناهضة العنف الأسري، تقول الدكتورة نرمين عثمان (القيادية في الاتحاد الوطني الكردستاني والوزيرة السابقة للبيئة في حكومة العراق) إن وضع المرأة في إقليم كردستان في تطور وتحسن كبير ومستمر في أن تتبوأ المناصب السياسية، ولكن ليس بمستوى الطموح، لأننا نشهد حتى الآن إجحافا في حق المرأة في كثير من النواحي في المجتمع".

 

وعن انخفاض مشاركة المرأة في وزارات حكومة الإقليم الجديدة، قالت عثمان "هناك وزارة واحدة خصت بها المرأة، ولكنها ليست كافية". وعن القوانين، أضافت أن التطبيق هو الأهم.

 

ورغم ذلك، فإن حالات العنف في ارتفاع مستمر، ووفق إحصائية رسمية صادرة عن مديرية مناهضة العنف ضد المرأة، تم تسجيل 488 حالة عنف ضد المرأة من قتل وانتحار وحرق وعنف في يونيو/ حزيران 2013 في الحدود الإدارية لمحافظات إقليم كردستان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

اللغة الكردية.. بين السياسة والجغرافيا

اللغة الكردية.. بين السياسة والجغرافيا

 

يقول  عبد الله بابان رئيس قسم اللغة الكردية في كلية الآداب بجامعة دهوك إن المصادر الموثوقة تؤكد أن الأصول التاريخية للغة الكردية تعود إلى المجموعة الآرية فصيلة (الهندو إيرانية) وهي تعتمد على السوابق واللواحق مثل معظم اللغات الهندو إيرانية.

 

ويضيف الدكتور بابان أن اللغة الكردية تتكون من أربع لهجات رئيسية، وهي البهدينانية والسورانية واللورية والهورامية، وبعض الباحثين يضيفون إليها اللهجة الزازائية.

 

ويوضح أن الكردية هي "لغة مستقلة، وقد اعترف بها كلغة رسمية في العراق عام 1970، ودرست في المدارس إلى جانب اللغة العربية، وتم تأسيس مدارس تدرس المناهج فيها باللغة الكردية".

 

وبين أن نسبة الكلمات العربية التي كانت تستعمل في الكردية كبيرة، لأن الدراسة كانت تعتمد على الكتاتيب التي كانت تدرس في المساجد.

جانب من معرض خاص بالإصدارات الثقافية باللغة الكردية (الجزيرة)

لكنه أشار إلى أنه بعد سبعينيات القرن الماضي بدأت حركة تنقيح اللغة الكردية من الكلمات غير الكردية، ونشطت هذه العملية بداية الثمانينيات، حيث ألفت الكثير من القواميس الخاصة بالكردية، التي حاولت بعث الكلمات الكردية القديمة. وقد نشطت هذه الحركة في السنوات الأخيرة حيث تم وضع قواميس مختصة بالمصطلحات الزراعية وأخرى للكلمات الصحية والصناعية.

 

وهو يرى أن هذا النهوض باللغة والتخلص من المدارس التي كانت تدرس بالعربية "قد أدى إلى حدوث انقطاع واستقلال اللغة الكردية بشكل تام عن العربية، وكان لهذا أثر سلبي".

 

وأوضح بابان أنه رغم المحاولات التي جرت فإنه لا تزال هنالك الكثير من الكلمات العربية والفارسية والإنجليزية مستعملة في اللغة الكردية، شأنها في ذلك شأن الكثير من اللغات التي تتضمن كلمات أجنبية.

 

من جهته، أشار الناقد الأدبي عبد الكريم الزيباري أن اللغة بوصفها كائنا حيا ينبغي أن تترك تقتبس كما تشاء، منتقدا المجمع العلمي الكردستاني بقوله "أعتقد أن المجمع العلمي لم يقم بواجبه بالشكل الجيد، حيث إنه لم يقم بوضع القواميس الخاصة بتداخل اللغات، لأن اللغات كلها انسلت من مصدر واحد ثم تفرقت. فاللغة ملك للجميع، ثم هنالك شيء اسمه السياسة اللغوية التي ما زلنا نفتقر إليها، وهو من شأن المجمع العلمي الكردي".

 

جانب من إحدى ندوات اللغة الكردية (الجزيرة)

 ويضيف الزيباري أن هناك تداخلا بين الكردية والعربية شئنا أم أبينا، موضحا أنه "كانت هناك محاولات لتنقية الكردية من الفارسية في الثمانينيات، ثم اتبعتها محاولة لتنقية الكردية من الكلمات العربية، لكنهما كانتا مجرد محاولات بنظري ولم تؤت ثمارها".

 

 من جهته، أوضح محمد عبد الله نائب رئيس اتحاد أدباء الكرد، في دهوك، أن تحويل تدريس المناهج الدراسية إلى الكردية "كان له تأثير كبير على تطور وانتعاش الكردية من جديد، وخاصة بعد المحاولات الكثيرة التي قام بها النظام السابق لطمس معالم الكردية وإزالتها عن طريق تعريب المناهج الدراسية في المدن الكردية".

 

ويرى محمود نوري إسماعيل (مدرس العربية بإحدى المدارس الحكومية بأربيل) أن نسبة المتحدثين بالعربية تراجعت بعد عام 1990 وخاصة بين جيل الشباب بسبب القطيعة في العلاقات وتبادل الزيارات بين إقليم كردستان وباقي المحافظات العراقية، التي استمرت لـ14 سنة متتالية.

 

وأشار للجزيرة نت إلى أن "هذه المعادلة تغيرت بعض الشيء بعد عام 2003" ويسعى الكثيرون من الشباب التحدث بالعربية، لأنه هناك نسبة كبيرة من العرب الآن يعيشون في إقليم كردستان.

مؤتمر حول اللغة الكردية (الجزيرة)

وأضاف إسماعيل "أن العربية الآن منتشرة في إقليم كردستان، وخاصة في العاصمة أربيل أكثر من بقية اللغات". وتأتي بعد الكردية مباشرة كون الشعب الكردي منفتحا على باقي مكونات الشعب العراقي.

 

ليس بعيدا عن هذا الرأي، يؤكد دشتي عزيز وهو مدرس الكردية في مدرسة خاصة بأربيل أن عددا كبيرا من المدارس الخاصة للتعليم بالعربية، ولجميع المراحل الدراسية، افتتحت في إقليم كردستان إضافة إلى المدارس الحكومية الموجودة في كل محافظات الإقليم. وأيضا هناك مادة العربية ضمن منهاج التعليم التربوي في الإقليم لكل المراحل في المدارس الكردية.

