-1/16-

أرض بوليفار.. المختلفة

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

سيمون بوليفار.. شخصية ثارت على الاحتلال الإسباني فحرر بلاده وأقام كولومبيا الكبرى، وتوسعت ثورته حتى حرر عددا من بلدان قارته اللاتينية، ولهذا أطلق عليه "جورج واشنطن أميركا اللاتينية"، ومن حينه شكل الرجل في وجدان قارته نموذجا للثورة على الاحتلال الأجنبي.

 

وبعد عقود طويلة تعود روح بوليفار إلى قارته، فرغم بعد الشقة بينها وبين الأرض المقدسة تنتصر شعوب بوليفار غضبا لشهداء غزة الذين قضوا تحت آلة القتل والبطش الإسرائيلية، رفضا لمبدأ الظلم والاحتلال.

 

ولمن يحكمون بلاد بوليفار معيار خاص في الدبلوماسية، لا يلقون بالا لمدللة العالم ولا لمن يدللها، ويردون على الإجرام الإسرائيلي بدبلوماسية قاسية تمنتها غزة من الأقربين.

 

ولشعوبهم قدم أحفاد بوليفار في سدة الحكم نماذج تسره وتسر شعوبهم، فقدموا حاجة فقراء البلاد في أولويات برامجهم، ونزلوا إليهم في أحيائهم وعشوائياتهم ببساطة ودون تكلف، عايشوهم وحموهم من سطوة أصحاب المال.

 

لأسباب كثيرة تستحق أرض بوليفار إلقاء الضوء عليها والاقتراب منها لقراءتها بقلوب واعية، منها: أن العالم لا يدور في فلك واحد، وأن ثمة من يملك قراره على هذه الأرض، وأن المستضعفين في الأرض قد يجدون من يتكئون عليه حتى وإن لم يكن من أصحاب القوة المدمرة، أو سحر الفيتو في مؤسسات العالم.

 

وتبقى إضاءة سريعة في هذا العدد على قارة غنية بما يقال عنها، ونماذجها كثيرة سياسيا وثقافيا واقتصاديا، لعلنا نتناول بعضا منها في أعداد لاحقة بعمق أكبر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

 

غدير أبو سنينة - نيكاراغوا

رغم أن معاداة الإمبريالية نمط سياسي وثقافي قديم في أميركا اللاتينية فإن مواقف عدد من دول القارة تجاه الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة كانت لافتة وصوتها عال، وحملت الاحتلال الإسرائيلي هزيمة دبلوماسية وسياسية فوق هزيمته العسكرية والأمنية.

 

أميركا اللاتينية -أرض سيمون بوليفار الثائرة على الاحتلال الأجنبي قديما، المناصرة للمستضعفين حديثا -تستحق التوقف عندها في ملف خاص -أعدته مراسلتنا غدير أبو سنينة- يلقي شيئا من الضوء عليها في عجالة.

 

يعرفنا تقرير بالعالم اللاتيني وأحفاد بوليفار السائرين على خطاه، مدخلا للحديث عن النظرية الاشتراكية التي تبنتها القارة منذ عقود، وعادت لها اليوم بقوة تقارع بها سطوة الإمبريالية اقتصاديا وسياسيا، وكيف تمددت هذه السياسة لعالمنا العربي وقضاياه.

 

ونتعرف في تقرير آخر كيف جسدت أنظمة الحكم في القارة رؤى وتطلعات الروائي الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز بشأن الفقراء وحقهم في الحياة بكرامة على أرضهم، وهو ما يصبغ برامج هذه الحكومات اليوم في القارة. 

 

وللفن والثقافة اللاتينية مساحة في هذا الملف، حيث تعرف العالم الثقافي مبكرا على إبداعات أبناء هذه القارة، وحفظ أسماء لامعة في عالم الثقافة الإنسانية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

رحلة في دول أميركا اللاتينية

رحلة في دول أميركا اللاتينية

 

أنطونيو سينفويغو

 

الكثير من تفاصيل قارة أميركا اللاتينية مجهول لدى معظم القراء العرب، ربما نظرا لبعدها جغرافيا، وغيابها سياسيا لعقود طويلة عن قضايا المنطقة العربية، وهذه جولة سريعة للتعريف بدول القارة التي يسلط هذا الملف الضوء عليها بعد اقترابها سياسيا من قضايا المنطقة، خاصة موقف عدد من دولها تجاه الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

 

المكسيك

تقع المكسيك شمال أميركا اللاتينية، وتبلغ حدودها المشتركة مع الولايات المتحدة 3243 كيلومترا، هذه الحدود المسكونة بحوالي أربعة ملايين نسمة تكاد تكون الوحيدة في العالم التي تتعايش فيها اللغتان الأكثر انتشارا في العالم: الإنجليزية والإسبانية، الأمر الذي أوجد ما يسمى اليوم "الإسبانجلش"، هذا الاندماج بين اللغتين يصبح محدودا كلما اتجهنا جنوبا نحو غواتيمالا وبيليس، أما عدد سكانها فيصل لما يقرب من 120 مليون نسمة.

 

حصلت على استقلالها من إسبانيا في 16 سبتمبر/أيلول 1810، أي منذ 204 سنوات، واشتعلت فيها عام 1910 الثورة التي أطاحت بالدكتاتور بورفيريو دياس، فأصبحت دولة ديمقراطية وليدة، أبقت الحزب الثوري التأسيسي في السلطة لأكثر من 72 عاما كانت كافية لتحويله إلى حزب مستبد.

 

عرفت المكسيك أيضا من خلال كاتبها الأشهر الشاعر أوكتافيو باث الذي حاز جائزة نوبل في الآداب، وهي البلاد التي احتضنت أكبر حضارتين سبقتا الغزو الإسباني للقارة: الأزتيك والمايا.

 

من جانب آخر، اشتهر الفن المكسيكي في العالم أجمع بفضل أهم رساميه كدييغو ريفيرا وفريدا كاهلو ودافيد ألفارو سيكيروس، وموسيقييه أمثال خوسيه ألفريدو خيمينيس، وفيسنتي فرناندس.

 

تمر المكسيك حاليا بأزمة سياسية بسبب قضايا تهريب المخدرات وفشل سيادة القانون المتمثل بمائتي ألف جريمة قتل خلال السنوات الست الأخيرة.

 

غواتيمالا

 

أول بلد في أميركا الوسطى تنتشر فيه التعددية اللغوية كالمكسيك، وتعتبر اللغة الإسبانية لغة البلاد الرسمية إضافة لـ23 لغة يتحدثها السكان الأصليون كلغات المايا والخنكا والغاريفونا، وهذه الأخيرة يتحدث بها السكان المنحدرون من أصول أفريقية في قسم الكاريبي "إيسابال".

 

أعلنت غواتيمالا استقلالها عام 1821، وعادت لفترة قصيرة استمرت ثلاث سنوات للإمبراطورية المكسيكية الأولى التي انحلت عام 1824، ونتج عن ذلك دستور أميركا الوسطى الجمهوري الاتحادي الذي أصبحت غواتيمالا جزءا منه حتى عام 1839، وهو العام الذي تفككت به غواتيمالا ثم تشكلت من جديد كدولة مستقلة.

 

غواتيمالا إحدى جمهوريات الموز،  هذا المصطلح يستخدم لوصف البلدان الصغيرة الفقيرة والمتخلفة والتي تسيطر عليها حكومات غير مستقرة.

 

الحرب الأهلية الغواتيمالية أو "الصراع المسلح الداخلي" كما اصطلح على تسميته مؤخرا كان صراعا طويلا استمر ما بين العامين 1960 و1996 في إطار الحرب الباردة بين الكتلة الرأسمالية للولايات المتحدة والكتلة الشيوعية للاتحاد السوفياتي، والذي كان الصراع الأطول في تاريخ أميركا اللاتينية وأكثرها دموية.

 

سكنت حضارة المايا غواتيمالا، ويعتبر التيكال من أبرز معالمها الأثرية.

 

حازت مرتين على جائزة نوبل: واحدة في الآداب وكانت من نصيب الكاتب ميغيل آنخل أستورياس، والثانية للسلام وكانت من نصيب زعيمة الحركات الهندية في البلاد ريغوبيرتا مينشو.

 

ما زالت غواتيمالا تعاني من تجارة المخدرات كالمكسيك، الأمر الذي يؤثر في السياسة والمجتمع الذي يعاني من عدم الاستقرار كونها أصبحت من أعنف البلاد في العالم.

 

العلم الكولومبي على وجه مشجع لكرة القدم (غيتي)

الهندوراس

تحدها غواتيمالا والسلفادور ونيكاراغوا، حصلت على استقلالها من إسبانيا كسائر بلدان أميركا الوسطى عام 1821، وأصبحت جزءا من الإمبراطورية المكسيكية، ثم جزءا من جمهورية أميركا الوسطى الاتحادية عام 1824.

 

في تاريخها الحديث شهدت انقلابا عسكريا في يونيو/حزيران 2009 نتج عنه إزاحة الرئيس مانويل سيلايا، مما أدى إلى عدم استقرار سياسي واجتماعي.



 تعتبر الهندوراس بلدا سياحيا بسبب طبيعة جغرافيتها من تنوع شواطئها المطلة على الكاريبي.

 

على المستوى الثقافي، تراجعت الهندوراس بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية غير المستقرة، ومع هذا فقد أسس بعض أدبائها وفنانيها مجموعات مستقلة تنطلق من مقاومة ومعارضة الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة.

 

السلفادور

مرت السلفادور بالمراحل  نفسها التي مرت بها بلدان أميركا الوسطى للحصول على استقلالها حتى تشكلت كدولة عام 1841، هي أصغر دول أميركا الوسطى بمساحة لا تتعدى 21 ألف كيلومتر مربع، وهذا ما يجعلها في الوقت ذاته الأكثر اكتظاظا بالسكان بعدد سكان يبلغ 290 نسمة لكل كيلومتر مربع.

 

في تاريخها الحديث عاشت البلاد واحدة من أطول حروب العصابات في أميركا اللاتينية والناتجة عن الحرب الباردة كأغلب البلدان الأخرى، وقعت الحرب الأهلية فيها بين 1980 و1992، منتهية بتوقيع اتفاقية سلام سمحت بتسريح قوات حرب العصابات وإدماجها في الحياة السياسية للبلاد.

 

تسببت الحرب فيها بهجرة الملايين من أبنائها للولايات المتحدة، وهناك شكل بعض المهاجرين عصابتين تعتبران الأعنف في العالم، هما عصابتا الـ"لا باريو 18" و"لا مارا سلفاتروشا 13"، تشكلان مجتمعتين حوالي مائتي ألف عضو، تم ترحيل بعض أعضائهما للسلفادور في التسعينيات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، لتتضاعف أعدادهم فتهيمن على ثلاثة بلدان في المنطقة مسببة المشكلة الاجتماعية الكبرى التي تواجه السلفادور اليوم.

 

نيكاراغوا

توالت عليها حكومات محافظة لثلاثة عقود حتى نهاية القرن الـ19.



 في القرن العشرين -وكأغلبية بلدان أميركا الوسطى- خضعت لسيطرة حكومة دكتاتورية خاضعة للولايات المتحدة.



حكمت عائلة سوموزا البلاد بشكل مستبد منذ عام 1934 وحتى 17 يوليو/تموز 1979، وجمعت خلال فترة حكمها ثروة كبيرة قبل أن تطيح بها الجبهة الساندينية للتحرير الوطني خلال الثورة الساندينية التي تعتبر من أهم ثورات أميركا الوسطى، إذ امتلكت القوة العسكرية الأضخم في المنطقة بدعم من الاتحاد السوفياتي.

 

يذكر أن واحدا من أبناء هذا البلد يعتبر من أهم شعراء اللغة الإسبانية في القرنين الأخيرين، وهو روبن داريو، وحاليا تعرف نيكاراغوا بشاعرها الأب إرنستو كاردينال.

تقاليد في بوليفيا لتقديم الطعام على قبور الأقارب (أسوشيتدبرس)

 

كوستاريكا

 

هي آخر البلدان التي تنتمي لجمهورية أميركا الوسطى الاتحادية، وبهذا فهي تشترك مع تلك البلدان بالتاريخ.



تعتبر من أكثر البلدان ديمقراطية، فبحلول عام 1948 ألغت الدولة الجيش منضمة بذلك إلى عدد قليل من بلدان العالم التي لا جيش لها.

 

معروفة بجهودها في الحفاظ على البيئة، محققة المرتبة الخامسة على مستوى عالمي والأولى في القارة الأميركية في هذا المجال، إضافة إلى تطورها على المستوى الصحي وارتفاع مؤشر التنمية بها، ومشاركة المرأة في مختلف المناصب السياسية، ولذلك يطلق عليها "سويسرا أميركا اللاتينية".

 

أما بالنسبة للمنتج الأدبي فهو متواضع مقارنة بغيرها من بلدان المنطقة، مع هذا فهناك الكثير من الأسماء المثيرة للاهتمام كالشاعر إونيسه أوذيو.

 

بنما

 

نستطيع القول إن بنما هي الدولة الوحيدة في أميركا الوسطى التي لا تنتمي لها بل لكولومبيا العظمى.


 في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1821 اتخذ أعضاء حكومة بنما قرار الانضمام طوعا لكولومبيا العظمى، وهي دولة قديمة منقرضة كانت تشكل كولومبيا الحالية والإكوادور وفنزويلا وبنما، ولاحقا انضمت إلى جمهورية غرناطة القديمة.

 

وهكذا بالتوالي وخلال القرن الـ19 انضمت إلى كولومبيان حتى انفصالها عنها نهائيا عام 1903 كما تقتضي مصالح الولايات المتحدة التي كانت تأمل ببناء قناة بنما.



منح رئيس بنما بوناو فاريا الولايات المتحدة حقوق القناة الدائمة والكثير من الامتيازات، وبسبب أهمية القناة أصبحت بنما واحدة من أكثر بلدان العالم تطورا في أميركا الوسطى، حيث يرتفع معدل نموها البشري.

 

كولومبيا

الدولة الأولى في أميركا اللاتينية، بعد استقلالها عن إسبانيا كان سيمون بوليفار يحلم بتوحيدها، وهذا الحلم الذي قاده إلى كولومبيا العظمى التي أصبحت لاحقا أربعة بلدان مختلفة توحدت في غرناطة الكبرى التي سميت بالاتحادية الغرناطية، وفيما بعد الولايات المتحدة الكولومبية ثم جمهورية كولومبيا حتى عام 1886.

 

في القرن العشرين مرت كولومبيا بعدة مراحل من عدم الاستقرار السياسي، ففي عام 1964 ولدت القوى المسلحة الثورية الكولومبية، وفي عام 1965 أنشئ جيش التحرير الوطني، وفي عام 1967 جيش التحرير الشعبي، وفي عام 1984 الحركة الهندية كينتين لامي، وفي عام 1970 الـ"م19".

 

معظم هذه الحركات كانت مدعومة من الحزب الشيوعي الكولومبي، ويشار إلى أن تجارة المخدرات انتشرت في هذا البلد، ومن أشهر أسماء الذين أثروا في هذا المجال بابلو إسكوبار الذي كان له نفوذ قوي في كولومبيا.

 

أما من الناحية الثقافية فلا أشهر من الروائي غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للآداب، والرسام فرناندو بوتيرو، وغيرهما.

 

فنزويلا

انتمت فنزويلا أيضا إلى كولومبيا الكبرى حتى أصبحت جمهورية عام 1831.



 تمتعت خلال القرن العشرين باقتصاد قوي في المنطقة بسبب الطفرة النفطية في أراضيها، في حين تمتعت عملتها بقيمة قوية مقابل الدولار، ولديها الآن أكبر احتياطي نفطي في العالم، مع هذا فلم يتحقق لديها الاستقرار الاجتماعي بعد.

 

في عام 1999 تولى هوغو شافيز السلطة محدثا الكثير من التغيرات الاجتماعية بالبلاد وأوجد حالة تهدف إلى المساواة، ولم يستطع خليفته نيكولاس مادورو حتى الآن أن يحافظ على السياسات الاجتماعية لسلفه، ولذلك فلا عجب من أن تكون كراكاس أحد أعنف المدن في العالم.

 

من ضمن الأسماء اللامعة في سمائها الأدبية: الشاعر والفيلسوف والعالم اللغوي أندرس بييو، والروائي رومولو غاييغوس.

أكبر تمثال للسيد المسيح في العالم على قمة جبل في ريو ديجانيرو بالبرازيل (غيتي)

 

الإكوادور

 

هي ثالث الدول التي استقلت عن كولومبيا العظمى، وأصبحت جمهورية عام 1830.



تقع في أقصر غرب أميركا الجنوبية التي تحدها بنما وكولومبيا، فيها نسبة كبيرة من الأنهار وتتمتع بتنوع بيولوجي، إذ يوجد فيها عدد لا يحصى من الأنواع النباتية والحيوانية، وهي الدولة الوحيد في القارة التي يحتوي دستورها على بنود تحافظ على البيئة.



منذ عام 2006 أصبحت الإكوادور رمزا للديمقراطية الاشتراكية متمثلة برئيسها رافاييل كوريا ذي الاتجاه اليساري.

 

وعلى صعيد الأدب، يعتبر الروائي خورخي إيكاسا (1906-1978) أشهر الكتاب الإكوادوريين بروايته "واسيبونغو" التي تحولت إلى عمل عالمي ترجم لكثير من اللغات.

 

بيرو

هي إحدى الدول التي تحوي تنوعا ثقافيا وتراثيا ينتمي إلى فترة ما قبل الغزو الإسباني بعد المكسيك في أميركا اللاتينية، وهي مهد ثاني أكبر إمبراطورية قبل وصول الإسبان، إنها إمبراطورية الإنكا التي تعتبر مواقعها الأثرية من أكثر الأماكن زيارة في العالم، مثل ماتشو بيتشو وخطوط ناسكا.

 

في عام 1821 أعلنت استقلالها عن إسبانيا، ولاحقا تأسست اتحادية البيرو وبوليفيا اللتين انقسمتا إلى بلدين وفقا للدستور عام 1839.



مرت البيرو بفترات حكم عسكري، وفي عام 1968 فرض عليها الحكم العسكري الذي أدخل الكثير من الإصلاحات العميقة والقومية للبلاد، أما الحكم الديمقراطي فقد وصل إليها عام 1980. مع هذا، فقد عاد شبح الدكتاتورية للظهور عام 1990 متمثلا بالرئيس ألبيرتو فوخيموري المعتقل الآن بسبب جرائمه ضد الإنسانية، وقد انتهى حكمه عام 2000.

 

من أشهر كتابها الشاعر سيسر باييخو، والروائي ماريو فارغاس يوسا.

 

بوليفيا

بعد حل البيرو وبوليفيا سقطت الأخيرة في حالة مزمنة من الثورات والحروب الأهلية، وتتميز السنوات الخمسون الأولى بعدم الاستقرار السياسي وبوجود تهديدات خارجية مستمرة هددت استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها، مما أفقدها جزءا من أراضيها تدريجيا عام 1883 في "حرب الباسيفيك" ضد تشيلي، وذلك يعني ألا يكون لها منفذ على البحر، وفي عام 1938 انهزمت في "حرب التشاكو" ضد الباراغواي.

 

مرت بوليفيا بسلسلة من الحكومات العسكرية منذ عام 1964 وحتى عام 1982، وبكثير من فترات عدم الاستقرار الاقتصادي في حكوماتها الديمقراطية حتى وصل الرئيس إيفو موراليس إلى الحكم.



وقد تميزت فترة ولايته الأولى (2006-2010) بتماشيه مع سياسة اليسار وتحالفه مع الرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز، والكوبي فيدل كاسترو، إضافة إلى دعمه السكان الأصليين للبلاد، كما أمم شركات النفط والاتصالات السلكية واللاسلكية التي تمت خصخصتها سابقا.

 

من أشهر كتابها ريناتو براذز أوروبيسا الذي كتب روايته "مؤسسو الفجر" عن بوليفيا.

 

متظاهرون أرجنتينيون أمام مبنى البرلمان الأرجنتيني (غيتي)

الباراغواي

هي واحدة من أفقر البلدان في أميركا اللاتينية رغم أنها حققت في السنوات الأخيرة معدلات نمو مشجعة، استقلت عام 1811 كأغلب بلدان أميركا اللاتينية.

 

التاريخ المعاصر للبلد الوليد كان مميزا باقتصاده الذي نما في البداية وحتى ظهور حروب دولية كبرى اجتاحت البلاد، تعاقب سياسات السلطة المناضلة والحروب الأهلية أفرز حكما دكتاتوريا قاسيا، أطيح به لاحقا قبل تأسيس حكم ديمقراطي قائم حتى اليوم.

 

شهدت البلاد أسوأ حرب في أميركا اللاتينية في أواخر القرن الـ19 باسم "التحالف الثلاثي"، حيث حاربت ضد البرازيل والأرجنتين والأوروغواي، وقد خسرت فيها 40% من أراضيها، و70% من سكانها في تشاكو بوريال.

 

البرازيل

هي إحدى أكبر بلدان العالم، تحتل المركز الخامس بالمساحة في العالم، إضافة إلى كونها تحتل 50% من أراضي قارة أميركا الجنوبية، يعتبر الاقتصاد البرازيلي الأكبر في القارة ومنطقة نصف الكرة الجنوبي.

 

تحولت في عام 1822 من مستعمرة برتغالية إلى إمبراطورية، وفي عام 1889 أصبحت جمهورية، وكغيرها من دول أميركا اللاتينية لم تسلم من الحكم العسكري للبلاد، ففي عام 1964 تمرد الجيش البرازيلي على الرئيس جواو جولارت بدعم من حكومة الولايات المتحدة، وفي ليلة 31 مارس/آذار 1964 حدث انقلاب عسكري استمر عشرين عاما.

 

في التاريخ الحديث أظهرت البرازيل تطورا اجتماعيا ملموسا حدث عن طريق الانتقال السلمي للسلطة إلى الرئيس الأسبق لويس إغناسيو لولا دا سيلفا الذي انتخب عام 2002، وأعيد انتخابه عام 2006، وفي ولايته وصلت البرازيل إلى حالة من الاستقرار السياسي، وفي عام 2010 أصبحت الرئيسة ديلما روسيف أول امرأة منتخبة للرئاسة.

 

من أشهر كتابها الشاعر ماتشادو دي أسيس، والروائي باولو كويلو.

 

الأوروغواي

واحدة من أصغر بلدان أميركا الجنوبية وأقلها تعدادا للسكان، إذ يبلغ عدد سكانها أقل بقليل من ثلاثة ملايين نسمة، على عكس البرازيل جارتها الشمالية، كما يطلق عليها اسم "جمهورية الأوروغواي الشرقية". وبحسب الأمم المتحدة، هي البلد الأميركي اللاتيني ذو أعلى نسبة محو أمية.

 

وطبقا لدراسة أجرتها منظمة الشفافية الدولية، فهي ثاني بلد (بعد تشيلي) بمعدل فساد منخفض. ووفقا لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، تعتبر الأوروغواي منذ عام 1980 ثالث بلدان أميركا اللاتينية (بعد الأرجنتين وتشيلي) ذات مؤشر تنمية بشرية مرتفع.

 

بعد استقلالها عن إسبانيا كانت جزءا من الإمبراطورية البرازيلية لفترة قصيرة قبل أن تؤسس كجمهورية، خضعت تحت الحكم العسكري منذ عام 1973 حتى 1985 حين عادت الديمقراطية الحزبية.

 

وفي عام 2004 كان الرئيس تاباري فاسكس أول من يتولى حكم البلاد من الحزب اليساري، وخلفه واحد من أعظم ساسة أميركا اللاتينية خوسيه موخيكا الذي أثر في كثير من سياسيي العالم لتطابق أقواله وسياسته مع أفعاله.

 

آثار قديمة في جبال قريبة من سانتياغو بتشيلي (أسوشيتدبرس) 

الأرجنتين

 

هي واحدة من أكبر دول أميركا اللاتينية وأقربها للجنوب.



اسم الأرجنتين مشتق من كلمة لاتينية تعني "فضة"، وهو مرتبط بأسطورة "سييرا دي لا بلاتا" المعروفة لدى الغزاة الأوروبيين الأوائل -من إسبانيين وبرتغاليين- أطلقوا اسم "ريو دا براتا" أو "ريو دي لا بلاتا" على مصب النهر الذي اكتشفه البرتغاليون الغزاة عام 1502.

 

في القرن العشرين كان للبيرونية أهمية كبيرة في البلاد بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية على مدى القرن بدءا من الأربعينيات وانتهاء بسلسلة من الدكتاتوريات حتى عقد السبعينيات، حيث عادت الدكتاتورية في شكل الرئيس رافاييل فيديلا لتكون فترة حكمه واحدة من أعنف الدكتاتوريات في أميركا اللاتينية، وفي تلك الحقبة فقد آلاف الأشخاص ومن بينهم حفيدة الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان أحد أعظم شعرائها في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

تشيلي

 

تقع أقصى جنوب قارة أميركا الجنوبية، تقريبا مقابل القارة القطبية الجنوبية.

 بدأت مراحل استقلالها عام 1810 مع موجة استقلال بلدان أميركا اللاتينية وانتهت عام 1818.

 

تتميز تشيلي بتولي الحكومات المحافظة السلطة فيها، ومع هذا ففي عام 1970 كانت الدولة الأولى التي ينتخب بها رئيس ماركسي (سلفادور ألليندي) ديمقراطيا قبل أن يطيح به الحكم العسكري عام 1973 متمثلا بأوغستو بينوتشيه الذي وصل إلى سدة الحكم بدعم من الولايات المتحدة، وكانت فترة حكمه من أسوأ فترات الدكتاتورية وأطولها في أميركا اللاتينية قبل أن تنتهي عام 1988.

 

صحيح أن البينوتشية سادت فترة طويلة، لكن تشيلي الآن محكومة بحكومة يسارية حديثة، وهي البلد الأكثر تطورا في أميركا اللاتينية على نهج ليبرالي حديث ورأسمالية لطالما تعرضت للنقد من بعض فئات المجتمع.

 

تشيلي هي بلد الشعراء العظام في العالم، نذكر منهم: بابلو نيرودا، نيكانور بارا، وراؤول سوريتا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

الحضور اللاتيني في المشهد العربي

الحضور اللاتيني في المشهد العربي

 

نبيل خليل
 صحفي وكاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية

 

كان للمواقف الملفتة التي صدرت مؤخرا عن جنوب القارة الأميركية تجاه القضايا العربية وفلسطين صدى واسع في أوساط المتابعين للتحولات المتسارعة في تلك المنطقة منذ انهيار منظومة الدكتاتوريات العسكرية التي حكمت تلك البلدان بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الإسرائيليين، واستبدالها بمنظومة أخرى تتألف في غالبيتها من قوى المعارضة، التي تعرضت للملاحقة والقمع والتنكيل طوال عقود من الزمن دون أن تفقد قدرتها على التنظيم والتأطير والتفاعل مع الحراك الشعبي وحلفائه الطبيعيين من حركات التحرر في العالم، وصولا إلى زمام الحكم .

 

نشأ السواد الأعظم من الأحزاب والمنظمات السياسية للتشكيلات الجديدة الحاكمة في مرحلة الحرب الباردة، وسط انتشار حركات التحرر والاستقلال في بلدان آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، مما أحدث نوعا من التعاطف والتضامن الواضح فيما بينها، تجسد بعضها في مواقف كوبا المبكرة من القضية الفلسطينية، وطرد السفير الإسرائيلي في بداية السبعينيات، ثم تبعتها في ذلك نيكاراغوا مع انتصار الثورة الساندينية. وقد تميز هذا القرار الأخير بانطلاقه ولو جزئيا من مصلحة وطنية ذاتية نبعت من دعم الإسرائيليين المطلق بالعتاد والسلاح والخبراء لدكتاتورية سوموزا حتى سقوطه.

 

ثم أخذت هذه الدائرة من التفاعلات الداخلية تتسع وتتخذ أبعادا مشابهة بعد محاولة الانقلاب التي تعرض لها الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز في أبريل/نيسان 2002، حين ثبت له تورط تل أبيب في تلك المحاولة، فأقفل السفارة الإسرائيلية ضمن أجواء التضامن مع فلسطين، ثم تبع ذلك قرار الرئيس الحالي إيفو موراليس بطرد السفير الإسرائيلي احتجاجا على اعتداءات إسرائيلية مشابهة، ولكن بعد تيقنه من تورط الاستخبارات الإسرائيلية وعملائها في محاولة الانفصال التي شهدتها بوليفيا في تلك المرحلة.

 

مظاهرة حاشدة في العاصمة الفنزويلية للتضامن مع غزة (الأوروبية)

 

تنطبق هذه الرؤية لتوافق المصالح المشتركة تجاه الموقف من تل أبيب على جوانب سياسية أخرى تتمثل في الانتماءات الاجتماعية للأحزاب السياسية المتصارعة على السلطة في تلك المنطقة. فإذا أخذنا بالاعتبار أن الفئات المهمشة والمحرومة من منظومة القوى التي تسلمت زمام الحكم في المنطقة، أصبحت أكثر التزاما بقضايا المواجهة مع القوى المحلية المعادية لها، وعلاقاتها الاقتصادية العضوية مع الولايات المتحدة وحلفائها، ندرك منطقية تنامي المظاهرات الشعبية المؤيدة لفلسطين، وانعكاساتها على المواقف الرسمية لتلك الدول، التي اتجهت نحو تعميق علاقاتها مع الدول العربية عبر السياسة والاقتصاد.

 

وقد ظهرت في هذا الاتجاه مجموعة من المبادرات الحسية الملموسة التي لم تقتصر على زيارات قام بها الرئيس هوغو تشافيز وغيره من رؤساء المنطقة إلى عدد من الدول العربية النفطية وغير النفطية، بل تعدت ذلك إلى إقامة مؤتمرات لرجال الأعمال العرب واللاتينيين عقدت في عواصم من المنطقتين، كما أقيمت مؤتمرات ومنتديات مشابهة لما اتفق على تسميتهم بالبرلمانيين اللاتينيين من ذوي الأصول العربية. بالإضافة إلى التفاعل مع مؤسسات الجاليات العربية والفلسطينية الفاعلة في القارة والتي يعرف من أبرزها اتحاد المؤسسات العربية (الفيآراب).

 

ربما كان لتنسيق المواقف السياسية في المحافل الدولية دور خجول يتوافق مع المساعي الهادفة إلى تعزيز الروابط الاقتصادية بينها، وقد ساهم في المسألتين تعارض في الوجهة السياسية للمنطقتين، فالدول العربية الغنية بمصادر النفط تدور في الفلك الاقتصادي الأميركي، بينما تسعى دول أميركا اللاتينية في منظومتها الجديدة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال التحرر من التبعية التقليدية للشركات والبنوك الدولية الكبرى، التي كانت وما زالت في كثير من الحالات تسيطر على السواد الأعظم من المقدرات المالية والاقتصادية للمنطقة.

 

قد يشكل هذا التعارض في الوجهات السياسية والاقتصادية العائق الأبرز أمام تطوير العلاقات المشتركة والتأثير المتبادل بين المنطقتين، مع أن التشابه البالغ في ظروفها الاقتصادية يبقى الحافز الأبرز الذي يمكن البناء عليه لتعزيز التحالفات الدولية المناهضة لسياسات الهيمنة الاقتصادية، التي استنزفت وما زالت تستنزف الثروات الطبيعية الهائلة المتوفرة في المنطقتين، وساهمت في إفقار شعوبها وتعميق الفجوات الاقتصادية والتناقضات السياسية بين فئاتها الاجتماعية، وألحقت بأجيالها الكثير من مصائب الجهل والتنكيل والحروب الداخلية التي عاثت خرابا لعقود مضت بين دول القارة الأميركية، وما زالت تحصد أرواح مئات الآلاف من المواطنين العرب في معارك وحروب عبثية.

 

فلسطينيون ومواطنون بوليفيون يتظاهرون تأييدا لغزة في بوليفيا (رويترز)

 

كما ساهم في التراجع العضوي الحاصل في العلاقة بين المنطقتين والتأثير المتبادل بينهما، مما أصاب الأحزاب والحركات القومية واليسارية والوطنية من نكسات متتالية منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي،  ثم تعاقب الانهيارات التي تعرضت لها بعد انتهاء الحرب الباردة وحروب الخليج الأولى والثانية، وتعاظم الدور الأميركي في مرحلة استفراد القطب الواحد، وما تبع ذلك من حملات تصفية شلّت أركان السواد الأعظم من تلك الأحزاب، بل جعلت الكثير من كوادرها ينخرطون في العمل السياسي، ضمن أحزاب أصولية وأخرى علمانية ليبرالية ويوجهون طاقاتهم في الاتجاه المعاكس.

 

نرى في المقابل أن المنظومة السياسية الحاكمة في جنوب القارة، تتجه نحو تعزيز تحالفاتها الاقتصادية من خلال مجموعة من المؤسسات القارية البعيدة عن الولايات المتحدة كما هي حال "الميركو سور" و"السيلاك" و"الألبا" وغيرها من التجمعات الهادفة إلى تعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي والسياسي بين تلك الدول.

 

كما نرى على المستوى الخارجي أنها أخذت تنوع في علاقاتها الاقتصادية الخارجية بعيدا عن روابطها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك بتطوير صفقاتها التجارية والصناعية مع روسيا والصين وغيرها من الدول، التي أقامت معها تجمعات من نوع جديد كمجموعة البريكس وغيرها، مما يشكل مزيدا من التباعد النسبي في الوجهة بين المنطقتين.

 

وتساهم في التفاعلات الجارية بين المنطقتين مجموعة من العناصر الأخرى، والتي تنطلق من الظروف الذاتية الواعدة في جنوب القارة الجديدة، فعلى المستوى الاقتصادي نلاحظ مزيدا من الاستثمارات المالية والبشرية العربية  في المنطقة، وذلك نتيجة تنامي الأوضاع الاقتصادية الواعدة هناك مقابل تراجع الظروف الأمنية في بلادنا.

 

فلسطيني في مظاهرة تندد بالعدوان الإسرائيلي على غزة في العاصمة الفنزويلية كراكاس (الأوروبية) 

 

ورغم انحسار هذه الاستثمارات في المجالات التجارية وأسواق السلع وحدها، فإن حضورها البشري -رغم عدم تنظيمه الفاعل- يشكل عاملا مساعدا في تقارب المواقف اللاتينية تجاه القضايا العربية، ولا يقتصر ذلك على نشطاء الجاليات العربية فحسب، بل تُحوّل تجمعات المهاجرين إلى جزء من مخزون الاستقطاب الحزبي في الحراك السياسي الداخلي لتلك البلدان.

 

رغم ذلك لا بد من الإشارة في المقابل إلى أن الاستثمارات الأميركية والإسرائيلية ما زالت تحتل المرتبة الأولى في تلك البلدان، وهي على خلاف الاستثمارات التجارية الخجولة للجاليات العربية في المنطقة، تعتمد في عملها على المصارف والشركات الصناعية الكبرى.

 

وتشكل في بعضها عمادا أساسيا في الصناعة والتجارة الإقليمية والدولية، كما هي حال الصناعات العسكرية الإسرائيلية في كولومبيا التي قد تعتبر الصناعة الأبرز في البلد، بل من الأنشط في المنطقة، لما تمثله تجارة الأسلحة من تأثير اقتصادي وسياسي على مسار الأحداث السياسية في العالم.

 

لكن انحسار النزاعات العسكرية والحروب الداخلية التي كانت تشهدها كولومبيا وعدد من بلدان أميركا الوسطى وتوقف النزاعات العسكرية الحدودية بين بلدان أميركا الجنوبية، مترافقا مع غياب شبح الحرب، إلى جانب نهوض التنمية الاقتصادية، أخذ يساهم في تراجع النفوذ الأميركي والإسرائيلي معا، مقابل التحسن في أداء التفاعل البشري الذي تسجله التحالفات الشعبية مع ذوي المصالح المشتركة من أبناء المنطقتين، وفي طليعتهم نشطاء الجاليات العربية الذين تحولوا إلى مواطنين لاتينيين من أصول عربية بامتياز.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

رؤى ماركيز الملهمة لفقراء "اللاتينية"

رؤى ماركيز الملهمة لفقراء "اللاتينية"

 

بيذرو آنخل بالو
أستاذ العلوم السياسية والدراسات اللاتينية الأميركية 

 

تنمو قارة أميركا اللاتينية بوتيرة أعلى من باقي البلدان، لكن هذا النمو لا يشمل جميع الطبقات الاجتماعية، فلا تزال طبقة الأثرياء تحتكر الجزء الأكبر من الثروة، فيما تشكل فئة الفقراء الأغلبية بين سكان القارة.

 

معدلات الفقر تنخفض، لكن ما زال 167 مليون إنسان (28% من السكان) يعيشون تحت خط الفقر وأوضاعهم متردية (التخلف، ونقص التعليم، وتبجيل النزعات الاستهلاكية)، بينما يستحوذ 10% من السكان على 37% من الدخل، والـ40% الأكثر فقرا يحصلون على 15%.

 

هذه المعلومات ليست عبثية، وتعني أن توزيع الثروة متفاوت وسط هذا النمو، وأن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا، وقد شرح هذا في كتاب "رأس المال" لتوماس بيكتي، وهو كتاب ذائع الصيت عن الاقتصاد العالمي، يبين فيه المؤلف أن هذا الأمر لا ينحصر فقط في أميركا اللاتينية بل ينذر بخطر في العالم كله.

 

حدث النمو وفقا للجنة "سيبال" بنسبة 3.1%، فيما معدل النمو العالمي هو 2.1% حيث إننا أعلى من المتوسط العالمي بنقطة، وهو أمر جيد على أي حال، لكن هل نحن بعيدون عن التحولات الاقتصادية في العالم؟  


الأزمة العالمية وركود اليورو يضرباننا بعمق، ومما قاله رئيس البنك القومي في المكسيك أوغستين كارستنز عن الأزمة العالمية عام 2008 "هناك رشح قوي، وهنا زكام خفيف"، مقللا من تأثيرات الاقتصاد العالمي، ووصف ما يحدث بأنه كذبة.

 

واحد من المشاهد المنتشرة في هندوراس حيث تعيش نسبة كبيرة من الشعب تحت خط الفقر (الأوروبية)

 

ما يحدث في الخارج يؤثر علينا لأننا نعتمد بشكل كبير على صادراتنا وميزاننا التجاري ضعيف"" إحدى الإجابات ربما الأكثر دقة عن سؤال: لماذا ننمو بهذا الشكل الكبير وسط التغيرات الإقليمية في أميركا اللاتينية حاليا؟

 

كانت قارتنا في ثلاثينيات القرن الماضي ريفية إلى حد ما، أما الآن فإن 80% من شعوبها يعيشون في المدن، وهي نسبة لا توجد في أي مكان في العالم، مما يجعلنا ننتمي لمنطقة هي الأكثر تحضرا في العالم.

 

وفي تقريرها عن السكان والأراضي والتنمية المستمرة تشير "سيبال" مرة أخرى إلى أن ثلثي اللاتينيين يعيشون في مدن تبدأ من عشرين ألف نسمة. وعليه، فإن ثمانية من عشرة لاتينيين يعيشون في المدن.

 

الريف -الحصن المفترض للهوية اللاتينية في القرن الـ19- أصبح مهجورا بشكل عملي، غير أن سياسات الاقتصاد الزراعية تتقدم، ونجاح النموذج البوليفي بهذا المعنى يستحق دراسة جانبية، لكن البرازيل أيضا طورت سياساتها بشكل أساسي، أما مناجم الفحم والطاقة فهي مصادر أساسية في التنمية، كما نلمس ملامح لهذا التطور في البيرو.

 

ثمة مناطق تعاني من البطالة، غير أن دينامية المنطقة تتيح لنا ذكر النقص الكبير بنسبة العاطلين عن العمل عام 2014، ففي المكسيك فقط زاد عدد الموظفين مليون موظف في الأشهر الثمانية الأخيرة.

 

منظر عام لما يسمى مرتفعات الجنة وهي عبارة عن منطقة عشوائية (الأوروبية)

 

أما في البرازيل فإن إعادة انتخاب حزب السلطة والرئيسة ديلما روسيف -رغم كل المشاكل في الجولة الانتخابية الثانية وتهديد بعض الشركات بسحب استثماراتها- عكست تقديرا من الأغلبية للميثاق الاجتماعي الذي ساهم في تأسيسه الرئيس السابق للبرازيل لويس إغناسيو لولا دا سيلفا في هذا البلد بشكل مطرد في السنوات العشر الأخيرة.

 

هذا مهم بالنسبة للبرازيل، لأن الميثاق الاجتماعي للعمال وأصحاب العمل والنقابات والسياسيين أتاح تقدما غير مسبوق، وإن كان المحللون يتحدثون عن تباطؤ العام القادم ونمو بطيء بنسبة 0.4%.

 

وقد أعلنت الرئيسة روسيف أيضا خفض الضرائب كشكل من أشكال إنعاش الاقتصاد، لكن كل الـ"ميركوسور" (تكتل اقتصادي) يعيش صراع التباطؤ نفسه، ولهذا أعلنت رئيسة تشيلي ميشال باشليه برنامجا مشابها، ووافقوا في البيرو على تخصيص 564 مليون دولار من أجل مشاريع تشجع على الاستثمار.

 

بيد أن المعجزة البرازيلية تستحق الدراسة، ففي عام 2007 حينما اختارها "فيفا" لكأس العالم عام 2014 كان اقتصادها ينمو بنسبة 6%، وهذا يعني أن أمرا خارقا قد حدث، ولهذا يحظى الرئيس البرازيلي السابق لولا دي سيلفا بشعبية كبيرة في تاريخ أميركا اللاتينية، فثمة استثمارات كبيرة في الملاعب، ويبدو هذا مرحبا به حتى لو تكبد المنتخب البرازيلي خسارة موجعة في عيون البرازيليين بفارق 7-1 مقابل ألمانيا.

 

لا تعد البنية التحتية في البرازيل حلا في بلد يحتاج للتعليم والمساواة والعمل كأولويات ينبغي تحقيقها، ولا أنكر الصفة المركزية للبرازيل في إنعاش اقتصاد العقد الأخير، لكن أيضا علينا أن نوضح أنها ليست في أفضل أوقاتها اقتصاديا.

 

أحد أوجه الفقر والكثافة السكانية في ريو ديجانيرو في البرازيل (الأوروبية) 

 

اطراد النمو البوليفي في عهد الرئيس إيفو موراليس ذي الأصول الهندية الذي أعيد انتخابه بنسبة 65% من الأصوات في غاية الأهمية، فقد ساهم هو ونائبه غارسيا لينيرا كثيرا في نمو القارة نحو الأفضل، وبينا لنا أنه يمكن لاقتصاد مختلف أن ينمو بشكل مطرد دون الخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي، وأن بلدا هنديا يمكن أن يكون لديه دستور هندي لأول مرة منذ خمسمائة عام.



 في عام 2016 ستستضيف ريو دي جانيرو دورة الألعاب الأولمبية، وستكون الرئيسة ديلما روسيف أمام تحد كبير، وأن تبرهن على أن المونديال لم يجلب الفقر بل جلب أعمالا ضخمة لبلد بحاجة لنمو دائم.

 

في خطابه الشهير حين نال جائزة نوبل تحدث الروائي الكولومبي الراحل غابرييل غارسيا ماركيز  عن العزلة في أميركا اللاتينية محدثا صدى لروايته المعروفة، كان يتحدث عن النهب والقمع والإهمال، وقال إن إجابة اللاتينيين عن هذه الظروف التاريخية التي استمرت خمسمائة عام كانت دوما الحياة "لا الفيضانات ولا الأوبئة ولا المجاعات ولا الكوارث ولا الحروب الأبدية على مدى القرون، هذه القرون التي استطاعت التقليل من أهمية الحياة مقابل الموت.

 

ميزة واحدة تنمو وتتسارع فكل عام هناك 74 مليون مولود في العالم أكثر من الوفيات، معظمهم يولدون في بلدان محدودة الموارد، ومن بينها بالطبع أميركا اللاتينية. في المقابل، فإن البلدان الأكثر ازدهارا تستجمع قوتها التدميرية من أجل القضاء مائة مرة ليس فقط على جميع البشر الذين وجدوا حتى اليوم، بل على مجموع البشر الأحياء الذين مروا على عالم الويلات هذا".

 

ما زالت كلماته باقية إلى الآن كأعماله، وهي لا تتحدث فقط عن إحصائيات مجربة عن المواليد كل سنة، وعن أن أميركا اللاتينية ما زالت قارة فتية حيث معظم السكان أقل من 35 عاما، تتحدث كلماته عن آمال هؤلاء الشباب بالعيش في بلاد أكثر عدالة وأكثر ازدهارا وأقل ظلما.

 

متظاهرة ترفع صورة رئيس بوليفيا أيفو موراليس (يسار)ونائبه لينيرا في مسيرة احتجاجية على العنف ضد المرأة في بوليفيا (الأوروبية)

 

ثمة نماذج نستطيع أن نتبعها مثل ميثاق لولا الاجتماعي، وإدماج إيفو للسكان الأصليين، وقدرة الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز على التحفيز الاجتماعي، ومكافحة الرئيس رفاييل كوريا في الإكوادور عدم المساواة، إنهم يحاولون تعزيز وابتكار تحالفات شعبية وإدماج الأغلبية العظمى من الشعب في الحياة الواقعية، وفي المشاركة السياسية وليس فقط الانتخابية بل الديمقراطية المباشرة.

 

ربما من أجل هذا رمى ماركيز كلماته في وجه الأوروبيين مباشرة لدى إلقائه خطبة نوبل، إذ قال "تفسير واقعنا من خلال أنماط أجنبية يساهم كل مرة في جعلنا مجهولين أكثر وأقل حرية وأقل توحدا، ربما تتكرم أوروبا بتفهمنا أكثر إن حاولت أن ترانا في ماضيها، إن تذكرت أن لندن احتاجت إلى ثلاثمائة عام لبناء أول جدار لها وثلاثمائة عام أخرى لتكون لديها أسقف، وأن السويسريين المسالمين اليوم الذين يفرحوننا بجبنتهم الخفيفة وساعاتهم أدموا أوروبا في القرن الـ16، وحتى في ذروة عصر النهضة دفعت الجيوش الإمبراطورية 12 ألفا من مرتزقة "لانسكنيشت" لتدمير روما، وذبحوا بالسكاكين ثمانية آلاف من سكانها".


وفي تلك اللحظة كان هناك نجاح اقتصادي وحلول محلية وشعبية مختلفة وليست أنماطا أجنبية، لا للمزيد من الأنماط الأجنبية، لأنه كما قال العالم الدومينيكاني بيدرو إنريكيس أورينيا إننا ندفع غاليا ثمن ضرائب المستوردات من الأفكار الغربية.

 

أميركا اللاتينية فريدة، وقصص نجاحها وفشلها الاقتصادي يعتمدان على واقعها الخاص، ومن الواجب دراسة بوليفيا الجديدة بحذر كي نعرف أنه من الممكن أن نخترع أنفسنا من جديد، وننمو ونصبح أكثر عدالة، وهذا هو المقصود: أن يتقهقر الماضي الاستعماري الثقافي والاقتصادي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

الاشتراكية الشعبية وفلسفة الهوية اللاتينية

الاشتراكية الشعبية وفلسفة الهوية اللاتينية

 

إدواردو بشارة
كاتب ومستشار في مجلس النواب الأرجنتيني

 

يختلط مصطلح الاشتراكية بالشعبوية في أميركا اللاتينية. في بعض الأحيان، تفسر الشعبوية بطريقة خاطئة. في هذا المقال سنعتبرها ردة فعل اجتماعية على سياسات السوق الحرة الموضوعة والمدعومة من قبل الولايات المتحدة، التي خلقت إشكاليات في البلدان الفقيرة أو بالأحرى "المهمشة" كعدم المساواة والإقصاء وضياع الهوية.

 

بصفة عامة، تقف الاشتراكية ذات الصبغة الشعبوية ضد النخبوية وتنادي بالعدالة الاجتماعية، إلا أنها تدغدغ العواطف الشعبية كي تصل للسلطة الكاريزمية، وخصوصا أن كثيرا من الطامحين إلى هذه السلطات من النوع القيادي.

 

ومن خلال طبيعتها اللحنية أو البلاغية، تنتج الاشتراكية الشعبوية حراكات ضخمة، تشجع دولة توسعية وشعورا قويا بالالتزام الوطني.

 

مرات كثيرة، يتاح لقائد مَعينٌ لا ينضب من موارد الدولة وينتهي في نهاية المطاف بإبادة التعددية. الزعيم يصبح أقصى تعبير مؤسساتي، مركز الثناء والطاعة العمياء. في هذا المشهد، يزدهر الفساد وتتضاعف البيروقراطية، مولدة خللا جديدا في الطبقات الاجتماعية. في معظم الحالات، يتدمر نظام الإنتاج.

 

هل ثمة علاقة بين الاشتراكية الشعبوية والبحث عن الهوية الأميركية اللاتينية؟ هل البحث عن الهوية الأميركية اللاتينية مرتبط بمناهضة الإمبريالية؟ أفترض أن الأشياء على نحو ما مرتبطة ببعضها.

 

صور ضحايا نظام رافائيل تورجيلو (1930-1961) في جمهورية الدومنيكان ويعد من أشد الأنظمة ديكتاتورية في أميركا اللاتينية (الأوروبية)

 

شيء من التاريخ

 

عام 1912 جاء الغزو الأميركي لنيكاراغوا واستمر حتى عام 1933. هذا الاحتلال أدى إلى عصبة مناهضة للإمبريالية في سان سلفادور. كانت البذرة مزروعة وانتشرت في الأرجنتين وكوبا والبرازيل وأورغواي وبورتوريكو وتشيلي.

 

بعض المفكرين أمثال خوسيه إنخينييروس ومانويل أوغارتي في الأرجنتين، وأنطونيو كاسو وخوسيه فاسكونسيلو في المكسيك، ومانويل غونساليس برادا في البيرو، وخوسيه إنريكي رودو في أورغواي، كانوا ضمن الذين أصبحت لديهم ردة فعل ضد نموذج الثقافة الأميركية وعززوا جذور الهوية الأميركية اللاتينية.

 

الشخصيات السياسية لهذه الحركة كانت خوان بيرون في الأرجنتين، وكارديناس في المكسيك، وفيلاسكو إبارا في الإكوادور، وكالديرون غوارديا في كوستاريكا، ومونيوس مارين في بويرتوريكو، وغيتوليو فارغاس في البرازيل.

 

امرأة في منزلها البسيط في كوستاريكا مؤشر على مدى انتشار الفقر في البلاد (الأوروبية)

 

بعد الحرب العالمية الثانية، كانت حكومة الولايات المتحدة قلقة بشأن الاشتراكية الشعبوية لأنها كانت تنظر لها من خلال وجود حكومة التدخل الأميركي. وضعت وكالة المخابرات الأميركية بالتواطؤ مع الأنظمة الدكتاتورية في أميركا الجنوبية (الأرجنتين وتشيلي والباراغواي والبرازيل والبيرو وفنزويلا وكولومبيا وبوليفيا والإكوادور) ما بين العامين 1970 و1980 "خطة كوندور".

 

قتل في أميركا اللاتينية آلاف العسكريين الذين ناضلوا من أجل أفكارهم اليسارية، مما ترك في القارة جرحا لم يندمل. في الأرجنتين فقط فقد أكثر من 30 ألف شخص. التاريخ لا يزال ينزف.

 

ظهور الديمقراطية في كثير من البلدان كان معاصرا لسقوط جدار برلين، بطريقة جعلت رقعة الشطرنج الجيوسياسية في بداية التسعينيات تتوقف عن طرح موضوع التقسيم بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي. المتعاطفون مع اليسار لم تكن لديهم إمكانية التجمع وراء البلد الوحيد القادر على معارضة الولايات المتحدة.

 

من جهة أخرى، وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة ماكينة حرب متأهبة وحارسة ضد بقية العالم، الذي يجب أن يراقب. ولا بد من ملاحظة أن كلمة "إمبراطورية" لها أصل في اللغة اللاتينية يعني "إصدار الأوامر". والذين يأمرون في هذه الأيام هم أولئك الذين ينتجون أكثر.

 

صورة أرشيفية للرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيس أثناء إحدى حملاته الانتخابية للرئاسة (الأوروبية)

 

أدوات الهيمنة 

 

حصلت الولايات المتحدة على ثلث حصة الإنتاج العالمي. يجب العثور على أسواق -وليكلف ذلك ما يكلف- لفرض منتجاتها وخدماتها على بقية الكون. ماكينة السوق الحرة لا يمكن أن تتوقف عن الدوران. ولهذا بحثوا عن طرق تستهدف أذواق وعادات المواطنين في بقية العالم كي يتحولوا لزبائن محتملين. وبكلمات أخرى، فهموا أنه ينبغي التركيز على الهيمنة الثقافية كوسيلة لتحقيق غايتهم للاستيلاء على السوق.

 

من خلال هيمنة الأقمار الصناعية ومجال الاتصالات استطاعوا نشر منتجاتهم وخدماتهم في العالم، وحولوها للبلدان الأكثر ضعفا أمام الحاجة لاستهلاكها. ومن خلال الإكراه المالي المنتج من القروض بمعدلات ربوية، تمكنوا من إخضاع الدول المهمشة. حولوها لديون اعتمادية بمساعدة ثلاث مؤسسات فوق السلطة القومية: البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي). وبصفتهم دائنين، أثروا (حينما لم يصمموا بشكل كامل) على سياسة تطوير تلك البلدان المديونة.

 

هيمنة الأقمار الصناعية هي نتاج غزو تكنولوجيا الاتصالات. حينما دخلت الأقمار الصناعية المدار، بدأت الولايات المتحدة في إصدار "ميمات" ثقافية قوية لبقية العالم من خلال السينما والموسيقى وغيرها من أسلحة الدعاية. فرضت عبر وسائل الإعلام المنتشرة في كل مكان، معايير ثقافية وجمالية كي تندمج العادات الأميركية في حياة اللاتينيين، ومع هذا الدمج تدخل المنتجات والخدمات المصنعة من قبل الولايات المتحدة.

 

وبحواجزها الحامية المتهدمة، بدأت البلدان بتقليد الطريقة الأميركية في الاستهلاك والعيش. كانت أميركا اللاتينية محملة بوابل من المنتجات والخدمات القادمة من الولايات المتحدة. الهوية الثقافية للأمم دخلت في منطقة خطرة، وباحتمالات أن تُطمس على المدى البعيد. في بعض أجزاء العالم، وفي الشرق الأوسط أيضا، وقف الدين عقبة في طريق تلك الهيمنة. ومن أجل هدم ذلك الحاجز فقد شوهوا صورة تلك المناطق مستخدمين آلتهم الإعلامية (محور الشر)، وتذرعوا بأي حجة من أجل الاستحواذ على البلدان التي تحمي موارد الطاقة. دخلوا في حروب مع أي طرف يُظهر تهديدا يحد من قدرتها على الوصول للنفط. بالنسبة لبلدان أميركا اللاتينية كان هذا دافعا من أجل تغيير الموقف تجاه الولايات المتحدة.

 

سوق الأوراق المالية في البرازيل الذي يعد الأكبر في أميركا اللاتنية ورابع أكبر سوق مالي في العالم (الأوروبية)

 

منذ عقد السبعينيات، كانت هناك منظمتان "فوق حكوميتين" مسيطر عليهما من قبل الولايات المتحدة، ألحقتا ديونا بالبلدان الفقيرة من أجل قمع سيادتها. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أرفقا شروطا على الديون نتيجتها كانت إضعاف قدرة التطور لدول أميركا اللاتينية.

 

عام 1994 ظهرت منظمة التجارة العالمية من أجل فتح الأسواق، وهي بحكم الأمر الواقع لصالح الولايات المتحدة ومن يحدد قواعد التجارة الحرة ولديها القدرة على عزل البلدان التي ترفض الانصياع لقوانينها.

 

أدت هذه المؤسسات الثلاث بدول أميركا اللاتينية إلى خفض مستوى خدمات القطاع الحكومي ونمو القطاع الخاص. لم يعد للدولة قدرة على الاستجابة ولا على التكيف الهيكلي الناجم عن "إجماع واشنطن".

 

إضافة إلى ذلك، فقد زاد عدد الدائنين وزادت سطوتهم، مما أدى إلى مشاكل اجتماعية، وهدمت الحواجز التجارية، وأضعفت قوانين العمل وأوقفت برامج الإعانة الاجتماعية، فاصطفت دول أميركا اللاتينية خلف شركات الاستثمار، وبهذا تكون "اليد الخفية" للسوق قد أعادت الأيديولوجية الرسمية للنظام العالمي الجديد.

 

الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا في افتتاحه أكبر مصنع شرائح إلكترونية متقدمة في أميركا اللاتينية (الأوروبية)

 

نفوذ المنظمات

 

مع هذا الوضع المالي المتأزم، لم يعد باستطاعة دول أميركا اللاتينية تلبية الاحتياجات الأساسية للتطور: ما هي أفضل طريقة لتنمية بلد مع الأخذ بعين الاعتبار قدراته المتفردة؟ ما دور الحكومة والقطاع الخاص؟ هل تستطيع الحكومات التي أنهكتها الديون أن تتحدى نفوذ المنظمات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية؟

 

عدم المساواة، والتشرد الاجتماعي، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والحروب غير العادلة ضد البلاد العربية، وحماية الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، رفعت من المشاعر المناهضة للإمبريالية.

 

اليوم نعيش حالة من الرجوع لمبادئ الاشتراكية الشعبوية في بلدان عدة في أميركا اللاتينية. البعض يستخدم كناية "الاستدارة نحو اليسار". نذهب للأرجنتين مع كيرشنير (والآن مع زوجته)، في فنزويلا تستمر التشافيزية في يدي ماذورو، وفي بوليفيا مع إيفو موراليس، وفي الإكوادور مع كورّيا، وفي أورغواي مع موخيكا.

 

الزمن سيقول إنْ كانت الاشتراكية الشعبوية حلا على المدى الطويل أو وسيلة للمقاومة الفاعلة أم وسيلة لإدامة أمراء الحرب في السلطة. الخطاب المناهض للإمبريالية عنده أسس وافرة. لكن يبدو أنها تستخدم في الغالب بطريقة مبالغ فيها من قبل الدولة ليتحول هذا الخطاب في أغلب الأحيان من خدمة شعبه إلى خدمة نفسه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

غزو الاستثمارات اللاتينية.. الصين نموذجا

غزو الاستثمارات اللاتينية.. الصين نموذجا

 

دانييل سكانديسو
باحث وأستاذ إدارة الأعمال في الجامعة الكاثوليكية الأرجنتينية 

 

في تقرير صدر عام 2012 بعنوان "مسارات إلى الصين: قصة أميركا اللاتينية في الأسواق الصينية" اتخذ البنك الدولي للتنمية الخطوة الأولى للترويج لحجم الاستثمار في أميركا اللاتينية والكاريبي بالصين، وساهم في عرضها بشكل أفضل.

 

وسنستند إلى عمل لاحق أنشأته تلك المنظمة الائتمانية متعددة الأطراف تحت اسم "استثمارات أميركا اللاتينية والكاريبي في الصين.. فصل جديد في العلاقات بين الطرفين"، راسمين خريطة الإستراتيجيات التي تواجه المنطقة في السنوات الأخيرة في ما يتعلق بالبحث عن توطيد التبادل التجاري مع الصين، في الوقت الذي نحاول فيه إنشاء بعض الاتجاهات التجارية المهمة مستقبلا.

 

ووفقا للتقرير، فقد نما التبادل التجاري بين أميركا اللاتينية والصين بشكل مطرد منذ عام 2003 بانقطاع وحيد حدث عام 2009 بسبب الآثار السلبية التي تركتها الأزمة العالمية على التجارة العالمية، فيما بلغ حجم التبادل التجاري 292 مليار دولار عام 2013، مضاعفا عشر مرات حجم التشغيل منذ عشر سنوات سابقة.

 

ومع ذلك، فقد زادت واردات أميركا اللاتينية من الصين أكثر من صادرات المنطقة إلى البلد الشرقي، وأظهرت ارتفاعا مستمرا، مما يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل من الممكن سد الفجوة التجارية بتعزيز استثمارات أميركا اللاتينية في الصين؟

 

اجتماع في البرازيل لبحث تأسيس منتدى دائم يجمع الصين بـثلاث وثلاثين دولة بأميركا اللاتينية (الأوروبية)

 

يتضح هذا التقرير أكثر حين نحلل الاختلافات بناء على هيكل الإنتاج على مستوى شبه إقليمي، فقد استطاعت دول أميركا اللاتينية الغنية بالموارد الطبيعية أن تستفيد من الطلب الصيني المتزايد على المنتجات الأولية، وأن تحافظ على توازن إيجابي واضح في هذا المجال.

 

وفي حين تأثرت المكسيك والاقتصادات الأميركية بمنافسة التصنيع الصيني، وبينما تتركز صادرات أميركا اللاتينية إلى الصين بشكل أساسي في السلع الأولية فإن صادرات القوة الآسيوية تركز كثيرا على تصنيع المحتويات التكنولوجية.

 

ساهمت الاستثمارات الأجنبية إلى حد قليل في تعديل هذه الصورة مع أنها المسبب الرئيسي لاتساع الفجوة التجارية، إذ تشير الدلائل إلى أن استثمار الصين المباشر في أميركا اللاتينية ليس هو المصدر الرئيسي للأموال بل اتجه في المقام الأول نحو قطاعي الزراعة والطاقة.

 

ووفقا لإحصاءات استثمارات مؤسسة التراث الصيني فإن استثمارات الصين في أميركا اللاتينية خلال الفترة من 2005 إلى 2014 ذهب 84% منها لقطاع المواد الخام، و12% للصناعات التحويلية، و4% للخدمات.

 

اجتماع الهيئة التنفيذية لدول أميركا اللاتينية لبحث توسيع الاستثمارات الأجنبية في القارة (الأوروبية)

 

ثمة معلومة أخرى يوليها البنك أهمية، وهي أن المشروعات الجديدة تشير إلى أن معدل النمو في الصين سيكون ما بين 6-7% سنويا على المدى المتوسط  في ظل سيناريو متفائل، وما بين 4-5% في ظل سيناريو آخر، كما ستؤثر آفاق النمو القليلة في الطلب وفي أسعار السلع القابلة للتداول بأميركا اللاتينية.

 

عامل آخر يؤخذ بعين الاعتبار وهو إن بدأت الصين بالاعتماد على تعزيز قدرتها التنافسية في الإنتاج وليس على أجورها المنخفضة فإنه ستصبح هناك فوائض قابلة للتصدير من هذه البلاد الشرقية نحو العالم، ونحو أميركا اللاتينية تحديدا.

 

أما تنوع صادرات أميركا اللاتينية فيعرض كإستراتيجية ضرورية لمعالجة الفجوة الحالية من أجل تحقيق التوازن المهم في ذاته والذي يقدر في المدى المتوسط، كما يقترح البنك نفسه تشجيع وجود شركات أميركا اللاتينية في الصين كإستراتيجية مهمة.

 

تزايدت الاستثمارات الأجنبية في أميركا اللاتينية بالسنوات الأخيرة لعدة أسباب، منها: صحة اقتصادياتدول المنطقة، والسهولة النسبية في الحصول على تمويل، والسياسات المرنة من عمليات الاندماج والاستحواذ في بعض البلدان، فاجتمعت كلها لتعزيز التوسع العالمي لشركات أميركا اللاتينية.

 

واحد من اجتماع التبادل التجاري والاقتصادي بين كوريا الجنوبية وأميركا اللاتينية (الأوروبية)

 

في بعض الحالات -كما في البرازيل- ساهم ارتفاع قيمة العملة المحلية في تعزيز رفاهية العمليات
التجارية بالخارج، كما رفعت شركات برازيلية ومكسيكية أسهم استثماراتها الخارجية المباشرة من 52 مليار دولار إلى 293 مليارا، ومن ثمانية مليارات إلى 144 مليارا على التوالي في الفترة ما بين 2000 و2013.

 

هذه الزيادة في الاستثمارات الخارجية المباشرة لبلدان المنطقة وجهت بشكل عام للبلدان المجاورة، مستفيدة من إيجابية النمو القوي للمنطقة في فترة اتجهت بها الشركات نحو الأسواق المعروفة والمألوفة، مع أنه وفي السنوات الاخيرة وجهت شركات المنطقة نظرتها نحو أوروبا في سعيها للاستفادة من الأصول الرخيصة بعد الأزمة المالية العالمية، وبناء على ذلك فقد زاد بشكل ملحوظ وجود ما يسمى "متعدد اللاتينية" في العالم.

 

وفي ما يتعلق بمصير الاستثمارات، يقتبس التقرير معلومات من البرازيل تظهر أنه من ضمن 76 عملية خارجية كبرى للشركات هناك 46 موجودة في الأميركيتين، في حين أن أيا منها لم يوجه للصين، بينما يتشابه الوضع في المكسيك حيث إن 70% من عمليات الاستثمارات الخارجية المباشرة موجودة في الأميركيتين، و5% فقط وجهت لشرق آسيا.

 

وعند تحليل الموقف في تشيلي، يكشف التقرير أنه ما بين عامي 2007 و2009 فإن عمليتين من 53 عملية تتضمن استثمارا خارجيا مباشرا مع الصين. من جانبها، فإن 7% من العمليات الخارجية للأرجنتين توجهت نحو الصين ليكون وجودها في أفريقيا أكبر منه في البلد الآسيوي.

 

أعمال النسيج في معرض للنسيج في غواتيمالا إحدى الدول اللاتينية النشطة في صناعة النسيج (الأوروبية) 

 

وإن كانت الأرقام المعروضة تبين أن وجود الاستثمارات وشركات أميركا اللاتينية في الصين ما زال محدودا فإن قدرة النمو لها دلالة، فأحد أسباب محدوديتها هو أن الاستثمارات من أميركا اللاتينية تنطلق من قاعدة منخفضة جدا، وكتحليل تاريخي بإمكاننا القول إنه منذ عام 2004 سجل دعم حقيقي للاستثمارات في أميركا اللاتينية، وبشكل أساسي نحو بلدان المنطقة، وهذه المعلومة أيضا لا بد أن ينظر إليها من ناحية إيجابية، حيث التجربة المكتسبة خلال هذه السنوات العشر قادرة على الاستمرار في البحث عن أسواق جديدة.

 

من ناحية أخرى، وبتتبع الحجج الموجودة في التقرير نلاحظ أن السوق الصيني يظهر سلسلة من التحديات التي من الممكن أن نذكر من بينها البعد الجغرافي والاختلافات الثقافية وتفضيل البضاعة الاستهلاكية وبيئة معقدة من الأعمال. هذه العوامل تنقصها معلومات موثوقة حول الأهداف السياسية للحكومة الصينية وإستراتيجياتها التي أوجدت عناصر رادعة للاستثمار الأجنبي ولنموذج أميركا اللاتينية بشكل ملموس.

 

الأسباب المذكورة تجبر بالنتيجة على البحث عن طرق للوصول إلى مستوى أعلى من فهم خصائص السوق الصيني للاستفادة من فرص النمو التي قد تنشأ في هذا الاتجاه لشركات أميركا اللاتينية.

 

السفينة المستشفى الصينية في كوبا أولى محطات جولتها في أربع دول بأميركا اللاتينية كبادرة حسن نية من الصين تجاه القارة (الأوروبية)

وأخيرا، وفي ما يتعلق بشركات أميركا اللاتينية في الصين أجرى التقرير مسحا لـ98 شركة وحلل أداءها في البلد الآسيوي العملاق. في الجدول التالي بإمكاننا ملاحظة جنسية الشركات التي تمت دراستها:

المصدر: بنك التنمية الدولي

البرازيل

32

تشيلي

30

المكسيك

21

الأرجنتين

11

البيرو

2

فنزويلا

2

 
بالنسبة للقطاعات الإنتاجية تركز الشركات بشكل خاص على التصنيع بنسبة 55%، تتبعها الخدمات 28% والقطاع الأولي 15%، أما في القطاع الصناعي فتعتبر المعادن والآلات الفئات التي لديها أكبر عدد من الشركات 23%، تليها المنتجات الغذائية 15% ثم المنتجات الكيميائية والصيدلانية 9%.

 

بالمجمل، تشهد الاستثمارات الأجنبية المباشرة من أميركا اللاتينية فترة نمو مهم، وإن كانت تتوجه على الأغلب نحو بلدان المنطقة في ميلها للبحث عن أسواق معروفة، والسوق الصيني لا يخلو من صعوبات وتعقيدات ولا يقدم فقط كفرصة بل أيضا كجزء من إستراتيجية نمو اقتصاديات المنطقة أمام التغيرات التي قد تطرأ على السيناريوهات المستقبلية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

الفن "اللاتيني" وحواره مع الزمن

الفن "اللاتيني" وحواره مع الزمن

 

 ماريو كسارتيي
كاتب وشاعر من الباراغوي

 

على الرغم من أن قارة أميركا اللاتينية مسماة بهذا الاسم منذ وصول الغزاة الأوروبيين، فليس من الممكن الحديث عنها دون الأخذ بعين الاعتبار تأثير حقبة "ما قبل الغزو" في جميع الجوانب. فالملامح الجسدية والنفسية لأبناء البلاد الأصليين امتزجت بملامح من وصل من الخارج مشكلين واقعا ملموسا.

 

"المستيسو" أو العرق المختلط شكل انطباعا، بطريقة أو بأخرى، عرف بنا نحن اللاتينيين. لكن حين نتحدث عن الفن في أميركا اللاتينية من المهم الرجوع لفن السكان الأصليين القديم.

 

وبالحديث عن أميركا اللاتينية لا يمكننا تجاهل شعورنا من حيث تأثير الفن الأفريقي، الموسيقى والألوان وأطباق الطهي والطقوس الدينية التي وصلت بسفن العبيد ودخلت فينا، لننتهي إلى ما نحن عليه اليوم، فنحن هوية من ثقافات عدة وتبادل ثقافي مستمر.

 

كم أناسا رحلوا وكم جاؤوا؟ وقف السيف والصليب لهم بالمرصاد، وما بين السلب والخضوع للدم والنار، فإن تاريخنا كانت له ديناميكية معقدة في جميع الجوانب، ومن ضمنها تطور الفنون.

 

في نهايات القرن التاسع عشر ظهر الشاعر النيكاراغوي روبن داريو. فكشف بموهبته ميراثا من الشعر الفرنسي وأرجع معه عناصر لغوية إلى اللغة الإسبانية، فساهمت كثيرا في تجديدها ليعود الفضل إليه في فتح آفاق أكثر اتساعا للأدب الإسباني ذاته.

 

عشرات البالونات في مهرجان دولي للبالونات في ليون بالمكسيك تعكس واحدة من ثقافات المنطقة (الأوروبية)

 

أصوات الأفارقة

 

شيء مشابه حدث في أشعار نيكولاس غييين، الكوبي الذي أصدر كتابه "سونغورو كوسونغو"، فقد ترك للعالم انعكاسات أصوات الأفارقة، لكن ضمن إطار الشفرات الإسبانية. أترك الآن جانبا اللغات الحية الغوارانية في الباراغواي، التي هي بلا منازع لغة تشبه مفرداتها الأصوات، ولهذا فإن كثيرا من جامعات فرنسا تتخذها مباحث للدراسة.

 

أي كاتب من أميركا اللاتينية، بعد داريو، تمكن من تعزيز اللغة الإسبانية؟ إنه المعلم الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، كما وصفه كبار مبدعي العالم الذين احتفوا بأعماله. قالها غيرمو كابريرا إنفانتي "في اللغة الإسبانية، ثمة ما قبل بورخيس وما بعده".



قصائده وقصصه ومقالاته ما زالت تهز الوسط الأدبي لأقصى حد. ومن أجل اقتباس مثال واحد فإن الإيطالي أومبرتو إيكو اختلق بطلا أعمى مستوحيا إياه من إعجابه ببورخيس، كي يحركه في دير الرهبان في روايته الخالدة "اسم الوردة".

 

كما استدعى التشيلي بابلو نيرودا، الذي كان شعره عَلم تمرد ضد الدكتاتوريات الشرسة في "أميركيتنا"، كما سماها خوسيه مارتي. لا يوجد شاعر ترجم للغات كثيرة كنيرودا، وقليل جالوا بلادا كثيرة مثله. لقد تركت الملاحم في "النشيد العام" شهادة على تلك الأزمان المرعبة.

 

غابرييل غارسيا ماركيز الروائي الكولومبي المعطاء واحد من كتاب الستينيات الذين اقتحموا عالم الأدب تحت مسمى "بوم أميركا اللاتينية" أو "الواقعية السحرية" التي تبلورت في روايته "مائة عام من العزلة". وبالتالي فالواقعية الرمادية الأخرى التي غذاها روائيون من أماكن أخرى، كانت فقيرة أمام سحر الشعر في هذه الصفحات الأميركية اللاتينية.

 

قبل سنوات قليلة، وفي إحدى زوايا رام الله في فلسطين وجدت كتابا لماركيز مترجما للعربية وقلت في نفسي "وصلت كلماته أيضا حتى هذه الأجزاء".

 

المغنية الكولومبية شاكيرا إحدى وجوه أميركا اللاتينية في عالم الفن المعروفة عالميا (الأوروبية)

 

أثر الموسيقى

 

من جهته، أليخو كاربينتير استعاد الذوق الغونغوري -نسبة للشاعر الإسباني لويس دي غونغورا إي أرغوتي- في كتاباته النثرية، وهو يروي ما فعله الأوروبيون في أميركا اللاتينية وكيف عادوا مبهورين، محملين بالفضة والتوابل والبشر الذين تحت نير العبودية، حملوا تعاليم تستشرف المستقبل.

 

مع هذا، فالأدب لم يكن المعيار الوحيد الموجود في هذه الأراضي. الموسيقى أيضا نثرت أصواتا لا يمكن نسيانها في هذه القارة. كم من فرقة موسيقية سجلت -على سبيل المثال- الألحان التي غادرت جبال الأنديز البيروفية وطوت أجنحتها ثم طارت من جديد نحو العالم.

 

أتحدث عن القطعة الموسيقية التي ألفت عام 1913 من قبل البيروفي دانييل ألوميا روبليس "يمر الكونودور". ومن المستحيل ألا نفكر في "الفالسياديتو" لتشامبوكا غراندا، التي كان عنوانها قصيدة "زهرة القرفة". وهكذا كان مع البوليرو ذلك الإيقاع الذي ولد في كوبا وانتشر في العالم، بمقطوعات تغنيها لغات العالم أجمع كـ"قبليني" و"حبيبتي" و"معك في البعد".

 

أما التانغو، تانغو أورغواي، وتانغو الأرجنتين. كلا القوميتين لا تعرف اليوم دون هذا الإيقاع المغري. الحشود أيضا لم تعرف دونها. هالتها ما زالت موجودة في جهات الريح الأربع حتى وقتنا الحاضر.

 

"كامبالاتشي" لخوسيه سانتوس ديسيبولو، المؤلفة عام 1931، وصوت كارلوس غارديل وخوليو سوسا، الذين ما زالوا يجذبون المبدعين من جميع الاتجاهات الفنية. وليس عبثا أنه في فيلم "عطر امرأة" لم يكن الممثل الهوليودي "آل باتشينو" من يستحق التصفيق فقط، بل التانغو أيضا. تماما كما دان فيلم "التانغو الأخير في باريس" بالفضل لهذا الفن اللاتيني.

 

وما الذي يمكن قوله عن الأبناء الضالين في أفريقيا، الذين تفوقوا على من سبقهم (الموسيقيين وموسيقى البرازيل)؟ ومن أبرزهم توم جوبيم الذي يتنازع كتّاب كلمات الأغاني -حتى يومنا هذا- على استخدام ألحانه؟ ومن منا لم يسمع بمؤلفه "غاروتا دي إيبانيما"، الذي شارك في تأليفه الشاعر فينيسيوس دي مورايس؟ السؤال نفسه نطرحه حول "لوحة من البرازيل" لني باروسو.

 

البرازيل منبع أساسي للموسيقى، أينما تذهب تترك أثرا. وكي لا نطيل، نذكر اسمين فقط هما كايتانو فيلوسو، وجيلبيرتو جيل.

 

أجبرت الاضطرابات التاريخية في أميركا اللاتينية الكثيرين على الهجرة. نأخذ على سبيل المثال الهجرة البورتوريكية التي أفرزت نشيدها الوطني المعبر عن تشرذم أبنائها، أغنية "نحيب بوريكانو"، لأكبر الملحنين البورتوريكيين رافائيل إرناندس، التي سجلها في نيويورك عام 1929عشية الكساد الكبير وأصبحت الأكثر شهرة لأبناء تلك الجزيرة.

 

لوحة من الزهور تجسد صورة الكاتب الكولومبي الشهير غبرائيل غارسيا ماركيز عرضت في مهرجان الزهور (الأوروبية)

 

الفن التشكيلي

 

نأتي لفن التشكيل، وحينها نفكر فورا بالمكسيكي دييغو دي ريفيرا ورفيقته فريدا كاهلو. كلاهما، كان له أسلوب معين في كل رسم ولون، كلاهما خالف الموجود في زمنه، وعن رسومهما صنع فيلم أميركي "فريدا".

 

من ناحية أخرى، فإن جدارية دييغو دي ريفيرا الشهيرة في نيويورك ما زالت تتحدث لأنها صورت معركة حقيقية عام 1932 حينما كلف روكيفيلر الفنان المكسيكي بعملها لكنها دُمرت في النهاية بسبب نية الفنان وضع وجه لينين في اللوحة.

 

أما رسومات الكولومبي فرناندو بوتيرو (1932) الضخمة، والخطوط العريضة لوجوه السكان الأصليين الذين سكنوا أميركا الوسطى في رسومات الإكوادوري أوسفالدو غواياسامين فهي موجودة بأكبر متاحف الفنون في العالم.

 

ربما لا تكون السينما والمسرح قد تركا أثرا كبيرا في المشهد العالمي، لأسباب تاريخية. مثال على ذلك، في عقد السبعينيات عانت بلدان أميركا اللاتينية من الدكتاتوريات العسكرية، وقد ترتب على ذلك قمع واضطهاد الفنانين والمثقفين.

 

هذه الأحداث قطعت تحقيق السينماغراف ودفعت كثيرا من المبدعين للمنفى. خلال فترة الدكتاتورية لبينوتشيه في تشيلي (من الفترة 1973 إلى 1989) فإن الإنتاج السينمائي في ذلك البلد لم يكن له تقريبا وجود.

 

محل لبيع الأفلام على الاسطوانات المدمجة في بوينس أريس بالأرجنتين (الأوروبية)

 

التشيلي ميغيل ليتين أخرج فيلمين تحت حكم الحكومة الساندينية في نيكاراغوا (1979-1990)، الأول هو "ألسينو والكوندور" (1982)، الذي رشح للأوسكار عام 1983 وقد مثل بطولته الممثل الأميركي ديان ستوكويل. الفيلم الثاني كان عن الملحمة التاريخية "ساندينو" عام 1989.

 

كل هذا المناخ من الانقطاع القسري الفني من الممكن اختزاله بكلمات الأورغوياني إدواردو غاليانو حين صرح في افتتاح الدورة 53 من جائزة كاسا دي لاس أميريكاس يوم 16 يناير/كانون الثاني 2012، في جزيرة تشي غيفارا، "شكرا ألف مرة لكاسا دي لاس أميركاس، لكل ما فعل ويفعل لكشف طاقاتنا الإبداعية، ألف شكر للأصوات العنيدة المتجددة التي تتحدث إلينا من الماضي البعيد حتى الحاضر القريب".

 

وجد هؤلاء المبدعون في لاكاسا فضاء للقاء وسماع الأصوات التي لم تعد موجودة. شكرا إذا، ألف شكر لفيتامين "ك" الكرامة، وساعدنا كثيرا أن نعتقد بأن طاعة أصحاب النفوذ في العالم من الممكن أن تكون عقابا لنا، لكن لا يمكن أن تكون مصيرنا.

 

حوار أميركا اللاتينية مع العالم لا يتوقف. والعمليات الثقافية تتحول وتؤكد هوياتها، لأن بعضها يؤثر في الآخر. وبهذه الطريقة يتولد نسيج أكثر تماسكا على مر الزمان، ولا يمكن التنبؤ باستمرار نتائجه في أيدي الزمن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

ومن خارج القارة اللاتينية، يطلعنا تقرير من ألمانيا على شطري جدار برلين الذي أسقطته السواعد الألمانية قبل 25 عاما، وكيف باتت العلاقة بينهما.

 

وفي مخيمات اللجوء السوري بالأردن يواصل اللاجئون اجترار ألم الغربة وقسوة المعيشة في مخيم الزعتري للشتاء الثالث بكل قسوته وقلة ذات اليد دونما أفق لنهاية قريبة لفصول الأزمة.

 

ومن أفغانستان يضعنا مقال في صورة النفوذ الإيراني القوي في أرض الحروب تحت المظلة الأميركية، وكيف تتفاهم القوتان على بسط النفوذ هنا وهناك رغم العداء المعلن بينهما.

 

ومقال آخر من أوكرانيا يقارب بين الربيع العربي وما جرى ويجري في أوكرانيا، والدروس التي يمكن استخلاصها من الحالتين.

 

ومن لبنان يحدثنا أهالي طرابلس عن التيار السلفي الجهادي الذي نشط مؤخرا في المدينة، إذ يؤكدون أنه طارئ على مدينتهم وثقافتهم، ولم يكن يوما جزءا من سياستها.

 

أما في مصر ما بعد الانقلاب فقد باتت المحاماة في عرف الانقلابيين جريمة تستحق العقوبة والملاحقة أكثر منها مهنة تنتصر لصاحب الحق.

 

وفي أقصى شمال قارة أوروبا يطلعنا تقرير من فنلندا على ظاهرة انتشار الحجاب والأزياء الإسلامية بين الشابات المسلمات، وتوجه مؤسسات الدولة لاحترام هذه الظاهرة في أطرها الرسمية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

لاجئو الزعتري.. شتاء ثالث في خيام البرد

لاجئو الزعتري.. شتاء ثالث في خيام البرد

 

محمد النجار-عمّان

 

يدخل الشتاء الثاني على عائلة السوري حاتم أحمد الذي لجأ للأردن مطلع العام الجاري لمخيم الزعتري (7 كلم شمال شرق عمان) من القصير في حمص، وهو ينتظر الحصول على مدفأة من المنظمات الدولية العاملة هناك.

 

في خيمته التي ترتجف مع أطفاله من البرد، ووسط الأمطار التي بدأت تهطل مبكرا على الأردن هذا الشتاء، يجلس حاتم مع زوجته وأطفاله متخذين من الأغطية الشتوية وسيلة وحيدة للاحتماء من البرد، في وقت يرتجف أحد أطفاله بوضوح بعد أن عاد من خارج الخيمة التي يتنقل منها وإليها حافي القدمين، وهي صورة باتت معتادة لأطفال المخيم.

 

قال حاتم للجزيرة نت "منذ الشتاء الماضي وأنا أنتظر توزيع المدافئ علينا، ونقلنا لكرفان (بيت جاهز) بدلا من الخيمة التي يتسرب إلينا منها البرد ومن تحتها مياه الأمطار، ولكن لم يحصل شيء".

 

لاجئون سوريون يحملون أغطية وزعتها عليهم إحدى المنظمات الدولية مع دخول فصل الشتاء القارس في صحراء الأردن (الجزيرة)

 

وتابع "وزعوا علينا ملابس جيدة للشتاء، وهناك الطعام جيد، لكن المشكلة أننا والأطفال لا نشعر بالدفء، فما أن نمنع دخول البرد من مكان حتى يتسرب إلينا من مكان آخر، وعندما تهطل الأمطار تبتل الخيمة، ثم تبدأ المياه بالتسرب إلينا من تحتها".

 

ويعيش نحو 120 ألف لاجئ سوري في مخيم الزعتري في ظروف بالغة القسوة للشتاء الثالث على التوالي، ونظرا لحلول فصل الشتاء مبكرا هذا العام، فقد بدأت معاناة اللاجئين مبكرة أيضا مع هطول الأمطار وهبوب الرياح وانخفاض درجة الحرارة لما دون الصفر أحيانا في المخيم الواقع في منطقة شبه صحراوية على الحدود الشمالية الشرقية للأردن مع سوريا.

 

وعلى الرغم من جهود المنظمات الدولية في استبدال بيوت جاهزة (كرافانات) بالخيام، فإن المئات من العائلات السورية لا تزال تعيش في خيام باتت جزءا من معاناة اللاجئين الفارين من الموت في سوريا.

 

لاجئون سوريون يحصلون على مساعدات للشتاء من منظمة أوكسفام (الجزيرة)

ويؤكد مدير مخيم الزعتري في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين هوفيك يمزيان أن قضية التدفئة تشكل الهم الأبرز في عمل المفوضية والجهات الدولية.

 

وقال للجزيرة نت "قضية التدفئة للاجئين وتوفيرها في فصل الشتاء هي من أهم الأمور التي نعمل عليها، حيث نعطي اللاجئين المواد التي تناسب أشهر الشتاء".

 

غير أن يمزيان يؤكد أن الجاهزية لفصل الشتاء ليست كاملة نظرا لصعوبات التمويل، واعتبر أن التحدي الأهم هو توفير الأموال اللازمة لتوفير أسطوانات الغاز لغايات التدفئة على مدى أشهر الشتاء، والعمل على حل مشكلة الكهرباء التي يزداد الطلب عليها خلال الشتاء من قبل اللاجئين.

 

ولا يخلو يوم من توزيع الجهات الإنسانية في المخيم لأغطية للشتاء، لكن هذه الجهود تكاد تكون معدومة فيما يتعلق بتوفير المدافئ، وخاصة تلك التي تعمل على الغاز، مما يجعل معاناة اللاجئين وخاصة الأطفال مضاعفة.

 

لاجئات سوريات يحملن مساعدات للشتاء حصلن عليها من منظمة أوكسفام قبل أيام (الجزيرة)

 

سيدات سوريات لجأن من حمص تندرن خلال الحديث مع الجزيرة نت على وعود الجهات الدولية بتوزيع المدافئ، حيث تحدثن بلهجة لا تخلو من السخرية عن أن المدافئ ستصل المخيم فعلا "ولكن بعد فصل الشتاء".

 

وتعمل منظمات مختلفة على تخفيف معاناة الشتاء عن اللاجئين، حيث قامت منظمة أوكسفام للإغاثة قبل أيام بتوزيع مستلزمات للشتاء على مئات العائلات السورية، لكن الأهم ما قام به عمال تابعون للمنظمة بتنظيم مصارف لمياه الشتاء بعيدا عن الخيام.

 

وتحولت بعض أزقة المخيم إلى ورشات عمل، حيث قام لاجئون سوريون بتنظيم مجار لمياه الأمطار لتبتعد عن خيامهم، في وقت انشغل آخرون بوضع كميات من الحجارة حول الخيام لمنع المياه من مداهمتها، لكن المراقب لهذه الجهود يلحظ أنها لن تقي تدفق مياه الأمطار إذا هطلت بغزارة.

 

طفل سوري يسير وسط الأوحال تحت المطر في الشتاء البارد في مخيم الزعتري في صحراء المفرق بالأردن (الجزيرة)

واللافت في مشهد أطفال المخيم، أن الأمطار لم تمنعهم من اللهو لكنه لهوٌ يحدث في كثير من الأحيان دون أن يرتدوا الملابس التي تقيهم المطر والبرد، عوضا عن أنهم يلعبون وهم حفاة، وهو مشهد يتكرر حتى مع بعض النساء اللواتي يرتدين أحذية بالية تغرق في المياه والطين أثناء التنقل بين الخيام.

 

غير أن صورة الحياة في المخيم لا تتوقف، حيث يشاهد الزائر الأطفال المتنقلين من وإلى المدارس، علما أن نسبة هؤلاء -وفقا لمنظمة اليونيسيف- لا تتجاوز 50% من أطفال المخيم، كما أن الحياة مستمرة في الأسواق، وفي تنقل الباعة المتجولين في أزقة المخيم الذي قالت الحكومة الأردنية في وقت سابق إنه تحول لثالث مدينة كبرى في الأردن من حيث عدد السكان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

طرابلسيو لبنان: السلفية الجهادية دخيلة

طرابلسيو لبنان: السلفية الجهادية دخيلة

 

 جهاد أبو العيس-بيروت

 

لا ينكر الطرابلسيون في لبنان وجود ظاهرة السلفية الجهادية في مدينتهم، لكنهم يتحدثون عنها بوصفها ظاهرة محدودة العدد والعدة والمساحة الجغرافية حال مقارنتها بقوة وحضور وتسليح محاور ومجموعات السلاح الأخرى غير الإسلامية، المنتشرة والتابعة لقوى وجهات داخلية وإقليمية.

 

فأهل المدينة المسماة عبر التاريخ بـ"مدينة العلم والعلماء" يدافعون بقوة عن وجه المدينة المتسم -برأيهم عبر التاريخ- بسمات الوسطية والاعتدال، ويعتبرون ما يخرج عن هذه السمة من أفكار وتيارات "لا تعدو عن كونها ردة فعل استثنائية".

 

ويرجع أعيان ومشايخ المدينة التي تعد الخزان الأكبر للسنّة في لبنان، أسباب تنامي الفكر السلفي الجهادي بين شباب المدينة لعوامل موضوعية عدة ذات ارتباط وثيق بحالة الانقسام الطائفي الداخلي إلى جانب حسابات أخرى مرتبطة بالإقليم.

 

طرابلس الفيحاء يصر أهلها على تسميتها بمدينة العلم والعلماء (الجزيرة)

ويرى باحثون أن جذور الفكر السلفي الجهادي تنامت في أحد أسبابها الرئيسية بوصفها ردة فعل على طائفية وممارسات الوجود السوري بلبنان، الذي استمر حتى قرار الانسحاب العسكري في العام 2005 (حادث اغتيال رفيق الحريري).

 

ويتبنى نائب الجماعة الإسلامية في البرلمان عماد الحوت هذه الرؤية، فهو يرى أن الفكر الجهادي ليس متأصلا بسلوك وحياة أهل طرابلس، وأنه جاء ردة فعل على الممارسات الطائفية التي كرسها النظام السوري أثناء وجوده بلبنان.

 

ولفت إلى أن ما يجري تضخيمه من وجود عددي وتسليحي كبير لجماعات الفكر السلفي الجهادي ما هي إلا مبالغات تحريضية، لا تمت للواقع الفعلي بصلة.

 

ودلل على ذلك بالمواجهات المسلحة التي وقعت في سبتمبر/أيلول الماضي بين مجموعات جهادية والجيش اللبناني، وكيف اتضح للعيان محدودية "عدد وعتاد ومساحة تحرك هذه المجموعات وضعف حضورها وضعف الإسناد".

 

شكلت الثورة السورية ومشاركة حزب الله فيها دافعا لصعود أصحاب الفكر السلفي الجهادي (الجزيرة)

وأوضح الحوت أن طرابلس لا تحتوي فقط مجموعات الفكر الجهادي الصغيرة  "هناك محاور وجماعات أخرى أكثر قوة وتسليحا، ولا علاقة لها البتة بالتوجه الإسلامي".

 

وكشف أن "هناك جهات أمنية وحزبية وسياسية لبنانية تحرك وتستخدم وتدعم هذه المحاور وتحمي ظهرها خدمة لأجندات داخلية وخارجية بعيدة عن مصلحة المدينة".

 

ويرجع البرلماني اللبناني أسباب تنامي ظاهرة الجهاديين أيضا للوضع البائس على صعيد الاهتمام الرسمي بالمدينة، رغم حملها مسمى العاصمة الثانية، فالإهمال المزمن للتنمية والاقتصاد جعل منها بيئة خصبة لنشوء المظاهر والمحاور.

 

وقال إن انتشار السلاح مع بروز لغة الهيمنة والتطاول والتحريض من طرف بعض القوى اللبنانية غير السنية  "أثار لدى هؤلاء نزعة الشعور بالضعف والقهر، وبالتالي محاولة إثبات الذات والندية".

 

من صور الدخول العسكري لباب التبانة 2012 (الجزيرة)

ويرى مراقبون أن دعم المدينة المتواصل لرجالات الثورة السورية وإيوائها للجرحى والعوائل اللاجئة أزعج القوى المحسوبة على النظام السوري، وبالتالي بدأت بحملة تحريض على المدينة من خلال الترويج لوجود مجموعات وخلايا نائمة تتبع لفصائل المعارضة الجهادية.

 

ويدلل هؤلاء بكثافة التغطية الإعلامية المحسوبة على القوى المؤيدة للنظام السوري في لبنان والتي لا تفتأ تقدم المدينة على أنها "خزان الخلايا النائمة التابعة لجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية".

 

وتلعب تداعيات الثورة السورية دورا هاما في تأجيج الحضور السلفي الجهادي كما يرى ابن المدينة والمحلل السياسي الدكتور طارق شندب، فمشاركة حزب الله العسكرية على أساس طائفي، وتوالي دعم جبل محسن بالسلاح على أساس طائفي أيضا، رسخ -برأيه- لدى العديد من الشباب أن ما يجري ليس خلافا سياسيا بقدر ما هو طائفي.

 

ويرى شندب أن الوجود السائد في طرابلس إما يتبع الجماعة الإسلامية (الإخوان المسلمين) ومن يماثلهم من أصحاب النهج الوسطي من تيارات ومجموعات، وإما يتبع لتيار المستقبل (سني ليبرالي)، وإما شخصيات سنية مستقلة ذات حضور عائلي عريق.

 

صورة أرشيفية من مواجهات التبانة وجبل محسن عام 2012 (الجزيرة)

ويعود شندب -وهو المحامي والأستاذ الجامعي- للوراء للتذكير بأن الفكر السلفي الجهادي تغذى بردود الفعل الطائفية، التي نجمت عن ممارسات النظام السوري إبان وجوده بلبنان، حين تسبب بجرائم قتل عديدة على أساس طائفي في طرابلس تحديدا.

 

وقال إن وزير الداخلية السوري اللواء محمد الشعار متهم بالضلوع المباشر بارتكاب جرائم إبادة بحق مئات اللبنانيين في منطقة باب التبانة شمال لبنان عام 1986، وهي ما أججت برأيه الاشتباكات الطائفية بين جبل محسن وباب التبانة لسنوات.

 

ووقعت المذابح خلال معارك ثمانينيات القرن الماضي بين القوات السورية وعدد من التنظيمات الإسلامية ذات الغالبية السنية، التي عارضت الهيمنة والوجود العسكري السوري في المدينة آنذاك، وكان محمد الشعار حينها مسؤول المخابرات الأول في المنطقة.

 

ويتفق باحثون مع هذا التوجه إذ يرون أن ما أوصل "المزاج السنّي" إلى هذه الحال هو حالات "الاحتقان" التي تعرض لها السنّة منذ 7 مايو/أيار 2008 -نزول حزب الله بسلاحه للشوارع وإسقاطه قتلى وجرحى- إلى أحداث عبرا، التي جرى فيها إنهاء ظاهرة الشيخ أحمد الأسير عسكريا بصيدا، وغيرها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

مصر الانقلاب.. عندما تصبح المحاماة جريمة

مصر الانقلاب.. عندما تصبح المحاماة جريمة

 

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

 

لم تعد مهنة المحاماة في مصر تقتصر على بحث أوراق قضية وجمع أدلة ثم ارتداء ثوب المحاماة لإلقاء مرافعة تقنع هيئة المستشارين ببراءة أو إدانة المتهم، فالمحامون يتعرضون منذ الانقلاب العسكري لمعاناة تصل حد الاعتقال بسبب التضييق الأمني والسياسي.

 

توجّه مسرعا إلى القاعة التي تنعقد فيها جلسة محاكمة طلاب جامعة القاهرة بتهمة التظاهر، وبذل ما في وسعه كمحام لإقناع هيئة المستشارين ببراءة موكليه، وبعد ساعات من المداولة القضائية خرج الحكم بتبرئة المتهمين وحبس المحامي بتهمة التظاهر.

 

ما تعرض له المحامي جمال رفعت ريحانة ليس مشهدا في رواية نسجها مؤلف واسع الخيال، لكنه حقيقة وقعت داخل قاعات محكمة الجيزة الابتدائية، وهي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يتعرض لها المحامون المصريون منذ الانقلاب العسكري.

 

المحامي والمنسق العام للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم يؤكد صدور قرارات ضبط وإحضار بحق 600 محام من بينهم 270 محاميا رهن الحبس الاحتياطي منذ الانقلاب العسكري حتى أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الجاري وفق إحصائية أعدتها التنسيقية.

 

ويضيف غنيم للجزيرة نت أن التهم الموجهة للمحامين تنحصر في المشاركة في مظاهرات مناهضة للسلطة والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، موضحا اعتقال عدد كبير منهم داخل قاعات المحاكم وهم يؤدون أعمالهم. ويبين أن أغلب وقائع انتهاك القانون تحدث للمحامين في محافظات القاهرة والجيزة والبحيرة وفق رصد التنسيقية.

 

وعن موقف نقابة المحامين يقول إن نقيب المحامين -المؤيد للانقلاب العسكري- أصدر قرار بتشكيل لجنة للنظر في فصل الزملاء المعتقلين، وفق تأكيد غنيم.

 

جانب من مرافعة المحامين في قضية غرفة عمليات ميدان رابعة (الجزيرة)

 

جهود مضنية بذلها المحامي أحمد أبو العلا لتحديد مكان احتجاز موكله، الذي ألقي القبض عليه فجر الأول من يوليو/تموز الماضي دون معرفة التهمة الموجهة له.

 

وظل المحامي الشاب يبحث عن عضو الهيئة العليا لحزب الوسط المهندس حسام خلف طيلة أيام في أقسام الشرطة إلى أن تلقى اتصالا من نيابة أمن الدولة لإعلامه بمكان الاحتجاز.

 

مُنع أبو العلا من فحص محضر التحريات أو نص التحقيقات مع المتهم بالانتماء لتنظيم إرهابي، وظل المحامي حلقة وصل بين موكله الممنوع عنه الزيارة وأسرته لمدة شهور.

 

ويقول "لا أقوم بدور قانوني فقط في كثير من القضايا التي أعقبت الانقلاب العسكري، فأنا أتولى طمأنة الأسر على أحوال ذويهم المتهمين، وإيصال مبالغ مالية لهم خلال جلسات استئناف الحبس الاحتياطي".

 

جانب من مرافعة المحامين في قضية غرفة عمليات رابعة (الجزيرة)

 

وخلال جلسات تجديد الحبس الاحتياطي للمهندس خلف بمعهد أمناء الشرطة، والتي استمرت طيلة خمسة أشهر، تعرض أبو العلا لإجراءات وصفها بالانتقامية، بدءاً من التفتيش الذاتي وعدم السماح بدخول الهواتف لقاعات المرافعة، إلى عدم وجود استراحة للمحامين أو مجرد توفير كراس للانتظار، وانتهاءً برفض طلبه المتكرر بإخلاء سبيل المتهم على ذمة القضية.

 

وعن العوائد المادية لمهنة المحاماة عقب الانقلاب، يوضح أن غالبية المدافعين عن متهمي القضايا السياسية يرفضون الحصول على مقابل مادي من الموكلين.

 

كما يشير إلى تأثر الإقبال على مكاتب المحاماة بالاتجاهات السياسية للمحامين، وأردف "المؤيدون للسلطة يحجمون عن توكيل محام رافض للانقلاب، إما خوفا من تعسف القضاء تجاه قضاياهم وإما لرغبتهم الشخصية".

 

المحامي أحمد أبو لعلا أمام معهد أمناء الشرطة (الجزيرة)

 

مسعد محمدين -صاحب متجر- لم يرحب باقتراح صديق له بتوكيل محام معارض للسلطة في قضية جنائية لأحد أقاربه، ويقول "رغم أن المحامي الذي اقترحه صديقي ناجح في مهنته، فإنني فضلت أحد المحامين ذوي المواقف السياسة غير المعلنة".

 

ويبرر محمدين -في حديثه للجزيرة نت- موقفه بعدم الرغبة في التعامل مع محام مشهور بآرائه السياسية تجنباً لتأثر القاضي بالتوجه السياسي للدفاع.

 

وفي أواخر سبتمبر/أيلول الماضي قرر مجلس النقابة العامة للمحامين برئاسة سامح عاشور المؤيد للانقلاب العسكري، فصل أربعة محامين -ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين- من عضوية المجلس لتغيبهم عن جلسات المجلس، وفق نص الفصل.

 

وشهدت المحاكم وقائع انسحاب محامين من الجلسات اعتراضا على ما وصف بالتعسف القضائي والأمني، ومنها واقعة انسحاب المحامي أحمد حشمت بسبب منع أمن معهد أمناء الشرطة دخول موكله -مجدي محمد المتهم في قضية أحداث مجلس الوزراء- من قاعة المحكمة.

 

وسبق أن هددت هيئة الدفاع عن الرئيس المعزول محمد مرسي بالانسحاب بسبب ما وصفته بالإجراءات التعسفية من قبل المحكمة مثل وضع حائط زجاجي بين المتهمين والمحامين.

 

معاناة شديدة يلقاها المحامون خلال جلسات المرافعة بعد الانقلاب العسكري (الجزيرة)

 

بدوره يلفت رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي محمد زارع  إلى معاناة المحامين من إجراء المحاكمات في أماكن عسكرية أو شرطية، وهو إجراء غير قانوني كونه يؤثر على نزاهة التحقيقات.

 

ويضيف زارع للجزيرة نت أن معاناة المحامين تمتد إلى التيار الذي ينتمي إليه الموكل، ويتابع "إذا كان المتهم ينتمي لتيار سياسي بعينه، فإن الفصائل السياسية الأخرى تهاجم المحامي الموَكل باعتباره ينتمي لفكر الموِكل".

 

ورغم اهتزاز ثقة الكثيرين في القضاء -حسب قول رئيس منظمة الإصلاح الجنائي- فإن ذلك لا يمنع أهالي المتهمين من توكيل محامين، "وفي حال الإحجام عن توكيل محام فالقانون يكفل لهيئة المحكمة تعيين محام للمتهم"، وفق تأكيده.

 

وفي المقابل اتهم نقيب المحامين سامح عاشور في تصريح إعلامي أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالسعي لإسقاطه من منصبه بالتعاون مع أعضاء الحزب الوطني المنحل بسبب تأييد النقابة لعزل الرئيس السابق محمد مرسي.

 

ولكن خلال مؤتمر نظمته جبهة شباب 30 يونيو، أكد عاشور عدم وجود موانع لدفاع المحامين في قضايا لأعضاء الإخوان المسلمين، لافتا إلى ضرورة حماية النقابة جميع المحامين طالما أن إجراءاتهم قانونية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

الأزياء الإسلامية تتنفس في فنلندا

الأزياء الإسلامية تتنفس في فنلندا

 

جورج حوراني-هلسنكي

 

في الوقت الذي تجتاح أوروبا موجة من الإسلاموفوبيا والحساسية المفرطة من الرموز الإسلامية وخصوصا الحجاب، تبدي فنلندا ترحيبا لافتا بالأزياء الإسلامية ليس على الصعيد المجتمعي فقط، بل على المستوى الرسمي والدبلوماسي، رغم أن المسلمين في فنلندا لا يزيد عددهم عن 70 ألف نسمة.

 

ومن تتاح له زيارة مراكز التسوق الكبرى في وسط العاصمة هلسنكي وخصوصا في محلات الأزياء المعروفة "ماريميكو"  و"أتش آند أم" السويدية الصنع، يلحظ وجود زوايا تشمل تشكيلة متنوعة لأزياء المحجبات على طراز الموضة الغربية من عباءات وفساتين سهرة بألوان مختلفة وجذابة، فضلا عن أغطية الرأس.

 

وقد بدأت أزياء للمحجبات تلقى رواجا متناميا، حيث استضاف مؤخرا مجمع كايسا الثقافي عرضا للأزياء الإسلامية من تصميم أمينة، وهي مصممة أزياء مسلمة من أصول صومالية، واستقطب العرض عشرات السيدات، وأثار دهشة الحضور من المتسوقين ورواد المطاعم المنتشرة بين طبقات المجتمع.

 

وشكل ظهور العارضات المشاركات بأزياء الموضة ذات الطابع الإسلامي مفاجأة لدى العديد من المتابعين للعرض. ووصفت وسائل الإعلام المحلية التي غطت العرض بأنه حدث إيجابي وسط تنامي موجة الإسلاموفوبيا، في ظل الحملة التي تشنها وسائل إعلام كبرى في أوروبا تربط فيها بين التطورات السياسية في الشرق الأوسط بالإسلام كدين.

 

شابات فنلنديات بالأزياء الإسلامية أثناء العرض الأخير في مجمع كايسا الثقافي (الجزيرة)

 

وتسعى الشابات المسلمات من الجيل الثاني من المهاجرين أو من معتنقات الإسلام حديثا، اللواتي انخرطن في سوق العمل، إلى التوفيق بين التزامهن الديني وتصاميم وأزياء إسلامية تعكس الموضة الرائجة. 

 

أفراح البياتي، فتاة فنلندية من والد عراقي وأم فنلندية، واحدة من جيل الشابات المسلمات اللواتي يعتبرن الحجاب التزاما بتعاليم دينهن، ويبحثن في الوقت نفسه عن الأناقة وحسن المظهر. ومنذ أن ارتدت أفراح الحجاب أخذت مسألة الموضة الإسلامية تسيطر على اهتماماتها.

 

وتؤكد أفراح -وهي في مطلع الثلاثينيات من العمر وأم لطفلين- أن المرأة يجب أن تكون قوية بطريقتين: بدينها وكذلك بحضورها في المجتمع. وتقول "أحب أن أتعلم باستمرار وأن أتعرف على أشياء جديدة، وكذلك المشاركة في الأنشطة والحوارات التي لها علاقة بنا كنساء مسلمات".

 

وتهتم أفراح كثرا بمتابعة تصاميم الأزياء الإسلامية، وهي تتحدث بحماسة عن نظرتها لموضوع عالم الأزياء والموضة التي تجمع بين الحداثة والالتزام الديني قائلة "كنت دائما تلك المرأة التي تحب الجمال وارتداء الملابس الأنيقة. والحجاب بالنسبة لي هو فريضة من الله. وأحب الأزياء البسيطة ولكن الأنيقة، ورغم إعجابي ببعض مصممي الأزياء أو الماركات العالمية لكنني أفضل التقاط أجزاء من التشكيلات والتصاميم بهدف خلق أسلوبي الخاص".

 

أفراح البياتي بأزياء الموضة الإسلامية الدارجة في فنلندا (الجزيرة)

تحاول أفراح -من خلال ارتداء الأزياء الإسلامية الحديثة- الرد على الأحكام السلبية المسبقة عن الإسلام عبر تقديم صورة أكثر إشراقا وإيجابية عن المرأة المسلمة وحجابها. وتخاطب المجتمع بشكل ضمني بأن"العديد منا يريد القيام بعمل ما أو مزاولة مهنة معينة. ولذلك ينبغي الاستفادة من قدراتنا ومواهبنا وحرفيتنا رغم ارتدائنا اللباس الشرعي".

 

وتجد أفراح أمامها تشكيلة واسعة من الأشكال الإسلامية الحديثة، وليست مضطرة لارتداء الأزياء الشرعية التقليدية، بل تجد خيارات كثيرة ومتنوعة من اللباس الأنيق والحضري والمريح.

 

ولم يمنعها ارتداء الحجاب من مزاولة عملها سابقا حارسة أمن في إحدى الشركات. وتقول "لم يكن لدي أي مشكلة في ارتداء الحجاب مع الزي الرسمي للعمل، ويعود الفضل في ذلك إلى رب العمل الذي كان منفتحا لقبول ارتدائي الحجاب".

 

لكنها استدركت أن "الزي الرسمي الموحد الذي باتت تفرضه غالبية الشركات والمصانع الكبرى على الموظفين والعاملين لديها، غير مريح للنساء المسلمات اللواتي يضطررن لاستكمال زيهن الشرعي، لأن معظم ملابس العمل ذات أكمام قصيرة".

 

فتاة فنلندية تعرض أزياء أثناء التصوير (الجزيرة)

 

وتماشيا مع عالم الأزياء الإسلامية، أدرجت العديد من المستشفيات وخدمات الرعاية الصحية في فنلندا مؤخرا  سياسات مرنة تتقبل ارتداء الحجاب، حتى إن بعض المستشفيات أصبحت توفر الأوشحة وأغطية الرأس الخاصة بها.

 

وفي السياق ذاته أعلن قسم خدمات البروتوكول التابع للحكومة المركزية عن خطة شراء عباءات مسلمة للوزيرات في الحكومة لارتدائها أثناء الزيارات الرسمية للبلدان المسلمة، وذلك في مبادرة للتعبير عن احترام عادات وتقليد تلك البلدان.

 

وترى السفيرة ومديرة قسم البروتوكول في وزارة الخارجية الفنلندية تينا مولونتاوستا أن اللباس الخاص لدى النساء المسلمات في فنلندا أو تغطية الرأس هو في نهاية المطاف رمز أساسي من رموز الهوية الثقافية للأقلية المسلمة، التي تسعى للحفاظ على خصوصيتها في المجتمع الفنلندي المتنوع.

 

افراح البياتي بأزياء الموضة الاسلامية (الجزيرة)

وتعرب عن ارتياحها للأزياء والموضة الإسلامية التي تضيف مساحة لحرية الاختيار وتضفي ارتياحا لدى الغالبية غير المسلمة من الرأي العام المحلي.

 

وترى أنه كان من الضروري اتباع مثل هذه الخطوات عندما يتعلق الأمر بزيارات رسمية لبلدان مسلمة، فالمسألة تتخطى كونها تعبيرا عن احترام الثقافات والهويات الدينية للبلد المضيف إلى أنها تساهم في بناء علاقات تواصل وثقة في إطار أشمل، لأن المرء ببساطة يحاول إبراز هويته الدينية والإثنية والوطنية من خلال اللباس.

 

وتشير مولونتاوستا إلى أن ارتداء المسلمات الحجاب في فنلندا أصبح أمرا مقبولا لحد كبير، حيث تسمح المدارس للفتيات بارتداء غطاء الرأس، وكذلك الأمر بالنسبة للمدرسات، طالما أنه لا يشكل أي خطر على الفتيات أثناء ممارسة الرياضة البدنية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

الثورة والثورة المضادة.. ربيعا العرب وأوكرانيا

الثورة والثورة المضادة.. ربيعا العرب وأوكرانيا

 

عامر لافي
موفد قناة الجزيرة إلى أوكرانيا

 

اتهم كثيرون الثورة البرتقالية في أوكرانيا التي اندلعت عام 2004 بأنها مؤامرة أميركة غربية دعمتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج يوش الابن، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية لواشنطن في مواجهة موسكو الساعية للحفاظ على علاقة طيبة مع إرثها السوفياتي.

 

بل هناك من كتب عن أن الدوائر الغربية هي من كانت ترسم الخطط وتوجّه كل صغيرة وكبيرة داخل ميدان الاستقلال وسط العاصمة كييف, ابتداء من حركة المحتجين واعتصاماتهم وانتهاء باختيارهم اللون البرتقالي لراياتهم وأعلامهم, مرورا باتهامات أشيعت وقتها بشأن توزيع أطعمة على المحتجين وصفت وقتها بالوجبات السريعة التي لم يعهدها الأوكرانيون.

 

لكن بالنسبة لأولئك الذين جاؤوا من مختلف المدن الأوكرانية واعتصموا بعشرات الآلاف في ميدان الاستقلال في البرد القارس أواخر عام 2004 لم يروا في الثورة البرتقالية سوى ربيع أوكراني هدفه الرئيسي إخراج بلدهم من حقبة الوصاية الروسية ومحاربة الفساد، وأن يحكم أوكرانيا قادة مخلصون لديهم القدرة على انتشالها من مستنقع الأوضاع الاقتصادية المتردية.

 

خرجوا وقتها عقب الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية للاعتراض على فوز المرشح المقرب من موسكو فيكتور يانوكوفيتش على حساب مرشح المعارضة فيكتور يوشينكو متهمين إياه بالتزوير والفساد وترهيب الناخبين.

 

وانتصرت الثورة عندما أعلن عن إعادة الانتخابات في أجواء شفافة، وأسفرت وقتها عن فوز مرشح المعارضة يوشينكو الذي تحول إلى بطل قومي، وكذلك الحال بالنسبة لرفيقته المرأة القوية المعارضة يوليا تيموشينكو.

 

تظاهرة في مدينة خاركيف شرق أوكرانيا (الجزيرة)

بعد هذا النصر وصلت ثقة الأوكرانيين بأنفسهم عنان السماء وانتعشت آمالهم بتحقيق مستقبل أفضل وانتقال بلدهم إلى مصاف الدول الأوروبية المتقدمة، التي أشعلوا ثورتهم للانتقال إلى معسكرها بعيدا عن جارتهم روسيا.

 

لكن خمس سنوات كانت كافية لتنهار كل هذه الأحلام, ولكي يعود النظام القديم إلى الحكم ليس على ظهر دبابة العسكر وإنما ديمقراطيا، من خلال اكتساح الانتخابات الرئاسية عام 2010 التي فاز بها فيكتور يانوكوفيتش، بينما لم يتجاوز ما حصل عليه بطل الأمس وأمل الأمة فيكتور يوشينكو 5%.

 

لكن ما الذي جرى؟ وهل كان ذلك نتيجة ثورة مضادة أفشلت الثورة الحقيقية، أم سذاجة وقلة خبرة وربما انتهازية من أوصلتهم الثورة إلى الحكم؟ والحقيقة أنه في الغالب تكون الأولى نتيجة للثانية, فأول انتخابات برلمانية في أوكرانيا بعد الثورة البرتقالية أجريت عام 2006، بعد أكثر من عام على الثورة، أي أن برلمان ما قبل الثورة ظل يحكم بعد الثورة.

 

كما لم تجر أي عمليات تطهير لمن يوصفون برجال روسيا في المؤسسات الأمنية والعسكرية والاستخبارات, بل هناك حديث عن صفقة تمت فيما بعدُ بين روسيا ورئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو بعد أن تراجعت موسكو عن تهديد تيموشينكو بمحاكمتها في قضية رشوة لمسؤولين روس لتتغير بعدها سياسة السيدة القوية من معادة روسيا إلى مهادنتها ومن ثم التقارب معها.

 

هنا كانت بداية القطيعة مع رفيق الثورة الرئيس يوشينكو, واستمرت الخلافات الحزبية والشخصية تعصف بالبلاد, لتقوده في العام التالي إلى انتخابات برلمانية مبكرة عام 2007، وكادت الخلافات أن تأخذ البلاد نحو انتخابات جديدة عام 2008، لكنها ألغيت في آخر لحظة.

 

جانب من المواجهات السابقة في ميدان الاستقلال (الجزيرة)

وفي ظل هذه الأجواء انخفضت قيمة العملة إلى النصف, وانخفض إجمالي الناتج القومي أكثر من 15% وارتفعت أسعار المواد الغذائية والمحروقات. وتصدرت أوكرانيا قوائم الدول الأكثر فسادا في العالم، في ظل سطوة رجال الأعمال على السياسة والسياسيين في البلاد.

 

لكل هذه الأسباب مجتمعة قرّر الشعب الأوكراني عام 2010 أن يعيد إلى سدة الحكم من ثار عليه بالأمس, لكنه احتاج إلى نحو ثلاث سنوات ليكتشف أن ما قام به هو جلد للذات وعقاب للنفس, ليعود الشعب للثورة مرة ثانية نهاية 2013 من خلال الاحتجاجات الواسعة التي شهدها ميدان الاستقلال وسط العاصمة كييف.

 

ولكن يبدو أن النظام السابق أدرك هذه المرة أن الوعي زاد وأنه سيصعب تكرار السيناريو السابق, كما أن سنوات الحكم منحت الفرصة لتعزيز التغلغل في مؤسسات الدولة المختلفة, فكانت الأداة المناسبة لإنجاح السيناريو الجديد, ألا وهي حفظ المصالح الروسية في هذا البلد بالقوة, فما جرى يوم هروب يانوكوفيتش هو أن سلطة الدولة انهارت تماما وحصل فراغ في السلطة, فقد غادر معه عدد من القيادات التي تسيطر على مفاصل الدولة إلى جانب مساعدة من يعتقد أنهم رجال النظام في مؤسسات الدولة المختلفة.

 

واحتاجت البلاد إلى نحو عشرة أيام لملء الفراغ، وهو ما جعل المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين في الأقاليم غير قادرين على تحريك ساكن خلال هذه المدة, التي كانت على ما يبدو كافية لضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا ولانفصال مدينتي لوهانسك ودونيتسك, دون أن تقوم الدولة بأي تحرك سريع يمكن أن يمنع حصول ما جرى قبل أن يستقر الوضع للانفصاليين المدعومين من قبل روسيا.

 

بعد الثورة الجديدة جرت انتخابات رئاسية أتت بوجه جديد هو السياسي الداعم لاحتجاجات ميدان الاستقلال والمقرب من الغرب ورجل الأعمال ملك الشكولاتة، كما يوصف في أوكرانيا، المليونير بيترو بوروشينكو، الذي اكتسح الانتخابات من الجولة الأولى, في الوقت الذي لم تتجاوز فيها نسبة الأصوات التي حصل عليها المرشح المحسوب على روسيا 3%.  

 

من مظاهرات الاحتجاج في كييف (الجزيرة)

تلتها لاحقا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي انتخابات برلمانية مبكرة جاءت نتائجها كالتالي:

 22.17% (حزب رئيس الوزراء أرسيني ياتسنيوك) حزب الجبهة الشعبية.

 21.82% كتلة الرئيس بوروشينكو

 10.99% حزب المساعدة الذاتية

 9.38% للكتلة المعارضة

 7.38% للحزب الراديكالي

  5.68% حزب الوطن

 

الأحزاب الثلاثة الأولى هي أحزاب جديدة، والخامس حزب جدّد نفسه، وهي كلها أحزاب ديمقراطية ليبرالية, أوروبية التوجه، وفي الغالب هي مزيج من أوجه سياسية جديدة ومن ناشطي احتجاجات ميدان الاستقلال. أما الحزب السادس فهو حزب رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو, وهو أيضا حزب أوروبي الهوى، أما الحزب الرابع فهو حزب جديد ينتمي أغلب أعضائه إلى حزب الأقاليم، الحاكم السابق المحسوب على روسيا.

 

منذ احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني حاول الإعلام الروسي أو المحسوب على موسكو أن يروج فكرة أن أوكرانيا تتجه نحو التطرف القومي، وأن الأحزاب القومية العنصرية الفاشية هي التي أصبحت تتحكم في الدولة، وأن حزب القطاع اليميني -الذي يوصف أعضاؤه بالنازيين الجدد- أصبح قوة أساسية على الأرض، ويشكل عناصره العمود الفقري للقوة العسكرية الأوكرانية التي تقاتل في شرقي أوكرانيا.
وعندما زرت المقر الرئيسي لهذا الحزب في العاصمة كييف وجدت أن الحزب قومي لكنه يقدم نفسه على أنه وطني يضم في صفوفه شبابا من الذين كانوا فاعلين في احتجاجات الميدان وأن بعضهم ينتمون إلى أعراق مختلفة، بل أديان مختلفة بمن فيهم المسلمون, كما اتضح لنا أن لديهم كتيبة واحدة فقط تتكون من نحو ثلاثمائة من متطوعي الحزب تدعم الجيش الأوكراني قرب مطار دونيتسك شرق البلاد.

 

وقد جاءت نتائج الانتخابات لتكذب ما حاولت ترويجه وسائل الإعلام، فقد حصل حزب القطاع اليميني على 1.80% بينما حصل حزب الحرية القومي المتطرف على 4.71% أي أنهم لم يتجاوزوا عتبة 5% المؤهلة لدخول البرلمان. لكن على ما يبدو فقد نجح هذا الإعلام في تخويف المواطنين في الشرق وعزز تمسكهم بفكرة الانفصال عن مجتمع من المفترض أنه سيهمشهم، ولن يعطيهم حقوقهم بسبب جذورهم الروسية.

 

ويتضح نجاح وسائل الإعلام من خلال فشل الزيارة التي قام بها الرئيس بوروشينكو صباح يوم الانتخابات إلى المناطق الشرقية لحض المواطنين على مشاركة واسعة في الانتخابات, فقد كانت المشاركة ضعيفة ولم تتجاوز في كثير من هذه المناطق 25%.

 

بوتين حول روسيا إلى دولة معادية في نظر الكثير من الأوكرانيين (الجزيرة)

نعم كل تحرك شعبي وكل ثورة لها خصائصها المختلفة، وكذلك الحال بالنسبة لكل ثورة مضادة, وتحدد ملامحها عوامل الثقافة والجغرافيا والطبيعة السياسية والعسكرية للبلاد. لكن هذا لا يمنع من أخذ العبر والدروس من أي تجربة كانت، فقد تساعد في رسم صورة للمستقبل, وهذا بعض ما يمكن استنتاجه من التجربة الأوكرانية.

 

عندما تعرف الشعوب طريق الثورة فنجاح الثورة المضادة لا يعني بالضرورة أنها لن تثور مرة ثانية، أما المدة فيحددها وعي الشعوب والظروف الداخلية في المقام الأول ومن ثم الظروف الخارجية.

 

وعندما تثور الشعوب على الثورة المضادة فعلى الثوار أن لا يتوقعوا ردة فعل مشابهة لما كان عليه الحال في المرة الأولى، فكما يزداد الوعي لدى الثائرين يزداد استعداد النظم الحاكمة.

 

وعندما تثور الشعوب مرة ثانية فلن ترفض فقط أعوان النظام السابق، بل هناك احتمال كبير أن تجنح الثورة للتغير الكلي وتطرد أولئك الذين أوصلتهم إلى السلطة في المرة الأولى، لكنهم فشلوا في الحفاظ على الثورة، ناهيك عن تحقيق أحلام الشعوب.

 

هنا في الحالة الأوكرانية اختفى البطل والرئيس السابق يوشينكو من المشهد السياسي ككل وعندما سألت أحد الزملاء الصحفيين في كييف عن الرجل قال لي شاهدته قبل نحو أسبوع يتسوق في أحد المحلات الكبرى (سوبرماركت)، دون أن يكترث به أحد, وبالكاد تمكن حزب الوطن (حزب تيموشينكو المرأة التي كانت إحدى رموز الثورة البرتقالية) من تجاوز حاجز دخول البرلمان وهو الذي حصل في آخر انتخابات برلمانية عام 2012 على أكثر من 25%.

 

أوكرانيا شهدت أحداث عنف واسعة بعد إعلان شرق البلاد انفصالها (الجزيرة)

فعلى الشعوب أن لا تتوقع من الغرب مواقف ثابتة، لا مؤيدة ولا معادية للثورة, فالمصالح والظروف هي التي تتحكم في مواقف دوله، وهي تتراجع عند شعورها بأي تهديد، حتى لو كانت الديمقراطية ستأتي بأحزاب حليفة لها، وليس كما هي الحال في المنطقة العربية حيث قد يصل إلى الحكم من يعتقد أنهم سيهددون مصالحها على المدى البعيد.

 

وسيبقى للإعلام المرئي تحديدا دور محوري في إنجاح أو إفشال أي ثورة، فهو من يعيد صياغة الوعي الجمعي للشعوب والمجتمعات أو لجزء كبير منها، وذلك رغم ثورة المعلومات وتطور وسائل التواصل الاجتماعي، التي على ما يبدو ما زال تأثيرها يشمل شريحة معينة فقط داخل المجتمعات.

 

لا شك أنه يمكن وصف الثورة المضادة في أوكرانيا بأنها من نوع الخمس نجوم، إذا ما قورنت بما جرى في بعض دول الربيع العربي، فانتصارها في المرة الأولى لم يترتب عليه قتل وتنكيل واعتقال وترهيب واتهام بالإرهاب لكل من شارك في الثورة.

 

ولم يعم كره قادتها للثوار عن تبعات التحالف مع أعداء الأمس للسيطرة على البلاد عسكريا لصالح دول أخرى, ولم تجر البلاد إلى حرب أهلية وتدخل عسكري خارجي, ولم تنفق العديد من الدول أموالا طائلة لإفشال المسار الديمقراطي في البلاد.

 

وعلى الرغم من ذلك احتاجت الثورة في أوكرانيا ثلاث سنوات لتعود من جديد، وما زالت تحاول، فلا يمكن الحديث عن نجاح تحقق في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة، وفي ظل شبح الانقسام الذي يهدد البلاد.

 

ويبقى السؤال: كم ستحتاج ثورات الربيع العربي لتعود وتعبر عن نفسها؟ وكم ستحتاج من الوقت لكي تنتصر؟ وهل تدرك الأنظمة أن من تذوق طعم الحرية لن ينساه أبدا؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

أفغانستان.. ساحة للتفاهم الإيراني الأميركي

أفغانستان.. ساحة للتفاهم الإيراني الأميركي

 

أحمد زبير
صحفي وكاتب أفغاني

 

يعتقد كثير من الناس أن أفغانستان هي ساحة للصراع على النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، لکن التطورات السياسية على الساحة الأفغانية تثبت عکس ذلك، فكلا البلدين له مصالح مشترکة في أفغانستان، فإيران تدعو إلی "تطهير" أفغانستان من نفوذ طالبان والقوى السنية المسلحة، ومن ورائها باكستان، لكن ليس في أفغانستان فحسب بل فی العراق وسوريا في معركة تقودها أميرکا، بعد ما اعترفت الإدارة الأميرکية -وإن بصورة غير رسمية- بدور إيران کقوه إقليمية في المنطقة.

 

واستغلت الحکومة الإيرانية الأحداث والتطورات السياسية المتلاحقة في أفغانستان لتجد لنفسها موطئ قدم في هذا البلد من خلال دعمها القوي للأحزاب الشيعية ومساعدتها سياسيا وماليا لتحالف الشمال بقيادة الزعيم الراحل أحمد شاه مسعود للوقوف ضد نظام طالبان لمدة خمس سنوات کاملة.

 

ولم يعد التمدد الإيراني في أفغانستان مجرد توقعات وتحليلات، بل أصبح واقعا ملموسا بعد أن تمكنت الجمهورية الإسلامية من بسط نفوذها السياسي والثقافي والتعليمي إلى حد غير مسبوق، وبمباركة أميركية.

 

لافتة لجامعة خاتم النبيين التي أسستها إيران في كابل (الجزيرة)

 

التمدد الإيراني الواسع في ظل الحكم الأميركي لأفغانستان يثير التساؤل في الأوساط السياسية داخل أفغانستان وخارجها حول وجود اتفاق سري بين الطرفين.

 

فقد عملت إيران والولايات المتحدة معا منذ الهجوم الأميرکي علی أفغانستان، ولا يزال التعاون بينهما مستمرا. فحركة طالبان هي العدو المشترك للطرفين، وكانت طهران هي التي قدمت معلومات استخباراتية لواشنطن قبل الهجوم علی أفغانستان.

 

وكان السفير الأميرکي السابق في العراق وأفغانستان رويان کروکر کتب في مذکراته أنه "بعد أسبوع من هجمات 11 سبتمبر أجرينا محادثات في جنيف مع عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين حول غزو أفغانستان،  وما أثار استغرابي واهتمامي هو حماس الدبلوماسيين الإيرانيين لإرسال القوات الأميرکية إلی أفغانستان، وفي أوائل أکتوبر/تشرين الأول أي تقريبا بعد شهر من هجمات 11 سبتمبر کنا جالسين في قاعة المؤتمرات في الأمم المتحدة، وکنا نتحدث مع الإيرانيين حول البرلمان الأفغاني ما بعد طالبان، فقام أحد الدبلوماسيين الإيرانيين وقال طالما أن نظام طالبان قائم في أفغانستان فلا فائدة من مثل هذه المحادثات".

 

النظام الإيراني تحدث مرارا وتکرارا عن معارضته الشديدة لتوقيع الاتفاقية الأمنية بين کابل وواشنطن، واعتبرها خطا أحمر في السياسة الخارجية الإيرانية، لکن عندما صوت المجلس القبلي الموسع (لويا جيرغا) وبأغلبية ساحقة لصالح توقيع الاتفاقية في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 تغير موقف طهران بصورة دراماتيکية.

 

وعندما طالبت القيادات الشيعية في البرلمان الأفغاني وخارجه بإنشاء قاعدة عسکرية أميرکية في ولاية باميان ذات الأغلبية الشيعية، تصور بعض المحللين الأفغان أن طلب هذه القيادات دليل علی استقلالها عن صانع  القرار الإيراني.

 

لكن التصريحات الصحفية اللاحقة من کبار القادة الإيرانيين أثبتت أن إيران أيدت التوقيع على الاتفاقية، حيث صرح مسؤول رفيع المستوی في القنصلية الإيرانية في مدينة هرات، وهو السيد محمود أفخمي، خلال مؤتمر صحفي في فبراير/شباط 20014 بأن طهران تؤيد التوقيع علی الاتفاقية الأمنية بين أفغانستان وأميرکا، لأنها تحافظ علی الأمن والمصالح القومية للشعب الأفغاني، وأن أفغانستان دولة مستقلة وتستطيع توقيع اتفاقية مع أي بلد بما في ذلك الولايات المتحدة الأميرکية.

 

وبعد ثلاثة أيام فقط من تصريح القنصل الإيراني جاء بيان غير مسبوق وبلهجة جديدة للسيد علي أکبر ولايتي -المستشار السياسي في الشؤون الدولية للمرشد علي خامنئي- أشاد فيه بالسياسة الأميرکية في أفغانستان بقيادة الرئيس باراك أوباما، واعتبرها سياسة ذکية وموفقة.

 

تعزز الحضور الشيعي في أفغانستان في العقد الأخير بفضل النفوذ الإيراني المتزايد - (الجزيرة)

 

إلى جانب استثماراتها الواسعة والکبيرة في أفغانستان، تنفق الحکومة الإيرانية أموالا کثيرة في المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي في أفغانستان. وتؤكد أن تلك المساعدات هدفها تحسين وتشجيع الأنشطة الثقافية والتعليمية في أفغانستان. ولکن يعتقد محللون أفغان أن إيران تستخدم تلك المساعدات لتوسيع نفوذها الديني والمذهبي في أفغانستان. فقد أسست إيران عشرات المکتبات في معظم المدن الرئيسية مثل کابل وهرات ومزار شريف.

 

وتشير تقارير إعلامية إلى أن عددا کبيرا من الطلبة الأفغان الشيعة يواصلون دراساتهم العليا في إيران، إلى جانب عدد من الصحفيين الذين يتلقون التدريب الإعلامي في إيران. هذا فضلا عن التمويل الإيراني لعدد من وسائل الإعلام المطبوعة ومحطات التلفزة التابعة للأحزاب والمنظمات الشيعية في كابل.

 

وفي جانب الثقافة المجتمعية، بدأ الكثير من الطلبة والطالبات في الجامعات الأفغانية يتحدثون اللغة الفارسية باللهجة الإيرانية وليس "الداري" المستعملة في أفغانستان، ويعتبرون ذلك مصدر فخر لهم.

 

حفل تخريج طلبة من جامعة أفغانية تشرف عليها إيران (الجزيرة)

 

في أفغانستان شبكة واسعة من الجامعات الإيرانية أو التابعة لها في العاصمة کابل، منها جامعة آزاد الإسلامية الإيرانية- فرع کابل، وجامعه پيام نور الإيرانية، وجامعة خاتم النبيين تحت إشراف آية الله محسني، وجامعة ابن سينا، وجامعة أهل البيت، إلى جانب عشرات المدارس والمعاهد في مختلف الولايات الأفغانية.

 

وتعتبر جامعة آزاد الإسلامية الإيرانية- فرع کابل من أکبر الجامعات الإيرانية في کابل، وتأسست عام 2010 بترخيص رسمي من الحکومة الأفغانية وبمبارکة أميرکية، في مبنی من خمسة طوابق، وحسب تصريحات إعلامية فإن جامعة آزاد بصدد بناء مجمع خاص لها، في محاولة لفتح فروع لها في الولايات الأفغانية الأخری، وخاصة  في المدن الکبری، الشمالية والغربية.

 

أما جامعة پيام نور فهي جامعة إيرانية تدار من قبل مواطنين إيرانيين مباشرة، وعندما سألت رئيسها الإيراني عن الهدف من إنشاء الجامعة أجابني بأن إيران "تريد أن تساعد أفغانستان في تطورها علميا ورعاية المواهب المتميزة في المجتمع الأفغاني، ولا شك أن القواسم الثقافية واللغوية المشترکة بين المجتمعين سيکون لها دور هام وبنّاء في تعزيز علاقاتنا الودية الحسنة".

 

وجامعة خاتم النبيين التي يرأسها آية الله محسني والتي تعتبر أکبر جامعة أفغانية، يملکها الشيعة في کابل ولها فروع في ولاية غزني ومديرية جاغوري ذات الأغلبية الشيعية. تتميز بهندستها المعمارية الجديدة في أفغانستان، وكلف بناؤها أکثر من 13 مليون دولار أميركي، وبنيت علی مساحة أکثر من هکتار من الأرض.

 

وتحتوي الجامعة أكثر من 600 غرفة دراسية، فضلا عن غرف النوم التي تستوعب أکثر من 1600 من طالب، وبها قاعة احتفالات ومؤتمرات کبيرة تتسع لأکثر من 2000 شخص، وتضم مكتبتها أكثر من 360 ألف کتاب.

 

الشيعة في أفغانستان أثناء أحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين في كربلاء (الجزيرة)

 

يتخوف كثير من السياسيين الأفغان من تمدد وتوسع النفوذ الإيراني في بلادهم، إلا أن انشغال الحکومة بالنزاعات العرقية الداخلية بين البشتون والطاجيك، وبالحرب مع حركة طالبان، يفتح الطريق أمام إيران والتيارات السياسية الشيعية لتنفيذ مخططاتهم المذهبية والثقافية والتعليمية.

 

وربما تمكنت إيران والأحزاب الشيعية الموالية لها من تشكيل قوة سياسية تحتاج لها الجماعات السياسية السنية، کما حدث في الانتخابات الرئاسية الماضية، مما سمح بصعود القيادات والتيارات الشيعية إلی أعلی المناصب الحکومية، لأول مرة في تاريخ أفغانستان، وتم كل ذلك برغبة أميرکية.

 

ويبدو في الوقت الراهن أن الحکومة الأفغانية ليس لديها رؤية واضحة والإرادة السياسية الكافية لمواجهة التدخلات الإيرانية، ولأسباب عديدة منها وجود القيادات الشيعية الموالية لإيران في السلطة المرکزية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

ألمانيا المتباينة على ضفتي جدار برلين

ألمانيا المتباينة على ضفتي جدار برلين

 

 خالد شمت - برلين

 

ترى هانالوره طبيبة الأمراض الباطنة بحي بانكو البرليني الشرقي أن وحدة الألمانيتين بعد سقوط جدار برلين قبل ربع قرن مثلت حدثا تاريخيا فارقا أثبت عدم صحة مقولة استحالة لقاء الغرب بالشرق، وساهمت في إحداث نقلة وظيفية نوعية كبيرة لها ولكثيرين أمثالها من مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية الآفلة.

 

وعددت هانالوره -للجزيرة نت- جملة إيجابيات مهنية ومزايا اقتصادية حصلت عليها وزوجها توماس مهندس المياه بعد الوحدة، غير أنها اعتبرت أن الاندماج بين شطري البلاد مع تحققه بالكامل قد أبقى على تبيانات مختلفة على الأصعدة الاقتصادية والثقافية والمجتمعية. وضربت مثالا براتبها -الذي ظل مثله مثل رواتب مهن أخرى بشرق البلاد- أقل من رواتب زملاء من نفس المهن في مدن وولايات غربي ألمانيا.

 

ولا يعتبر انخفاض الرواتب الذي تحدثت عنه الطبيبة هانالوره مظهر الاختلاف الاقتصادي الوحيد بين غرب وشرق ألمانيا بعد 25 عاما من سقوط جدار برلين.

 

فرغم إنفاق ألمانيا الموحدة أكثر من تريليوني يورو منذ 1990 على تطوير البنية التحتية وإقامة مشروعات بولايات الشرق السبع، فإن هذه المناطق ما زالت تعاني من ضعف النمو والركود وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الرواتب والمعاشات التقاعدية، مما أدى لانخفاض مستويات المعيشة وإيجارات السكن فيها بشكل ملحوظ.

 

حنين لألمانيا الشرقية دولة الجدار بمظاهرة للحزب الشيوعي الألماني ببرلين (الجزيرة)

 

وتسبب توقف مصالح ومشروعات كثيرة في شرق ألمانيا وإغلاقها أبوابها بعد الوحدة، في هجرة أعداد كبيرة من السكان -أكثرهم من الشباب والنساء- إلى غربي البلاد أو إلى دول أوروبية والولايات المتحدة بحثا عن فرص عمل. وتقدر إحصائيات رسمية هجرة مليوني شخص من ولايات شرق ألمانيا، وتتوقع أن يقل عدد السكان هناك بواقع الثلت عام 2030.

 

وتبدو التباينات الاقتصادية بين سكان شرق وغرب ألمانيا بعد 25 عاما من سقوط جدار برلين أقل من مثيلاتها الثقافية والمجتمعية، وتحدثت دراسة نفسية حديثة عن اختلاف كبير في أسلوب التواصل لدى سكان الولايات الألمانية الشرقية المعروفين ببساطتهم وطابعهم العاطفي وحبهم للكلام، وسكان ولايات الغرب الذين يغلب عليهم الأسلوب العملي.

 

وأشارت كريستينا، الموظفة بأحد متاحف ولاية تورينغين الشرقية، في حديثها للجزيرة نت إلى أن مناقشاتها مع زملائها بغرب البلاد أظهرت لها أنهم لا يبدون اهتماما بتاريخ ألمانيا الشرقية وعادات مواطنيها، إلا إذا تطرق الحديث إلى قمع جهاز استخبارات ألمانيا الديمقراطية "الرهيب" (شتازي).

 

ولفتت كريستينا إلى تطور، وصفته بالإيجابي، واكب احتفالات البلاد هذا العام بسقوط جدار برلين هو تراجع زخم التركيز -مثلما جرى بالسنوات الماضية- على طبائع الألمان الشرقيين الذين كان يطلق عليهم أسم "أوسي".

 

أطلال جدار برلين تحولت لمزار سياحي يجذب ألاف الألمان والأجانب (الجزيرة)

 

وتشير دراسات اجتماعية ميدانية إلى استمرار شكوى الألمان الشرقيين من سير الوحدة بين شطري البلاد الغربي والشرقي في طريق واحد حدده الشطر الغربي، وعدم إبقاء الوحدة الكثير من خصائص ألمانيا الشرقية.

 

لكن بيرنهاردت الأكاديمي بجامعة كولونيا غربي ألمانيا نفى للجزيرة نت هذا التصور، وأشار إلى أن مستشارة ورئيس البلاد هما من مواطني الولايات الشرقية، ورأى أن التداخل الاجتماعي بين غربي البلاد وشرقيها ساهم في تغيير صورة الأسرة في مدن غربي البلاد، من خلال تزايد الاهتمام بتوزيع المسؤوليات بين الرجل والمرأة على غرار ما كان موجودا بالولايات الشرقية.

 

ورغم التباينات الموجودة بجوانب مختلفة بين غربي وشرقي ألمانيا، ووجود مظاهر تطفو بين حين وآخر لحنين الألمان الشرقيين لنموذجهم الحياتي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، فإن استطلاعات مختلفة للرأي أظهرت أن  أغلبية سكان الولايات الشرقية أكدت رفضها العودة للحياة بجمهوريتها السابقة، والاستمتاع بالحياة في ألمانيا الموحدة وما تتيحه لها من رفاه وتطور.

 

ألاف الألمان احتفلوا أمام برلمانهم بمرور ربع قرن علي سقوط جدار برلين (الجزيرة)

وقالت هايدي الخبيرة الاستشارية النفسية ببرلين للجزيرة نت إن رفض أغلبية الألمان الشرقيين العودة إلى نمط حياتها السابق، مرتبط برفضها للقمع الهائل، الذي طبع الحياة بكافة جوانبها في جمهورية ألمانيا الشرقية.

 

ولفتت إلى أن الألمان الشرقيين يرون فيما حصلوا عليه بعد سقوط جدار برلين والوحدة من حريات واسعة كحريات التعبير عن الرأي والسفر، وفي تحولهم لمواطنين عالميين، قيمة إنسانية رفيعة لم تتوفر لهم بجمهوريتهم السابقة، ولا يمكنهم الاستغناء عنها.

 

ونوهت الخبيرة النفسية إلى أن هذا الرضا لدى سكان الولايات الألمانية الشرقية بما تحقق لهم بعد سقوط الجدار والوحدة، يقابله تراجع قناعاتهم بقدرة النظام الرأسمالي على تقديم حلول لمشاكلهم ولأزمات العالم.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك