آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:37 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:37 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/16-

"سهيل" فضاء جديد للحرية

 محمد المختار الخليل
 مدير تحرير موقع الجزيرة نت

كانت السلطة الرابعة وعلى وجه التحديد الفضائيات الإخبارية إحدى أهم قوى الدفع للربيع العربي حتى بلغ ما بلغ من نجاحات في عدد من الدول العربية، والتي حاولت بعض الأنظمة الساقطة في مراحل ترنحها الأخيرة أن تحول دون وصول رسالة هذه الفضائيات إلى الجماهير الثائرة في ميادين التحرير والحرية وتلك المشدودة إلى شاشات التلفاز تتابع تفاصيل الثورة ومسارها لحظة بلحظة.

 

ونجحت بعض الأنظمة التي أسقطتها ثورات شعوبها أن تحجب بث بعض الفضائيات أو تشوش عليه لا سيما قناة الجزيرة لبعض الوقت، وهو ما مثل تحديا، أو لونا جديدا من الصراع بين حرية الرأي والحق في امتلاك المعلومة، وبين أنظمة أدمنت حجب فضاء المعلومات عن شعوبها، ودأبت على مدى عقود على تلقين الشعوب الرواية التي تريد.

 

قبل أيام سجلت دولة قطر نجاحا جديدا يضاف إلى قائمة نجاحاتها في كسر أطواق الكبت والحجر على أفكار الشعوب العربية، بإطلاقها قمرها الصناعي الجديد (سهيل سات)، لتمتلك حيزا فضائيا حرا، لا رقابة عليه من أنظمة مستبدة، ولا تسخير للفضاء العربي وأقماره الصناعية لخدمة زعيم أو مصالح نظام فاسد على حساب الشعوب وحقوقها.

 

فضاء (سهيل) الجديد كان ضرورة لتكتمل منظومة حرية الرأي التي أطلقتها قطر على شاشة الجزيرة، وخلقت لدى المواطن العربي مساحة جديدة من الوعي والمعرفة والكلمة الحرة.. أثمرت جميعا ربيعا عربيا ما يزال يقاوم كل قوى الشد العكسية لإحالته إلى صيف قائظ.

 

لكن طالما اكتشفت شعوب المنطقة قدرتها على التغيير، وآمنت بأنها شعوب حية كغيرها من شعوب المعمورة، ووجدت إلى جانبها من يفتح لها فضاء الحرية ويضعها في قلب الأحداث بصدق وحيادية، فإن المنطقة تبقى تسير في اتجاهها الصحيح حتى تصل محطتها الأخيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

شكلت الثورة الإسلامية في إيران مدخلا لمرحلة سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ولأنها انتهجت خطا معاكسا لسياسة نظام الشاه الموالي للولايات المتحدة وإسرائيل، فقد دخلت إيران الثورة في صراع مع واشنطن والغرب بمجمله تجلى على مدى العقد الأخير في معركة المفاوضات التي خاضها الطرفان حول البرنامج النووي الإيراني.

 

ورافق معركة المفاوضات حول النووي عقوبات أميركية وغربية اقتصادية وتقنية ومالية على الجمهورية الإسلامية، أرهقت الاقتصاد النفطي وشكلت ضغطا على الحكومات المتتابعة. وعلى مدى العقد ذاته أرهقت الحروب في أفغانستان والعراق والأزمة الاقتصادية العالمية كاهلي واشنطن، ولم تعد تقوى على المزيد من المواجهة الواسعة المكلفة.

 

ارهاق الطرفان أجبرهما على اللقاء في منتصف الطريق، وكان منتصف الطريق في جنيف، حيث حشدت واشنطن القوى الست الكبرى للقبول بإيران نووية دون أن تشكل رعبا عسكريا للإقليم.

 

وباتفاق جنيف حول النووي الإيراني دخلت المنطقة من جديد في منطف سياسي كيوم ولادة الثورة الإيرانية. إذ سيترتب على الاتفاق النهائي إن تم، والمؤشرات ترجح تمامه، خريطة تحالفات جديدة ترسم في الشرق الأوسط، فالأجواء الجديدة بين إيران والغرب، وتحديدا أميركا، يعني إعادة ترتيب العديد من الملفات.

 

فعلى صعيد المنطقة يتطلع المراقبون لانعكاسات الاتفاق على ملفات مثل سوريا والعراق كمناطق نفوذ إيراني. وفي لبنان يستعد حزب الله لقطف ثمار الاتفاق أو دفع ثمنه من مقاومته. وهل سيتغير الموقف الإيراني الداعم للمقاومة الفلسطينية؟

 

وعلى صعيد الداخل الإيراني كيف سيدير الحرس الثوري -غير المرحب بالتقارب مع "الشيطان الأكبر"- العلاقة مع الرئيس حسن روحاني الذي تبنى الاتفاق مع الغرب ومن ورائه مرشد الجمهورية. إضافة إلى انعكاسات الاتفاق على الاقتصاد الإيراني المرهق.

 

هذه الملفات جميعا يعالجها هذا العدد من مجلة الجزيرة، من خلال ملف خاص يتناول القضية بمقالات لمختصين في الشأن الإيراني والأميركي، وتقارير من مراسلي الجزيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

الحرس الثوري وروحاني.. الصدام الحتمي

الحرس الثوري وروحاني.. الصدام الحتمي
 د. فاطمة الصمادي
باحثة في مركز الجزيرة للدراسات ومتخصصة بالشأن الإيراني

 

 قبل فترة وجيزة من اتفاق جنيف، كان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي يطلق مصطلح "الدبلوماسية المرنة الشجاعة" في اجتماع لقادة الحرس الثوري، الجهة القادرة أكثر من سواها على إجهاض محاولات التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

ولأول مرة في تاريخ العلاقة المحكمة بين مؤسسة المرشد ومؤسسة "الحرس" يطلب منهم عدم التدخل في السياسة، في تناغم مع ما طلبه روحاني في يوم سبق ذلك الاجتماع، حين قال إن الساحة السياسية ليست المكان المناسب لهم. كل ذلك كان يمهد لقرارات على أعلى المستويات تجاه عدد من القضايا الحساسة وفي مقدمتها العلاقة مع أميركا وملف إيران النووي، وهو ما قد يُدخل مؤسسة الحرس في مرحلة جديدة، وهي المؤسسة التي لعبت -وما زالت تلعب- دورًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا إلى جانب دورها العسكري.

 

أسباب عديدة جعلت الحرس الثوري في إيران يقبل على مضض اتفاق جنيف. والحقيقة أن هذا الاتفاق لم يكن ليمر بدون موافقة من هذه المؤسسة، فقد قررت أن تمنح حسن روحاني هامشا من المناورة  في هذه القضية الحساسة، مراهنة عليه كمفاوض محنك قد يتمكن من خلخلة وإضعاف سلسلة العقوبات التي أحكمت حلقاتها في السنوات الأخيرة، وعلى وجه التحديد عندما طالت قطاعي النفط والبنوك، وهو ما وجه ضربة مباشرة للاقتصاد الإيراني، ومنه اقتصاد الظل الذي يسيطر الحرس الثوري على جزء كبير منه.

الاتفاق النووي يحمل نقاطا مبهمة لا ترضي الحرس الثوري ولا تضمن لإيران اتفاقا نهائيا  (رويترز)

 

قوة ممتدة

وعودة في التاريخ إلى الوراء، نجد أن حرس الثورة أنشئ ضمن شعار الحفاظ على الجمهورية والثورة الإسلامية، وإيجاد حالة من التعادل مع الجيش الإيراني الذي كان يعتقد الخميني أن الكثير من ضباطه لم يتخلوا عن ولائهم للشاه، لكن الظروف السياسية والتحديات العسكرية التي شهدتها إيران، خاصة مع ما أوجدته الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وما أبداه المنتسبون للحرس من تضحية وشجاعة في القتال، فتح المجال أمامه لدور في المجال الاقتصادي، ما لبث هذا الدور أن اتسع عمودياً وأفقياً، خاصة مع الدور الذي لعبه على صعيد إجهاض العقوبات الاقتصادية التي فرضت على إيران. وإيجاد طرق ومداخل للالتفاف عليها، وكذلك الدور الذي قام به على صعيد تأمين الاحتياجات الفنية والعسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وهذا الدور أوصل البرنامج إلى مرحلة تجعل من إيقافه عملاً في غاية الصعوبة.

 

وإن كان بعض الباحثين يرى أن الحرس "مؤسسة صغيرة داخل النظام، جسورة وترتكب الكثير من الأخطاء" فإن الباحث علي آلفونه يعتقد أن الحرس لديه وجود عميق ومتنفذ في المؤسسة الحاكمة، ويعكس في عمله وجهة نظر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية. بل إن تطورات الساحة السياسة منذ عام 2009 وانتخابات الرئاسة العاشرة، وما رافقها من احتجاجات وما تبعها من نتائج، تجعل المتابع يذهب إلى أكثر من ذلك.

 

فقد برهنت هذه التطورات على أن هذه المؤسسة تلعب دورا أكبر من القيام بعملية "انعكاس" لما يراه المرشد، فهي تؤثر في قراراته، بل تصوغ من خلال حلقة المستشارين المحيطة به بإحكام، ما يشكل البنية الأساسية لأي قرار للمرشد في ملفات حساسة في مقدمتها الملف النووي، والعلاقة مع أميركا، وحزب الله، والعراق وسوريا.

 

تحوَّل دور الحرس مع الزمن وبفعل التحديات التي واجهتها إيران إلى مؤسسة أمنية عسكرية، وكان لهذا الجانب -تحديداً- دوره في جعل الحرس يدخل شيئاً فشيئاً إلى المجال السياسي والمجال الاقتصادي ويحرز دوراً ونفوذاً على هذين الصعيدين.

 

ولا يمكن إنكار الدور السياسي للحرس، لكن الدور الاقتصادي لا يقل عنه أهمية، إن لم يكن يتفوق عليه، وهو ما جعل الحرس ينظر بشكل مختلف إلى "اتفاق جنيف" كمدخل يمكن من خلاله كسر حلقة الحصار الذي بدأ يهدد مشاريعه.

 

الحرس الثوري الإيراني قوة مؤثرة في الحياة الإيرانية بكل أبعادها (الأوروبية)

دولة اقتصادية داخل الدولة

وتنبع أهمية الدور الاقتصادي من الوجود القوي للحرس في الاقتصاد الداخلي لإيران، وكذلك على صعيد التجارة الخارجية. واستطاعت هذه المنظمة أن تنتقل من مشاريع صغيرة ومعدودة لإعادة بناء ما دمرته الحرب إلى مؤسسة تضطلع بمشاريع بنية تحتية وعمرانية كبيرة. واستفاد "الحرس" من نفوذه في مجال الصناعات العسكرية، ودخل سوق "الحاجات اليومية" ذات المردود الجيد من خلال مؤسسات تجارية صغيرة خاصة منتشرة في كل أنحاء إيران. 

 

ورغم الجدل الذي يحيط بذلك فإن النشاط الاقتصادي للحرس يأتي مدعوماً قانونياً، في نص دستوري واضح، فالمادة 147 من الدستور تفصل في الوظائف الاقتصادية لحرس الثورة "فالدولة في وقت السلام يجب أن تستفيد من الأفراد والتجهيزات الفنية للجيش في أعمال الإمداد، والتعليم والإنتاج والبناء، مع رعاية الموازين الإسلامية، وبما لا يمس بالجاهزية القتالية".

 

وللحرس أيضاً نقاط بحرية تمتد على مسافة 1500 ميل على سواحل الخليج، وباتت تسمى في إيران  "الأرصفة البحرية غير المرئية"، وتتهم هذه الأرصفة بأنها مجال واسع لتهريب البضائع إلى داخل إيران. ويعتبر مرفأ "شهيد رجائي" في هرمزكان مركزاً لتهريب النفط. وبدأ الفرع الاقتصادي للحرس الثوري المسمى "خاتم الأنبياء" بالسيطرة على مشاريع كبرى في قطاع النفط والغاز، والتي تبلغ قيمتها نحو عشرة مليارات دولار، علاوةً على أكبر مشروع يتعلق بمراحل التطوير الثلاث لحقل الغاز العملاق "فارس الجنوبي".

 

وفي الوقت الذي لم تجد وجهة النظر القائلة بضعف تأثير العقوبات ما يسندها من حجج منطقية، كانت وجهة النظر المعارضة تفرض حضورها مدعومة بالأرقام الصادرة عن مؤسسات اقتصادية داخل إيران وخارجها. فالعقوبات كانت سببا رئيسيا في ارتفاع التضخم ليصل إلى 30% وفق أرقام البنك المركزي الإيراني، و35% وفقا لخبراء وأساتذة اقتصاد إيرانيين، و42% وفق تصريحات صدرت عن الرئيس الإيراني، "ما يجعلها نسبة مرتفعة للغاية إذا ما قورنت ببقية دول المنطقة، وربما بدول العالم بأسره".

 

ورافق ذلك ارتفاع نسبة البطالة إلى 13% وفقا لبعض الإحصاءات التي تعكس وجهة النظر الرسمية. وإن كانت إيران تحجم عن بيان المعدل الفعلي للبطالة إلا أنها لم تشهد منذ 1998 رقماً من خانة واحدة لمعدل البطالة، التي ترجع في واحدة من أسبابها إلى تراجع الاستثمارات الحكومية والخاصة. وإن كان معدل البطالة في العالم بالمتوسط يصل إلى 9.7% وفي المنطقة 6.9% فإن خبراء اقتصاديين إيرانيين يتحدثون عن معدل يتجاوز 25% في وقت يجب فيه أن ينخفض إلى 7%.

 

ولم يكن لاقتصاد يعتمد بصورة أساسية على عائدات النفط إلا أن يتأثر بشدة بالعقوبات، حيث انخفض تصدير النفط من 2.5 مليون برميل عام 2011 إلى 1.1 مليون برميل عام 2013 بنسبة تتجاوز 60%. وقاد ذلك إلى انخفاض عوائد إيران من النفط من مائة مليار دولار عام 2011 إلى 35 مليارا عام 2013.


وتراجع الإنتاج الإجمالي من النفط من أربعة ملايين برميل يوميا إلى 2.7 مليون.
وصاحب ذلك تراجع كبير في قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار والعملات الأجنبية. ولم تتجاوز نسب النمو الاقتصادي 0% خلال العامين الماضيين. وهذه نتيجة مخيبة للآمال خاصة لواضعي وثيقة "الرؤية المستقبلية لعام 2025 التي تهدف لجعل إيران القوة الإقليمية الأولى، والارتقاء بها على كافة الصعد، ومن ضمن ذلك تحقيق نسبة نمو اقتصادي تبلغ 8% حتى ذاك العام.

المرشد خامنئي مرجع الجميع في إيران هل يسيطر على الصراع المتوقع بين الحرس وروحاني؟ (غيتي )

غض الطرف.. بشروط

لم يتحرك روحاني باتجاه اتفاق جنيف بقراره المستقل، فقد حصل على ضوء أخضر من مرشد الثورة، وقرار المرشد جعل من الصعب على معارضي التقارب مع أميركا مهاجمة روحاني وإعاقة مساره. ومارس الحرس بدوره نوعا من غض الطرف عن مغازلات روحاني للغرب واليهود في إطار سعيه إلى "تحويل التهديد إلى فرصة" والذي أدركت القيادة الإيرانية على مختلف مستوياتها، بما فيها الحرس الثوري، أنه لن يتم إلا بإجراء تغيير في الخطاب والسياسة الخارجية.

 

فبدأ الرئيس روحاني عهده بتهنئة اليهود في العالم أجمع بعيد رأس السنة العبرية (روش هشانه)، وبالرغم من مسارعة الحكومة الإيرانية إلى نفي ذلك، والتأكيد على أن الرئيس روحاني لا يمتلك حسابًا على "تويتر"، إلا أن الوقائع تناقض تصريحات الناطق الحكومي. فقد أُنشيء حساب روحاني على تويتر مطلع مايو/أيار الماضي وتحدث فعلاً باسم روحاني في الانتخابات، وتضمّن معلومات دقيقة تتعلق بالموقف من عدد من القضايا، وأبرزها الحوار مع أميركا وضرورة إحداث تغيير في السياسة الخارجية الإيرانية. ونشر هذا الحساب منذ ذلك التاريخ أكثر من 13 ألف تغريدة، بمعدل خمسين تغريدة في الأسبوع. جاءت التغريدات منسجمة مع دعوة روحاني إلى تغيير في السياسة الإيرانية بالداخل والخارج، ولم يصدر منذ ذلك التاريخ أي نفي لأي منها.

 

وواصل الحرس الثوري سياسة غض الطرف لاحقًا، عندما اختار روحاني "سيامك مرصدق" النائب اليهودي في البرلمان الإيراني، ليرافقه في زيارته إلى نيويورك. والحال نفسه عندما نشر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في حسابه الرسمي على "تويتر" مجموعة تغريدات تصب في الاتجاه نفسه، مشيرًا إلى أن بلاده لا تنكر المحرقة، أو "الهولوكوست"، وأن الرجل الذي أنكر المحرقة قد غادر، قاصدًا بذلك الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وذلك على عكس ما حدث مع أحمدي نجاد، الذي سعى، ورغم تصريحاته المستفزة بشأن إنكار المحرقة وغيرها، إلى فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية. وكذلك ما حدث مع محمد خاتمي (الرئيس الأسبق) الذي خرجت ضده مسيرات أكفان تندد بمحاولاته طي صفحة الخلاف مع الولايات المتحدة الأميركية وتلقى نقدا لاذعا من قبل قادة الحرس.

 

ومع هذا يجب ألا نسرف في توقع استمرار أداء الحرس في هذه القضية على هذا المنوال، وقد بدأت أولى الإشارات إلى أزمة قادمة مع الرئيس روحاني في تصريحات لقائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري نشرها الإعلام الإيراني مؤخرا. فالحرس وإن كان يريد مخرجا لأزمة العقوبات فإنه لن يسمح بتوسيع هامش استقلال القرار لمؤسسة الرئاسة وتوسيع صلاحياتها على حساب صلاحياته، وهي المحاولات التي لم يتهاون بشأنها مع الرؤساء السابقين.

 

 وإذا ما استمر روحاني وطاقمه -وعلى وجه التحديد وزير خارجيته- في رسم مسار سياسي مستقل، فسيجد نفسه آجلا أم عاجلا يواجه نفس المعضلات التي واجهها رفسنجاني وخاتمي وحتى أحمدي نجاد نفسه في الفترة الرئاسية الثانية لكل منهم، فبعد أن نجح رفسنجاني في تعزيز مكانة الطبقة المتوسطة في فترته الرئاسية الأولى، كان في فترته الرئاسية الثانية يفقد السيطرة شيئا فشيئا على الوزارات الهامة والمؤسسات الأمنية، ومنذ ذلك الوقت أصبحت وزارة الاستخبارات تابعة بشكل فعلي -وإن كان غير معلن- للمرشد، وبمعنى أدق أصبحت محصورة في الحلقة المحيطة به، وجلها من الحرس، وهو ما اصطلح على تسميته في إيران بـ "بيت رهبري" أي بيت القائد. ومنذ ذلك الحين بدأت مأسسة القوى الموازية للحكومة.

 

وتكرر الأمر مع الرئيس السابق محمد خاتمي، ففي فترته الرئاسية الأولى نجح في تعزيز مكانته داخل المجتمع، وشهدت الحياة السياسية انفراجا لا يمكن انكاره، انعكس على الأحزاب والجمعيات والمجتمع المدني. لكن الأمر لم يستمر في دورته الرئاسية الثانية حيث شكل اغتيال أكثر من سبعين شخصا جلهم من المفكرين ضربة كبيرة لمسيرة خاتمي. ومع ثبوت تورط الاستخبارات الإيرانية، وجد خاتمي نفسه يواجه حكومة موازية، نجحت في إجهاض مخططه خاصة على صعيد نزع صفة العسكرة عن المجتمع الإيراني. أما أحمدي نجاد فقد حاول أن يخضِع النشاط الاقتصادي للحرس لسلطة ورقابة الحكومة، لكنه لم ينجح، وبدلا من ذلك دخل في مواجهة مع المؤسسة الأقوى في إيران، ووجد نفسه في صراع مع البرلمان ومهددا بالإقصاء، واتهم تياره بـ "الانحراف" وما زال سيف المحاكمة مُصلتا على رقبته.

 

جعفري وروحاني أو الحرس والرئاسة يسيران باتجاه الصدام وجها لوجه (الأوروبية)

فرص الصدام قائمة

تريد مؤسسة الحرس إنجاز الاتفاق مع الغرب، ومنح ما جرى التوافق عليه في جنيف فرصة للنجاح، لكنها لن تسمح أن يأتي ذلك بدون شروطها وخطوطها الحمراء، خاصة فيما يتعلق بنفوذها وتأثيرها في الملفات الكبرى وفي مقدمتها الملف النووي. ورغم حرص الجميع في إيران على إظهار تماسك الجبهة الداخلية فإن التصريحات الأخيرة تشي بانقسام لا يمكن تجاهله.

 

ففي الشهر الماضي قدم الجنرال جعفري تحذيرا واضحا لوزير الخارجية ظريف بأن "لا يتكلم في شأن ليس من اختصاصه ولا يفهم فيه". ولم تستطع قيادة الحرس أن تخفي غضبها من تصريحات لظريف قال فيها "إن الإنسان الإيراني هو من يخيف الغرب وليست بعض الصواريخ" وإن بلاده يجب أن تأخذ التهديد العسكري الذي تمثله أميركا على محمل الجد "فالدفاعات العسكرية يمكن تدميرها بسهولة". قرأ الحرس في تلك التصريحات تجاوزا لا يُغتفر من "دبلوماسي من ذوي الخبرة، ولكن ليس لديه أي خبرة في المجال العسكري". والحقيقة أن اتفاق جنيف فيه ثلاثة مآخذ من الممكن أن يستخدمها الحرس لمحاصرة فريق روحاني والضغط عليه، وهي:

 

- لم يرد في الاتفاق أية جملة تنص على الاعتراف رسميا بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، طبقا للمادة الرابعة من معاهدة وكالة الطاقة الذرية. ولا يمكن اعتبار أن عبارة "استمرار التخصيب" التي وردت في نص الاتفاق تعني "الاعتراف رسميا".

 

-عند الحديث عن الخطوات النهائية في الحل، وضعت مجموعة (5+1) ثلاثة شروط ليكون التخصيب جزءا من البرنامج النووي الإيراني، وهذه الشروط هي:

1- أن يكون محدودا من حيث المستوى والقدرة وحجم المخزون المخصب، ونطاقه وموقعه.

2-أن يخضع لرقابة مشددة.

3-إثبات الحاجة العملية له  (Consistent with practical-needs)وهذا الشرط تحديدا يعطي الجانب الغربي فرصة القول بأن الحاجة العملية لا تتطلب قيام إيران بالتخصيب داخل أراضيها، وذلك بسبب الحاجة إلى وقود للمفاعلات. وهذه الشروط تعكس في حقيقتها سعيا لتفكيك البنية التحتية لتخصيب اليورانيوم.

 

نص اتفاق جنيف صراحة على ضرورة التزام إيران بقرارات مجلس الأمن الدولي. وهذا يعطي للقوى الغربية الحق بأن تطلب تعليق التخصيب حتى بالنسبة لما دون 5% الذي تم القبول به. وهو ما ينص عليه قرار مجلس الأمن.

 

وتمهيدا لاتفاق جنيف وفي أيلول الماضي، قطع رأي المرشد بأن دور الحرس يجب أن يكون بعيدا عن السياسة، لكن قيادة الحرس اليوم ترى رأيا آخر نجده في آخر تصريحات جعفري حين قال "إن التهديد الرئيسي للثورة هو في الساحة السياسية، والحرس لا يمكن أن يبقى صامتاً في وجه ذلك".

 

"الابتلاء بالغرب" هو العنوان الذي بدأ يتشكل وسيكون شعار الحرس في صدامهم مع روحاني الذي بدأ مبكرا، في مواجهة القوى الموازية التي جرى مأسستها خلال السنوات الماضية، وتتركز إدارتها في حلقة أمنية مقربة من المرشد، ونفوذ هذه القوى على الصعد السياسية والاقتصادية هو ما سيجعل الصدام معها أمرا حتميا، إذا ما أراد روحاني أن ينفذ ما تضمنه برنامجه الواعد على هذه الصعد، ولم يستطع أن يدير العلاقة مع منافسه القوي بذكاء، وقد بدأت قوته ونفوذه يسولان له الاستحواذ على السلطة بكل أركانها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

المسوغات الأميركية في التوجه نحو إيران

المسوغات الأميركية في التوجه نحو إيران
د. أسامة أبو ارشيد
باحث متخصص بالشئون الأميركية

 

 جاء الاتفاق الانتقالي الذي توصلت إليه إيران مع القوى العالمية 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين، بالإضافة إلى ألمانيا) في جنيف يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ووضع قيودا على برنامجها النووي مقابل تخفيف طفيف للحصار المفروض عليها، "مفاجئا" و"صادما" للمتابعين ولبعض حلفاء أميركا الأوثق في المنطقة، السعودية وإسرائيل. 

 

وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول حقيقة ما إذا كانت الولايات المتحدة في وارد إعادة تعريف تحالفاتها وموضع دورها في منطقة الشرق الأوسط في ظل الحديث المتصاعد عن انسحاب أميركي متدرج من المنطقة، جراء الإرهاق الإستراتيجي الذي تعاني منه بعد أكثر من عقد من الحروب التي أنهكت اقتصادها واستنزفت قدراتها، فضلا عن التفرغ لمواجهة التحدي الأبرز الذي يهدد مكانتها كقوة اقتصادية عالمية أولى جراء تصاعد الدور الصيني في فضاء "آسيا والباسيفيك".

 

هذا المقال يهدف بالدرجة الأولى إلى سبر المسوغات الأميركية للتوجه نحو إيران وسياقاته، لكن قبل مناقشة المسوغات لا بد من تقديم الخلفية التي أمنت الإطار الإستراتيجي أميركيا للسعي لاجتراح تقارب، أو -على الأقل- تفاهم مرحلي مع إيران.

 

الانتشار الأميركي الكبير في الخليج العربي لم يمنع إيران من مد نفوذها في المنطقة وخاصة العراق (غيتي)

خلفيات التوجه الأميركي نحو إيران

بداية ينبغي أن نُذَكِّرَ هنا بأن باراك أوباما انتُخب رئيسا للولايات المتحدة أواخر عام 2008 على أساس برنامج تعهد فيه بوضع حد للمغامرات العسكرية الأميركية التي ميزت عهد سلفه جورج بوش، والتي كلفت الخزينة الأميركية أموالا طائلة تسببت في إغراق البلاد في ديون هائلة. 

 

وهكذا سعت السياسة الأميركية الخارجية تحت إدارة أوباما إلى التخفف من عسكرتها ومالت أكثر إلى التعاون الدولي والعمل إلى حد كبير عبر الأطر الدولية والأخرى الحليفة، لا بشكل منفرد.

 

فأميركا التي ورثها أوباما عام 2009 مختلفة عن تلك التي ورثها بوش عن كلينتون عام 2001، سواء من ناحية المكانة الإستراتيجية والسمعة الدولية، أم من ناحية اقتصادها ووحدتها الداخلية. أبعد من ذلك، فإن أوباما ورث أميركا مستنزفة في معركتين أساسيتين (العراق وأفغانستان)، فضلا عن حرب هلامية على "الإرهاب"، بينما التحديات الإستراتيجية الحقيقية التي تواجه الولايات المتحدة لم تكد تجد لها وقتا لدى صانع القرار الأميركي.

 

وهو ما أقر به أوباما في خطابين له أمام الأكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت" في نيويورك: الأول في ديسمبر/كانون الأول 2009، والثاني في مايو/أيار 2010. وملخص الخطابين أن أميركا غير قادرة على التورط في صراعات تتجاوز إمكانياتها ومسؤولياتها ومصالحها. كما أنها غير قادرة على المحافظة على حجم تدخل واسع في العالم دون أن يكون لذلك تداعيات كارثية على اقتصادها ورفاهيتها.

 

تعزز هذا المعطى أيضا مع إعلان إدارة أوباما في مارس/آذار 2012 "للإستراتيجية الأميركية الدفاعية الجديدة" التي جعلت مجال تركيزها الجيوستراتيجي منطقة "آسيا والباسيفيك"، الفضاء الهام جدا لاقتصاد أميركا ومستقبله، وذلك في مسعى منها لاحتواء تصاعد قوة الصين اقتصاديا وعسكريا فيه، في الوقت الذي تجد فيه الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى خفض نفقاتها الدفاعية جراء الأزمة الاقتصادية.  

 

هذه الإستراتيجية الأميركية الدفاعية الجديدة -وإن أبقت على الشرق الأوسط ضمن سياق المصالح الحيوية الأميركية عبر استمرار إستراتيجيتها لمنع بروز أي منافس إقليمي لسيطرتها فيه (تحديدا إيران)- غير أنها قلصت عمليا من الرغبة الأميركية في الانخراط المباشر في حروب المنطقة وهمومها.

 

ما سبق يعيننا على فهم بعض الأبعاد والأسباب التي دفعت باتجاه تغيير عميق في فلسفة وأولويات السياسة الخارجية الأميركية جراء التكاليف التي ناء تحتها كاهل الولايات المتحدة إن داخليا أو خارجيا.

 

وهي الخلاصات التي عاد أوباما لتأكيدها في خطابه أمام الدورة العامة الـ68 للجمعية العامة للأمم المتحدة في خطابه يوم 24/11/2013. وبهذا لا يمكن فهم التوجه الأميركي نحو إيران بعيدا عن سياق الاستنزاف الذي تعاني منه الولايات المتحدة إستراتيجيا.

 

مسوغات التوجه نحو إيران

ما سبق يقدم لنا الوعاء الإستراتيجي الذي يمكن من خلاله وفيه فهم المقاربات والمواءمات الأميركية الجديدة عالميا، وتحديدا في فضاء الشرق الأوسط، ولا شك أن مسوغات التوجه نحو إيران تندرج ضمن ذات السياق.

 

ثمة جملة من الأسباب يمكن الإشارة إليها لفهم المقاربة الأميركية الجديدة نحو إيران.

لعل واحدة من أهم المسوغات التي ينبغي التشديد والتأكيد عليها مرتبطة بالخلفية التي أوردناها سابقا، فالمقاربة الأميركية نحو إيران منذ عام 1979 تعاطت معها من منطلق العداء ومحاولات الاحتواء وتغيير النظام فيها كضلع أساس في "محور الشر"، والنظر إليها كتحد للهيمنة الأميركية المطلقة على المنطقة، واستخدمت إدارة بوش برنامج إيران النووي كذريعة للتحرش بها وفرض مزيد من العقوبات القاسية بحقها.

 

غير أن غرق الولايات المتحدة في وحل العراق وانفجاره في وجهها أنهكها اقتصاديا وعسكريا وإستراتيجيا. وهكذا، وبدل أن يكون العراق رافعة لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط أميركيا، تحول إلى عامل استنزاف لقدراتها، كما ساهم في ترسيم وتحديد قوتها عالميا.

 

 أما إيران التي كان ينظر إليها على أنها التالية على قائمة "المحافظين الجدد" فقد أضحت طرفا مرجوا ضمن سياق الحل أميركيا، خصوصا بعد أن ألقى الغزو الأميركي العراق في أحضانها.

 

أضف إلى ذلك ورطات أميركا الأخرى حينئذ، من حرب على "الإرهاب"، وورطة في أفغانستان، والتدهور الاقتصادي المرافق لذلك كله، وصعود قوى إقليمية في أميركا اللاتينية، ودولية، كالصين وروسيا، مستفيدة جميعها من الانهماك الأميركي في مغامرات عسكرية مجنونة.

 

كل هذا مجتمعا، قاد إلى تراجع القدرة الأميركية على فرض ما تريده دوليا، والشرق الأوسط لم يكن بعيدا عن تراجع القدرة الأميركية هذه، خصوصا بعد انسحابها أواخر عام 2011 من العراق. وترافق ذلك مع انطلاق الثورات في عدد من الدول العربية منذ أواخر عام 2010، والتي عصفت ببنى أنظمة، حليفة وغير حليفة للولايات المتحدة.

 

حينئذ اكتشفت الولايات المتحدة محدودية تأثيرها في الشرق الأوسط ضمن نسقه الجديد، في ذات الوقت الذي تعطل فيه توجهها للانسحاب التدريجي من المنطقة لصالح التركيز أكثر على "آسيا والباسيفيك".

 

وهكذا، بقي الشرق الأوسط معضلة في الحسابات الإستراتيجية الأميركية. فلا هي تملك ذات النفوذ الذي تمتعت به لعقود طويلة، ولا هي في وارد إلى الانسحاب منه. وكما أن الولايات المتحدة لم تكن وراء الثورات العربية، فإنها أيضا لم تستطع أن تنأى بنفسها عنها ومحاولة ركوب موجتها وتوجيهها، بل والتلاعب فيها، لئلا تتشكل الخريطة الثقافية والفكرية والجيوسياسية بعيدا عن تأثيرها.

 

فكان أن غرقت الولايات المتحدة في ملفات المنطقة، ولكن دون أن تكون صاحبة القول الفصل فيها.  كل هذا ضاعف من استنزاف القدرات الأميركية رغم توجه إدارة أوباما إلى التخفف من هذه الكلف الإستراتيجية الباهظة.

 

ضمن هذا المعطيات، كان لا بد لصانع القرار الأميركي من أن يعيد النظر في مقاربته للمنطقة آخذا في الاعتبار تراجع القدرة الأميركية عن التأثير دوليا وشرق أوسطيا. وهكذا وجدت إيران نفسها -وهي التي كان ينظر إليها أميركيا على أنها شوكة في الخاصرة- في قلب المواءمات الأميركية الجديدة في المنطقة.

 

ضاعف من أهمية إيران تفاقمُ الصراع في سوريا وصمود نظام الرئيس بشار الأسد إلى اليوم جراء الدعم الروسي الإيراني السخي بإسناد صيني، فضلا عن تحول سوريا إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي بالوكالة.

 

وترافق هذا كله مع حقيقة أن العقوبات الخانقة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران لكبح جماح برنامجها النووي، ومحاولاتها الحثيثة -بالاشتراك مع إسرائيل لتعطيله- لم تؤد إلى وقفه.

 

ووفق بعض المراقبين الأميركيين، فإن إدارة أوباما أدركت أن استمرار العقوبات لن يؤدي إلى تعطيل البرنامج النووي، وأن البديل سيكون حربا لا تريدها لكلفتها الباهظة وتداعياتها غير المأمونة.

 

بالإضافة أن أوباما تعلم من خطأ إدارة بوش عام 2003، وذلك عندما تقدمت حكومة الرئيس محمد خاتمي حينئذ بعرض لإدارة بوش للتفاوض حول برنامج إيران النووي، فكان أن رفضته بناء على تقييمها بأن إيران ضعيفة، وأنها أمام خيارين: إما أن تستسلم أو تنهار.

 

إيران استغلت وقت المفاوضات مع الوكالة الدولية في مضاعفة أجهزة الطرد المركزي لديها (أسوشيتد برس)

فما الذي ترتب على رفض إدارة بوش ذاك؟

في عام 2003 كان لدى إيران 164 جهاز طرد مركزيا، واليوم لديها 19 ألف جهاز. وهكذا وفق أولئك المراقبين، فإنه لولا اتفاق جنيف لاستمرت إيران في تطوير برنامجها النووي رغم وجود العقوبات. فالعقوبات الاقتصادية كانت قائمة عام 2003 ومع ذلك تطور البرنامج النووي الإيراني، ورغم أن نظام العقوبات اليوم أقسى، فإن إيران لن تعدم طرقا للتحايل عليه.

 

في المقابل، فإن لم تكن إيران في وضع أفضل، فمستوى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة أوباما على قطاعي الطاقة والبنوك فيها غير مسبوقة ومست بشكل مباشر حياة المواطن الإيراني العادي، مما قد ينذر بثورة عارمة قد تهدد استقرار النظام.

 

بل إن ثمة من يرى أن فوز الرئيس الإيراني حسن روحاني في يونيو/حزيران الماضي لم يكن ليتم لو لم يسمح له المرشد الأعلى علي خامنئي بالترشح في محاولة للقطع مع سياسات الرئيس السابق أحمدي نجاد المتشددة. مع ضرورة ملاحظة ما كشف عنه مؤخرا من أن اللقاءات الأميركية الإيرانية السرية في عُمان تجري منذ مارس/آذار الماضي، أي منذ رئاسة نجاد، وهو ما مكن من سرعة التوصل إلى اتفاق مرحلي لـستة  أشهر في جنيف.

 

وهذا إن عنى شيئا، فإنما يعني أن قرار التفاوض مع أميركا إنما هو قرار نظام لا قرار رئيس، غير أن هذا لا ينفي أن انتخاب روحاني المصنف غربيا على أنه "معتدل نسبيا" سهل على إدارة أوباما تسريع وتيرة المفاوضات مع إيران.

 

إذن، لم يكن للولايات المتحدة وإيران بد من تجاوز تبسيطات الأيدولوجيا في الصراع بينهما، فلا النظام الإيراني سينهار سريعا، وفق التقديرات الأميركية، ولا إيران قادرة على أن تتعامى عن وطأة العقوبات المفروضة عليها.

 

أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة أدركت أنه لا يمكن إعادة ترتيب أوراق المنطقة وتهدئتها دون مساهمة إيرانية، خصوصا في سوريا والعراق ولبنان واليمن. وفي المقابل، استوعبت إيران الدرس بشكل قاس، بأن الحفاظ على مناطق نفوذها التقليدية دون ترتيب مع الأميركيين سيكلفها الكثير، ولكن الولايات المتحدة لم تكن في وارد الانسحاب من الشرق الأوسط وإفساح المجال لهيمنة إيرانية على المنطقة.

 

النقطة الأخيرة تقودنا إلى ما يطرحه بعض المراقبين والخبراء في الحسابات الأميركية في الشرق الأوسط. فثمة من يرى أن الولايات المتحدة التي تراجعت قدرتها كثيرا عن فرض ما تريده في الشرق الأوسط، تبحث الآن عن خلق توازن بين قوى المنطقة الرئيسية، وتحديدا إيران وإسرائيل وتركيا والسعودية، بحيث لا يمكن لأي دولة من هذه أن تسيطر منفردة على المنطقة بعيدا عن الحسابات الأميركية وهيمنتها، بمعنى أنها تريد أن تخلق حالة من التنافس بين هذه الدول، لا تسمح لأي منها أن تملأ منفردة الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة جراء الانسحاب التدريجي من هموم المنطقة، للتركيز على إعادة بناء اقتصادها والتحديات العالمية الأخرى التي تواجهها.

 

يبقى بعد آخر لم نشر إليه، ويتعلق بإرث أوباما الرئاسي، فأوباما الذي أعلن في خطابه الأخير في الأمم المتحدة بأن الأولوية لدبلوماسية إدارته في المدى العاجل ستكون للتوصل إلى حل دبلوماسي للملف النووي الإيراني (دون استبعاد الخيار العسكري كخيار أخير)، وكذلك التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي يبحث عن إرث في السياسة الخارجية وفي ملفات أرهقت من قبله من الرؤساء.

 

وأوباما حين تحرك في الملف الإيراني كان واقعا تحت ضغط كبير، خصوصا فيما يتعلق بقلقه من أن كتب التاريخ قد تسجل أن تراجع الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط قد تمت تحت ناظريه، دع عنك قلقه من أن التاريخ قد يسجل أن إيران حصلت على القنبلة النووية جراء "سذاجته"، وذلك عندما ظن أنه يمكن الوصول إلى اتفاق سلمي معها يحول دون ذلك، وهذا ما يفسر تدخل أوباما شخصيا في تفاصيل الاتفاق كما أشار البيت الأبيض. 

ملحقات

في ضوء ما سبق يمكننا الآن فهم خلفيات الاستياء الإسرائيلي والسعودي من إرهاصات صفقة أميركية إيرانية قادمة قد تشمل ملفات إقليمية.

 

ولعل ما أوردته الإذاعة الإسرائيلية من أن تراجع أوباما عن قرار ضرب نظام الأسد في سبتمبر/أيلول الماضي بعد تهديده بذلك، بذريعة استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي في ريف دمشق، لم يكن بعيدا عن أجواء الصفقة الأميركية الإيرانية التي كانت لا تزال تجري في السر حينئذ.

 
وذات الأمر ينطبق على ما نقلته وكالة رويترز في 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري عن مصادر بالمعارضة السورية من أن الدول الغربية نقلت إليها رسالة مفادها أن محادثات جنيف2 التي ستجري الشهر القادم قد لا تؤدي إلى خروج الأسد من السلطة، وأن الأقلية العلوية التي ينتمي إليها ستظل طرفا أساسيا في أي حكومة انتقالية، فالمنطقة تشهد ترتيبات جديدة، سواء على الصعيد الأميركي الإيراني أم على صعيد الضغط الأميركي على إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية للتوصل إلى "اتفاق سلام"، حتى لو كان "اتفاق إطار" قبل أبريل/نيسان القادم.

 

خلاصة
من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغييرات بنيوية، سواء على صعيد صفقة دولية (الولايات المتحدة-روسيا)، أم على مستوى صفقة (أميركية-إيرانية) محتملة، وإسرائيل لن تكون بعيدة أبدا عن بنود وتفاصيل هذه الصفقة التي ستحفظ لها مكانتها المتفوقة في المنطقة "كـوكيل أميركي" موثوق.

أما الطرف الوحيد الغائب فهو الطرف العربي، خصوصا بعد أن ساهم جزء من العرب في وأد التغيير الجاري في المنطقة وتحديدا في مصر، مما أخرج حجر الزاوية العربي من المعادلة، على الأقل آنيا.

غير أن هذا لا يعني أن الصفقة الأميركية-الإيرانية الكبرى المحتملة أمر حتمي، فثمة كثير من التفاصيل ما زالت بحاجة إلى اتفاق، وهناك التيارات المتشددة في الولايات المتحدة (خصوصا في الكونغرس من الحزبين من حلفاء إسرائيل، غير أن أوباما يمكنه تحديه إلى الآن في ظل رأي عام أميركي مؤيد في غالبه للاتفاق) وفي إيران، ممن هم غير سعيدين بمثل هذا الاتفاق أو احتماليات تطوره، كما أن هناك حلفاء أميركا الغاضبين في المنطقة، وتحديدا السعودية وإسرائيل (على الأقل آنيا) ممن يسعون إلى إفشال أي اتفاق محتمل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

رحلة "الاتفاق النووي".. وجهة نظر إيرانية

رحلة "الاتفاق النووي".. وجهة نظر إيرانية

أمير الموسوي
مدير مركز الدراسات الإستراتيجية والعلاقات الدولية - طهران

 

عشر سنوات من المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة دول 5+1 تخللتها الكثير من التهديدات والعقوبات الأحادية والدولية التي فرضتها الدول الإستكبارية على إيران، لمنعها من التمسك بحقها بإمتلاك التقنية النووية وتخصيب اليورانيوم، وتشغيل محطات الوقود النووي على أراضيها، وإرغامها على أن تبقى دولة مستهلكة ومستوردة لهذه التقنية في أفضل الحالات.

 

بعد هذه السنوات العشر توصلت الدول السبعة الكبرى ( إيران - أميركا - روسيا - الصين- بريطانيا- فرنسا والمانيا) فجر الأحد 24/11/2013 إلى إتفاق مؤقت لمدة ستة أشهر، يقضي بتعليق بعض الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع بعض العقوبات الأحادية والثنائية المفروضة على الشعب الإيراني، لإثبات حسن نوايا الطرفين، مما يمهد لبدء التفاوض حول التوافق النهائي النووي بين إيران والدول الست الكبرى.

 

إيران فرضت نفسها في النادي النووي الدولي بعد عشر سنوات من التفاوض (أسوشيتد برس)

وكانت أهم محطات التفاوض بين إيران ومجموعة 5+1 خلال العشر سنوات الماضية:

1-عام 2004 إبرام ثلاث اتفاقيات بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا- فرانسا وألمانيا) قبل أن تتطور إلى مجموعة 5+1 .

2- تعليق البرنامج النووي الإيراني وكل عمليات التخصيب لمدة سنتين ونصف، إثباتا لحسن النية من الجانب الإيراني.

3- مع أن إيران نفذت ما عليها من التزامات وعلقت برنامجها بالكامل لكن الدول الغربية انفتحت شهيتها وطالبت بتعطيل كامل للمشروع النووي الإيراني وليس تعليقه، مما دفع إيران لإعادة النظر في كل قراراتها السابقة، وأنهت التعليق ودفعت ببرنامجها إلى الأمام وبكل قوة وسرعة وتطور.

4- أصدر مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران.

5- فرضت الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي عقوبات إضافية حادة على الشركات والمصارف الإيرانية، حتى وصلت الأمور إلى فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات شاملة على كل العمليات المصرفية للبنك المركزي الإيراني والبنوك الإيرانية الأخرى، حظر بموجبها استخدام نظام السويفت المصرفي، مما عطل جميع أعمال التحويل البنكي من وإلى إيران.

6- التهديد الأميركي الصهيوني المتكرر لضرب المنشآت النووية والإستراتيجية بل وشن حرب علي إيران .

7- شنت أميركا وإسرائيل 14 هجوما إلكترونيا فاشلا على المنشآت النووية والإستراتيجية الإيرانية لتدميرها من الداخل من دون اللجوء إلى حرب مكلفة.

8- إغتيال عدد من علماء الذرة الإيرانيين.

9- إثارة الشغب والفتنة السياسية في الداخل لإرباك الشعب والحكومة وعدم التركيز على الجانب العلمي والتقني والصناعي، والإكتفاء بمعالجة القضايا الأمنية، كما يحصل الأن في بعض الدول العربية والإسلامية.

10- شن حرب إعلامية واسعة أولا لتشويه صورة إيران في عيون الرأي العام الغربي، وفي عيون العرب والمسلمين، ولعب الكيان الصهيوني وبعض المعادين من الدول العربية دورا أساسيا في ذلك.

11- القيام بأعمال يائسة كإشعال نار الفتنة المذهبية والطائفية ونار الحروب والأزمات المفتعلة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا والسودان لإضعاف خط المقاومة في المنطقة وتشويه سمعته، وإبعاد القاعدة الشعبية عنه ليتمكنوا من الخلاص منه والإنفراد به لاحقا.

 

بالمقابل قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ببعض الخطوات التي أفشلت كل الجهود الإستكبارية الصهيونية والتكفيرية الرجعية كالآتي:


1- تقوية التماسك الداخلي من خلال تطوير وتوسيع رقعة العمل الديموقراطي والمؤسساتي في البلاد.

2- الإهتمام بمشاكل المواطن وحلها من خلال وضع خطط سريعة ومؤثرة تساعده على تحمل ثقل المعاش بالدعم المالي المباشر وغير المباشر، وتوفير السكن والغذاء والصحة والتعليم وأساسيات الحياة اليومية.

3- تشجيع العلماء والصناعيين على تطوير البرنامج النووي والدفاعي والصناعات الثقيلة، والتطور العلمي للجامعات والمراكز العلمية وتشجيع الإختراعات والإبداعات على أعلى المستويات.

4- الترقب والتصدي للهجمات الإلكترونية المعادية التي تستهدف المنشاة الحساسة في إيران.

5- رفع مستوى الجهوزية العسكرية للقوات المسلحة الإيرانية الثلاثة الجيش والحرس الثوري والبسيج، من خلال تطوير الصناعات الدفاعية والمناورات الميدانية المستمرة، وتطوير الرؤية العقائدية لكل عناصر القوات المسلحة.

6- تنظيم الإستراتيجية الدفاعية على مستوى مواجهة الدول الكبرى والكيان الصهيوني، والإستعداد والتركيز على كيفية ضرب المصالح الإستراتيجية للدول الكبرى والكيان الصهيوني في المنطقة والعالم  لو نفذوا تهديداتهم ضد إيران.

7- الوصول إلى أعلى مستويات الاكتفاء الذاتي في البرنامج النووي الإيراني كتخصيب اليورانيوم بنسبة 20% وصناعة أجهزة الطرد المركزي المتطورة وقضبان الوقود النووي وبناء محطات التخصيب المحصنة في بطون الجبال، والأهم من ذلك تأهيل الكوادر العلمية اللازمة لهذا العمل الإستراتيجي الكبير.

8- تخزين الكمية المطلوبة من الوقود النووي لتسيير المحطات النووية لفترة طويلة من دون إحراج.

9- الحصول على الوقود النووي من دون اللجوء إلى تخصيب اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي من خلال بناء محطة أراك لإنتاج الماء الثقيل وهي أقل تكلفة وأفضل إنتاجا.

10- الزيادة في دعم محور المقاومة وأركانها في المنطقة، والتصدي للمؤامرات التي تريد إضعافها أو إسقاطها وتقوة جبهتها في المنطقة، وتوسيع أذرعها في العالم.

11- عدم الإنجرار في مهلكة الفتنة المذهبية والطائفية، وتفويت الفرصة على الصهاينة والتكفيريين .

12- التأكيد على أنها تريد الإستمرار في التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال خطوات عملية واضحة وشفافة.

 

نتائج الإتفاق الأخير :

روحاني اصلاحات تحت عباءة ثورة الإمام الخميني (أسوشيتد برس)

1-أثبتت إيران أن سياسات الإستكبار ضدها لم تخفها ولم يزلزل عزمها على المضي قدما في إنجاز ماتصبوا إليه من تطور نووي سلمي.

 

2- استطاعت إيران فرض لغة الاحترام المتبادل والإسلوب الحضاري في التحاور والتفاوض بين دول كبرى ودولة مستقلة بعيدا عن لغة التهديد.

3- لأول مرة في التاريخ المعاصر تجلس دول كبرى ونووية بندية مع دولة مسلمة ومستقلة وبهدوء ويخرج الجميع رابحين مرتاحين غير مغبونين.

4- استطاعت إيران أن تبقي على جميع مؤسساتها النووية من دون تعطيل أو إغلاق، وأن تستمر بتخصيب اليورانيوم الضروري، وأن تحافظ على مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأن لا ترسل منه غراما واحدا إلى الخارج.

5- حافظت إيران على برنامجها بالكامل، وماعلقته هو من كماليات برنامجها وليس من أسسه، بينما استطاعت إحداث شرخ  وهزة  في نظام العقوبات المفروضة عليها ورفع بعضها عن اقتصادها.

6- يعتبر هذا الاتفاق انتصارا لإرادة الشعوب العربية والإسلامية والدول المستقلة.

7- بهذا الاتفاق استطاعت إيران سحب فتيل الحرب المتوقعة في المنطقة.

8- مهد هذا الإتفاق لتفاهمات إقليمية ودولية مهمة وجديدة تساعد على تعميم الاستقرار في المنطقة والعالم.

9- أحدث هذا الاتفاق اصطفافات جديدة في المنطقة والعالم، يفرض على الجميع مراجعة سياساته الماضية ورسم سياسات جديدة تتوائم مع مستجدات الأمور.

10- أفرز هذا الإتفاق المشاغبين الإقليميين منهم الصهاينة وبعض الأطراف الخليجية وحصرهم في زاوية ضيقة، وأمام طريقين إما المواجهة مع المحور الإيراني المتصاعد والمتعاظم (وهذا ما لا يقدرون عليه) أو التراجع والتأقلم (وهو المحتمل)، وإلا ستكون خطواتهم الإيذائية انتحارية لهم لما يملك المحور الإيراني من أوراق حساسة وخطيرة تمكنه من قلب السحر على الساحر وبصورة خاطفة وسريعة.

11- ساعد هذا التفاهم على تحديد موعد انعقاد مؤتمر جنيف 2 السوري.

12- إذا ما نفذ هذا الاتفاق ستبدأ مرحلة التفاهم النهائي بين إيران والغرب، مما سينعكس إيجابيا على المنطقة دولا وشعوبا، وستتغير المعادلات في المنطقة وخاصة في دول التوتر كمصر والعراق واليمن والبحرين ولبنان، وسيتجه الأمر في فلسطين اتجاها آخر خارج مصالح الكيان الصهيوني، ولصالح الشعب الفلسطيني المظلوم، والحل السياسي في سوريا سيكون الطريق الأمثل والأكثر قبولا من قبل الجميع.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

اتفاق جنيف وخريطة المحاور الإقليمية

اتفاق جنيف وخريطة المحاور الإقليمية

 

د. محجوب الزويري
أكاديمي بجامعة قطر وباحث في الشأن الإيراني

إذا اعتبرنا أن انهيار الاتحاد السوفياتي أنهى ما يعرف بثنائية القطبية في المشهد السياسي الدولي الذي لم تكن ظلاله بعيدة عن المنطقة العربية، فإن فكرة المحاور المؤقتة قد زادت بشكل ملفت للانتباه، لا سيما في منطقة لم يختف التنافس  الدولي عنها يوما.

 

فقد كانت ثنائية القطبية تدفع باتجاه واضح في التحالفات، بحيث انقسم العالم إلى معسكرين: جزء من المعسكر السوفياتي، وآخر من المعسكر الأميركي، قبل تفرد قوة في المشهد السياسي معزز بقوة عسكرية ومعلوماتية واقتصادية غير ديناميكية المشهد الدولي وكذلك الإقليمي.

 

 لكن هذا التغيير لم يكن ليتم لولا طبيعة التطورات والتغييرات التي عصفت بالمنطقة أثناء العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. تلك التغيرات عززت من فكرة الاعتماد على دور اللاعبين الإقليمين.

 

في هذا السياق كان تركيز الولايات المتحدة على دور الدول الإقليمية في الشرق الأوسط، عربية كانت أو غير عربية. هذا التركيز بدا واضحا في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على ما يسمى بالإرهاب، والتي اعتمدت فيها حتى على خصومها التاريخيين مثل إيران وسوريا، ولم يتوقف الأمر على ذلك بل استمر الاعتماد على هؤلاء الشركاء الإقليميين مثل تركيا والسعودية ومصر والأردن  في الحرب على العراق.  

 

لقد ركزت فكرة التحالفات أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على أجندة المصالح الأميركية بالمنطقة في استمرار حربها على ما يسمى بالإرهاب، وكذلك الحرص على أمن حليفتها إسرائيل، هذان العنصران شكلا الإطار العام للتحالفات في المنطقة. فبرز في هذا الإطار معسكر الاعتدال، الذي تشكل من حلفاء مهمين للولايات المتحدة مثل السعودية ومصر والأردن ثم الإمارات.

 

وفي المقابل كان هناك معسكر المقاومة الذي شمل إيران وسوريا واللاعبين غير الحكوميين (حزب الله وحماس).

 

 غير بعيد عن هذا المحور  كان الحضور الفعلي "لمحور بين المحورين" تمثل في تركيا وقطر اللذين رفضا الحرب على غزة والحرب على لبنان عام 2008، وبالطبع  المشاركة في الدعم السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله في مواجهتهما لإسرائيل، جعل تركيا وقطر خارج معسكر الاعتدال رغم علاقة البلدين المتميزة بالولايات المتحدة الأميركية. لكنه أيضاً لم يضعهما في محور المقاومة بسبب علاقة البلدين القوية بأميركا في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية. 

 

الاتفاق النووي النهائي كفيل بإعادة رسم خارطة التحالفات في المنطقة (أسوشيتد برس)

المحاور من الربيع إلى الاتفاق

كان البرنامج النووي الإيراني أحد أهم العوامل التي تمايزت فيها مواقف المعسكرين، ففيما كانت واشنطن تقود موقفا متشددا في مواجهة البرنامج النووي، كانت تركيا تسعى إلى عمل دبلوماسي أثمر مبادرة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس البرازيلي السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

 

ولم يكن الملف النووي إلا مفردة في ملف التجاذب بين ما سُمي بمحوري الاعتدال والممانعة. ذلك أن المحور المقابل لإيران والموسوم بالاعتدال كان يركز على سياسة إيران وحضورها السياسي والاقتصادي في العراق، ودعمها لحماس وحزب الله.

 

لكن ذلك لم ينف وجود قلق من تطور قدرات إيران النووية، الأمر الذي قد يزيد من مستويات تدخلها في المنطقة العربية بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام. وسبب الاتفاق الموقع بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا تشكل فصلا جديدا من القلق الإقليمي، لا سيما إذا كتب لهذا الاتفاق النجاح وبني عليه اتفاق طويل الأمد.  

 

الحديث عن المحاور في ما بعد الثورات العربية التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا   والاضطرابات التي عصفت بالبحرين، بحاجة إلى مراجعة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار عاصفة تلك الثورات، وكيف أنها عصفت بتلك المحاور سواء بسبب التغير الذي طال بلدانا مثل مصر وانعكس على حضورها الإقليمي، أو من خلال الموقف من فكرة الثورات لا سيما في ما يتعلق بالموقف الإيراني من الثورة السورية بشكل أساسي.

 

فثورات العرب دفعت إلى تفتيت المحاور التي كانت قائمة، فمحور الاعتدال تراجع بسبب التغيير في مصر، وبسبب الموقف الأميركي الداعم للتغيير في مصر، لا سيما في بدايات الثورة المصرية وحتى صيف 2013. هذا الموقف لم يكن مرضيا للسعودية التي رأت مع دول أخرى أن الإسلاميين يقطفون الثمار، مما قد يشكل تحديا حقيقيا للدول التي لم تصلها موجة الثورات.

 

أضف إلى ذلك أن انشغال مصر في الشأن الداخلي قد أضعف من دور هذا المحور، على الجهة المقابلة كان محور المقاومة يواجه تصدعا بسبب الموقف من الثورة السورية، وقد حدث هذا التصدع على مستويين:

 

الأول متعلق بعلاقة إيران وسوريا مع حركة حماس التي وقفت إلى جانب مطالب الشعب السوري، مما أدى إلى خروجها من سوريا وتراجع الدعم المالي الإيراني لها.

 

 والثاني متعلق بالعلاقة بين سوريا وإيران من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى. 

 فالموقف التركي والقطري الذي بدا مكملا لموقف البلدين من الثورات العربية لم يرق لسوريا وإيران، وهو ما أدى إلى توترات جدية انتهت إلى  نزع اعتراف البلدين تدريجيا بالنظام، انتهى بتعيين سفيرين سوريين للائتلاف السوري في عاصمتي البلدين.   

 

الملفت للانتباه في هذا السياق أن السعودية وتحديدا في بدايات الأزمة السورية 2011-2012، كانت تنسق مع قطر وتركيا وتسعى إلى دعم الجهود الدافعة لخلق هيئات سورية بديلة يمكنها أن تحل محل النظام السوري بعد سقوطه.

 

وهو ما يؤكد أن فكرة المؤرخين القديمين قد انحسرت تحت تأثير ربيع العرب غير المكتمل، ولم يكن الانحسار مرتبطا بتأثيرات ربيع العرب غير المكتمل، بل سبقته محاولات تركيا للنأي بنفسها عن فكرة المحاور عبر تعريف نفسها كوسيط، الأمر الذي تجلى في الوساطة التركية البرازيلية حول البرنامج النووي، والتي لم يكتب لها النجاح بسبب ضغوط أميركية من جانب، والتجاذبات الإيرانية الداخلية في ظل رئاسة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. 

 

الربيع العربي غير في خارطة المحاور العربية والإقليمية وقرب حماس من دول مثل قطر وتركيا (غيتي )

الاتفاق النووي ومصير المحاور

الحديث عن التأثيرات  التي يمكن أن يتركها الاتفاق النووي  بين إيران ومجموعة 5+1  على المحاور في منطقة الشرق الأوسط، يستند  إلى أن  هذه التأثيرات ستظهر بغض النظر عن تحول الاتفاق إلى دائم أو بقاؤه مرحليا لمدة ستة أشهر.

 

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن تنفيذ الاتفاق يواجه تحديات حقيقية من عدم الثقة، وتاريخ من الخصومة غير قصير. وهنا يجب التذكير أولا أن خللا غير محدود قد أصاب المحورين الذين كانا قائمين بسبب تبعات ربيع العرب غير المكتمل.

 

تلك مسألة قد تؤسس للمزيد من التبعات بسبب الاتفاق النووي، وهذه التبعات ستكون مرحلية وتدريجية بالضرورة ومتحركة وفق إيقاع مسيرة الاتفاق وما ستحقق إيران من مكاسب سياسية سواء في الملف السوري وفي ملف الاقتصاد الداخلي. كما أن تأثير الاتفاق على ما بقي من تلك المحاور سيتأثر بقدرة الولايات المتحدة على طمأنة شركائها في المنطقة. بناء على ما تقدم يمكن الإشارة الى ما يلي:

 

أولا: أن محوري الاعتدال والممانعة لن يعودا إلى ما كانا عليه بسبب ربيع العرب غير المكتمل، وبسبب الاتفاق النووي، ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى إعادة التموضع أمام روسيا المتأهبة، والتي أفشلت أي دور أميركي أحادي الجانب في سوريا. في هذا السياق ثمة غياب لمصر عن القيام بأي دور كما كانت قبل العام 2011، غياب يبدو أنه سيطول في ظل التطورات السياسية الداخلية والتراجع الاقتصادي.

 

 المملكة العربية السعودية تبدو متشككة أكثر من أي وقت مضى من أي دور لواشنطن، وثمة ما يشير إلى حراك جدي نحو لاعبين آخرين مثل روسيا، تحرك يبدو مرحليا لكنه سيؤسس لمرحلة مهمة في العلاقة بين موسكو والرياض. 

 

ثانيا: بالنسبة لدول محور المقاومة فقد أذنت الثورة السورية بانهيار المحور، الذي لم يتردد في تسليم سلاح سوريا الكيميائي إلى الغرب لتدميره، كما أن ردة فعل أطراف فاعلين في المحور من الثورة السورية ضاعف من هشاشة المحور، والحديث هنا عن حماس وموقفها من الثورة السورية وخروجها من دمشق ومن دائرة الدعم الإيراني المالي والسياسي.

 

أما حزب الله فقد أخرجه الاتفاق والربيع العربي غير المكتمل من دائرة الفعل المقاوم الموجه لإسرائيل بسبب قتاله إلى جانب النظام السوري، والذي ينظر إليه كمصدر لاستنزاف قدراته إذا ما استمرت المعركة لفترة طويلة. فقد أدى تدخل حزب الله العسكري في سوريا إلى نقله من حركة مقاومة إلى حزب طائفي، والانتقال بهذه الصورة في حزب الله وما لحق بإيران بسبب دعم موقف الحزب في  سوريا.

 

 كلها عوامل تعصف بالمحور وحضوره الإقليمي، وإذا سقط النظام السوري وبخروج حماس من المحور بسبب موقفها من الثورة السورية، فإنه سيصبح أقرب لأن يكون "محورا مذهبيا"  وسيواجه خيار الانحسار في قدرته على التأثير، لا سيما مع الصورة السلبية المتنامية له.  

 

ثالثا: بالنسبة لحماس فقد خسرت دعما سياسيا وماليا، لكنها كسبت قاعدة عريضة من الرأي العام العربي، لا سيما بين المنتقدين لعلاقة الحركة مع إيران، يضاف إلى ذلك أن موقفها من الثورة السورية جعلها تبدو أكثر انسجاما مع مبادئها في الدفاع عن حقوق الشعوب وحريتها.

 

وغير بعيد من ذلك فإن حماس اقتربت من تركيا التي هي أقرب سياسيا إلى الحركة بعد مواقفها من إسرائيل ومن الحصار المفروض على غزة، هذا الاقتراب ربما سيكون مفيدا لحماس نظرا لقدرتها على تقديم دعم سياسي ومالي إذا ما تطلب الأمر. 

 

خروج حماس من سوريا وسقوط نظام بشار سيحول محور الممانعة إلى محور طائفي (غيتي )

رابعا: بالنسبة للمحور بين المحورين "تركيا وقطر"، فإن من المرجح أن البلدين سيبقيان في ذات الموقع السياسي الذي اختاراه، وهذا يعني أنهما لن يغلقا الأبواب مع إيران رغم الاختلاف في المواقف من الثورة السورية، كما أنهما سيبقيان على نفس القدر من الانفتاح على الولايات المتحدة الأميركية. اللافت في إمكانية بقاء البلدين في نفس الموقع السياسي يعود -ربما- إلى تعاطي البلدين بقدر أقل تشددا التفسير المذهبي أو الطائفي لتطورات الموقف الإيراني.

 

 في هذا السياق يمكن الإشارة إلى لقاء السفير القطري مع نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم  في بيروت في 16ديسمبر/كانون الأول2013.

 

وإيران من جانبها ستضع الكثير من الجهد في المحافظة على علاقاتها مع تركيا وقطر بصرف النظر عن الاختلافات في المواقف، لا سيما مع استمرار مناخات عدم الثقة بين طهران وواشنطن التي عزز منها فرض الكونغرس الأميركي -بعد توقيع الاتفاق النووي- عقوبات على شركات وأفراد مرتبطين ببرنامج إيران النووي.    

 

خامسا: من المستبعد أن يتخلى نظام الجمهورية الإسلامية  في إيران عن حزب الله -بهويتيه كحزب سياسي لبناني وحركة مقاومة- في أي مفاوضات للتوصل لاتفاق طويل الأمد، وقد تعمل إيران على خلق حالة من الضغط الدولي على إسرائيل للانسحاب من مزارع شبعا اللبنانية كخطوة لإسقاط هوية المقاومة عن حزب الله والإبقاء عليه كحزب سياسي لبناني يمثل طائفة.

 

هذا السيناريو يعترضه عقبات تتعلق بتفسير حزب الله لمثل هذا التنازل الإسرائيلي كنتيجة لمقاومته وبالتالي توظيفه لتعزيز قدرته داخل المشهد السياسي اللبناني.

 

وهنا يجب التذكير أن الدعم اللوجستي الإيراني سيتأثر كثيراً بما يمكن أن توؤل إليه الأمور في سوريا، وفي ما إذا كان سيأتي نظام جديد معادٍ لإيران ومعه حزب الله.  من هنا فإن طهران ستضغط للحصول على دعم روسيا لمنع تشكل نظام سياسي معادٍ لها.

 

وقد يكون خيارها لتحقيق ذلك اللعب بورقة  التمثيل الطائفي والمذهبي في شكل النظام السياسي السوري القادم، بصرف النظر عن أعداد ونسب السكان، هذا الخيار الإيراني يأتي في سياق إدراكها للمحاولات التي جرت أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للتفريق بين دمشق وطهران. 

 

تقف المنطقة على صفيح ساخن كما هو حال العالم الذي يعاني من تغيرات تدريجية لكنها جوهرية ستصيب البنى الاقتصادية والسياسية ومراكز القوى، ومع احتمالية تزايد الحراكات الشعببية وتراجع دور الدولة في القيام بأدوارها التقليدية المتعلقة بخدمة الناس أمام حرصها على البقاء، فإن المرجح هو المزيد من التغيرات والمزيد من المحاور التي في الغالب ستكون مرحلية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

أميركا وإيران.. ومسار العلاقة

أميركا وإيران.. ومسار العلاقة
عبد الجليل زيد المرهون
باحث متخصص في الشأن الخليجي

 

يوم 24 نوفمبر /تشرين الثاني 2013  توصلت إيران والقوى العالمية الست إلى اتفاق خاص بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، نُظر إليه على أنه اتفاق تاريخي، بمعايير الأمن والسياسة معاً.

 

وتم التوصل للاتفاق بعد مفاوضات، استمرت أربعة أيام في جنيف، بين إيران وكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا وألمانيا، المعروفة بمجموعة (5+1). ومثل الاتفاق في جوهره انتصاراً لمنطق الدبلوماسية على الحرب، ووضع لبنة أساسية على طريق الاستقرار الإقليمي.

 

سياق إقليمي مضطرب

في العام 1979، خسرت واشنطن بسقوط  الشاه إحدى قلاعها الإقليمية، في ظل مناخ دولي بالغ الحساسية، حيث كانت الحرب الباردة الثانية قد وصلت ذروتها أو كادت. وهنا، بدت مقولة "الخطر السوفياتي على الخليج" أنها بلغت مداها في الخطاب الأميركي، ولم يُقصد بذلك خطر محتمل على داخل الخليج وحسب، بل وعلى إيران أيضاً، حيث سادت هواجس من اجتياح سوفياتي لها.

 

وكرد فعل على التطورات التي أعقبت سقوط نظام الشاه، وكانت بمثابة عاصفة على المستوى الإقليمي والدولي، اتجهت المقاربة الأميركية لأمن الخليج إلى خيار التدخل العسكري المباشر. قبل أن ترسم العلاقة الأميركية الإيرانية طريقها على جناح الحرب العراقية الإيرانية، بسنواتها الثماني.

 

فكيف تعامل الأميركيون مع هذه الحرب؟ وهل كان استمرارها جزءا من لعبة التوازن الذي كان يجب إدامته؟

 

الطاقم الدبلوماسي الأميركي المفرج عنهم بعد اختطافهم 444 يوما في إيران بعد الثورة (رويترز)

نظرياً، تدخل الحرب في مفهوم توازن القوى ذاته، وهو مفهوم كان حينها مرعيا أميركياً، أو لنقُل كانت السياسة الأميركية في الخليج تقر به وتبني فوقه كامل إستراتيجيتها.


كذلك، فإن الحرب العراقية الإيرانية كانت في الوقت نفسه شكلاً متقدماً من الاستنزاف المتبادل. وبهذا المعنى، فهي فرصة لاحتواء أطراف القتال. والاحتواء بالمدلول الفلسفي يمثل غاية توازن القوى. وبموازاة ذلك، فهم العراق، ربما خطأ، التصعيد الأميركي ضد إيران على أنه ضوء أخضر ضمني لشن الحرب عليها.

 

وفي الحسابات الأميركية، فإنّ القوة العراقية، بخلاف القوة السوفياتية، كان بمقدورها تعطيل القوة الإيرانية وحسب. ولم يكن من الوارد بحال من الأحوال سيطرة العراق على الدولة الإيرانية، واستنفاد قدراتها، ومن ثم توجيهها في صراع النفوذ الإقليمي أو الدولي. وهذا خلاف ما كان يُمكن أن يحدث لو أن السوفيات تمكنوا من غزو إيران وإحكام القبضة عليها، على النحو الذي تحسبت له واشنطن فور سقوط الشاه.


إنّ الذي حدث في الحرب العراقية الإيرانية تحديداً هو تعطيل القوة الإيرانية، ومحاصرتها في رقعتها الجغرافية، والحد من انسياب مشروعها الأيديولوجي إلى الدول المجاورة. وفوق ذلك كله استنزاف القدرات المادية والبشرية لإيران. بيد أن الحرب لم تسفر عن تعطيل دور طهران ومشروعها الأيديولوجي وحسب، بل عطلت كذلك دور بغداد ومشروعها الإقليمي.

 

بعد سنواتٍ ثمانٍ، انتهت الحرب العراقية الإيرانية ببروز العراق قوة متقدمة في قدراتها العسكرية، أمكن تصنيفها على أنها قوة إقليمية كبرى. كما تضخمت القوة العسكرية الإيرانية هي الأخرى بفعل سنوات الحرب.

 

وهنا، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تحدٍ من نوع جديد، تمثل في أن طرفي معادلة التوازن الإقليمي هما خصمان سافران للولايات المتحدة، يمتلك كل منهما من القدرة ما يُمكنه من تغيير معادلات قائمة.

 

وإذا أردنا توصيفا أكثر دقة للتطورات، يمكننا القول إن توجساً أميركياً من تضخم القوة العسكرية العراقية بدأ يلوح في الأفق في الفترة الأخيرة للحرب العراقية الإيرانية. وهنا، تبنت إدارة جورج بوش الأب فكرة منع قيام "قوة إقليمية كبرى".

 

وكان العراق تحديداً هو المقصود من هذه المقولة، أو هذا المصطلح الذي تمت إعادة إنتاجه. وكانت معطيات البيئة الدولية الآخذة حينها في الانقلاب تسمح لواشنطن بالمضي قدماً خلف هذا الشعار. وكانت تلك بداية الصدام الأميركي العراقي.

 

بيد أنّ بغداد لم تُجد قراءة متغير السياسة الأميركية في المنطقة، المستند إلى متغير دولي كبير. وهنا سارت بغداد على طريق تغذية طموحاتها الإقليمية. ومرة أخرى عاد الجيش العراقي ليعبر الحدود، وكانت الكويت محطته الجديدة.

 

احتجاجات الحركة الخضراء على نتائج انتخابات الرئاسة 2009 أخرت التقارب الأميركي الإيراني (رويترز)

من ثنائية القوة الإقليمية إلى أحاديتها

دخل أمن الخليج مرحلة إعادة التعريف الإستراتيجي، في اللحظة التي قُدر فيها لعاصفة الصحراء أن تنهي القوة العراقية، وتُعيد رسم موازين القوى في النظام الإقليمي الخليجي.


في إعادة الرسم هذه، انهار التوازن الإستراتيجي الهش، الذي ساد الخليج في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. واتساقاً مع ذلك، بدت القوة الإيرانية وقد تعاظمت حضوراً، دونما موازن يوازنها. فدخل الخليج مرحلة أحادية القوة بعد ثنائيتها. وهي أحادية لا تزال بادية، متجلية أمنياً، ومعبرة عن ذاتها في التفاعلات السياسية ثنائياً، كما في سياقها الناظم أو المنتظم جمعياً.

 

 بعد 12 عاماً على حرب الخليج الثانية، جاء الغزو الأميركي للعراق ليمثل أحد النتاجات الكبرى للحرب ذاتها. فكان الحدث تطوراً مفصلياً بمعايير السياسة، لكنه لم يكن كذلك في حسابات التوازن الإستراتيجي، فالبيئة الإستراتيجية للخليج لم تدخل مرحلة إعادة تعريف، وحافظ النظام الإقليمي الخليجي على وضعه كنظام فاقد للتوازن الإستراتيجي.

 

ومنذ البدء، عارضت إيران خيار الحرب الأميركية على العراق، ليس فقط إدراكاً منها بطبيعة الخطر الأمني الذي ستكون عرضة له، بل لاعتقادها أيضاً بأن ضرب بغداد قد يكون مقدمة لضرب طهران نفسها.

 

في المقابل، فإن طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها، قد بدت في الوقت نفسه لاعباً أساسياً في مسار التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماماً في حسابات الولايات المتحدة.

 

 اليوم، غادرت القوات الأميركية العراق. ومثل ذلك حدثاً مفصلياً في علاقات الولايات المتحدة ليس بالعراق وحسب، بل بإيران أيضاً. ولم يكن قرار المغادرة الكاملة لهذه القوات خياراً مرجحاً أو متوقعاً، لكنه حدث نتيجة لغياب التوافق على الاتفاقية الخاصة بوضعها  بعد نهاية العام 2011. وحينها، أعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أن الولايات المتحدة قد انسحبت من العراق وسلمته إلى شعبه.

 

وفي الأصل، لا تعتبر الولايات المتحدة حديثة عهد بالعراق، ولم يكن اهتمامها به، في أي مرحلة تاريخية، اهتماماً عابراً، بل كان جزءاً من خيارات جيوسياسية، كونية الطابع والنطاق. هذا التطوّر الذي حدث في شمال الخليج العربي، تزامن أيضاً  مع الإعلان عن سحب القوات الأميركية والأطلسية من أفغانستان بنهاية العام 2014.

 

 الحدث الأول، كما الثاني، أثر عميقاً في مقاربة الولايات المتحدة لعلاقتها بإيران. وعلى الرغم من ذلك، لم يحدُث على الفور تحرك باتجاه التقارب بين البلدين. ففي منتصف العام 2013، حدثت انعطافة في المسار، وذلك مع وصول حسن روحاني إلى سدة الرئاسة في طهران، ممثلاً للتيار الإصلاحي.

 

وكان الرئيس أوباما قد بدأ فور وصوله إلى البيت الأبيض خطوات أولى نحو الانفتاح على طهران، ولقي منذ ذلك الحين الكثير من الترحيب الدولي. بيد أن مساعيه انتكست في صيف العام 2009، إثر الضجة التي أثيرت حول انتخابات الرئاسة الإيرانية. وبعد أربع سنوات، عاد أوباما وأطلق المسار، ليحقق ما بدا أنه نجاح فوري، أو لنقل البعض من النجاح المباشر والسريع. وفي 27 سبتمبر/أيلول 2013، أجرى أوباما اتصالاً هاتفياً مع روحاني، هو الأول بين رئيسين أميركي وإيراني منذ العام 1979.   

 

 ومن وجهة نظر أوباما، فإن الشكوك بين الدولتين كبيرة، بدرجة يتعذر معها تجاوز تاريخهما المضطرب بين عشية وضحاها، وقد يتضح أن العقبات كبيرة للغاية، "لكنني أعتقد جازماً أنه لا بد من اختبار المسار الدبلوماسي".

 

مقاربة أوباما هذه ثبت نجاحها مجدداً، في 24 نوفمبر/ تشرين ثاني 2013،  يوم توصلت القوى العالمية الست في جنيف لاتفاقها التاريخي مع إيران، حول البرنامج النووي.

 

الانفتاح الإيراني على الغرب يبقى محكوما بثوابت الثورة تحت عباءة المرشد (رويترز)

سوريا والمتغيّر الإقليمي

وما هو أبعد من هذا البرنامج، مثل الاتفاق بداية مسار جديد في العلاقات الأميركية الإيرانية، سوف يعكس نفسه بالضرورة على طيف عريض من القضايا الإقليمية. فهذا المسار سوف تعنى به، في الحد الأدنى، كل من أفغانستان وسوريا والعراق، ومقاربة الأمن الإقليمي في الخليج.

 

على صعيد النقطة الأخيرة هذه، يُمكن ملاحظة أن أحد عناصر إعادة بناء العلاقات الأميركية الإيرانية يتمثل في قبول الولايات المتحدة بإيران كأحد الأطراف المعنية بمقاربة الأمن الإقليمي. وعند هذه النقطة، نصل إلى متغيّر تابع، هو تزايد فرص التوافق على بناء نظام للأمن المشترك في إقليم الخليج العربي.

 

ومن أجل ذلك، هناك حاجة لوضع بند "ضمانات أمنية" في أية تفاهمات أميركية إيرانية، على النحو الذي قالت به سلة الحوافز، المقدمة لطهران من قبل السداسي الدولي في العام 2006، والتي أعيد تقديمها مطوّرة في يونيو /حزيران 2008. وفي حالة كهذه، لا بد أن يكون تحسين العلاقات الخليجية الإيرانية، وحل عوامل التوتر الكامنة فيها، هدفاً رئيسياً للسياسة الأميركية في الخليج.

 

على صعيد المسألة السورية، قيل لنا بعيد اتفاق جنيف بين إيران والقوى العالمية الست، إن هذا الاتفاق قد مهد الطريق لمؤتمر جنيف 2، وإن توافقاً قد حصل حول مضمونه بين كل من الولايات المتحدة وروسيا، والفرقاء الإقليميين، أو بعض هؤلاء الفرقاء، وإن نتائجه تكاد تكون محسومة منذ الآن. وبالطبع، قد يكون ما وصل إلينا نوعاً من الثقة الزائدة في الحسابات القائمة، وربما كان قفزاً على واقعنا الدامي والشائك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

آفاق الاقتصاد الإيراني بعد اتفاق جنيف

آفاق الاقتصاد الإيراني بعد اتفاق جنيف

تامر بدوي-القاهرة
باحث في الشأن الإيراني

 

بعد ثماني سنوات من سوء الإدارة والعقوبات, تسنح الفرصة للرئيس الإيراني حسن روحاني لرفع الأعباء تدريجياً عن كاهل اقتصاد بلاده بعد التوصل في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لاتفاق مبدئي مع القوى الكبرى في جنيف يستهدف تسوية الملف النووي الإيراني.

 

ويعاني الاقتصاد الإيراني من خلل في عدد من القطاعات ما يجعله في حاجة ماسة لاستعادة توازنه, وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا برفع العقوبات عن الصادرات النفطية على المدي القصير. وفق تصريحات أحمد توكلي, أحد نواب مجلس الشورى الإسلامي عن طهران وعضو لجنة الميزانية, الذي قال إن العقوبات المفروضة تؤثر على 35% من قطاعات الاقتصاد.

 

أما أهم مواطن الخلل التي يعاني منها الاقتصاد فهي:

1- استمرار التضخم: فالاقتصاد الإيراني يعاني من نسبة تضخم مرتفعة, ووفق تقديرات البنك المركزي وصل التضخم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 40%، ولكنه بذلك يكون قد انخفض بنسبة 0,4% عن أكتوبر/تشرين الأول الماضي. أما الجهاز المركزي للإحصاء فقد قدر نسبة التضخم بـ 35.9%. 

2- ارتفاع نسبة البطالة: حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى 26% وتصل إلى 40% بين الخريجين الجامعيين. 

3- عجز الإعانات النقدية: فتخصص الحكومة 35 ألف مليار ريال شهرياً (1,4 مليار دولار) لتمويل الإعانات النقدية، ولكنها تواجه عجزا في تأمين عشرة آلاف مليار ريال (أربعمائة مليون دولار).

البطالة بين الشباب الإيراني بلغت معدلات عالية جدا بانتظار فرص عمل بعد الاتفاق (غيتي)

الضغط عن القطاع النفطي

ساهم تدهور صادرات القطاع النفطي وتعثر صناعة الغاز الطبيعي في اتخاذ طهران موقفا أكثر مرونة على طاولة المفاوضات.

 

فوفق التقارير, انخفض متوسط صادرات النفط عام 2012 إلى أدني مستوياته منذ 1986 حيث صدرت إيران 1,5 مليون برميل يومياً مقارنة بـ 2,5 مليون عام 2011. أما بالنسبة لحجم عائدات الصادرات من النفط الخام عام 2012 فقد بلغ 69 مليار دولار مقابل 95 مليارا عام 2011. أما مستوي الإنتاج الإيراني في إطار منظمة أوبك فقد انخفض بين 2008 و 2012 بنسبة 27% مقابل ارتفاع الإنتاج العراقي بنسبة 31.5%.

 

مكاسب طهران من الاتفاق

يتضمن الاتفاق المبدئي -الذي توصل إليها الجانبان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي- تحويل سبعة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.

 

المكسب الأول: رفع الحظر تدريجياً عن تجارة المواد النفيسة، حيث تعتمد طهران على مقايضة صادراتها من النفط بالذهب بسبب العقوبات المفروضة على البنك المركزي الإيراني. لذا فإن رفع الحظر عن بيع إيران الذهب المتراكم لديها سيوفر لها سيولة مادية وسيعزز من احتياطيها النقدي, إذ وصلت الصادرات التركية من الذهب إلى إيران إلى معدل مليار ونصف مليار دولار شهرياً طيلة السنة الماضية.

 

أما المكسب الثاني, فهو رفع الحظر تدريجياً عن صادرات إيران من البتروكيماويات إلى الاتحاد الأوروبي، إذ ستوفر عودة إيران إلى سوق البتروكيماويات الأوروبية ما يقارب 2 - 2.5 مليار دولار.

 

أما بالنسبة لرفع الحظر كلياً عن الصادرات النفطية, فتبقيه القوى الغربية على الطاولة لتحفيز الإدارة الإيرانية. ويُشار إلى أن عودة الإنتاج الإيراني بكامل طاقته قد تُخفض من سعر برميل النفط الخام بنسبة 10%, وفق تصريحات فرنسيسكو بلانش, أحد مسؤولي بنك أميركا ميرل لينش، وذلك لأن الدول الأعضاء إذا التزموا بتقليل حصصهم لصالح طهران رسمياً فإنهم سيبيعون نفطهم بطرقهم الخاصة ناهيك عن ثروة النفط الصخري.

 

أما على صعيد التجارة الدولية, على المدي البعيد, قد توفر المفاوضات القادمة -إذا حققت تقدماً ملموساً- انضمام إيران لمنظمة التجارة العالمية، حيث تسعى إيران للانضمام للمنظمة منذ عام 2005 ولكن لم تكلل جهودها بالنجاح منذ ذلك الحين.

 

قطاع صناعة السيارات الإيرانية بانتظار انفتاح غربي كبير عليه بعد الاتفاق النهائي (غيتي)

عودة الاستثمارات الأجنبية

بدافع الحصول على تسهيلات تقدمها الحكومة الإيرانية, تسعى الشركات الدولية للضغط على القوى الغربية للسماح لها بالعودة ثانية للاستثمار في السوق الإيراني خاصة بعد اتفاق جنيف.

 

شركات الطاقة: تجري حالياً وزارة النفط برئاسة بيجن زنغنه مفاوضات بشكل مستمر مع شركات إيني الإيطالية و"بي بي" البريطانية وإكسون موبيل الأميركية وتوتال الفرنسية وشل، والأهم "أو أم في" النمساوية. حيث ترغب إيران في إشراكهم في تطوير حقل جنوب فارس الذي يشتمل على عدد من مشاريع الغاز المُسال المتعثرة.

 

شركات صناعة السيارات: مع رفع العقوبات عن صناعة السيارات, أشارت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير لها إلى رغبة الشركات الفرنسية وعلى رأسها شركات صناعة السيارات (بيجو ورينو) في العودة للسوق الإيراني ولكنها تنتظر الضوء الأخضر من قصر الإليزيه.

 

وعلى الرغم من الرسائل الإيجابية التي يحملها الاتفاق المبدئي فإن رغبة الكونغرس في تشديد العقوبات على طهران -حتى في حالة تأجيلها ستة أشهر على الأقل- قد تؤدي إلى تخريب المسار التفاوضي برمته، وتأثر الاقتصاد الإيراني سلباً، إذ أدرجت الولايات المتحدة أكثر من 12 مؤسسة على قائمة العقوبات, كما استهدفت بنك هالك بنك التركي لتعامله مع طهران.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

مستقبل حزب الله بعد الاتفاق "الإيراني"

مستقبل حزب الله بعد الاتفاق "الإيراني"
علي سعد - بيروت
 
 
خلّف الاتفاق بين إيران ومجموعة )5+1( حول البرنامج النووي الإيراني ارتدادات ملتبسة على الساحة السياسية اللبنانية في ظل غموض لا يزال يكتنف المشهد السياسي العام، وسط حال المراوحة على مستوى كل الملفات لا سيما تعاظم مشاركة حزب الله حليف إيران الوثيق في الحرب السورية، وجمود تشكيل الحكومة على أبواب انتخابات رئاسية مجهولة المصير.


حزب الله المستفيد مبدئيا من الاتفاق النووي بفعل طبيعة العلاقة العضوية التي تربطه بالجمهورية الإسلامية في إيران من المفترض أن يستفيد محليا من الاتفاق في حال لم يكن دوره إحدى الأوراق التي قد تقدم على طاولة التفاوض ثمنا لتقدم إيران النووي السلمي.

الاتفاق النووي النهائي هل يقوي التحالف الثلاثي أم يتحمل ثمن القبول بإيران نووية؟ (رويترز)


مرحلة انتظار

ويقول الكاتب والمحلل السياسي جورج علم إنه حتى يتبين ما سيحققه الحزب من اتفاق إيران والولايات المتحدة "يجب الانتظار إلى أن تتوضح جدية هذا التفاهم الذي يخضع للعديد من التجاذبات" على رأسها تهديد واشنطن بمزيد من العقوبات مقابل تهديد إيران بالتنصل منه.


ويضيف علم "يجب رصد الدور الإيراني في الشرق الأوسط بعد الاتفاق، إذ لا بد من اتفاق أميركي إيراني في جنيف 2 حول دور إيران في سوريا" وهو اتفاق إذا تم فسيسري حكما على وجود حزب الله هناك، وما هو الثمن المقابل لانسحابه، وهل سيُدفع هذا الثمن في لبنان عبر مؤتمر تأسيسي كما طالب نصر الله؟


ويشير علم -في حديث للجزيرة نت- إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني فسيُعطى حزب الله "حصة كبيرة في الكعكة السياسية اللبنانية، لكن مقابل أن تخضع المقاومة للسلاح الشرعي".


في المقابل، يوضح الباحث في الشأن الإيراني حبيب فياض - للجزيرة نت- أن "الحزب بعد الاتفاق النووي سيصبح أفضل حالا مما قبله" لأنه سيضمن للمقاومة استمرار عملها وسياساتها كما كانت، في حين أن "حلفاء أميركا أي السعودية وقوى 14 آذار في لبنان هم في حالة تشتت وافتقاد للحاضنة الدولية التي كانت تؤمنها واشنطن".


أجندة سعودية

لكن فياض يؤكد أن حزب الله تحكم مسار تعاطيه في السياسة الداخلية قاعدة أنه "كلما كان أكثر قوة يكون أكثر تواضعا، ولا يمارس سياسة الهجوم على الفريق الآخر".


ويريد الحزب -وفق فياض- فقط تفهم موقفه خاصة لجهة تدخله بسوريا المحصور بثلاث نقاط هامة هي حماية المقدسات الشيعية وحماية اللبنانيين على الحدود ومواجهة الخطر "الإرهابي والتكفيري".


ويعتبر أن حزب الله حاول دائما الفصل بين مسار الأزمة السورية والسياسة الداخلية اللبنانية، عبر مطالبته بحكومة شراكة وطنية، في حين يعمل الفريق الآخر وفق أجندة سعودية، ويريد استمرار الفراغ ليحول الساحة اللبنانية إلى منصة لدعم المعارضة السورية.

 

قتال حزب الله في سوريا مرتبط بالاتفاق النهائي بين الغرب وإيران (رويترز)

دور المقاومة

وتُطرح العديد من التحليلات حول مصير المقاومة بعد الاتفاق، وما إذا كانت ثمنا دُفع في جنيف. ويشدد فياض المقرب من حزب الله على أن طبيعة العلاقة الأيديولوجية بين إيران وحزب الله على درجة عالية من المتانة، بحيث أن "ما يجري على طهران سلبا أو ايجابا يجري على الحزب، وبالتالي ستستمر طهران في دعم المقاومة لأنها مرتبطة بالقضية الفلسطينية المقدسة بالنسبة لها".


من جهته، يؤكد علم أن على الحزب الآخذ بعين الاعتبار التقارب الإيراني الإسرائيلي لأن "التفاهم النووي الأميركي الإيراني هدية لإسرائيل التي تكون واشنطن قد أراحتها من الكيميائي السوري والنووي الإيراني".


وبالتالي، يعتقد علم أنه "سيفتح اطمئنان إسرائيل لمسار التخصيب الباب أمام تطبيع العلاقات مجددا بينها وبين إيران" بعدما كانت سفارة تل أبيب في طهران إبان حكم الشاه أكبر سفارة لها في العالم، وهذا سينسحب على دور حزب الله المقاوم ويولد تطورا لمعادلة القرار الدولي 1701 من وقف لإطلاق النار إلى استقرار.


ولكن ماذا عن دور حزب الله الإقليمي؟ يقول علم إن "هجوم نصر الله الأخير على السعودية يدخل ضمن التكتيك الإيراني". فإيران روحاني تفاوض وإيران الحرس الثوري تصعّد، ولذلك "يلعب الحزب الورقة الثانية مع الحرس الثوري ليقول إن كل الخطوط مفتوحة أمام طهران".


بالمقابل يرى فياض أن الاتفاق النووي إذا وصل إلى خاتمة إيجابية، وهو المرجح، فسينعكس إيجابا على العديد من الملفات في المنطقة بينها سوريا ولبنان، ولكن "المسـألة الوحيدة التي ستبقى بمنأى عن انعكاساته هي القضية الفلسطينية" وبالتالي لا شيء سيمنع إيران من استمرار دعمها لحركات المقاومة وخاصة حزب الله على خلفية مواجهته إسرائيل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية بعد الاتفاق

الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية بعد الاتفاق

 

ضياء الكحلوت- غزة

 

لم تُصدر حركتا المقاومة الإسلامية )حماس( والجهاد الإسلامي في فلسطين بياناً أو تصريحاً يعبر عن موقفهما من الاتفاق النووي الإيراني على غير عادتهما، وبدا قياديون من الحركتين أكثر حذراً وتحفظاً في الإجابة عن أسئلة الجزيرة نت حول تأثير الاتفاق على الدعم الإيراني للمقاومة.

 

ورغم استبعاد قياديين من حماس والجهاد أن يتأثر الدعم الإيراني للمقاومة باتفاق طهران والغرب، فإن محللين يرون أنه من المبكر الحديث عن تأثيرات مباشرة قبل نضوج الاتفاق النهائي بعد ستة أشهر من الاتفاق الأولي.

 

وكانت العلاقة بين حماس وإيران شهدت فتوراً واضحاً في السنتين الأخيرتين عقب الخلاف بينهما على الأزمة السورية، إلا أن أكثر من قيادي بالحركة في الأيام الأخيرة تحدثوا عن عودة العلاقة إلى طبيعتها.

 

أما الجهاد الإسلامي فظلت علاقتها بإيران مميزة رغم وجود بعض التباين بينهما حول الأزمة السورية.

 

القدرات العسكرية لحماس لن تتأثر بالتطورات على الساحة الإيرانية (غيتي)

ثقة بالدعم

ويستبعد القيادي في حركة حماس د. صلاح البردويل أن تتراجع إيران أو أن "تخذل" المقاومة عقب هذا الاتفاق، مشيراً إلى أنه لا يوجد أي مؤشر في الاتفاق أو ما تلاه من واقع يدل على تراجع الدعم.

 

وأشار إلى أن حماس "كحركة وطنية فلسطينية هدفها طرد الاحتلال من أرض فلسطين تعتبر ما يخدم هذه الفكرة في المعادلات السياسية مكسبا" وذكر أن إسرائيل ودولاً أخرى -لم يسمها- راهنت على أن يفشل الاتفاق الإيراني الغربي.

 

غير أن البردويل أكد للجزيرة نت أن "القضية الفلسطينية مقدسة وأن المقاومة لن تتخلى عن مشروعها إذا توقف أي أحد عن دعمها" مؤكداً أن "مساعدة المقاومة واجب على كل عربي ومسلم، والخاسرون هم من ينفضون يدهم منها".

 

ودعا القيادي بحماس الدول العربية إلى أن تأخذ الاتفاق على محمل الجد وأن تنهض ببرنامج نووي علمي وبحثي يفيد الأمة ويقوي شوكتها، على حد قوله.

 

مظاهرة لحركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة (غيتي)

لن يتوقف

أما حركة الجهاد الإسلامي فاعتبرت على لسان مسؤول العلاقات الخارجية فيها الشيخ خالد البطش أن الاتفاق "شأن إيراني داخلي" إلا أنه استبعد أن تقدم إيران على وقف دعمها للمقاومة الفلسطينية.

 

وقال البطش للجزيرة نت "إيران لم تتخلَ عن المقاومة الفلسطينية عندما كانت تعيش ضغطاً دولياً وحصاراً، وهي الآن وقد حصلت على ما تريد وأصبحت مرتاحة أكثر لا يمكن لها أن تتخلى عن الملف الفلسطيني".

 

وأرجع القيادي بالجهاد هذه الثقة بعدم وقف الدعم إلى أن "قضية فلسطين عند الإيرانيين مسألة دينية" ويتمسكون بها دائماً، ومع عدم خشيته من توقف دعم طهران لحركته، دعا البطش "الدول العربية إلى أن تتدخل وتتحمل مسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية كما تفعل إيران".

 

انتظار الاتفاق الشامل

من جانبه، قال الباحث والمحلل السياسي حسن عبدو إن الفصائل الفلسطينية وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي "لا تشعر بأن الدعم الإيراني سيتوقف" لكنه أكد أنه من الصعوبة تحديد حجم التأثير المباشر للاتفاق الكامل المقرر بعد ستة أشهر.

 

واعتبر عبدو -في حديث للجزيرة نت- الاتفاق بأنه يأتي ضمن التحولات الإستراتيجية الكبرى بين القوى العالمية، ومن المؤكد أن ينشأ عنه إستراتيجية مغايرة تماما، بدأت بالظهور كالتوافق على ملفات مثل جنيف السوري والكيميائي السوري.

 

وذكر المحلل السياسي الفلسطيني أنه "ليس من الواضح حتى الآن أن هناك تغييرا في السياسة الإيرانية تجاه الفصائل العاملة في فلسطين" غير أنه توقع "عقب الاتفاق النهائي الشامل أن يتغير المشهد الدولي ككل".

 

الجهاد الإسلامي لم تتأثر علاقتها بإيران بعد الثورة السورية بخلاف ما جرى مع حركة حماس (غيتي)

استثمار الاتفاق

أما مدير مركز أبحاث المستقبل إبراهيم المدهون فيرى أن الاتفاق جزء من إعادة الصياغة السياسية للمنطقة بشكل عام وفق موازين القوى الجديدة، وله أثر على تفاصيلها وإن بصور نسبية.

 

وذكر المدهون للجزيرة نت أن المقاومة الفلسطينية تدخل بتفاصيل أي تغيير في المنطقة وتتأثر بصورة حساسة لارتباطها العضوي بالمنطقة وسياساتها، لهذا فهناك "تأثير مباشر على حركات المقاومة التي يجب أن تكون على مستوى الأحداث والتغيرات" وعليها أن تعمل على "استثمار الاتفاق واللعب على تطوير أدائها السياسي" لا الصدام مع المتغير.

 

وبينّ المدهون أن إيران معنية بأن تُبقي حبل الود والدعم للمقاومة في فلسطين وأن تنتظر منها التماهي مع سياساتها الكلية، وقد "تطلب منهم في لحظة من اللحظات التقليل من حدة المواجهة في فترة زمنية معينة".

 

وأشار إلى أن إيران كدولة مركزية لا تقايض على حلفائها وتحتفظ بهم وتدعمهم وتقويهم، وهي "ذكية بالقدر الكافي الذي لا يجعلها تقلم أظفارها بيدها" لهذا فـ"حلفاء إيران سيبقون خارج معادلة المقايضة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وإلى جانب ملف الاتفاق النووي الإيراني، يقدم هذا العدد من المجلة تقارير ذات طابع إنساني تمس حياة الإنسان العربي، وألبومات صور تغطي أحداث عام 2013 وعاصفة أليكسا التي ضربت منطقة شرق المتوسط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

الأردن.. الطبقة الوسطى تتآكل باتجاه الفقر

الأردن.. الطبقة الوسطى تتآكل باتجاه الفقر

محمد النجار-عمان

 لا يخفي بلال عسكر أنه بدأ يشعر تدريجيا بانتقاله من الطبقة الوسطى في الأردن نحو الطبقة الفقيرة، على وقع موجات الغلاء وارتفاع نسبة التضخم في بلد بدأ يتحول إلى واحد من أغلى البلدان في المنطقة بمستوى المعيشة، لا يقابله تحسن في مستوى أفراده الذين ترزح أغلبيتهم ضمن خطوط الفقر المختلفة.

 

يقول عسكر -الذي يعمل مديرا في إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى في البلاد للجزيرة نت- إنه وفي السنوات الأخيرة بدأ يواجه "ما يشبه الهجوم على وضعه المعيشي".

 

ومظاهر هذا الهجوم -بحسب عسكر- تتمثل في موجات الغلاء المتلاحقة مقابل ثبات الدخل. ويقول "في السنوات الثلاث الأخيرة شهدنا في الأردن موجات غلاء غير مسبوقة، ورغم أنني مدير لإحدى الإدارات في مؤسستي فإن دخلي ظل ثابتا، وبدأت أشعر تدريجيا بأنني أخرج شيئا فشيئا من الطبقة الوسطى".

 

ويلفت إلى أنه يلاحظ الشيء ذاته مع نظراء له كثر في محيطه، ويتحدث عن نفاذ مدخرات البعض التي كان يأمل في استثمارها مستقبلا، عوضا عن قيام آخرين بتغيير مكان سكنهم والاتجاه لمناطق أكثر شعبية أو لبيوت أصغر حجما أملا في توفير شيء من الدخل.

 

ويتابع بلال "أعرف كثرا ممن يصنفون ضمن الطبقة الوسطى، وتتراوح دخولهم بين ألف وألفي دولار قاموا بنقل أبنائهم من المدارس الخاصة إلى الحكومية، نظرا لعدم مقدرتهم على دفع تكاليفها، فيما قام آخرون ببيع سياراتهم وشراء أخرى أقل ثمنا أملا في ملاحقة متطلبات الحياة، بل إن تآكل مداخيل الطبقة الوسطى بدأ يؤثر في المناسبات الاجتماعية".

الدينار الأردني يفقد قيمته الشرائية بشكل حاد بسبب التضخم الكبير وثبات الرواتب (رويترز)

النجاح همّ

الأمر ذاته يتحدث عنه أحمد العمري، وهو تاجر متوسط، أكد أن دخله الشهري يصل إلى نحو ألفي دولار، إلا أنه يرى أن هذا الدخل لم يعد يلبي حاجاته، حيث بات ينفق نحو نصفه على إيجار المنزل، فضلا عن الغلاء الذي شهدته البلاد في أسعار المحروقات والمواد الأساسية والكهرباء على القطاع التجاري، عوضا عن مخاوفه من رفع الفاتورة على القطاع السكني مطلع العام 2014.

 

العمري، وهو أب لطالب جامعي وخمسة أطفال، قال للجزيرة نت إنه اضطر مطلع العام الدراسي الجاري لنقل أربعة من أطفاله من مدارس خاصة إلى أخرى حكومية، وإنه سمح لزوجته بأن تبحث عن عمل لعلها تساعده على زيادة دخل الأسرة.

 

ويصف التحاق ابنته الكبرى بإحدى الجامعات الحكومية خارج المحافظة التي يقطن فيها بأنه كان أشبه بـ "النكبة التي حلت به"، كما يقول.

 

وزاد "ابنتي تحتاج سنويا إلى نحو 1500 دينار (2100 دولار) كرسوم للجامعة، وتحتاج شهريا إلى نحو 140 دينارا (200 دولار) كنفقات للمواصلات ومصروف بالحد الأدنى، عوضا عن الكتب وغيرها من الأمور".

 

ويضيف العمري "صحيح أن كل إنسان يفرح لنجاح أحد أبنائه وتفوقهم في الثانوية العامة، لكن مثل هذا الخبر أصبح ينزل كالصاعقة على معظم الأسر في الأردن، لأن دخول طالب للجامعة يرتب أعباء كبيرة، خاصة على أسر الموظفين الحكوميين، أو أصحاب الدخول التي لا تصل إلى ألفي دينار (2800 دولار) شهريا"، على حد وصفه.

الغالبية العظمى من الموظفين الحكوميين يعيشون تحت خط الفقر (غيتي)

فقراء القطاع العام

في هذا الإطار، يتحدث الخبير الاقتصادي سلامة الدرعاوي عن تآكل واضمحلال الطبقة الوسطى في الأردن في السنوات العشر الأخيرة بسبب مظاهر عدة.

 

وقال للجزيرة نت إن "الارتفاع الكبير في مستويات المعيشة ومعدلات التضخم بسبب ارتفاع الأسعار زادا من الضغوط على الطبقة الوسطى التي خرجت نسب كبيرة منها نحو الطبقة الفقيرة".

 

ويشير الدرعاوي إلى أن قيمة العملة الأردنية خسرت بين 25% و30% في العقد الأخير، "وهو ما عرض -بحسب دراسات كثيرة- الأمن المعيشي للأردنيين بشكل عام وأبناء الطبقة الوسطى بشكل خاص لمخاطر كبرى".

 

الخبير الاقتصادي يتحدث عن الخسائر التي منيت بها تداولات البورصة في السنوات الأخيرة والتي كان يتداول بها نحو سبعين ألف مواطن أردني، "الأمر الذي أدى إلى اهتزاز أركان الأمن المعيشي لهؤلاء بشكل كبير".

 

ويكشف عن ضغوط أخرى تعرضت لها هذه الطبقة تمثلت في تشدد البنوك في منح التسهيلات والقروض بسبب ارتفاع حجم المخاطر، مما زاد الأعباء على أسر الطبقة الوسطى، سواء تلك التي تريد تمويل شراء منازل، أو قروض لطلاب جامعيين أو حتى لتوفير سيولة تساهم في رفع الأعباء أمام الضغوط الكبيرة على الحياة المعيشية في البلاد.

 

وكانت دائرة الإحصاءات العامة الحكومية قد كشفت قبل ثلاث سنوات عن أن 83% من العاملين في القطاع الحكومي يحصلون على دخل أقل من ثلاثمائة دينار (425 دولارا) في ظل خط فقر مطلق كان يساوي وقتها نحو 450 دينارا (640 دولارا).

 

أردنيون يتسوقون في سوق تابع للحكومة الاردنية في ظل ارتفاع كبير في مستويات المعيشة في المملكة (الجزيرة)

وبحسب الدرعاوي، فإن دراسات محلية ودولية تشير الآن إلى أن نسبة خط الفقر المطلق في المملكة تصل إلى نحو 860 دينارا (نحو 1100 دولار)، وهو ما أدى لخروج آلاف الأسر من الطبقة الوسطى نحو الفقيرة.

 

ويترافق ذلك كله مع اتساع جيوب الفقر في المملكة والتي ارتفعت من عشرين جيبا إلى 31، بحسب دائرة الإحصاءات الرسمية العام الماضي.

 

ومقابل تقديرات تشير إلى أن نسبة أبناء الطبقة الوسطى في الأردن لا تزيد على 35%، يتحدث الدرعاوي عن دراسات كشفت عن أن عدد الأسر الغنية في المملكة لا يتجاوز ألفي أسرة، فيما ترزح بقية المجتمع تحت خط الفقر، وهي طبقة تتسع في ظل تآكل الطبقة الوسطى، وعدم تحسن أوضاع أبناء الطبقات الفقيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

تداعيات الانقلاب تقتحم الحرم الجامعي

تداعيات الانقلاب تقتحم الحرم الجامعي

يوسف حسني - القاهرة

 

 على مدار الأشهر الثلاثة الماضية تحولت الجامعات المصرية إلى ساحات حراك طلابي غير مسبوق، حيث بدأ طلاب مناهضون للانقلاب العسكري تنظيم فعاليات للمطالبة بعودة الشرعية مع بدء العام الدراسي في سبتمبر/أيلول الماضي.

 

وانتفضت عدة جامعات مصرية في عدد من المحافظات بعد أن سمحت السلطات الحاكمة لأجهزة الأمن باقتحام الجامعات والمدن الجامعية وقمع واعتقال الطلاب، وسقط بعض الطلبة قتلى في مواجهات مع قوات الأمنية داخل حرم الجامعات.

لا تراجع

وتصاعدت وتيرة الغضب الطلابي بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة رغم تهديد المجلس الأعلى للجامعات باتخاذ إجراءات رادعة تصل إلى حد الفصل من الجامعة، حيال ما سماها تجاوزات بعض الطلاب.

 

ويؤكد عضو حركة طلاب ضد الانقلاب محمد عطا للجزيرة نت أن "الحراك الطلابي لن يتوقف إلا بسقوط الانقلاب، وأن تهديدات المجلس الأعلى للجامعات لا تقلق أحدا من الطلاب الذين نذروا أنفسهم لقضية الحرية". وتابع "لن يضرنا أن نخسر عاما دراسيا، وقد خسر زملاؤنا أعمارهم أو حريتهم".

 

تظاهرة طلابية أمام بوابة جامعة القاهرة أرشيف (أسوشيتد برس)

وأوضح عطا أن الحراك الدائر حاليا ليس حكرا على المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين كما يزعم مؤيدو الانقلاب، وإنما هو حراك لعموم الطلاب الرافضين لعودة القمع والبلطجة الأمنية، على حد وصفه.

 

وأظهرت إحصائية أعدتها منظمة "مؤشر الديمقراطية" التابعة لمجموعة "إيكونوميست" البريطانية ارتفاعا متزايدا في عدد الاحتجاجات التي تشهدها المدارس والجامعات المصرية، رفضا للانقلاب العسكري ومطالبة بالإفراج عن الطلاب المعتقلين، وتنديدا باقتحام قوات الأمن حرم الجامعات والاعتداء على طلابها.

 

وقالت المنظمة المعنية بمراقبة وضع الديمقراطية في العالم إن عدد الاحتجاجات -التي شهدتها مؤسسات التعليم المصري منذ بداية العام الدراسي وحتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي- بلغ 1122 احتجاجا.

 

وبحسب أرقام "مؤشر الديمقراطية"، تصدرت جامعة الأزهر مشهد الاحتجاج الجامعي بعدما شهدت مائة احتجاج تقريبا، تلتها جامعة القاهرة التي شهدت 52 احتجاجا.

 

ويعتصم عدد من طلاب كلية الهندسة داخل الحرم الجامعي غضبا على قتل أحد زملائهم، وهددوا بالتصعيد إذا لم تتم محاسبة قاتليه، كما تقدم أعضاء هيئة التدريس بالكلية باستقالة جماعية احتجاجا على قمع الطلاب، وهو ما أدى لإنهاء النصف الأول من العام الدراسي مبكرا.

 

ويسخر رياض أحد أعضاء حركة عفاريت ضد الانقلاب، والطالب بكلية الآداب، من تحويل الحرم الجامعي إلى معسكر، على حد قوله. مضيفا للجزيرة نت "لو وضعوا دبابة أمام كل طالب فلن نتراجع حتى يسقط الانقلاب ويحاكم القتلة".

تظاهرة طلابية القاهرة  تندد بالانقلاب العسكري على الديمقراطية (غيتي)

سيكتمل العام

ويشغل الهم السياسي حيزا كبيرا من اهتمام كثير من طلاب جامعة القاهرة في مختلف الكليات، خاصة كليات الهندسة والطب والحقوق ودار العلوم، حيث لا تكاد التجمعات والأحاديث الجانبية للطلاب تخلو من حديث السياسة ولو بشكل عابر، غير أن الانشغال بالسياسة لم يصل إلى حد توقف الدراسة أو خلو المدرجات، فما زال هناك من يمارس حياته الدراسية بشكل طبيعي وسط الهتافات ورائحة الغاز وأصوات الرصاص.

 

وتقول لمياء الشربيني -إحدى الطالبات المتفوقات- إنها تعي جيدا نبل مطالب زملائها وحجم تضحياتهم، لكنها لا تستطيع أن تضيع عاما دراسيا، أو أن تقبل بتراجع تقديرها بسبب الانغماس في صراع سيستمر طويلا، على حد قولها.

 

وأضافت الشربيني للجزيرة نت أن "هناك كثيرا من الطلاب يرفضون ما يجري، ولكنهم يمضون في دراستهم، وكل له أسبابه، وهناك طلاب يسخرون من زملائهم المتظاهرين، وهناك أيضا من يؤيد ما يجري بحقهم من عنف"، مؤكدة قناعتها بأن السلطة "عازمة على إتمام العام الدراسي مهما بلغ حجم التصعيد".

 

وفي المقابل، يعتقد رائف أسامة، الطالب بكلية العلوم، أن المظاهرات التي تنظم داخل الجامعة تهدف إلى تعطيل الدراسة وإرباك وزارة التعليم العالي لتحقيق أهداف سياسية على مصلحة الطلاب، مضيفا أن كثيرا من الطلاب "لا يؤيدون التظاهر داخل الجامعة، ولكنهم لا يستطيعون إعلان ذلك خوفا من تعرضهم للاعتداء من قبل الطلبة المنتمين لجماعة الإخوان"، على حد قوله.

 

وأكد أسامة للجزيرة نت أن تصدي السلطة الحالية للطلاب "جاء في إطار رد الفعل على محاولات إثارة الفوضى داخل الجامعة، حتى لا يتوقف العام الدراسي، خاصة أن الأغلبية العظمى من الطلاب لا تؤيد ما يقوم به طلاب الإخوان".

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

في حوران.. مدرسة يحيلها النظام لمقبرة

في حوران.. مدرسة يحيلها النظام لمقبرة

 

مهران الديري - ريف درعا

 

رغم مرور أكثر من عام على المجزرة المروعة، إلا أن رائحة الموت مازالت تفوح من كل مكان هنا في مدرسة الشهيد محمد حمدان الابتدائية في الشيخ مسكين بريف درعا، حيث قتل في ذلك اليوم عشرات الأشخاص من مدنيين وعناصر في الجيش الحر.

 

المدرسة التي يبدو واضحا للعيان أنه من المحال الدراسة فيها حولها الناشطون إلى مقبرة لدفن الجثث مجهولة الهوية، التي عثر عليها بكثرة في السهول والمزارع المحيطة بالشيخ مسكين، منذ بداية الثورة وحتى الشتاء الماضي، وأصبحت لاحقا مقبرة للناشطين ومقاتلي الجيش الحر بعد فرض حصار خانق على المدينة منذ نحو عام.

مدرسة حولها النظام السوري إلى مقبرة (ناشطون)

المقابر تضيق بالموتى

يحدث في سوريا أن تضيق المقابر بجثث الموتى وتتمدد لتشمل مدارس قريبة، احتضت كثير من الثوار في طفولتهم وتحتضن ملاعبها بعض جثامينهم اليوم، بسبب صعوبة دفنهم في المقابر التي تكون عادة في حوران بمحيط القرى والمدن. وهي بالتالي بحسب الناشط السياسي والحقوقي محمد عبد الحميد ستكون قريبة من الثكنات العسكرية لجيش بشار الأسد التي تنتشر بكثافة في سهل حوران.

 

ويقول الناشط عبد الحميد إن ثوار المدينة حولوا المدرسة إلى مقبرة بعد أن استحالت الدراسة فيها بسبب الدمار الهائل الذي لحق بها، وهجرة معظم السكان المحيطين بها بعد المجزرة المروعة التي حصلت فيها، والذكرى الأليمة التي تحولت إلى هاجس لدى أطفالهم وتسببت لهم بأزمات نفسية.

 

ويوضح عبد الحميد أن الجيش الحر يستطيع دفن جثث القتلى من الناشطين والمقاتلين في مقابر المدينة بطريقة أو بأخرى، ولكن الخشية هنا من نبش قبورهم من قبل هذه عناصر النظام، التي تسيطر على مواقع قريبة من المقابر، وتستطيع الوصول إليها بالدبابات والمدرعات وغطاء القناصين المنتشرين بكثافة على كثير من الأبنية العالية، التي احتلوها بعد طرد سكانها.

 

ويضيف الناشط أن "عمليات نبش قبور القتلى من الثوار والناشطين حدثت العام الماضي في مدينة الحراك بريف درعا، ويعتقد أن السبب هو رغبة قوات النظام بالانتقام من القتلى والتنكيل بجثثهم والعبث بقبورهم".

 

ويلفت عبد الحميد إلى أن "الجثث تدفن  في مقبرة المدرسة بشكل مؤقت ليتم نقلها لاحقا في الوقت المناسب"، موضحا أن هذه "الجثث تعود في معظمها إلى أشخاص مجهولين ويتم دفنهم بعد توثيق الأماكن التي وجدوا فيها وإحصاء مقتنياتهم والصفات التي تميز كل جثة إلى حين إحصاء المفقودين في أنحاء سوريا بعد استقرار البلاد".

 

ويضيف عبد الحميد الذي يعيش في حي مجاور للمدرسة أن "تعرض بناء المدرسة لعشرات قذائف الدبابات والمدفعية يوم اقتحامها - حيث كان يتحصن بها عناصر من الجيش الحر ومدنيون- جعل عملية ترميمها مستحيلا". مشيرا إلى أن المكتب الهندسي التابع لمديرية تربية درعا زار المدرسة بعد تدميرها وأجمع الفريق على عدم صلاحيتها لاستيعاب الطلاب مجددا.

أحد القبور داخل المدرسة (ناشطون)

مدرسة الموتى

أبو جليبيب المقاتل في صفوف أحد الكتائب الإسلامية التي ترابط في الشيخ مسكين يقول إن "المدرسة باتت تعرف بين الأهالي بمدرسة الموتى، ففيها حدثت مجزرة بحق العشرات وفيها يدفن الآن العديد من القتلى، ولا يوجد فيها ما يوحي بأنها مدرسة، إلا شكلها الخارجي وبقايا كتب ومقاعد للدراسة".

 

ولا يرى أبو جليبيب أي مانع من دفن الموتى في المدرسة وخاصة أن حصارا خانقا تفرضه قوات الأسد على المدينة، وهناك خطورة في عملية الدفن في مقابر المدينة التي تحيط بها الحواجز والثكنات كالسوار، مضيفا أن الكثافة العمرانية والسكانية في وسط المدينة المحاصر حالت دون إيجاد رقعة أرض مناسبة كمقبرة دائمة لقتلى الثورة.

 

ويكشف الناشط عبد الحميد أن هناك "مشروعا مستقبليا لتحويل المدرسة إلى متحف ليكون شاهدا على الجرائم التي ارتكبتها عناصر النظام، ويتضمن هذا المتحف صورا للضحايا الذين قضوا في مجزرة المدرسة والقتلى من أهالي المدينة بشكل عام وقصة مقتل كل واحد منهم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

الدولة المغربية لا تستجيب إلا تحت الضغط

الدولة المغربية لا تستجيب إلا تحت الضغط

 

عبد الجليل البخاري-الرباط 

 

منحت الناشطة الحقوقية المغربية خديجة الرياضي جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان كأول امرأة عربية تحظى بدخول السجل الذهبي للجائزة، إلى جانب شخصيات عالمية تحفظها ذاكرة التاريخ على غرار نيلسون مانديلا ومارتين لوثر كينغ وروزفلت وجيمي كارتر.

الجزيرة التقت الرياضي الرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنسقة العامة للائتلاف المغربي لحقوق الإنسان، والتي تعتبر أن الحراك الحقوقي في المغرب أصبح أكثر نضجا لطرح قضايا مهمة، قالت إنها تحتاج إلى إرادة سياسية من الدولة لتفعيلها.

وفي ما يلي نص الحوار:     

ماذا تمثل جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لخديجة الرياضي كناشطة حقوقية؟

الجائزة تمثل لي شرفا كبيرا لشخصي وللحقوقيين المغاربة كافة، وتمثل أيضا مسؤولية جديدة توضع على عاتقي، وتكليفا من أجل مزيد من النضال، وتشجيعا على المضي في المسار نفسه، وطاقة متجددة من أجل الاستمرار في النضال من أجل حقوق الإنسان في المغرب.

 

أهديت في أول تصريح لك بعد التتويج الجائزة إلى ناشطي حركة 20 فبراير.. كناشطة هل تتوقعين أن يكون هناك تطور في وضعية حقوق الإنسان في المغرب بعد هذا التتويج؟

 

أكيد سيكون هناك تطور للنضال الحقوقي بعد هذا التتويج، لأنه سيشجع الكثير داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وخارجها، وسيشكل دفعة جديدة للعمل الحقوقي، وسيشكل أيضا درسا للمسؤولين المغاربة، وللمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، وسيمثل إضافة جديدة إلى النضال الحقوقي في المغرب، وأعتبر أن النضال الحقوقي هو الذي سيؤثر إيجابا في أوضاع حقوق الإنسان.

 

خديجة الرياضي المتوجة بجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (الجزيرة)

تتويج الناشطة خديجة الرياضي بالجائزة الأممية يقرأه البعض على أن نظرة السلطات المغربية إلى حقوق الإنسان ليست بتلك "السوداوية" التي تدعيها بعض الجهات، فهل تؤيدين هذه القراءة؟

 

مقاييس تسليم الجائزة هي معايير تعتمدها الآليات الأممية المعنية بالجائزة، وهي تتمثل في نشاط العضو أو الهيئة، والتزامها بالمعايير الكونية لحقوق الإنسان، وهذا يؤكد أن ما تقوله الجمعيات، ما دمت أمثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، رغم أن الترشيح كان شخصيا، فأنا كنت رئيسة سابقة لها، وإن تقديرنا وتقييمنا لأوضاع حقوق الإنسان أصبح حاليا متقاسما مع هيئات دولية.

يجب على الدولة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه المسألة، بمعنى أن تلك الجهات التي كانت تسمي كتاباتنا وتقديراتنا ومواقفنا بأنها سوداوية ،وبأنها لا تعترف بالمكتسبات والمستجدات والتطورات، فإن هذا التقدير أصبح له طابع دولي، ومعترف به على هذا المستوى، وهذه مسألة جديدة في ما يخص علاقة وموقف الدولة من موقف حقوق الإنسان.

هل تؤيدين طرح البعض، خصوصا من خارج المشهد المغربي، أن الحراك الحقوقي في المغرب مقارنة ببعض الدول في المنطقة هو أكثر حيوية، وأكثر نضجا، وأن سقف مطالب الحركة الحقوقية في المغرب مرتفع؟

 

سقف المطالب الحقوقية لدينا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان هو المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، ونطالب الدولة المغربية باحترام كل ما تصادق عليه من التزامات في هذا المجال، ونرفض أن تكون هناك تصديقات شكلية لا تنعكس على القوانين المحلية وممارسات الدولة، هذا هو سقفنا وطريقة اشتغالنا.

الحراك طرح في حقيقة الأمر قضايا حقوقية وسياسية، نحن تبنينا هذا الحراك وانخرطنا فيه، لأنه تبنى عددا كبيرا من مطالبنا بما فيها الدستور الديمقراطي، واستقلالية القضاء وإقرار الديمقراطية، ومرتكزات دولة الحق والقانون.

الحراك الشعبي الواسع يضغط على النظام المغربي لإجراء إصلاحات مؤقتة (أسوشيتد برس)

هذه كلها قضايا رفعها الحراك، وبالتالي كان هناك تقاطع كبير بين الحراك في المغرب والحركة الحقوقية، خاصة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ربما مقارنة بدول أخرى، لم يكن في مطالبه السياسية يتجه بشكل مباشر إلى إسقاط النظام، كما رفعت شعارات في تونس ودول أخرى، ولكن كانت مطالبات بإسقاط الاستبداد والظلم والفساد الذي كانت تمارسه هذه السلطة، هي مطالب جريئة لها عمق سياسي وحقوقي.

 

تم مؤخرا التوقيع على الميثاق الوطني المحدَّث لحقوق الإنسان.. بعد مرور 23 عاما من الميثاق الأول، كيف ترين أهمية الميثاق في تفعيل مطالب الحركة الحقوقية في المغرب؟

 

الميثاق إطار تعاقدي بين 23 هيئة حقوقية أقرته للاتفاق على حد أدنى من الملفات والأولويات التي ستطرحها في المرحلة المقبلة. وننظر إليه باعتباره يعكس دينامية الحركات الحقوقية وكذا الفعل الحقوقي في المغرب، باعتباره انطلق من خمس هيئات ليصل حاليا إلى أكثر من عشرين هيئة.

ويعكس الميثاق أيضا تطور المكتسبات التي حققتها الحركة الحقوقية، لأنه مقارنة بالميثاق السابق نجد أن هناك مكتسبات يجب تعزيزها، كما يعكس نضج الحركة الحقوقية التي أصبحت تطرح قضايا كبيرة ومهمة، وتستطيع أن تتجاوز انقساماتها وتباينات أطروحاتها، وتبحث عما هو مشترك وتطرحه للنضال

إن أهم ما طرح في هذا الميثاق هو أن كل هذه الهيئات ما زالت تناقش مسألة الدستور الديمقراطي، وتعتبر أن الدستور الحالي لا يستجيب لمقومات دولة الحق والقانون، ولا يضع أسس الديمقراطية بالمغرب.

وتطرح الهيئات أيضا قضايا جديدة لم تكن في الميثاق السابق كإلغاء عقوبة الإعدام ومسألة الحريات الفردية والجماعية، إذا هناك تقدم في المطالب وتشبث بالمرجعية الكونية لحقوق الإنسان، وأيضا نضج في طريقة التعامل وأداء وعمل الحركة الحقوقية، والميثاق يعكس هذا التنوع الجديد الذي أصبح وسط الخريطة الحقوقية في المغرب.

 

تفاعل شعبي واسع مع مطالب حراك 20 فبراير لإحداث تغيير في المغرب (أسوشيتد برس)

 يلاحظ المراقب من خارج الفضاء المغربي أن السلطات بدأت تتعامل بنوع من الإيجابية تجاه بعض مطالب الحركة الحقوقية، من بينها مؤخرا العمل على تسوية قضية المهاجرين غير الشرعيين، خصوصا من أفريقيا التي كنتم من أكثر المدافعين عنها، كيف ترون مثل هذا التعامل في ظل التطور الحالي للحراك الحقوقي بالبلاد؟

 

من طبيعة الدولة المغربية أنها تتفاعل نتيجة الضغط ، أي أن الدولة تتحرك نتيجة ضغط داخلي أو دولي، لكن بمجرد أن تحس أنها بمأمن عن أي ضغط يمكن أن تتراجع في أي وقت، هذه هي معضلة أوضاع حقوق الإنسان في المغرب، عندما نحقق مكاسب فإنه لا يمكن الاطمئنان عليها والانتقال إلى ملفات أخرى، فهناك دائما مخاطر التراجع والردة.

هذا ما وقع ، فقد حققنا مكتسبات متقدمة في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، وبعد الاعتداءات الإرهابية لـ16 مايو/أيار 2003 رجعت الأوضاع إلى مستوى متردٍ، وانتقلت من السلفيين إلى فئات أخرى من المجتمع.

وبعد الحراك والضغط الذي وقع، بدأت الدولة تتفاعل وأدخلت في الدستور بعض الأمور الإيجابية، لكن بمجرد ما أحست الدولة بأنها في منأى عن حراك قوي كما جرى في بلدان أخرى بدأت من جديد في التراجع، بل أطلقت حملة انتقامية ضد الشباب الذين نزلوا إلى الشارع وطرحوا مطالب سياسية، وأطلقت حملة انتقامية شملت اعتقالات ومحاكمات.

كل ما يمكن التقدم فيه تحت الضغط ، يمكن في أي لحظة في حالة تراجع موازين القوى لفائدة الدولة أن تتراجع عنه، لأنه ليست هناك إرادة سياسية حقيقية للدولة المغربية في أن تتبنى فعلا ديمقراطية حقيقية، بل إن الهم الأساسي للدولة هو صورتها في الخارج، بأن تعطي صورة بأنها نموذج، وأن هناك تجربة وإصلاحات، ولكن في العمق لا نرى أن هناك انعكاسات حقيقية على واقع المواطن المغربي

بل إن علاقة السلطة مع المواطن ما زالت متردية على عدة مستويات، ويمكن في هذا الصدد الرجوع إلى المؤشرات التي تصدرها المنظمات الدولية، كمؤشر الشفافية، ومؤشر الصحافة ومؤشر المساواة بين الجنسين، والتعليم والصحة. فالدولة تهتم بصورتها، لكن ليست لها إرادة سياسية بأن تتنازل بعض الجهات المسؤولة والحاكمة عن بعض مصالحها لتكون هناك فعلا ديمقراطية في البلاد.

 

كيف هي الآن خديجة الرياضي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بعد جائزة الأمم المتحدة؟

كل ما تغير هو الإحساس بطاقة متجددة للنضال، والإحساس بتشجيع وتكليف، أما النضال فسيستمر، وهذا ما أعلنته في المطار بعد رجوعي من تسلم الجائزة، حاملة شعار "نضال مستمر من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وهذه الجائزة نقطة في مسار، والنضال سيستمر بقوة أكبر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

العلاج بالطاقة ناجع لكل الأمراض

العلاج بالطاقة ناجع لكل الأمراض

 

عبده عايش - صنعاء

 

أكد استشاري الطاقة الحيوية للصحة النفسية والجسدية د. أشرف الحنبلي في حوار مع الجزيرة نت أن العلاج بالطاقة أثبت كفاءة في علاج جميع الأمراض العضوية والنفسية، مثل السرطان والقلب والاكتئاب والوسواس

وكان الحنبلي، وهو طبيب مصري، زار العاصمة اليمنية مؤخرا، وألقى محاضرتين في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، حضرهما العشرات من المهتمين، وتناول فيهما التحكم بالمشاعر، وكيفية التخلص من الطاقة السلبية، وعلاج الأمراض بالطاقة الحيوية.

وهنا نص الحوار: 

* هل يمكنك التوضيح بشأن أهمية وفعالية العلاج بالطاقة الحيوية؟

- ماهية الطاقة الحيوية تعرف بأنها الباعث على النشاط والحركة، وهي مجموعة من الترددات الكهربائية والكهرومغناطيسية التي تتفاعل في ما بينها لتوليد حقل الطاقة حول الكائن الحي وداخله.

وتعتبر الذرة أصغر مكون للكون، وتتكون من نواة تدور حولها الإلكترون بسرعة أكبر من 1600 دورة في الثانية الواحدة، مكونة طاقة كهرومغناطيسية كبيرة، وكذلك الجزيئات الموجودة في النواة تتحرك بصورة عشوائية مكونة طاقة كهرومغناطيسية، فالكون كله ما هو إلا طاقة، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

والمرض ما هو إلا طاقة سلبية، سواء كان مرضا نفسيا، أو مرضا عضويا مهما كان، وبالتالي تظهر أهمية العلاج بالطاقة كطوق نجاة لكل مرضى العالم للتخلص من الأمراض، سواء النفسية أو العضوية بفضل الله.

 

* أين ومتى اكتشف العلاج بالطاقة الحيوية؟ وهل هناك من كانت له الريادة في المجال؟

- بدأ ظهور هذا العلم منذ فترة قريبة، وهو جديد على مجتمعاتنا العربية التي لا تعتقد بوجود علاج من غير عقاقير.

وينقسم العلاج بالطاقة إلى مدارس عدة، مثل مدرسة الإبر الصينية والريكي والبرانيك هيلنغ وغيرها الكثير، كما عرف الفراعنة هذا العلم وبرعوا في استخدامه في العلاج، بل وبناء البيوت والمعابد والمقابر، مثل أهرامات الجيزة.

 

وبرع الصينيون في علم الطاقة باستخدام الإبر الصينية التي يرجع تاريخها إلى ملاحظتهم أنه في الحروب تقع بعض السهام على الحصان، فأحيانا يشفى الحصان مما كان به من أمراض، وأحيانا يزداد سوءا، فبدؤوا بدراسة الأمر إلى أن قاموا بوضع خريطة توضح نقاط الطاقة في جسم الإنسان والحيوان، والتي ما زالت إلى الآن تستخدم في العلاج بالإبر الصينية.

 

طريقة اللمس (الهيلنغ) واحدة من طرق العلاج بالطاقة الحيوية  (رويترز)

* ما هي الأمراض التي يمكن علاجها بالطاقة الحيوية؟ هل من بينها أمراض القلب والسرطان؟

- يتم علاج جميع الأمراض بالطاقة والتي أثبتت كفاءة في جميع الأمراض العضوية والنفسية، مثل السرطان والقلب والاكتئاب والوسواس، ودائما أقول إن الطاقة تعالج من الصداع إلى السرطان مرورا بالأمراض النفسية.

 

* وكم نسبة الشفاء في أي مرض؟

- تعتمد نسبة الشفاء من الأمراض على اتباع المرضى التعليمات التي توجه إليهم، فإذا ما اتبعوها تصل النسب بفضل الله إلى 100%.

 

* ما أبرز الحالات المرضية المستعصية التي عرضت عليك؟

- من أبرز الحالات التي عرضت عليّ أمراض مثل السرطان، والكلى، والكبد والاكتئاب، والوسواس، والشقيقة، والصرع، وكهربة المخ، والغدة الدرقية، وخلل الهرمونات.

 

* ما هي ردود أفعال المرضى الذين يشفون بهذا العلاج دون عقاقير أو جراحة؟

- أذكر أن إحدى المريضات جاءتني في المركز العلاجي وهي تعاني اكتئابا منذ عشر سنوات، وكانت لا تؤمن بجدوى العلاج بالطاقة الحيوية، وبعد جلسة واحدة فقط من العلاج بالطاقة تخلصت من الحزن والاكتئاب، وتأكدت بتجربة ذاتية أن علاج الطاقة فعال.

 

* ما هو السر وراء تحول الماء من نافع إلى ضار؟

- ينزل ماء المطر محملا بطاقة إيجابية، أو كما قال النبي محمد إنه حديث عهد بربه،  ولكن سرعان ما يحمّل الآن في عصرنا بشحنات سلبية نتيجة المحمول واللاسلكي، وغيرها من الطاقات المنتشرة الآن في الجو.

نجد بعد ذلك أن الماء ينقل إلى بيوتنا عبر الضغط في الأنابيب، والتي أثبتت علوم الطاقة أن هذا الضغط يفقد الماء طاقته الحيوية، وبذلك يصير ماء ميتا عكس مراد الله، حيث يقول سبحانه وتعالى "وجعلنا من الماء كل شيء حي" أي أنه مصدر الحيوية والنشاط لجميع الكائنات.

 

والحل لإعادة شحن الماء بالحيوية هو أن نقرأ عليه من القرآن الكريم، أو أن نستخدم الفخار في حفظه، حيث للفخار قدرة على امتصاص طاقة الهواء والضوء والشمس، وشحن الماء بها.

السابق

السابق

التالي

السابق