 

وتابع عزيز للجزيرة نت "صحيح أن نسبة المتحدثين بالعربية تراجعت بعض الشيء بالمقارنة مع مرحلة ما قبل تسعينيات القرن الماضي، ولكن الآن عادت إلى الارتفاع، وأصبحت تندرج ضمن شروط التوظيف في القطاع الخاص.

 

وأشار إلى أنه بالمقابل يحاول العرب المقيمون في الإقليم تعلم الكردية محادثة وكتابة كوسيلة تفاهم مع جيل التسعينيات، الذي لا يجيد العربية مطلقا، وأيضا لاجتياز المراحل الدراسية، كون الكردية تدرس في المدارس العربية، وتدخل ضمن المنهاج الدراسي العام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

"كردستان" الآمن.. ملاذ النازحين

"كردستان" الآمن.. ملاذ النازحين

 

الأوضاع الأمنية غير المستقرة -التي شهدها العراق منذ العام 2003- دفعت آلاف الأسر العراقية إلى ترك مناطق سكناها في وسط وجنوب العراق والتوجه للإقامة في مدن إقليم كردستان، بسبب الأمن والاستقرار المتوفر في الإقليم، ويقف ذات السبب خلف جذب الكثير من الاستثمارات العراقية والعربية والأجنبية في مختلف الميادين.

 

ونظرا للتدفق الكبير من الوسط والجنوب على الإقليم، فرضت حكومة كردستان إجراءات على الداخلين إلى الإقليم عند النقاط الحدودية، وخاصة الذين ينوون البقاء لمدة طويلة.

 

ويرجع المسؤولون في كردستان التشدد الأمني بسبب الاضطرابات الواسعة في مدن العراق، والحرص على عدم انتقال هذه الفوضى التي وصلت حد الانفلات إلى مدن الإقليم،  ويردد المسؤولون باستمرار أنه "لا استقرار ورخاء وبناء واستثمار  بدون أمن".

 

ويقدر المسؤولون في الإقليم عدد النازحين منذ عام 2003، الذين يسكنون بصورة دائمة في مدن الإقليم بأكثر من مائتي ألف عائلة من مختلف المدن العراقية خارج الإقليم، في حين يزور كردستان لأغراض السياحة سنويا مئات الآلاف.

 

نقطة تفتيش للبيشمركة في منطقة بدرية (الجزيرة)

وأحدث موجات النزوح إلى الإقليم حصلت على خلفية سيطرة مسلحي الدولة الإسلامية على محافظة الموصل ( ثاني أكبر المدن العراقية ) ومناطق واسعة من صلاح الدين وكركوك وديالى، وقبل ذلك المعارك الدائرة في الفلوجة والرمادي التي اندلعت بين المسلحين والقوات الحكومية مطلع العام الحالي.

 

وعن هذه الموجة من النزوح، يقول  رئيس مجلس محافظة الموصل بشار الكيكي "لقد دخلت أعداد غفيرة من المواطنين الموصليين إلى مدن إقليم كردستان منذ العاشر من يونيو/حزيران الفائت، حيث وصلت أعدادها إلى أكثر من 250 ألف أسرة،  وقامت سلطات الإقليم باستقبالهم في نقاط التفتيش، وتم دخولهم إلى الإقليم بعد التأكد من هوياتهم وتنظيم إقامة لهم".

 

غالبية الأسر التي نزحت خلال السنوات الماضية  لا تنوي العودة إلى العراق لحين استتباب الأمن، فهذه أسرة محمد طه الذي خرج من بغداد قبل ثلاثة أعوام واستقر في شقة بمنطقة زريلاند في مدينة دهوك، يقول "خرجت لأن ثلاثة من جيراني قتلوا بسبب مذهبهم الديني، فأنا لا أنوي العودة إلى بغداد إلا بعد أن يستتب الأمن والقانون فيها مرة أخرى، لأنني أخاف على أهلي من القتل".

 

أما شيماء علي التي خرجت مع عائلتها من مدينة الموصل فقالت "نحن ليس في نيتنا العودة إلى الموصل إلا بعد أن تصلح الأحوال هناك، فالخدمات شبه معدومة، لا كهرباء ولا ماء ولا عمل، فالحياة صعبة هناك في الوقت الحالي".

 

صابر البارزاني قائد قوات البيشمرغة الكردية مع مجموعة من المقاتلين في أحد جبال قرقوش قرب مخمور (رويترز)

وتضيف "على الرغم من أن تكاليف المعيشة مرتفعة هنا في دهوك فنحن ندفع خمسمائة دولار شهريا للإيجار، حتى الأكل والشرب أيضا مكلف، وليس لدينا عمل، فقد كنت أعمل مع شركة في الموصل، وأعيش الآن أنا وزوجي عاطلين عن العمل ونكاد نفقد كل مدخراتنا، لكن المهم أننا أحياء ونعيش في أمان".

 

كما فرّ سامر الموسوي مع أفراد عائلته من مدينة بغداد ليقيم في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق منذ أربع سنوات، ويعمل في إحدى الشركات التجارية، وهو غير نادم على إنقاذ عائلته من شبح القتل والتخلف الذي يجتاح منطقتهم لأسباب طائفية، وتركه موطن أسلافه.  ويقول للجزيرة نت "كان الأفضل أن نترك العراق ونذهب إلى أي دولة أوروبية، على الأقل كنا سنحصل على إقامة والحق في التملك والتعليم".

 

ولا يختلف سعد ناصر الذي ترك مدينة بعقوبة مع عائلته قبل سبع سنوات كثيرا مع هذا الرأي، وأكد للجزيرة نت أن "معظم العوائل الوافدة إلى إقليم كردستان لا تفكر بالعودة إلى مناطقها حتى لو تحسن الوضع الأمني فيها، بعد أن تأقلموا مع الواقع المعيشي في مدن الإقليم، التي تمتاز بالتطور المستمر في جميع مناحي الحياة".

 

ويشير ناصر إلى أن المواطنين في أربيل والدوائر المدنية يقدرون الغرباء ولا يميزون بين القوميات، ودعا السلطات في كردستان إلى منحهم إقامات دائمة للبقاء في الإقليم،  وخاصة للذين مضى على إقامتهم فترة طويلة".

 

قوات الأمن الكردية أمام مبنى الأمم المتحدة لحمايته (غيتي)

من جانبه نفى محافظ أربيل نوزاد هادي، وهو رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة، أي قيود تفرضها حكومة الإقليم على المواطنين من بقية المحافظات العراقية والمقيمين في الإقليم عدا الإجراءات التي تتعلق بالجانب الأمني.

 

وأوضح للجزيرة نت أن "نقاط التفتيش الأمنية في مداخل المدن تستقبل يوميا آلاف الأشخاص ومئات المركبات القادمة من مناطق تشهد حالة حرب أو استنفار أمني، فمن الطبيعي التشدد في الإجراءات لحماية أمن وسلامة المواطنين من أي طارئ".

 

وأشار محافظ أربيل إلى أن إقليم كردستان أصبح الآن ملاذا آمنا ليس فقط للمواطنين من وسط وجنوب البلاد، بل لآلاف اللاجئين السوريين والعمال الأتراك والإيرانيين ومن جنوب شرق آسيا. ويستقبل آلاف النازحين بشكل مفاجئ.

 

وشدد هادي على أن جميع الإجراءات الأمنية فيما يخص الإقامات وغيرها ترتبط بالأمن وحماية المواطنين،  فالدستور يكفل حق العيش لكل مواطن أينما يريد، وفي حال استتباب الأمن في باقي مدن العراق فسوف يتم يرفع كل هذه الإجراءات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وفي إطار التقارير المتنوعة، يرصد تقرير من الأردن معاناة اللاجئين السوريين من كبار السن في مخيمات اللجوء، بسبب ارتباطهم بالأرض وما ألفوه من نمط الحياة وصعوبة تأقلمهم مع حياة جديدة بعيدة عن الوطن.

 

ومن فنلندا نتابع نشاط الشباب المسلم في التعريف بنفسه وبدينه على صفحات مجلة يصدرها بقدراته الذاتية، وتجد صدى طيبا في المجتمع الفنلندي. ومن قارة أفريقيا حوار مع أمير المسلمين في أوغندا، حيث يضعنا في أجواء نشاط المركز الإسلامي هناك.

 

ومن أقصى الغرب، الولايات المتحدة حامية الرأسمالية نعيش مع صورة أخرى من المجتمع الأميركي ومن عاصمة الصناعة الأميركية ديترويت، حيث الفقر والتشرد كنتيجة مباشرة للنظام الرأسمالي. ومن أوكرانيا تقرير نتلمس فيه انتعاش الحس الوطني لدى الأوكرانيين بعد الأزمة التي عصفت به.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

اللاجئون السوريون كبار السن مسكونون بوطنهم

اللاجئون السوريون كبار السن مسكونون بوطنهم

 

ناريمان عثمان-عمّان

 

قد يكون كبار السن من اللاجئين السوريين هم الشريحة الأقل قدرة على التأقلم مع ظروف النزوح واللجوء والمكان الجديد، والأكثر تعرضا لمشاكل نفسية وصحية، ورغم مرور وقت طويل على خروج بعضهم من سوريا فإنهم لا يزالون غير قادرين على التأقلم، ويعانون من آلام نفسية وضغوطات داخلية بقدر معاناتهم الجسدية ومشاكلهم الصحية.

 

والعديد منهم يريدون العودة إلى سوريا رغم علمهم بأن الرجوع إلى بيوتهم غير ممكن، بسبب دمارها أو استمرار الاشتباكات في منطقتهم.

 

أم معاذ سيدة مسنة تعاني بشدة من قلق دائم، وتتحدث باستمرار عن بلدها وعن رغبتها بالرجوع، إلى أن نفذت رغبتها فعلا وتركت زوجها وابنها وعادت إلى قريتها في سوريا.

 

مسنة في مخيم الزعتري في الأردن (الجزيرة)

تحدث ابنها معاذ للجزيرة نت عن ظروف والدته الستينية "للأسف أمي لم تستطع التأقلم، وهي مثل معظم السوريين قضت معظم حياتها في سوريا، فكان من الصعب اقتلاعها من أرضها وزرعها في مكان آخر، لم تستطع نسيان بيتها وحاجياتها وجيرانها."

 

وأضاف أنها رجعت إلى سوريا بعد سنة من خروجها رغم أنه حاول توفير ظروف مريحة لها، لكنها كانت تشعر بانسداد في الأفق، وفقدت الأمل من سقوط النظام في وقت قريب، ويعتقد أنها قد لا تكون سعيدة بالعيش في مكان خطر ومعرض للقصف، لكنها لا تشعر بالغربة عن محيطها، ورغم فقدانها الأمان الخارجي فإنها استعادت الأمان الروحي والداخلي لأنها مسكونة ببيتها.

 

فيروز أيضا تشارف على السبعين من عمرها اتخذت قرارها بالرجوع إلى سوريا، لأن ظروفها الاجتماعية غير محتملة في الأردن، فأصبحت تشعر بالنبذ وسوء المعاملة من قبل ذويها في عمان، ورغم أن العودة إلى بيتها في ريف دمشق غير ممكنة بسبب الحصار فإنها قررت الرجوع إلى منطقة قد تكون أكثر أمنا.

 

يجلس في محل لبيع الملابس المستعملة في سوق مخيم الزعتري بالأردن (الجزيرة)

يحز في نفسها أنها كانت تملك راتبا تقاعديا، وميراثا عقاريا، وكانت تنفق على نفسها وبيتها طوال حياتها ولم تحتج إلى أحد، بل على العكس هي من كانت تساعد من حولها، لكن لسوء حظها لا يمكنها الاستفادة من ميراثها في منطقة مشتعلة، ووجدت نفسها محتاجة لمن ينفق عليها بطريقة تشعرها بالذل.

 

من ناحيته، شخّص الطبيب النفسي محمد أبو هلال مشاكل هؤلاء المتقدمين بالسن بما يسمى "اضطراب التلاؤم"، فتظهر لديهم أعراض كالشعور بالحزن أو القلق، أو الصعوبة في النوم, أو الأفكار السلبية عن الذات والمحيط والمستقبل.

 

وقال للجزيرة نت "يزداد احتمال الإصابة بهذا الاضطراب في ظروف الحرب والنزاع، فالضغوط التي يتعرض لها الشخص تكون صادمة ومفاجئة، وبالتالي تقل احتمالية مقاومتها والتعامل معها بشكل جيد".

 

مسنة سورية  أعيتها الإقامة في مخيم الزعتري في الأردن (الجزيرة)

وأضاف أن اضطراب التلاؤم يمكن أن يحدث ضمن ظروف اعتيادية، كمرحلة التقاعد مثلا، أما في ظروف الحرب فتتفاقم المشكلة، لأنها ظروف قسرية ومفاجئة ومترافقة مع مجموعة عوامل ضاغطة "ربما تستمر الأعراض فترة طويلة, وأحيانا تتطور لتصبح اضطرابا نفسيا معيقا, كالاكتئاب الشديد أو القلق أو حتى إدمان الكحول والمخدرات".

 

وفي هذه الحالة، قال أبو هلال يفترض استشارة الطبيب النفسي أو المعالج النفسي لتلقي الرعاية الصحية المناسبة، وإن التعامل معها يتوقف على سببها وشدة أعراضها، ففي حالة اضطراب التلاؤم العادي يمكن مساعدة الشخص من خلال الدعم النفسي الاجتماعي، ومساعدته على الشعور بالاستقرار، مشيرا إلى أهمية العمل وإحساسه بالإنتاج، أو التطوع في مجالات مختلفة.

 

وفي هذا السياق، أوضح أبو هلال أن منظمة مستقبل سوريا الزاهر التي يديرها تؤسس حاليا لمشروع "جيل الخبرة" الذي يهدف لتشكيل مجموعات من كبار السن، وعمل أنشطة جماعية هادفة، ومن ثم ربطهم بمجموعات شبابية يستطيعون من خلالها تقديم خبرتهم ونصائحهم في الحياة لهؤلاء الشباب، وربما يقومون بتدريبهم على مهارات ترفع كفاءتهم وإنتاجيتهم، وبذلك يشعر كبار السن بأنهم لا يزالون منتجين ومفيدين للمجتمع حتى في ظروف الصراع، وهذا حتما سينعكس على حالاتهم النفسية وقدرتهم على مقاومة الضغوط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

مجلة "أنا" الفنلندية بأقلام الشباب المسلم

مجلة "أنا" الفنلندية بأقلام الشباب المسلم

 

جورج حوراني-هلسنكي

 

تمكّنت مجلة "أنا" -وهي مجلة شبابية إسلامية ناطقة باللغة الفنلندية- من جذب أعداد متزايدة من القراء في الأوساط المسلمة في فنلندا، كونها أول مجلة من نوعها على مستوى الدول الإسكندنافية متخصصة في مخاطبة جيل الشباب المسلم وتهتم بقضاياهم وشؤونهم وأحلامهم وطموحاتهم.

 

وحظيت انطلاقة هذه المطبوعة الجديدة مطلع العام الحالي باهتمام العديد من وسائل الإعلام المحلية، لتسليطها الضوء على الجهود التي يبذلها الجيل الجديد من المهاجرين في مجالات التعليم والعمل ومختلف المجالات الأخرى، لا سيما أن موضوعاتها تعمل على توطيد وجهة نظر مختلفة بعض الشيء عن الصورة النمطية للإسلام والمسلمين في هذا البلد.

 

والمجلة هي دورية تصدر بانتظام كل ثلاثة أشهر ويتم توزيعها في كافة أنحاء فنلندا. يرأس تحريرها الناشط الإعلامي من أصل تونسي بلال الساهلي، ويضم فريق العمل الفتيّ عددا من الكتاب والمحررين والتقنيين من السكان الأصليين بالإضافة إلى جنسيات عربية متنوعة.

 

 أحد أعداد مجلة أنا الفنلندية تتصدره صورة شاب مسلم في رياضة رالي السيارات (الجزيرة)

 

عن بدايات وأهداف هذا المشروع الإعلامي، يقول الساهلي بحماسة "أنا" هي تجربة يتطلع فريق العمل من خلالها إلى قدرة مضاعفة على محاكاة وضع الشباب المسلم لما يواجه من تحديات، وهي نتاج مخاض استغرق نحو عامين من العمل الدؤوب كي تكون نموذجا ملموسا عن كل شاب مسلم مقيم في أوروبا.

ويضيف في حديث للجزيرة نت "لقد وضعنا نصب أعيننا نقل أصوات الشباب المسلم إلى الرأي العام المحلي، وإثراء الحوار حول وجهات النظر الشابة في الدول الإسكندنافية، لا سيما في فنلندا والسويد".

 

ويؤكد الساهلي على ضرورة اعتماد خط إعلامي جديد يهدف إلى تصحيح الصورة المشوهة عن العرب والمسلمين في مجتمع تسوده الأحكام المسبقة.

 

وتصدر غلاف العدد الأول صورة كريم علايمي الشاب الفنلندي من أصل تونسي وهو مرشح ليكون من أبطال العالم للرالي عن فئة الشباب. وأفرد العدد صفحات بالصور عن المتميزين من الشباب المسلم في كافة المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية. كما تضمن مقابلات عديدة مع مسلمين جدد وحوارات مع شخصيات مؤثرة في المجتمع الفنلندي. وكذلك خصصت المجلة قسما للأزياء والموضة التي تعكس الزي الإسلامي.

 

وأشار الساهلي إلى أن جمهور المجلة هم في غالبيتهم من المسلمين الجدد من الفنلنديين، فضلا عن القراء من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، لافتا إلى أنه سوف يتم إصدار النسخة السويدية منها خلال بداية موسم الخريف القادم.

 

كارين كروتز الباحثة الأكاديمية والخبيرة في قضايا الإعلام والأقليات (الجزيرة)

 

ورأت كارين كروتز الباحثة الأكاديمية في مركز دراسات العلاقات العرقية والمواطنة في جامعة هلسنكي أن هناك حاجة في السوق الإعلامية إلى مجلات "نمط الحياة" (Lifestyle) ولكن من منظور إسلامي.

 

وشددت كروتز -وهي خبيرة في قضايا الإعلام والإسلاموفوبيا والأقليات، وفي رصيدها العديد من الكتب والمقالات حول صورة المسلمين في الإعلام وكذلك حول المهاجرين والأديان- على "الدور المهم للمجلة في تمكين الشباب المسلم وللتصدي للأحكام المسبقة والصور الخاطئة عن الإسلام والمسلمين في هذا البلد، في ظل انتشار نزعة الإسلاموفوبيا المرتبطة بأحزاب اليمين المتطرف في العديد من الدول الأوروبية".

 

وأوضحت في حديثها للجزيرة نت أن هذه المجلات الإسلامية الناطقة بالفنلندية، ومنها "سلام" و"النور" على سبيل المثال، غالبا ما تكون موجهة بشكل حصري إلى الجاليات المسلمة هنا، لافتة إلى أنه منذ عام 2010 بدأ السوق الإعلامي يشهد نوعا جديدا من المطبوعات الدورية جمهورها العريض هم شريحة الشباب، كمجلة "أمة" والمجلة الصادرة حديثا "أنا".

 

وحول كيفية تغطية الإعلام المحلي للإسلام والمجتمعات المسلمة في فنلندا، اعتبرت "أن التركيز بالمجمل يصب في خانة الموضوعات السلبية كالنزعات والأزمات دون تخصيص مزيد من المساحة للإضاءة على خلفية الأحداث ومسبباتها، وبذلك يصبح الإسلام مرتبطا بصورة أو أخرى بقضايا النزعات والأزمات المجتمعية".

 

وبدوره أعرب ريبين راشيدي -وهو كردي من تركيا يقيم في هلسنكي منذ سنوات- عن امتنانه لهذه الوسيلة الإعلامية الخاصة بالشباب، مثنيا على تصميمها الجذّاب وعلى المحتوى الذي يزخر بالموضوعات المتنوعة والأخبار المفيدة التي تهمّ المسلم وغير المسلم على حد سواء.

 

وأكد في اتصال مع الجزيرة نت على أهمية النقاشات التي تطرحها المجلة وتظهر بعمق مفاهيم الدين الإسلامي وتقاليدنا الإسلامية التي تشكل عنصر غنى وتنوع في المجتمع الفنلندي. وبالنسبة إليه فإن "أنا" استطاعت تصميم نموذج يتوافق مع واقع الشباب المسلم عبر نقل قصصهم ويومياتهم المعاشة بعدسة القرآن الكريم والسنة النبوية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

أمير المسلمين في أوغندا: للإسلام حضور ولكن..

أمير المسلمين في أوغندا: للإسلام حضور ولكن..

 

حاوره / عبد الفتاح نور- كمبالا

 

للمسلمين في أوغندا كيان ديني يمثلهم، ويعتلي الدكتور الأمير قاسم بدر نوح -الذي درس في كل من أميركيا وبريطانيا وباكستان- أعلى سلطة فيها، حيث يدير الأمير قاسم مركز كبولي الإسلامي في العاصمة الأوغندية كمبالا.

 

نشاطات مركز كبولي الذي تأسس عام 1946 تنحصر في تثقيف المسلمين بشؤون دينهم، ورفع وعيهم تجاه القضايا التي تهمّ الفرد المسلم في بيئة تمتاز بالتنوع في المعتقد والديانات، وهو ما يجعل مسؤولية "تعليم المسلم" ضرورية للغاية، بحسب الدكتور قاسم بدر نوح.

 

ثمة تحديات تواجه المسلمين في أوغندا، وتأتي في مقدمتها نشاطات التبشير ومحاولات تنصير المسلمين بطرقٍ ووسائل شتى، وهي تحديات تفوق قدرة المؤسسات الإسلامية القائمة حالياً في البلاد، مما يجعل ضرورة الاهتمام العربي والإسلامي بأوغندا غاية في الأهمية، لإعادة التوازن في البيئة الفكرية والدينية في البلاد.

 

وللحديث حول قضايا المسلمين في أوغندا، زارت الجزيرة نت قصر أمير المسلمين فيها الكائن في حي "كبولي" التاريخي، وكان لنا معه هذا الحوار.

 

الحديث عن الإسلام في أوغندا له تاريخ طويل، هل بالإمكان الإضاءة حول تاريخ دخول الإسلام إليها؟

 

يعود تاريخ دخول الإسلام البلاد إلى عام 1844 عن طريق التجارة التي كان يمارسها العرب في أوغندا وما يحيط بها من أمصار أفريقية، كما يشير إلى ذلك الرحّالة ابن بطوطة بعد زيارته التاريخية إليها.

 

قبل هذا التاريخ المشار إليه بقليل وبالتحديد عام 1835، كانت هناك سلطة دينية يتبعها الأوغنديون تعارفوا على تسميتها "إمارة المسلمين في أوغندا" بقيادة جدي الأمير نوح موبوغو (1835-1921) الذي تأسست على يديه إمارة المسلمين، وأرسى قواعدها لنشر الفكر الإسلامي السني في ربوع البلاد، وقد بذل هذا الأمير جهوداً مضنية في سبيل توريث الأجيال معتقدا دينيا خاليا من الخرافات، واستفاد من سلطة قبيلته "بوغندا" -التي تعتبر أكبر قبيلة في البلاد- ونحن من عائلة الملك الحالي لأوغندا، لكنه انحرف عن المسار واعتنق الديانة المسيحية.

 

ثم تولى الإمارة والدي الأمير بدر نوح الذي يرجع إليه الفضل في تأسيس مركز "كبولي الإسلامي" وتوحيد كلمة مسلمي أوغندا بوجه الأعداء المتربصين لها، وإقامة مؤسسات خدمية للمسلمين مثل هيئة مسلمي أوغندا التي تأسست على يديه عام 1940، والسعي أيضاً في بناء مؤسسات تعليمية لخدمة المسلمين.

 

ومنذ ذلك التاريخ بدأ الإسلام بالانتشار والتوسع في ربوع أوغندا، مع تفاوت في نسب الانتشار بين الأقاليم، لكن الملاحظ أن الإسلام يشهد انتشاراً على الرغم التحديات التي تواجهه.

 

حاليا نسبة المسلمين في أوغندا تقدر بـ30%، وإذا بذلنا الجهود ووجدنا الإمكانيات الممكنة باستطاعتنا ضمّ العديد من السكان إلى صفوف المسلمين. إمكانياتنا محدودة جدا مقارنة بما لدى المسيحيين ومذاهب إسلامية طارئة على المجتمع، وهذا يضعنا في مأزق حقيقي، كلما قطعنا شوطاً في هداية المجتمع إلى ديننا الحنيف، وجدنا حملة ضارية تستهدف المسلمين.

 

مركز كبولي الإسلامي في أوغندا (الجزيرة)

 

ما المذاهب الإسلامية الطارئة على المجتمع الأوغندي؟

 

هناك نشاطات واسعة للشيعة خصوصا في فتح مؤسسات تعليمية كالمدارس والمعاهد الدينية، ومن أشهرها "معهد المصطفى" الذي يهدف إلى نشر التشيع وسط الأوغنديين، وينتشر الشيعة في شرق البلاد، وبالتحديد مدينة "جينجا" التي تبعد عن أوغندا ثمانين كيلومترا.

 

وفي أوغندا أيضا فرق أخرى كالأحمدية التي لها مسجد في العاصمة الأوغندية كمبالا، وجامعة يُطلق عليها "جامعة آغا خان". أما الشيعة الإسماعيلية فلهم وجود وهم أقدم فرقة شيعية في البلاد، ونشاطاتهم غير معلنة، وينأون بأنفسهم عن إثارة الخلافات، كما يبتعدون أيضاً عن تسجيل مواقف واضحة لهم تجاه بعض القضايا كجزء من إستراتيجتهم في الانتشار والتوسع.

 

وجود الإسماعيلية كما قلت لك تاريخي، وهم من نسيج المجتمع الأوغندي، ومؤسسة "آغا خان" الإسماعيلية لها مصالح اقتصادية في شرق أفريقيا كلها، ولهم مدارس وجامعات ومؤسسات إعلامية مثل جريدة "نيشن" في كينيا، وجريدة "مونيتير" في أوغندا.

 

هل لهذه المذاهب نشاط اقتصادي؟

 

بحسب علمي لا يوجد شركات مشهورة للشيعة، ما عدا صحيفة "مونيتر" ومؤسسات "آغا خان" التعليمية والخدمية، أما شركات تجارية على مستوى شركات الصوماليين والعرب فلا يوجد، وإن وجدت فهي ليست بالكبيرة.

 

نعرف فقط أن مؤسسة آغا خان مؤسسة ربحية ولها مستشفيات ومدارس وجامعات ووسائل إعلامية نشطة في ربوع منطقة الشرق الأفريقي.

 

كيف تقيّم دور الاستثمار العربي في أوغندا؟

 

الاستثمار العربي جيد إلى حد ما، الصوماليون لهم شركات تجارية كمطاعم ومحطات وقود، واللبنانيون أيضاً لهم شركات للألبسة والمنسوجات، ومطاعم ومقاصف في أماكن منتشرة في العاصمة كمبالا.

 

عموما يمكن القول إن الاستثمار العربي يسير بوتيرة عادية، وإن كنا نأمل نحن المسلمين أن يسير استثمارهم بوتيرة متسارعة، خاصةً أن أوغندا بلد يشهد تدافعا بين الأمم المختلفة.

 

قلت إن مركز "كبولي الإسلامي" تأسس عام 1946، ما أبرز أنشطته؟

 

مركز كبولي الإسلامي يتكون من مسجد كبير يتسع لآلاف المصلين، ومن مركز صحي لعلاج من لا يستطيع دفع تكاليف العلاج، كما أنه يضم روضة لتعليم الأطفال ومدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية، ونطمح إلى تأسيس جامعة إسلامية تستقبل هذا العدد الكبير من خريجي مركز كبولي الإسلامي.

 

هذا المنزل الذي نجلس فيه هو منزل تاريخي للمسلمين، وقد زارنا في هذا المقر رموز وشخصيات عربية مشهورة، ووقفوا على سير العمل، ونأمل قريبا تحويله إلى متحف للمسلمين، بعد أن نتمكن من جمع الوثائق التاريخية لمسلمي أوغندا والصور المطلوبة، مع خرائط تبين أوقاف المسلمين، وكذلك الكتب التاريخية والرسائل التي بعثتها إمارة المسلمين إلى كل أصقاع العالم.

 

صورة تاريخية من أرشيف الأمير (الجزيرة)

 

هل تخططون فعلا إلى توحيد كلمة المسلمين كما ذكرت، في ظل وجود خلافات داخلية بين مسلمي البلاد؟

للأسف بدأت الخلافات تدب وسط مسلمي أوغندا، والسبب هو فشل القيادة، ونعمل على تجاوز هذه الخلافات، وتقوية أواصر المسلمين.

 

بعض رجالات الحكومة يلعبون بورقة خلافاتنا الداخلية من أجل تصفية حسابات قديمة لهم مع المسلمين، وأرجو أن يكون المسلمون على قدر المسؤولية ويفهموا حجم التحديات الماثلة.

 

علاقاتنا مع بقية المكونات والكيانات الإسلامية قوية جدا، فمثلا، لدينا علاقات متينة مع المسلمين الصوماليين، وهم قوة مسلمة لها اعتبار في أوغندا، ولهم مركز اسمه "مركز التوحيد الإسلامي في كينسنيا"، وعلاقاتي مع المرحوم الشيخ عبد الولي كانت قوية، وكان من أقرب أصدقاء والدي.

 

الصوماليون في أوغندا لهم دور كبير ولهم شركات تجارية، ومع مرور الزمن أخذوا الجنسية وتحولوا إلى أوغنديين.. لكنهم متمسكون بدينهم ومحافظون على حجابهم الشرعي.

 

هل لمسلمي أوغندا حضور واضح في الإعلام؟

 

نعم لنا حضور، وإن كان دون المستوى، هناك أربع محطات إذاعية مثل إذاعة "البال" الإسلامية وإذاعة "صوت أفريقيا" وإذاعة "البلال" وإذاعة "سامبو". الإذاعات لها دور ملموس في نشر الإسلام وتعزيز اللغة العربية في البلاد.

 

وهناك برامج خاصة لتعليم العربية، ويقدمها خريجو الجامعات العربية، وأساتذة الجامعة الإسلامية بأوغندا. مقدمو تلك البرامج يستعينون بكتاب "اللغة العربية لغير الناطقين بها"، وأعتقد أن هذا الكتاب وحده لن يفيد، نحن بحاجة إلى تدريب الكوادر وصقل مهاراتهم ليتمكنوا من نشر الإسلام وتعليم العربية التي هي الأساس المتين في الدعوة إلى الإسلام.

 

الإعلام التلفزيوني له أهميته ولا توجد لدينا محطة إذاعية واحدة، ولأجل ذلك نبذل قصارى جهودنا للحصول على محطة تلفزيونية تابعة لنا.

 

نعرف جيدا أن الإعلام له دور محوري في نشر الأفكار، إعلامنا مقارنة مع إعلام الدولة أو الجهات الأخرى ضعيف جدا ويعتريه نقصان من ناحية التمويل، وهذا يؤثر سلبا على رسالتنا المتمثلة في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة.

 

هل من مؤسسات تعزز العربية في أوغندا؟

 

نعم، هناك مؤسسات تساهم في تعزيز العربية مثل الجامعة الإسلامية، مع وجود مدارس ومعاهد تقوم بالغرض نفسه. وأقدم معهد لدينا في أوغندا يطلق عليه معهد البلال الذي تأسس عام 1964، وتخرجت في هذا المعهد كل الكوادر الأوغندية ذات الثقافة العربية.

 

وهناك أيضا مدرسة الفيحاء، ومعهد الإمارات، والمعهد الإسلامي في جينا، وكذلك المعهد الإسلامي في "المسكا" جنوب البلاد، وكلها معاهد إسلامية تعزز لغة الضاد.

 

كما توجد مدارس الصداقة كمدرسة الصداقة السودانية الأوغندية وغيرها من المدارس العربية. لغة الضاد أثبتت وجودها في أوغندا على الرغم من غياب جهات عربية تمول وتساهم معنا في نشرها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

الفقر في عاصمة الصناعة الأميركية

الفقر في عاصمة الصناعة الأميركية

 

طارق عبد الواحد - ديترويت

 

"لقد انتهى الحال بي هنا ولم يعد بوسعي أن أفعل أي شيء"، هذا ما تقوله ليندا جونسون التي خرجت للتشمس على مقعد في الحديقة العامة بعد ليلة مطيرة قضتها نائمة على كرسي بـ"مركز تومياني" المختص بمساعدة المشردين والفقراء بمدينة ديترويت الأميركية.

 

وتنهي جونسون حديثها مع الجزيرة نت بالقول، "إنني عالقة.. حالي حال المئات وربما الآلاف من الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم ليجدوا أنفسهم في الشارع".

 

في قصة هذه المرأة التي تشارف على الستين من عمرها الكثير من ملامح المدينة التي ولدت ونشأت فيها، ديترويت المعروفة بـ"عاصمة صناعة السيارات" في الولايات المتحدة، والتي كانت ضمن قائمة المدن الأميركية الأكثر نموا وازدهارا اقتصاديا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

 

ولدت جونسون لعائلة سوداء متوسطة الحال، وتعلمت فن الطبخ في مطعم صغير تمتلكه وتديره والدتها، وشهدت في ريعان شبابها ما يعرف بـ"أحداث عام 1967" التي قادت مدينة ديترويت نحو منزلق خطير من التأزمات الاقتصادية والتشققات الاجتماعية، إثر إغلاق عشرات آلاف الأعمال الصغيرة وتقلص الاستثمارات الاقتصادية والمالية على خلفية أحداث شغب واحتكاكات عرقية دفعت عشرات الآلاف من الأميركيين البيض إلى هجرة المدينة.

 

مواطن أميركي يحمل متاعه على عربة تسوق وتنقل به (الجزيرة)

 

تعاونت جونسون مع زوجها لتأمين متطلبات عائلتهما المكونة من خمسة أبناء، وتنقلت بعد إغلاق المطعم الذي تمتلكه والدتها، على مدى سنوات، بين عدة أعمال ووظائف تخللتها فترات بطالة ومشاكل أسرية انتهت بانفصالها عن زوجها.


وازدادت الأمور سوءا حين أتى -قبل سبع سنوات- حريق على منزلها غير المسجل لدى شركات التأمين، لتجد جونسون نفسها في الشارع ملتجئة إلى مراكز ومنظمات الرعاية الاجتماعية التي تقدم للفقراء والمحتاجين وجبات يومية وألبسة مستعملة وفحوصات طبية دورية.

 

وفي الأثناء كانت مدينة ديترويت تنحدر أكثر فأكثر نحو الفقر والبطالة والجريمة لينتهي بها الأمر مع حلول الأزمة الاقتصادية التي أخذت تعصف بالولايات المتحدة منذ عام 2007 إلى انتكاسة حادة دفعت المسؤولين الرسميين إلى إعلان إفلاس المدينة بعجز في الميزانية يزيد على 16 مليار دولار، فاتحين بذلك الباب أمام عشرات المدن الأميركية نحو هذه الخطوة.

 

وترى المرشدة تيريزا بارو العاملة لدى "مركز تومياني" أن برامج المساعدة والرعاية وإعادة التأهيل برغم تنوعها ليست كافية لحل المشاكل المستفحلة، في ظل غياب السياسات الحكومية الجادة والفاعلة لخلق الوظائف وإعادة هيكلة أنظمة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية الرسمية.

 

كثير من الأميركيين يستفيدون مما يلقى في حاويات القمامة (الجزيرة)

وحول أعداد المستفيدين من برامج المركز قالت بارو، "لدينا المئات منهم يوميا، ولكن الأخطر هو الزيادة الملحوظة في أعداد الشبان الذين يعيشون دون مأوى، والكثيرون منهم مدمنون على تعاطي المخدرات والكحول، وبعضهم لديه ميول عدوانية".

 

ولدى الاستماع إلى قصص بعض المتجمعين في محيط مبنى المركز بانتظار الحصول على وجبة الغذاء اليومية، يمكن للمرء أن يلمس الهشاشة البنيوية في النظامين الاجتماعي والاقتصادي التي تتبدى عبر مظاهر ومفارقات مرعبة للنظام الرأسمالي.

 

ففي الوقت الذي لا يخلو فيه شارع من المشردين والمتسولين تنتشر في المدينة عشرات آلاف المنازل المهجورة التي تشكل إحدى العقبات الكأداء أمام بلدية المدينة، لا سيما أنها تحولت إلى أوكار لتعاطي المخدرات والاتجار بها.

 

ويمكن تلمس المزيد من مفارقات النظام الرأسمالي في أميركا حين نعلم أن ديترويت التي تحل على رأس قائمة المدن الأميركية الفقيرة والخطيرة، حيث تسجل فيها نسب عالية للبطالة (10% لعام 2014) والجريمة التي توزاي نسبة الجريمة في مدينة نيويورك الأضخم بـ11 مرة من مدينة ديترويت، وفي الوقت ذاته تنافس ديترويت على قائمة المدن أكثر جذبا للطامحين والحالمين بالثروة، إذ سجلت الإحصاءات خلال الأعوام الماضية أن "منطقة ديترويت" (مترو ديترويت) البالغ عددها سكانها حوالي 4.3 ملايين نسمة تضم ما يزيد على تسعين ألف مليونير.

 

هذا كل ما يملكه من متاع بعد أن فقد عمله وسكنه (الجزيرة)

ولا يقتصر انتشار العوز والفاقة على مجتمعات الأفارقة الأميركيين، بل يتعداه إلى باقي المجتمعات الأخرى، بما فيها مجتمع البيض، فـ"سارا ريد" (23 عاما) تعيش على حدود خط الفقر المحدد رسميا بما يزيد قليلا على 12 ألف دولار للشخص الواحد، وقد فشلت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة في الحصول على عمل دائم براتب يكفيها لتدبير أمور معيشتها.

 

وعلى خلفية ضبطها مخمورة للمرة الثانية وهي تقود سيارتها، تمَّ سحب رخصة القيادة منها وإخضاعها لبرنامج مراقبة وخدمة مدنية، الأمر الذي حدّ من إمكانية حركتها واقتصارها بالتالي على عمل بدوام جزئي في حانة قريبة من الشقة التي تعيش فيها مع صديقتها. وقد عانت خلال الشهور الستة الأخيرة من أزمة مالية وصفتها بـ"الخانقة" دفعتها إلى العودة "المذلة" للعيش في منزل والديها.

 

وهذه الحال تشكل إحدى ملامح الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الشباب الأميركي، حيث سجلت الإحصاءات الرسمية ازدياد أعداد الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18-31 عاما الذين يعودون للعيش مع ذويهم، والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقود الأربعة الماضية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

الحس الوطني و"الاستقلال الجديد" في أوكرانيا

الحس الوطني و"الاستقلال الجديد" في أوكرانيا

 محمد صفوان جولاق - أوكرانيا

 

 

قلبت الأزمة حال الأوكرانيين بما حملته -ولا تزال- من أحداث، فصارت أبرز عنوان لأحاديثهم، ومحورا رئيسيا لنقاشات حاضرهم ومستقبلهم، بعد أن كانت اللامبالاة والتشاؤم سمتا للكثيرين منهم.

 

روح احتجاجات الميدان المطالبة بالتقارب مع أوروبا في العاصمة كييف، ومشاهد العنف والقتل التي تخللتها وتلتها، ثمَّ ضمُّ إقليم القرم إلى روسيا والمواجهات مع الانفصاليين الموالين لها، والتهديد الروسي المحتمل بغزوها، كانت بجملتها عوامل أحيت "الحس الوطني" لدى الأوكرانيين من جديد، وجعلتهم  أكثر اهتماما بالأحداث التي تشهدها البلاد، كما يعتقد خبراء اجتماع.

 

"المجد لأوكرانيا.. المجد للأبطال" لم يعد مجرد هتاف، بل أصبح عبارة سلام بين الكثير من الأوكرانيين في العاصمة كييف وغيرها من مدن وسط البلاد وغربها التي أيدت الاحتجاجات.

 

وفي المدن أيضا، تنتشر الشعارات والأعلام الأوكرانية على المعاصم والحقائب والمركبات وحتى الشرفات، بالإضافة إلى انتشار الحملات الإعلامية والاجتماعية التي تدعو إلى الوحدة والفخر والاعتزاز بالهوية واستقلال الإرادة.

 

أوليغ يرسم في مكان سقوط قتلى الاحتجاجات (الجزيرة)

 

ولفئة الشباب أكبر النصيب في حملات وأعمال تطوعية مستمرة أطلقوها "حبا لبلادهم ورغبة في الدفاع عنها" كما يقولون، وهي حملات وأعمال لم تعد تقتصر على الجوانب الثقافية الخدمية كما بدأت، بل باتت تشمل كذلك مجالات التوعية السياسية والاقتصادية والثقافية، وحتى مجال التبرع أو التطوع للقتال ضد الانفصاليين في شرق البلاد.

 

أوليغ فنان تشكيلي، يقف في ميدان الاستقلال وسط كييف، ليرسم لوحات تعبر عن حزن مستمر يبقى حاضرا حتى اليوم في جميع جنبات المكان، وليصنع مجدا لمن ضحوا من أجل مستقبل الأوكرانيين وقلبوا حياتهم، كما قال للجزيرة نت.

 

وأوكسانا شابة تقف في أحد المجمعات التجارية، تشارك في حملة لجمع تبرعات موجهة إلى القوات الأوكرانية المشاركة في العمليات القتالية ضد الانفصاليين؛ قالت للجزيرة نت إنها تستشعر "الوطنية" بمشاركتها، معتبرة أن تفاعل العامة مع الحملة يعبر أيضا عن حب الأوكرانيين لوطنهم.

 

أما فيتالي فمتطوع في حملة واسعة لطلاء جسور كييف بألوان العلم الأوكراني اعتمادا على تبرعات المارة، وهي حملة للتأكيد على هوية أوكرانيا وسيادة ووحدة أراضيها، رغما عن روسيا التي تهددها، كما يقول.

 

قوات الجيش الأوكراني في الشوارع (الجزيرة)

 

لم تشهده أوكرانيا منذ الاستقلال عام 1991 ما تشهده اليوم، ويكثر الحديث في أوساطها الشعبية والسياسية عن "استقلال جديد" ستناله من روسيا التي تأزمت معظم العلاقات معها، لا سيما بعد أن ضمت القرم ودعمت الانفصاليين.

 

فولوديمير آرييف، مستشار الرئيس بيترو بوروشينكو والنائب عن حزب الوطن "باتكيفشينا"، قال للجزيرة نت، "استقلال أوكرانيا عام 1991 منح لها على طبق من ذهب، لكنه لم يكن حقيقيا، وكان ثمنه الولاء لروسيا التي كانت تتحكم دائما بإرادة الأوكرانيين وتضغط عليهم".

 

واعتبر أن روسيا خلعت "قناع الأخوة"، وباتت بعين الأوكرانيين عدوا، وأن أوكرانيا اليوم تقدم التضحيات لنيل استقلال جديد فعلي عنها.

 

سيرهي (78 عاما) مواطن أوكراني، يقول للجزيرة نت إنه لم يتخيل أن يأتي يوم يدافع فيه الغرب عن أوكرانيا ضد روسيا الشقيقة، على عكس ما كان عليه الحال في القرن الماضي، مضيفا أن الأوكرانيين اليوم لا يعانون من النازية الألمانية، بل من خطر وفاشية القيادة الروسية، على حد وصفه.

 

مظاهرات في شوارع أوكرانيا (الجزيرة)

 

لكن للتهديد الروسي جوانب إيجابية يرى الخبراء أثرها في المجتمع، ويؤكد بعضهم على أهميتها للخروج من الأزمة وتحقيق النصر.

 

أستاذة علم الاجتماع في جامعة "تاراس شيفتشنكو" بالعاصمة كييف، أوليكساندرا ماتشينكو، قالت للجزيرة نت إن "التهديد الروسي فعل ما لم تفعله الثورة البرتقالية العارمة عام 2004، لأنه أحيا الحس الوطني لدى الأوكرانيين، وجعلهم يشعرون بالخطر على الهوية والأرض والمستقبل".

 

واستشهدت ماتشينكو بتطوع نحو أربعين ألف شخص في جهاز "الحرس الوطني" الذي أعلن عن تشكيله مجلس الأمن والدفاع القومي قبل أشهر لمواجهة أي عدوان روسي محتمل على البلاد، معتبرة أن هذه "الأعداد الكبيرة تدل على الروح الوطنية التي لم تمت".

 

لكن ماتشينكو لفتت إلى شريحة مغايرة برز فيها الحس الوطني الموالي لروسيا، استنادا إلى الارتباط معها بالتاريخ والثقافة والاقتصاد والمجتمع، وخاصة في القرم وأقاليم ومدن شرق البلاد، لكنها رأت أن نسبتها لا تتعدى 5-10%، وأن وسائل الإعلام الروسية تضخمها وتدعمها لأهداف تخدم سلطات بلادها.

 

وقالت إن "روسيا باتت عدوة بنظر الكثير من الأوكرانيين، ولكن ما قامت به سلطاتها أحيا فيهم حب الوطن والانتماء له، الأمر الذي غاب بسبب الانشغال بالعمل والكسب والدراسة فقط، أو عدم المبالاة واستشعار المسؤولية، وكذلك لعدم توقع أي عدوان، والتاريخ يؤكد أن النصر في النهاية حليف للوطنيين أصحاب الحقوق وطلابها"، على حد قولها.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك