آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/16-

تماهي السلطات جريمة

محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

تجرنا تطورات الأحداث في مصر مجددا للحديث عن عدالة ونزاهة القضاء المفترضة، وخطورة أن تمسخ قيمة العدالة لتغدو مجرد أداة لتحقيق مصالح سياسية ونفعية للسلطان الحاكم.

 

فالأحكام التي صدرت بحق صحفيي الجزيرة التسعة -ثلاثة منهم حضوريا والباقي غيابيا- بالحبس الذي يصل إلى عشر سنين بجريرة أداء الواجب المهني، تقرع أجراسا مدوية في فضاء حقوق الإنسان والعدالة والإنسانية. وقد لاقت هذه الأحكام استنكار الشرق والغرب، الموالي للنظام الانقلابي، والمعادي له على حد سواء.

 

فهذه الأحكام تخطت كافة الخطوط التي تعارفت عليها البشرية في تجاربها المختلفة فكريا ودينيا وسياسيا، فإذا كانت القسوة معهودة في التاريخ البشري تجاه المخالفين سياسيا، أو بين المتنافسين على سلطة أو مصلحة، فإن الشهود كانوا على الدوام منطقة محرمة في كافة الصراعات. وحتى في الحروب المدمرة التي يقتل فيها الآلاف عشوائيا، تبقى الصحافة حيزا محايدا بعيدا عن الاستهداف.

 

أما في تجربة الانقلاب في مصر فتتماهى الحدود الفاصلة بين المنافسين السياسيين والمدنيين المسالمين والصحفيين المهنيين. ويغدو كل من لا يغني للانقلاب طربا، طرفا معاديا، وهدفا لبطش العسكر والمؤسسات التابعة له ومنها القضاء الذي يلبس البزة العسكرية بدل معطف القضاة.

 

مجزرة الأحكام الجائرة بحق مهنة الصحافة، سبقها الإفراج عن مراسل الجزيرة عبد الله الشامي الذي قضى قرابة العام قيد الاعتقال دون تهمة أو محاكمة، وتحدى سجانيه بإضراب بطولي عن الطعام حتى انتصرت أمعاؤه الخاوية على إرادة سجانه.

 

والإفراج عن الزميل الشامي بعد هذه المعاناة لا يحسب للنظام العسكري الذي أفرج عنه، بل هي إدانة له. فاعتقال صحفي أدى واجبه المهني قرابة العام دون تهمة، هو بحد ذاته إدانة لعسف وتخبط هذا النظام.

 

معادلة بسيطة رسختها منظومة الديمقراطية التي تعارف عليها البشر، وهي أن القضاء سلطة، كما أن السلطان سلطة، والصحافة سلطة أخرى، وحتى تقوم كل سلطة بدورها المفترض لها، عليها أن لا تذوب في سلطة أخرى، وإلا فقدت دورها وقيمتها. وهي جريمة بحق المجتمع وليست مجرد خطر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

 

محمد النجار - عمّان

في هذا العدد من مجلة الجزيرة نفرد مساحة لملفين غير موسعين، الأول من الأردن الذي تتفجر فيه -بين الحين والآخر وعلى مدى عقدين- أزمة أمنية ذات خلفية فكرية هي السلفية الجهادية التي تمددت في مدينة معان جنوب البلاد، وتعزز تدني حظ المدينة من التنمية واهتمام النظام الحاكم من سخط أهالي المحافظة الأكبر مساحة في المملكة.

 

ويضعنا مراسلنا في الأردن محمد النجار في أجواء "الأزمة المفتوحة" في معان، وهي المدينة التاريخية التي انطلق منها مشروع المملكة الهاشمية، لكنها باتت اليوم الأبعد نفسيا وسياسيا عن قصر رغدان، مقر الحكم.

 

فما هي قصة السلفية الجهادية في مدينة معان؟ ولماذا تتجدد الاشتباكات بين مسلحين من المدينة وقوات الأمن من حين لآخر؟ وما هي مطالب الأهالي وشكواهم من التهميش؟ هذا ما يجيبنا عنه هذا الملف.

 

وفي ملف آخر نعيش مع مراسلنا في موريتانيا أحمد الأمين معاناة أخرى امتدت لعامين في مخيم امبرة (شرقي موريتانيا) حيث يعيش بضعة آلاف من اللاجئين الأزواديين الفارين من القتال والاضطرابات في شمال مالي لعبور الحدود الموريتانية.

 

لكن ضعف إمكانيات البلد المضيف وعدم حماس المنظمات الدولية للإغاثة ضاعف من معاناة هؤلاء اللاجئين في ظروف مناخية صعبة في الصحراء الموريتانية. ويشكل تأمين الطعام على فترات زمنية متباعدة رحلة تكسوها المرارة، إلا أن الغناء الأزوادي يضفي على أجواء المخيم روح طرب وطنية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

معان.. ربع قرن من الأزمة المفتوحة

معان.. ربع قرن من الأزمة المفتوحة

 

 لم تكن المواجهات المسلحة وحالة التوتر التي عاشتها مدينة معان (250 كلم جنوب عمان) قبل نحو شهرين سوى حلقة في سلسلة من تاريخ المواجهات العنيفة بين الحكومات الأردنية وأجهزتها المتعاقبة من جهة، وأهالي المدينة من جهة أخرى، في أزمة يجمع الأردنيون على  أنها "مفتوحة" وسط اختلاف الاجتهادات في البحث عن حلول جذرية لها.

 

لا تذكر معان إلا ويذكر تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية عام 1921، عندما وصلها الأمير عبد الله بن الحسين من الحجاز، ومن هناك بدأ فجر الدولة الأردنية عبر إمارة شرقي الأردن التي وقعت تحت الانتداب البريطاني حتى عام 1946، ليعلن استقلالها بعد ذلك وإطلاق تسمية المملكة الأردنية الهاشمية عليها.

 

لكن تاريخا آخر باتت تتميز به معان حديثا، فالمدينة التي تقع في قلب الصحراء الجنوبية للأردن ارتبط اسمها على مدى ربع القرن الأخير بعلاقة متوترة مع حكومات المركز في العاصمة عمان.

 

يعود تاريخ المواجهات بين معان وأجهزة الدولة إلى عام 1989، عندما اندلعت من المدينة شرارة ما يعرف بـ "هبة نيسان" وهي أوسع انتفاضة شعبية شهدها الأردن، وخاصة مدن الجنوب، فيه أسفرت عن مقتل ستة مواطنين أحدهم رجل أمن.

 

ونتج عن هبة نيسان تحولات هامة في المشهد الأردني، إذ تلاها قرار تاريخي من الملك الراحل الحسين بن طلال بإعادة الحياة الديمقراطية للبلاد وانتخاب واحد من أهم المجالس النيابية في تاريخ الحياة السياسية للمملكة.

 

تاريخ المواجهات امتد إلى أعوام 1998، ثم إلى أعنفها على الإطلاق عام 2002، وصولا لمواجهات وتوترات عام 2008 ثم 2012 وصولا إلى جولة الاشتباكات العنيفة في مايو/أيار من هذا العام.

 

هذا التاريخ من المواجهات جعل معان مادة لتقرير دولي صدر عن مجموعة الأزمات الدولية، كما أفردها مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية بدراسة هامة تمت بتكليف رسمي، لكن توصياتها ونتائجها ظلت حبرا على ورق، كما يقول أبناء معان.

 

مؤيدون للنظام الأردني في مظاهرة تأييد للملك ردا على مظاهرات احتجاج في مدينةمعان عام 2011 (رويترز)

 

باتت كلمة "استهداف معان" مرادفة لحديث ممثليها وشخصياتها العامة ووجهائها، تعبيرا عن حالة من "الظلم والمؤامرة" باتت تسيطر على مزاج أبناء معان، خاصة عندما يقارنون تعامل الدولة مع مدينتهم ببقية مدن المملكة، حيث يتردد في معان أن نحو أربعين من أبناء المدينة -مطلوبين ومواطنين- قتلوا برصاص الأمن منذ عام 1989، وهو رقم لم يتسن التأكد منه من أية مصادر رسمية.

 

لعل أبرز مبررات الخطاب الرسمي في التعامل الأمني مع معان بين الفينة والأخرى نابع من المطالبة الحثيثة بتطبيق القانون الأردني عبر القبض على مطلوبين يوصفون بالخطرين، وكان وزير الداخلية حسين المجالي قد أعلن مؤخرا أن عددهم هو 19 مطلوبا فقط.

 

في حديثه للجزيرة نت، يستغرب رئيس بلدية معان ما يسميه "فشل أجهزة أمنية أردنية محترفة في القبض على عدد بسيط من المطلوبين عبر طرق استخباراتية دقيقة".

 

يقول ماجد الشراري "الأمن يكتفي بقتل المطلوبين، فخلال سنة وشهرين فقط قتل من أبناء معان ثمانية كان الأولى القبض عليهم وإيداعهم للقضاء العادل".

 

وعن تبرير الأمن بأنه يضطر للتعامل مع مطلوبين خطرين ومسلحين يبادلونه إطلاق النار مما يؤدي بالنهاية لمقتلهم، يقول الشراري "كيف سنقنع أبناء معان بهذه الرواية، وقصة المطلوب الأخير بدر الفناطسة معروفة للجميع بأنه جرى استدراجه لمنطقة خالية وتم عمل كمين له، وبدلا من الإيقاع به وجد في جسده 11 طلقة، هذا يراه أبناء معان إعداما وليس تطبيقا للقانون".

 

ويقول رئيس بلدية معان أيضا إن أخذ مدينة كبيرة بجريرة 19 مطلوبا يجب القبض عليهم "ظلم كبير". ويتابع "هذا العدد يتوفر في حي من أحياء مدن المملكة الكبرى".

 

وعن مطالبة الحكومة لأبناء معان بتسليم المطلوبين، قال الشراري "هذه مهمة الأمن العام وليست مهمتنا، ولكن نحن نطالب بالقبض عليهم وفقا للقانون وايداعهم للقضاء العادل، لا قتلهم مما يعيدنا لمربع التوتر المستمر".

 

وبرأي الشراري، فإن الأزمة في معان "مفتوحة ولم تنته" ويتهم السلطات الرسمية بإفراغ المدينة من قوات الأمن وحتى من رجال السير "مما أدى لانفلات الأمن". وقال "قابلت رئيس الوزراء ومدير المخابرات قبل الأزمة الأخيرة، ولم يتم تنفيذ أي شيء من مطالبنا، ونشعر أن هناك قرارا في الدولة بعدم الاستماع لنا".

 

ويحذر من أن الأزمة في معان إذا بقيت على حالها "فستندلع جولة أخرى وربما أخطر بكثير من الجولة الأخيرة" بل إنه ذهب للقول "كما أن معان كانت بداية المملكة الأردنية الهاشمية فأخشى أن تكون نهاية المملكة لا قدر الله إذا ما استمر الوضع الحالي".

 

من مسيرة احتجاجية في معان جنوب الأردن احتجاجا على تعامل الحكومات المتعاقبة مع المدينة وأهلها (الجزيرة)

أزمة مع المطلوبين

بالمقابل، تنفي الحكومة بشدة أي استهداف لمدينة معان، وترى أن المشكلة ليست مع معان وإنما مع عدد محدود من الخارجين عن القانون فيها.

 

مصدر حكومي رفيع تحدث للجزيرة نت بأن الحل في معان "يبدأ أمنيا بالقبض على المطلوبين الذي أطلقوا الرصاص على رجال الدرك أمام محكمة معان فأصابوهم بالرصاص، والقبض عمن أحرقوا مؤسسات وبنوكا في موجة الشغب الأخيرة".

 

وتابع "هذا واجب الحكومة تجاه أهالي معان قبل أن يكون واجبها تجاه تطبيق القانون ومنع الخروج عليه من أي كان".

 

المصدر الحكومي -الذي طلب عدم الاشارة له- نفى بشدة وجود أي استهداف لمعان، وقال "هذا أمر مرفوض، فمعان تحظى بنصيبها من التنمية والوظائف وحل المشكلات ومنها الفقر والبطالة".

 

وزاد "هناك مدن ومحافظات أفقر من معان وخاصة عجلون والمفرق، وواجب الحكومة أن تكافح الفقر في معان والمفرق وعجلون وكافة أنحاء المملكة".

 

وذكّر المصدر الحكومي بالمكرمة الملكية الأخيرة بتوزيع دونم أرض على كل مواطن معاني، وقال "هذا دليل على أن معان تحظى بالرعاية والحقوق كباقي مدن المملكة".

 

كما يخلص إلى مطالبة الجميع بـ "عدم الخلط بين البعد الأمني المحصور بعدد محدود من المطلوبين، وأخذ مدينة كاملة بجريرة هؤلاء كما يحاول البعض".

 

وينفي ذلك المسؤول بشدة أن تكون خطوط الاتصال والحوار مقطوعة بين الحكومة وأجهزتها وأهالي معان، وقال "دائما هناك لقاءات مع وجهاء وممثلي معان، وخلال عام واحد استقبلت الحكومة ممثلين ووجهاء عن معان سبع مرات، وهي تقوم بذلك من مطلق واجبها نحو معان وأهلها لأن لها مكانة خاصة في تاريخ وحاضر الأردن".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

السلفية الجهادية.. وجه معان الأردنية

السلفية الجهادية.. وجه معان الأردنية

 

بعد نحو ثلاثة عقود من ولادته، بات التيار السلفي الجهادي رقما صعبا في معادلة التوازنات بمدينة معان الأردنية، بعد أن تحول لواحد من التيارات الإسلامية الرئيسية الجاذبة لقطاعات من الشباب الأردني والعربي على وقع الحروب والتطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.

 

ولد ذلك التيار بمعان في ثمانينيات القرن الماضي، في ذات فترة ولادة التيار بالعالم، وهي مرحلة الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفياتي، حيث بدأت أعداد من الشبان من المدينة الجنوبية الأردنية تتجه نحو قبلة الجهاد التي استقطبت الآلاف من الشبان العرب، الذين انخرطوا في القتال وسط تسهيلات من أنظمة عربية حليفة للولايات المتحدة في ذلك الوقت.

 

تاريخ الولادة الفعلية لتيار السلفية الجهادية في معان يعيده أبرز منظريه بالمدينة محمد الشلبي الشهير بأبي سياف إلى عام 1988، حيث قال للجزيرة نت "في ذلك العام كانت خطب الشيخ عبد الله عزام ومقالاته تنتشر بين الشباب المسلم في معان".

 

وتابع أبو سياف "نفر العديد من أبناء معان للجهاد في أفغانستان، وكان من أوائل من استشهدوا هناك أبو أسيد المعاني، وياسين البزايعة وغيرهما من الشبان الذين كانوا وقودا لانطلاق العشرات من الشبان من معان كما من بقية مناطق الأردن للجهاد في أفغانستان".

 

مسيرة احتجاجية في مدينة معان على اهمال النظام للمدينة وتعاملها الأمني الخشن مع أهلها (الجزيرة)

كما لفت إلى أن مؤلفات الشيخ عصام البرقاوي الشهير بأبي محمد المقدسي -أحد أبرز منظري التيار السلفي الجهادي حاليا- كان لها دور بارز في تشكيل التيار وعقيدة أبنائه لاسيما كتابه الشهير "ملة إبراهيم" والذي يعتبر بمثابة المرجع العقيدي للتيار السلفي الجهادي ولمنتسبيه حول العالم.

 

وتابع "في بداية تسعينيات القرن الماضي كان هناك دور بارز لمؤلفات ومحاضرات سفر الحوالي وسلمان العودة وناصر العمر وخاصة في مسائل الإرجاء ووضع الحدود بين سلفية الجهاد والعمل وسلفية الأنظمة، على الرغم من ملاحظات شبان التيار على هؤلاء الشيوخ حاليا".

 

وفي هذا الإطار، تحدث أبو سياف عن المواجهة الفكرية المستمرة بين أتباع التيار السلفي الجهادي وبين "سلفيي الأنظمة". وقال "للمفارقة أن هؤلاء اليوم باتوا أنصارا للظلم، فتعاني منهم مختلف التيارات الإسلامية ومنها الإخوان المسلمون لأنهم ينحازون للظلم وللفساد على حساب عقيدتهم ومصالح المسلمين العليا".

 

يضم التيار السلفي الجهادي بمعان المئات من الشبان، قاتل العشرات منهم ضد الاحتلال الأميركي للعراق،  فقتل بعضهم وأسر البعض الآخر، وبعد العراق كانت المحطة الأبرز في حياة الشباب السلفي الجهادي بمعان كما الأردن عامة هي سوريا، التي تشير الإحصاءات إلى وجود العشرات من أبناء معان يقاتلون اليوم إلى جانب نحو 1500 أردني في صفوف جبهة "النصرة" وتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

 

وبلغ عدد القتلى من أبناء معان في سوريا 21 شخصا، إضافة لأربعة في العراق، واعتقل شبان من المدينة في السعودية واليمن بسبب نشاطهم بالتيار.

 

متظاهرون من السلفية الجهادية في مدينة معان يطالبون بتطبيق الشريعة في الأردن (الفرنسية)

 

وفي رده على سؤال حول المأخذ على التيار السلفي الجهادي بالأردن عامة ومعان خاصة بأنهم لم يتجهوا للجهاد في فلسطين، قال أبو سياف "هناك ظروف موضوعية كثيرة، لكن العديد من الشباب يرون في وجود حركة حماس في فلسطين بالرغم من مآخذ البعض على عقيدتها، إلا أنها تبلي بلاء حسنا في مقارعة اليهود".

 

يسجل تاريخ التيار السلفي الجهادي في معان محطات من المواجهات بينه وبين الحكومات الأردنية، حيث كان لشبان التيار دور لا يستهان به في مواجهات عام 1989 ثم 1998 وصولا للمواجهات الحديثة عام 2012 ثم العام الحالي 2014.

 

لكن المواجهة المباشرة الوحيدة والمسلحة بين التيار وقوات الجيش والحكومة كانت في ديسمبر/كانون الأول 2002، عندما نفذت قوات الجيش والأمن الأردنية عملية واسعة استخدمت فيها الطائرات المروحية لاعتقال عدد من المطلوبين كان أبرهم أبو سياف، وشهدت مواجهات مسلحة غير مسبوقة.

 

انتهت العملية باعتقال العشرات ممن وصفتهم الحكومة آنذاك بالمطلوبين الخطرين، ونجح أبو سياف في الفرار من المدينة وظل فارا لمدة تزيد على العام إلى أن اعتقل أثناء محاولته التوجه للعراق عام 2004.

 

محمد الشلبي ابو سياف مؤسس التيار السلفي الجهادي في معان (الجزيرة)

 

وعلى مدى العقدين الماضيين، حكم على أكثر من عشرين من شبان التيار بالأردن بأحكام وصلت للإعدام والسجن المؤبد، لكن جميع معتقلي التيار أفرج عنهم إما بانتهاء مدد محكوميتهم أو بعفو من الملك عبد الله الثاني، ولم يبق من أبناء التيار معتقلا إلا عبد الفتاح أبو ظهير الذي اعتقل أثناء محاولته التسلل إلى سوريا العام الماضي واتهم بإطلاق الرصاص على قوات الجيش الأردني.

 

يعود أبو سياف بالقول "المواجهة الوحيدة لنا مع الدولة كانت عام 2002 وسببها الظلم الكبير الذي وقع علينا، ومحاولات إلصاق تهمة الإرهاب بنا واتهامنا بقتل الدبلوماسي الأميركي فولي الذي ثبت أن لا علاقة لنا به".

 

ويضيف "نحن لا نستهدف الأردن ولا نرى أي وجه لتنفيذ عمليات بداخله، وعندما انخرط شباننا مع الأهالي في الانتفاضات ضد الفقر والظلم والاستهداف لمعان وأهلها كان ينتهي بمجرد انتهاء الأزمة. وأذكر هنا بوضوح أن التيار السياسي الأبرز الذي كان يشارك الأهالي انتفاضتهم خاصة السابقة منها هم الإخوان المسلمون وهذا يسجل لهم لا عليهم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

فقر وتهميش.. عناوين ملازمة لمعان

فقر وتهميش.. عناوين ملازمة لمعان

 

على الرغم من الوجه الأمني للأزمة المفتوحة بمدينة معان الأردنية، فإن عوامل اقتصادية تبدو من محركات الأزمة السياسية والأمنية بالمدينة، فالفقر والتهميش والبطالة باتت عناوين تلازم المدينة الواقعة في قلب الصحراء الجنوبية للأردن.

 

في ورقة قدمها في مؤتمر عقد بالعاصمة الأردنية مؤخرا، عرض رئيس فرع نقابة المهندسين في معان ياسر كريشان لأوجه من محركات الأزمة بالمدينة على مدى ربع قرن من الزمان.

 

كريشان نبه إلى أن نسبة الفقر بمعان تبلغ 26.6%، أي أن أكثر من ربع السكان المحافظة باتوا تحت خط الفقر وفقا للأرقام الرسمية، التي تشير أيضا وفقا لما اطلعت عليه الجزيرة نت في وثائق دائرة الإحصاءات العامة أن نسبة البطالة بالمدينة بلغت 15% عام 2013، لكن الصادم في هذه النسبة أن 29% ممن يعانون من البطالة بمعان من فئة الشباب ممن تقل أعمارهم عن ثلاثين عاما.

 

لا تبدو علاقة معان بالأرقام الاقتصادية جيدة، فمتوسط دخل الفرد سنويا بالمدينة يبلغ 1330 دينارا (1878 دولارا) بمعدل 110 دنانير شهريا (155 دولارا) وهو رقم يقل بكثير عن ذات المستوى بالمحافظات الرئيسية في المملكة، على الرغم من أنه يتساوى مع محافظات أخرى لا يختلف حال أبنائها اقتصاديا عن معان.

 

ووفق كريشان، فإن معدل التضخم بالمدينة لعام 2013 بلغ أكثر من 6%، وهو أعلى من ذات النسبة على مستوى المملكة والذي بلغ 5%.

 

استقبال عشيرة الحويطات للملك عبد الله الثاني في زيارته لمدينة معان عام 2011 (رويترز)

واحدة من مشاكل معان التي تبدو مقلقة لأبنائها -كما يقول كريشان- أزمتها مع الأمية المتفشية فيها، والتي تبلغ اليوم 13%، بالرغم من الانخفاض الطفيف منذ عام 2003 عندما كانت النسبة 15%.

 

يربط كريشان الأرقام السابقة كلها بما يصفه الانتشار الخطير للمخدرات بالمدينة وخاصة بين فئة الشباب التي يقول إن دراسات أكدت أن نحو 25% من المتعاطين والمروجين للمخدرات في معان من فئة الشباب، بل ويذهب أبعد من ذلك عندما يتهم جهات رسمية بمحاولة تسهيل انتشار هذه الآفة بين أبناء المدينة.

 

رئيس فرع نقابة المهندسين بمعان تطرق للحلول الحكومية لأزمة معان التنموية والاقتصادية، حيث انتقد بشدة المشروع الحكومي الكبير المتمثل بمدينة معان التنموية الذي بدأ العمل فيه عام 2007.

 

يأخذ كريشان على المشروع أنه يدار من أرقى ضواحي العاصمة عمان، وأنه لم يصل بعد لمحافظة معان وأبنائها بعد كل هذه السنوات، حيث يشير إلى أنه كان مقررا إنشاء مشاريع بقيمة مائتي مليون دينار (282 مليون دولار) وتوفير حوالي ثمانية آلاف فرصة عمل بحلول عام 2017 ونحو عشرين ألف فرصة عمل بحلول عام 2025.

 

ويعلق بالقول "هذا كله أحلام، فلم نر مشاريع كبرى حتى اليوم، وعدد الذين جرى تشغيلهم بلغ فقط 86 عاملا وعاملة، منهم 39 فقط من أبناء المجتمع المحلي".

 

مبنى البريد في مدينة معان جنوب المملكة بعد حرقه على يد محتجين في المدينة (الجزيرة)

 

واحد من أكبر المشاريع التي أعلن عنها في معان مؤخرا كان مشروع المكرمة الملكية بتوزيع دونم أرض على كل مواطن من أبناء معان بمنطقة وادي العقيق.

 

لكن كريشان يرى أن هذا المشروع لن يغير شيئا من واقع معان، ويتحدث عن أن سعر هذا الدونم لا يزيد على خمسين دينارا، وأن تكاليف فرز الأراضي وتوزيعها أكبر بكثير من قيمتها السوقية، على حد وصفه.

 

وينتهي لاعتبار أن كل المشاريع الحكومية نحو معان غير جادة، ويؤشر إلى أن الأولى بالحكومات الأردنية أن تعيد مصانع كانت تعمل بالمحافظة وتوفر فرص العمل لهم لاسيما مصانع الزجاج وسيارات لاندروفر، عوضا عن الاعتناء أكثر بشركة سكة حديد العقبة التي تعنى بنقل الفوسفات لميناء العقبة.

 

ويحذر كريشان من مشكلات لا نهاية لها في حال نجاح  محاولات لإنهاء الشركة تزامنا مع تغيير الموقع الحالي لميناء العقبة، كما يقول.

 

غير أن مسؤولين حكوميين تحدثوا للجزيرة نت اعتبروا كل ما ورد من أرقام وشكاوى مبالغا فيه، وأن واقع معان أفضل من واقع محافظات كثيرة بالأردن تعيش فقرا وبطالة بنسب أعلى.

 

 ويؤكد هؤلاء أن الدولة ملتزمة بتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة، وأن هذا تثبته أرقام الموازنات العامة للدولة، على مدى السنوات الماضية والحاضرة، عوضا عن خطط الموازنات والمشاريع الكبرى للسنوات اللاحقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

معان.. مدينة متخمة بالتاريخ

معان.. مدينة متخمة بالتاريخ

 

يرتبط اسم مدينة معان الأردنية الواقعة في قلب الصحراء الأردنية (250 كلم جنوب عمان) تاريخيا بمحطات هامة، على الرغم من أن اسمها في الأخبار ارتبط في الربع قرن الأخير بمحطات من التوتر بين المدينة والحكومات الأردنية المتعاقبة.

 

وتشير المراجع التاريخية إلى أن اسم معان ارتبط منذ فجر الإسلام بأميرها "فروة بن عمرو الجذامي" الذي كان أول من أسلم من أهلها، قبل أن تحكم عليه الدولة الغسانية التي كانت تابعة لإمبراطورية الروم بالإعدام إذا لم يرجع عن دينه، وعندما رفض جرى إعدامه ليكون أول من أسلم واستشهد من أهل الشام.

 

على مدار تاريخها القديم، كانت معان محطة هامة في أكثر من مفصل، فقد شهدت منطقة أذرح التابعة لها حادثة التحكيم الشهيرة بين أبي موسى الأشعري مندوب علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) وعمرو بن العاص مندوب معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهما).

 

ظلت معان مركزا في طريق العبور بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وازدهرت بشكل كبير في العهد الأموي عندما حولها الأمويون مقرا لقوافل الحج، وظل هذا الازدهار طوال العهد الأموي، لكنه غاب تماما في العهد العباسي، حيث تعرضت معان للإهمال الذي لازم المدينة طوال العهد العباسي.

 

في العهد العثماني، عاد لمعان شيء من ألقها التاريخي، وظلت مركزا لعبور الحجاج من بلاد الشام إلى الجزيرة العربية، إلى أن تم إنشاء أول خط للسكة الحديد يمر بها ولا يزال حتى اليوم أحد معالم المدينة المميزة.

 

مواطنون يتجمعون امام محافظة معان اثناء لقاء وزير الداخلية بالوجهاء (الجزيرة)

 

في التاريخ الحديث، مثلت معان أهم محطات الثورة العربية الكبرى على الإمبراطورية العثمانية، فمنها انطلقت الثورة، كما صدرت فيها أول صحيفة بالأردن آنذاك وحملت اسم "الحق يعلو".

 

وكانت المدينة المحطة الأولى في إنشاء الدولة الأردنية الحديثة، حيث وصلها مؤسس الدولة الأردنية "إمارة شرقي الأردن" عبد الله بن الحسين بن علي عام 1921 قادما من الحجاز ومكث فيها، واتخذها مركزا انطلق منه فيما بعد لتشكيل الإمارة الوليدة، التي تحولت منذ عام 1946 إلى المملكة الأردنية الهاشمية بعد أن استقلت عن بريطانيا.

 

تعتبر معان أكبر محافظات المملكة الأردنية مساحة حيث تبلغ مساحتها 32800 كيلو متر مربع وتشكل نحو 37% من مساحة البلاد، ويبلغ عدد السكان 124 ألفا حتى نهاية 2013، وتتميز بمناخها الصحراوي حيث تعتبر 95% من مساحتها صحراء، بينما تحتل الجبال 5% من مساحتها من خلال سلسلة جبال الشراة التي تكسوها الثلوج معظم أوقات فصل الشتاء.

 

تضم المعبر الرئيس بين الأردن والمملكة العربية السعودية "مركز المدورة" وحتى اليوم تعتبر محطة رئيسة في مرور قوافل الحج البرية من الأردن وبلاد الشام نحو الحجاز.

 

كانت معان تضم قبل نحو عقدين مدينة العقبة، الميناء الوحيد للأردن على البحر الأحمر، قبل أن تقوم الحكومة بفصلها وتحويلها لمحافظة مستقلة، كما يتبع لمعان إداريا مدينة البتراء الأثرية -إحدى عجائب الدنيا- لكنه جرى فصلها عبر تحويلها لإقليم تنموي مستقل.

 

مدينة معان جنوب المملكة الأردنية تعيش أزمة مفتوحة منذ هبة نيسان عام 1988 وحتى اليوم (اسوشيتدبرس)

 

وتضم معان قصورا وأماكن أثرية أموية وعثمانية، كما يعتبر قصر الملك عبد الله بن الحسين أحد أهم معالمها كونه أهم الشواهد على بداية المملكة الأردنية قبل نحو قرن من الزمان.

 

ارتبط اسم معان في العقود الثلاثة الأخيرة بالتوتر بينها وبين الحكومات الأردنية المتعاقبة، حيث شهدت المدينة عام 1989 ما يعرف بـ "هبة نيسان" عندما حدثت مواجهات غير مسبوقة بين قوات الأمن والجيش ومتظاهرين غاضبين بالمدينة، انتقلت تدريجيا لمناطق أخرى في الجنوب الأردني وخاصة محافظة الكرك، أدت لمقتل عدد من المواطنين وأحد رجال الأمن.

 

انتهت أحداث 1989 بإعلان الملك الراحل حسين عودة الحياة الديمقراطية التي غابت عن البلاد لعقود، حيث جرى انتخاب مجلس نواب حازت فيه المعارضة على نصيب الأسد، وشاركت على هامشه جماعة الإخوان المسلمين بالحكومة للمرة الأولى والأخيرة بتاريخها.

 

المدينة الجنوبية عاشت محطات من المواجهات مع السلطات الرسمية، كان أبرزها عام 1989 ثم 2002 و2012 وأخيرا في مايو/ أيار 2014، وفي كل هذه المحطات كانت تحضر الأسباب السياسية والاقتصادية ويعبر عنها دائما بتوتر أمني واشتباكات مسلحة، ويؤدي عادة لمقتل مواطنين من معان وأحيانا مقتل أو إصابة رجال أمن.

 

تعتبر معان أهم حواضن التيار السلفي الجهادي بالأردن، ويربط محللون هذه الحاضنة والأوضاع الاقتصادية والسياسية بالمدينة، وتعاملت الحكومات الأردنية مع ظاهرة السلفية الجهادية في معان وغيرها من منظور أمني بحت، وتعرض العديد من قيادات التيار وأبنائه في معان -كما باقي الأردن- لمحاكمات أمام محكمة أمن الدولة العسكرية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وفي التقارير الإخبارية المتنوعة، يطلعنا تقرير من ماليزيا على تجربة متميزة في إدارة الزكاة في ولاية سلانغور، حيث نجحت التجربة في انتشال آلاف الأسر من مستحقي الزكاة ليصبحوا دافعين للزكاة من خلال القروض الميسرة لتشغيل المشاريع الصغيرة.

 

وفي تقرير آخر من ماليزيا نتعرف على معاناة اللاجئين الروهينغيين الذين فروا من القتل والاضطهاد في بلادهم ميانمار إلى أقرب بلد مسلم لهم، لكن رغم ترحيب ماليزيا بهم فإن معاناتهم لم تنته في أكثر من وجه.

 

معاناة أخرى للمسلمين لكن في موسكو هذه المرة، حيث تحرمهم السلطات الروسية من بناء مساجد تتناسب مع عددهم إذ يقيم في العاصمة مليونا مسلم وليس لهم سوى أربعة مساجد، وهو ما يعتبرونه تمييزا دينيا ضدهم.

 

أما من صقلية، الجزيرة الإيطالية، فيضعنا تقرير في قلب تاريخ المسلمين في هذه الجزيرة وما تبقى من آثارهم فيها، وأوضاع المسلمين اليوم هناك، ونعرض في ألبوم صور بعضا من ما تركته الحضارة الإسلامية في صقلية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

الجدة "آنا".. اللجوء السرمدي

الجدة "آنا".. اللجوء السرمدي

 

أحمد الأمين-أمبرة / شرقي موريتانيا

 

على كاهلها المثقل بسنوات العمر حمولة من ذكريات الغربة والهجرة واللجوء، وفي عينيها الغائرتين حزن عميق عمق جرح الأزواديين النازف أبدا، وفي تجاعيد وجهها المصفوفة تقرأ أسفار وفصول قصة لجوئهم السرمدي.

 

95 عاما أو أكثر تحملها الجدة آنا في ذاكرتها المثخنة بجراحات الاضطرابات والحروب التي قطعت أوصال أسرتها وألقت بها بعيدا عن أحفادها وأبنائها، وأرغمتها على استجداء المساعدات من منظمات لا تعرف أسماءها، فضلا عن لغات وسحنات مسؤوليها.

 

بين مكاتب التسجيل التابعة للمفوضية السامية للاجئين في مخيم أمبرة كانت الجدة آنا تتنقل شاردة زائغة البصر، مأخوذة بالأضواء والأجهزة الحديثة، يوجهها حفيدها المرافق لها، يجهد في تقويم جلستها أمام جهاز التصوير، ويلاقي مشقة في تمديد أناملها لأخذ بصمتها كي "تحظى بشرف" الحصول على بطاقة لاجئ.

 

شرود آنا وتيهها وتعرجات وتداخل خطوط بصمتها على صفحة جهاز الحاسوب الحديث في مكاتب المفوضية تجسد حكاية مجتمع تداخلت التحالفات الإقليمية والإستراتيجيات الدولية ولعبة المصالح في تقرير حاضره فمنحته "شرف اللجوء" هو الآخر.

 

آنا التي تعودت حياة الانطلاق والحرية ونقاء الطبيعة والعيش في الفضاء الرحب تعيش اليوم محاصرة في حيز جغرافي محدود مع قرابة ستين ألف لاجئ، مرغمة على العيش بحفنة من المساعدات تخلو من كل ما تعودته على مدى عمرها الطويل.

 

الجدة آنا يساعدها حفيدها في إجراءات مكاتب التسجيل التابعة للمفوضية السامية للاجئين في مخيم أمبرة (الجزيرة)

 

هناك في شمال مالي تركت الجدة آنا قطعان ماشيتها ومن لم يقتل من أقاربها، ومعهما تركت نكهة وطعم العيش، حسب ما قالت للجزيرة نت.

 

إحدى مشكلاتها الكبرى اليوم "انعدام حليب الإبل والأغنام، وعصيدة "متري" (نوع من الذرة يطلق عليه محليا هذا الاسم)، وبدونهما لا يمكن أن أعيش ولا أعرف كيف أحصل عليهما"، متمنية أن تشكل المادتان مكونا من مكونات السلة الغذائية التي تقدمها المفوضية للاجئين.

 

معاناة الجدة آنا جزء من معاناة عجائز وشيوخ كثر تعودوا حياة الانطلاق والعيش في الصحراء، مكتفين بما تنتجه الأنعام من ألبان وأصواف وأشعار غذاء وأثاثا ومتاعا، فوجدوا أنفسهم مرغمين على العيش محددي الحركة، يشربون مسحوق الحليب بدل حليب النوق، ويستظلون خيم البلاستيك بدل بيوت الصوف والشعر.

 

استسلم أغلبهم للغربة مكرها أو طائعا، لكنّ كلا منهم يعمل على قهرها باحتضان الوطن والأحبة في أشيائه القديمة، أو بالتوطن داخل الذكريات، أو الانشغال بالتعلم حتى ولو كانت السنوات قد مضت، كما هو حال عمر التسعيني الذي اتخذ من شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك في النحو أنيسا وجليسا.

 

في مساءات أمبرة الحارة جدا دأب عمر على مجالسة ابن عقيل، يكتب أبياتا من نص الألفية يوميا يحاول حفظها قبل أن يعود إلى الشرح محاولا فهمها، ويجد المتعة والتسلية والاستفادة في ذلك، حسب ما قال للجزيرة نت.

 

ويضيف "تعودت أن أعيش حرا طليقا لا يحد من حركتي زمان ولا مكان، وقد كنت سعيدا بتلك الحياة رغم صعوبتها ومشقتها أحيانا، واليوم وقد بلغت هذا العمر أجدني محدد الحركة لا أكاد أملك من أمري شيئا، وذلك صعب على نفسي، فالحرية بالنسبة لنا نحن الطوارق لا تقدر بثمن، صحيح أننا نعيش هنا في أمن ونشعر بأننا في وطننا نظرا لما أحاطنا به الموريتانيون من ترحيب، لكن العيش خارج الوطن يبقى مرا وصعبا".

 

عمر المسكون بحب اللغة العربية يجد صعوبة كبيرة في التحدث بها (الجزيرة )

 

عمر المسكون بحب اللغة العربية يجد صعوبة كبيرة في التحدث بها، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة دراسة قواعد النحو.

ويبدو أن إصراره أثمر، فحين زارته الجزيرة نت كان يقرأ قول ابن مالك:

        "ينوب مفعول به عن فاعل        فيما له كنيل خير نائل"

وربما يبقى عمر يكرر هذا البيت فترة طويلة لعله يفهم مقتضاه بعد أن فعلت الدنيا به وبإخوانه الأزواديين فعلها في حياة اللجوء والغربة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

أمبرة.. الكل في المعاناة سواء

أمبرة.. الكل في المعاناة سواء

 

أحمد الأمين-أمبرة / شرقي موريتانيا

 

الزائر لمخيم أمبرة للاجئين الماليين بالشرق الموريتاني لا يحتاج وقتا أو جهدا كبيرين ليكتشف حجم المعاناة وشظف العيش اللذين يحكمان حياة سكانه.

 

ففي المخيم تتزاحم الخيام تماما كتزاحم آلام اللجوء والغربة، وتتناقص المساعدات والخدمات تماما كتضاؤل الآمال بقرب انتهاء محنة اللجوء والعودة إلى حضن الوطن ولقاء الأحبة.

 

18 ألف أسرة من الأزواديين هي بقية ممن قذفت بهم الحروب والاضطرابات في شمال مالي إلى هذا الركن القصي من الأراضي الموريتانية قرب مدينة باسكنو على بعد أكثر من 1300 كلم جنوب شرق العاصمة نواكشوط.

 

56 ألف أزوادي -معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ- أووا إلى هذا المكان بحثا عن الأمن والطمأنينة، قضوا حتى الآن أكثر من سنتين بالمخيم، يعيشون على ما تقدمه المنظمات الدولية بتنسيق مع الحكومة الموريتانية من عون غذائي ومساعدات إنسانية.

 

منظر عام لمخيم أمبرة شرقي موريتانيا(الجزيرة)

ولا يغني من جوع

اللاجئ في هذا المخيم يقتات على كميات محدودة من الطعام، يحصل عليها كل شهر وأحيانا بعد شهرين، تقدمها هيئات ومنظمات متخصصة تداعت إلى المخيم لعلها تخفف معاناة اللاجئين.

 

 لكن هذا الهدف يبدو عزيزا حتى الآن، فاللاجئون يتحدثون عن صنوف كثيرة من المصاعب والمعاناة تشمل إجراءات التسجيل في لوائح اللاجئين، ومحدودية المساعدات الغذائية، وتدني الخدمات الصحية، وترهل خيم السكن وفرشها وصعوبة الحصول على المياه في بعض مقاطع المخيم.

 

منسق المخيم محمد آغ مالها يتحدث عن جملة من المصاعب يعيشها سكان مخيم أمبرة، ويؤكد في حديث للجزيرة نت أن "حجم المساعدات الغذائية التي يتلقاها اللاجئون باتت محدودة ولا تكفي احتياجات الأسرة، والخيام بدأت تترهل وهي غير مناسبة للسكن، كما أن خدمات المياه لا تغطي كل مقاطع الحي".

 

ويضيف آغ مالها أن "الخدمات الطبية في المخيم تتمثل في مركزين صحيين يتبع أحدهما لمنظمة أطباء بلا حدود، والثاني تابع لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، والخدمات التي يقدمها المركزان تتمثل أساسا في العلاجات الأولية، ولا يتوافران على الكادر الطبي المتخصص، وليست هنالك إمكانية لإجراء العمليات الجراحية، ونقل المرضى إلى منطقة النعمة صعب جدا وربما يعرض حياة المريض للخطر".

 

الحصول على الغذاء في المخيم معاناة ويتطلب حضور الجميع لتوزيعه (الجزيرة)

للنساء النصيب الأوفر 

معاناة سكان المخيم لا تستثني أحدا، إلا أن المرأة تبدو الأكثر معاناة هنا، فأغلب الطوابير الممتدة أمام مخازن الغذاء من النساء، وأغلب المترددين على المرافق الصحية والمحجوزون بها من النساء أيضا.

 

منسقة نساء المخيم خديجة حامة تعزو ذلك إلى عوامل موضوعية، أبرزها أن أغلب اللاجئين نساء وأطفال، ومسؤولية تسيير شؤون البيت هي من اختصاص النساء.

 

وتؤكد خديجة حامة في حديث للجزيرة نت أن الظروف التي تعيشها النساء في مخيم أمبرة قاسية على كل المستويات، فليس لهن من مصدر للعيش سوى ما يتلقينه من مساعدات من المنظمات الإنسانية العاملة هنا، و"المرأة مسؤولة عن جلب المياه من مسافات بعيدة أحيانا، والقيام بتدبير شؤون البيت بالكامل، وفضلا عن ذلك فنساء المخيم يتعذبن بسبب انتشار أمراض سوء التغذية بين أطفالهن".

 

خديجة حامة منسقة نساء المخيم تؤكد أن النساء هم أكثر من يعاني في المخيم (الجزيرة)

ورغم ذلك كله فإن مرارة العيش في أمبرة لم تنسِ خديجة "مرارات ومعاناة تعرضت لها قبل اللجوء بسبب الاقتتال والاضطراب، فالجيش المالي لا يميز بين المقاتلين والنساء والأطفال، وجنوده يستهدفون النساء والأطفال أكثر مما يواجهون المقاتلين".

 

وتعتبر خديجة ومحمد آغ أن ظروف اللاجئين بمخيم أمبرة "أفضل بكثير من ظروف لاجئين ماليين في أماكن أخرى"، ويقول آغ "إننا نشعر هنا بالأمن والطمأنينة ونحس بأننا بين أهلنا"، فالموريتانيون استقبلونا بالترحاب وآزرونا، وسمحوا لنا بالتنقل بحرية وبممارسة نشاطات اقتصادية وتجارية وثقافية، مما خفف علينا مرارة اللجوء، لكن الحنين إلى الوطن والرغبة في العودة إليه يبقيان مشاعر تلازم كل من قذفت بهم الأحداث خارج أوطانهم".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

الأزواديون.. حين تتحول الأغنية وطنا

الأزواديون.. حين تتحول الأغنية وطنا

 

أحمد الأمين-أمبرة / شرقي موريتانيا

 

"عندما نظرت إلى منازلنا مهدمة تألمت كثيرا، خامرني شعور لا يمكنني التعبير عنه، كاد قلبي ينفطر من هول المشهد، البيوت مزقت، والناس شردوا، وخلا المكان إلا من آثار الدمار، هل من منقذ؟ إلى متى يظل العالم يتفرج؟".

 

مقطع من إحدى أغاني المطرب الأزوادي ورئيس فرقة الاتحاد حمّه آغ آيويسون، يريد بها حسب قوله "تذكير العالم بما حل بسكان منطقة شمال مالي بسبب الحروب والاضطرابات، والتعبير عن مشاعر وأحاسيس الأزواديين الذين تشردوا وباتوا لاجئين في دول الجوار".

 

حمّه قال متحدثا للجزيرة نت إن "الأغنية جزء من نضالنا وخزان لتاريخنا، وحافظ لقيمنا وأصالتنا وتراثنا، وتعبير عن آمالنا وآلامنا، ووسيلة لإيصال رسالتنا للعالم".

 

رئيس فرقة إيمراهن (المحبة) الأزوادية أحمد عيسى (الثاني يسار) مع بعض أعضاء فرقته (الجزيرة)

حين يصدح حمّه بأغانيه في مساءات مخيم أمبرة للاجئين الماليين شرقي موريتانيا يتداعى سكان المخيم شيبا وشبابا ورجالا ونساء، لا ليطربوا فحسب، وإنما كذلك "ليعيشوا لحظات مع الحلم، فالأغنية تحولت إلى وطن، تختزن تاريخه وذكريات أهله، وبطولات رجالاته، وتعبر عن آمال وتطلعات شعبه" حسب ما يقول الناشط الأزاودي إيبوي محمد.

 

ويؤكد إيبوي في حديث للجزيرة نت أن "الأغنية ظلت وسيلة للمحافظة على التراث، لكنها اليوم وسيلة للتعريف بالقضية، والحث على التمسك بالوطن، والدعوة إلى الوحدة والتماسك بين مكونات سكان شمال مالي، في وجه محاولات التفريق وزرع الانشقاق والفتنة".

 

موسيقى الأزواديين وكلمات أغانيهم المثخنة بالجراح تعكسان معاناتهم وإحساسهم بالظلم، أنغام القيثارة وآلة "تيهردة" التقليدية وإيقاعات الطبل الأفريقي تمتزجان في أغاني الأزواديين فترسمان لوحة من أنات الحزن وآهات الألم، والإصرار على التمسك بالحلم والدعوة إلى تحقيقه.

 

ويؤكد الأزواديون أن الأغنية ساهمت في نصرة قضيتهم، وعكست واقعهم الاجتماعي، وعملت على نشر "رسالة التحرر ورفض القهر والظلم"

الفنان أحمد عيسى (الثاني يسار) يؤكد أن الغناء ساهم في نشر فكر التحرر ورفض الهيمنة (الجزيرة)

ويقول رئيس فرقة إيمراهن (المحبة) الأزوادية أحمد عيسى إن "الفنانين لعبوا دورا كبيرا في نشر ثقافة التحرر ورفض الهيمنة، وظلت أغانيهم عامل تحفيز للشباب الأزواديين".

 

ويضيف أحمد عيسى في حديث للجزيرة نت أن "وجود فرق فنية في مخيم أمبرة يعكس أهمية الأغنية في حياة الناس، ومكانة الفنان في المجتمع، حيث يقوم بأدوار متعددة تشمل الترفيه، والحفاظ على التراث، وفي الوقت نفسه الدعوة إلى التمسك بالوطن ورفض الظلم".

 

ورغم أن آلة القيثارة دخيلة على الموسيقى الأزوادية فإنها اليوم حاضرة بقوة في أغانيهم الوطنية.

 

ويبرر حمّه آغ آيويسون ذلك قائلا "بالطبع لم تكن القيثارة جزءا من ثقافتنا الموسيقية التقليدية، فالآلة الموسيقية التقليدية هي "تيهردة" التي كان المغنون التقليديون المعروفون يعزفونها في المناسبات الحربية لإثارة حماس الرجال والمقاتلين أثناء المعارك، واستنهاض الهمم استعدادا للحرب".

 

المطرب الأزوادي ورئيس فرقة الاتحاد حمّه آغ آيويسون (الجزيرة)

ويضيف حمّه أن "التغييرات الكبيرة التي عرفها المجتمع الطوارقي في الشمال المالي وفي المنطقة فرضت استخدام آلات موسيقية تستقطب الشباب وتمنح العازف مجالا لاختيار اللون الموسيقي المناسب، لذلك فأنا أعزف على هذه الآلة لاستقطاب الشباب، ولأتمكن من التعريف بقضيتنا الوطنية وتخليد بطولات الأزواديين منذ الستينيات وحتى اليوم".

 

ويؤكد حمّه أن "الأغنية الأزوادية تشكل خزانا لتراث وثقافة هذا المجتمع، وبقيت على الدوام مرآة لتطلعاته، كما أنها حملت همومه إلى الآخر، وحاولت أن تزرع الثقة في نفوس الشباب، وتخفف وطأة ومرارة  الغربة واللجوء اللذين باتا جزءا من واقعنا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

حين لا يغني الغذاء من جوع

حين لا يغني الغذاء من جوع

 

أحمد الأمين-أمبرة / شرقي موريتانيا

 

وضعت وعاء الأرز الفارغ على رأسها ليحميها من الشمس الحارقة، وأخذت طفليها في يديها متجهة إلى مخازن الأغذية بالمخيم لتحصل على نصيبها من المساعدات الغذائية.

 

بعد طول انتظار في طابور امتد عشرات الأمتار، وإجراءات معقدة وطويلة أخذت عائشة حصتها "الزهيدة" من المواد الغذائية وحملتها وطفليها إلى خيمتها المتواضعة في المقطع الرابع من مخيم أمبرة للاجئين الماليين شرقي موريتانيا.

 

عائشة توداريس قدمت إلى أمبرة في أولى موجات اللجوء مطلع 2012 من مدينة لرنب التابعة لإقليم كوندام في الشمال المالي، تعيش وأطفالها الثلاثة على ما تتلقاه من مساعدات غذائية من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شأنها شأن عشرات الآلاف ممن اضطرتهم الحروب والاضطرابات لمغادرة مدنهم وقراهم في شمال مالي.

 

غنيمة عائشة من المعونة الغذائية بعد شهرين من الانتظار (الجزيرة)

تتحدث عائشة بمرارة عن معاناتها في الحصول على ما يسد خَلّة أطفالها بعد شهرين من الانتظار، فتقول للجزيرة نت "في هذا المخيم يحصل اللاجئ شهريا على كميات زهيدة من المواد الغذائية، تتمثل أساسا في 12 كيلوغراما من الأرز، وأقل من لتر من زيت الطبخ وثلاثة أرباع كيلوغرام من السكر، إضافة إلى بعض المواد الغذائية والتموينية الأخرى، وعلى اللاجئ أن يعيش على هذه الكميات الضئيلة طوال شهر كامل، وربما لمدة شهرين".

 

وتضيف عائشة بنبرة تحمل الكثير من الألم "تسلمت اليوم حصتي من المساعدات، لكنني سأضطر لدفعها للجيران الذين اقترضت منهم مواد غذائية خلال الشهر الماضي، نظرا لأن المساعدات تأخرت شهرين، وبعد ساعات قليلة لن يكون في خيمتي أي مواد غذائية، وسيكون علي أن أبحث عمن أقترض منه ما أعيش به هذا الشهر في انتظار التوزيع القادم".

 

معاناة عائشة جزء من معاناة مئات الأسر في مخيم أمبرة، وهي معاناة لا تقتصر على نقص التموين ومحدوديته، فسكان المخيم يشكون من نقص الخدمات الأساسية ويعيشون حالة من عدم الاستقرار تلقي بثقلها على تفاصيل حياتهم اليومية.

 

فبعض هؤلاء لم يحصل على سكن حتى الآن، والبعض لم يدمج في لوائح اللاجئين المستفيدين من المساعدات، والجميع يطالبون بتسهيل إجراءات التسجيل وتوفير ملاذ آمن لكل لاجئ.

 

طفلة عائشة تنتظر دورها للحصول على المساعدة (الجزيرة)

خديجة آم -التي كانت تمارس التجارة في بلدها- لجأت إلى موريتانيا في الأيام الأولى لدخول الجبهة الوطنية لتحرير أزواد ليرة، ورغم ذلك لم تحصل بعد على مكان تسكن فيه، وكل ما تحصل عليه هو المساعدات الغذائية الشهرية.

 

مطلب خديجة الأول اليوم -كما تقول للجزيرة نت- يتلخص في الحصول على خيمة تقيها وأطفالها حر الشمس وتغنيها عن الالتجاء للآخرين "فالمعاناة تتضاعف بسبب الشعور بالحاجة للغير بعد أن كان لي زوج وبيت كبير وأموال وتجارة، وكنت سعيدة في بلدي.. أتمنى أن تتوافر الظروف الملائمة لأعود إلى بلدي، وفي انتظار ذلك أتمنى أن تتوافر لي أبسط مقومات الحياة في هذا المخيم".

 

المعاناة في مخيم أمبرة تكاد تتنوع بتنوع اللاجئين أنفسهم، فإلى جانب من يشكون محدودية المساعدات الغذائية والسكن الملائم، ثمة من يشكو عدم وجود المياه، خاصة في المنطقة الغربية من المخيم.

 

وفي هذا الصدد تقول لالة حورية مولاي محمد إن سكان هذه المنطقة يعانون من عدم وجود صنابير مياه أو توصيلاتها.

 

توزيع حصص الطعام هي اللحظة الأهم في حياة سكان امبرة لشدة معاناتهم (الجزيرة)

وتضيف حورية في حديث للجزيرة نت أن "ذلك ضاعف من معاناة النساء في هذه المنطقة من الحي، وجعلهن يعتمدن على العربات التي تجرها الحمير في جلب مياه الشرب من أماكن ليست قريبة".

 

تخفيف هذه المعاناة والبحث عن طريقة لتوصيل المياه هما الشغل الشاغل لمنظمات وهيئات إغاثة عالمية كثيرة، لكن شح الموارد وطول فترة اللجوء حدّا من قدرة هذه المنظمات على توفير ما يكفي من مواد تموينية وخدمات أساسية، حسب ما يقول المسؤول بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمخيم أمبرة ديفيس كامو.

 

ورغم ذلك يؤكد ديفيس في حديث للجزيرة نت أن "المفوضية ستواصل العمل على توفير المساعدات لهؤلاء، وما دام هناك لاجئ بالمخيم فستظل تقدم له المساعدات والخدمات حسب المتاح".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

طفولة بطعم الغربة في خيام اللجوء

طفولة بطعم الغربة في خيام اللجوء

 

أحمد الأمين-أمبرة/  شرقي موريتانيا

 

وقف يدرّس تلامذته مادة القراءة للصف الرابع في مخيم أمبرة للاجئين الماليين، وكان موضوعه حرف الباء، أخذ الطبشورة وبدأ يكتب مفردات بها حرف الباء، وجاءت أمثلة الدرس تنضح كلها بألم الفراق والبين والغربة وربما الأسى "غربة، غراب، بوم، غريب..".

 

ربما لم يختر المدرس هذه الأمثلة عن قصد، ومع ذلك فقد جاءت تعبيرا صادقا عن واقع الطفولة في هذا المخيم، فهي في كل  تفاصيلها طفولة بطعم الغربة.

 

الطفل في أمبرة يولد محاطا بمفردات الغربة واللجوء، يُكتب في شهادة ميلاده "لاجئ"، ويفتح عينيه فلا يرى سوى معالم ومشاهد اللجوء، وتفرض عليه قسوة الواقع تحمّل المسؤولية ولما يكمل سنته الأولى.

 

لا يخلو مسار من مسارات الحياة اليومية أو محطة من محطاتها في المخيم من وجود أطفال يكدحون من أجل الحصول على لقمة العيش، هم حاضرون في طوابير الحصول على المساعدات الغذائية، وعند حنفيات المياه، وأمام مكاتب التسجيل، وهم -في المراكز الصحية- الأغلب بين المحتاجين للدواء.

 

لالة (يسار) حضور الأطفال شرط لحصولهم على المساعدة (الجزيرة)

الأمهات في المخيم يتحدثن عن صعوبات كثيرة تواجههن في سبيل توفير الحماية والعناية لأطفالهن، فأغلبهن منشغلات بالسعي لتوفير ضرورات الحياة اليومية، مما يعرض أطفالهن لمخاطر كثيرة.

 

وفي هذا الصدد، تقول عائشة آم للجزيرة نت "إن المعاناة ترافق أطفال المخيم منذ اللحظة الأولى من الخروج إلى الدنيا، فالمرافق الصحية معدودة وإمكانياتها محدودة، والحوامل لا يتلقين الرعاية الصحية اللازمة أثناء فترة الحمل، مما ينعكس على أطفالهن الذين يولد معظمهم ناقصي الوزن".

 

وتضيف عائشة وهي تحمل حفيدها المولود حديثا "هذا الطفل يبدأ منذ الآن المعاناة، فهو بحاجة إلى عناية ورعاية وتغذية صحية لا تتوافر بما يكفي هنا، ولا بد من تسجيله لدى مكاتب مفوضية شؤون اللاجئين لإدراجه لاحقا في قوائم مستحقي المساعدات، وكذلك لنتمكن من استخراج شهادة ميلاد له، سيسجل فيها أنه لاجئ، وتلك صفة تكفي وحدها ليشعر الإنسان بالمعاناة والمرارة".

 

وتكشف لالة محمد هي الأخرى عن جوانب من معاناة أطفال أمبرة، فتقول إن "الأطفال في المخيم يتعرضون لمخاطر كثيرة، فهم يبقون ساعات طويلة دون رعاية بفعل انشغال أمهاتهم بالبحث عن لقمة العيش، كما أن اصطحابهم إلى مكاتب التسجيل ونقاط التوزيع يضاعف معاناتهم ومعاناة أمهاتهم".

 

خدمات طبية متواضعة وغياب للكادر الطبي المتخصص في مخيم امبرة (الجزيرة)

لالة -التي كانت تحمل طفلها الصغير على كتفها في طابور طويل للحصول على المساعدات الغذائية الشهرية- أوضحت في حديث للجزيرة نت أن "اصطحاب الأطفال إلى مراكز تسجيل اللاجئين ونقاط توزيع المساعدات الغذائية أمر حتمي، لأن هيئات المساعدة تفرض حضور كل مستفيد، ولا تقبل الإنابة، وهذا يزيد من معاناة الأطفال، فالطوابير تكون طويلة أحيانا والإجراءات بطيئة وقد يبقى الطفل لعدة ساعات دون غذاء".

 

وبفعل ذلك يتعرض الأطفال في المخيم لأمراض عديدة ناجمة عن سوء التغذية. ويقول الدكتور باريكومو كارامبي الذي يعمل في المركز الصحي التابع لمنظمة أطباء بلا حدود بالمخيم "إن الأطفال هنا يعانون من الأمراض الناجمة عن سوء التغذية كالإسهال، كما أن عدم حصول الأمهات على الرعاية اللازمة أثناء الحمل يؤثر في الأطفال حيث يولدون وهم بحاجة إلى عناية خاصة قد لا تتوافر هنا".

 

ويضيف كارامبي في حديث للجزيرة نت أن "منظمة أطباء بلا حدود تعمل على سد النقص الحاصل في هذا المجال من خلال توفير الأدوية وتقديم الرعاية للأمهات والأطفال، إلا أن هذا الجهد لم يمكّن بعد من تحقيق المرجو منه بفعل عوامل عديدة، من بينها تدني مستوى الوعي الصحي في المخيم، ونقص الاهتمام بالجوانب المتعلقة بوقاية الطفل من الأمراض والسهر على نموه بشكل طبيعي".

 

مفردات المرارة والغربة طاغية ما يتلقاه التلاميذ على اللوح الأسود (الجزيرة)

وبموازاة العمل الصحي تنشط بعض المنظمات الخيرية في تقديم المساعدات والرعاية لأطفال المخيم، وتقوم أينتر سوس (منظمة غير حكومية) بتقديم وجبات غذائية يومية لأطفال المدارس.

 

ويقول مسؤولو المنظمة إنهم يسعون إلى توفير غذاء صحي ومتكامل للأطفال بغية تخفيف الأعباء على الأسر من جهة، والحد من أسباب تفشي الأمراض الناجمة عن سوء التغذية في صفوف الأطفال.

 

ورغم أهمية هذا الجهد فإن أطفال أمبرة يظلون بحاجة إلى يد حنونة تمسح أحزانهم وتخفف معاناتهم، وتعيد براءة الطفولة إلى وجوههم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

زكاة سلانغور.. نموذج إنمائي ماليزي

زكاة سلانغور.. نموذج إنمائي ماليزي

      سامر علاوي-كوالالمبور

 

 

تعتبر ولاية سلانغور أول ولاية ماليزية تنشئ مؤسسة خاصة بالزكاة عام 1994، ويقتصر دور الدولة فيها على الرقابة والتدقيق المحاسبي فقط.

 

وأصبحت مؤسسة الزكاة في سلانغور بعد ذلك نموذجا لولايات أخرى عهدت أمر إدارة الزكاة فيها إلى مؤسسات غير ربحية، بينما حافظت ولايات أخرى على الطريقة التقليدية في إدارة أموال الزكاة عبر مجالس الشؤون الإسلامية الحكومية، وقصرت الخصخصة على جباية وتوزيع الزكاة، التي عهدت بها إلى شركات خاصة تتقاضى أجرا مقابل أداء مهامها.

 

يرى رئيس مؤسسة الزكاة في سلانغور محمد إيزام بن محمد يوسف أن الخصخصة أدت إلى تطوير إدارة الزكاة إلى حد كبير من حيث الجباية والتوزيع وتحديث المشاريع التنموية والاجتماعية، إذ أصبحت أقل بيروقراطية وأكثر فعالية.

 

كما يؤكد أنها عززت ثقة المساهمين الذين يبحثون عن آلية لمعرفة مصير زكاتهم، وللتدليل على ذلك قال محمد يوسف للجزيرة نت إن حجم عائدات الزكاة في الولاية نما من 12 مليون رينغيت ماليزي (حوالي 3.7 ملايين دولار) عام 1994 إلى 517 مليون رينغيت (160 مليون دولار) عام 2013.

 

 وبحسب إحصائية أعدتها المؤسسة فإن عدد المستفيدين من أموال الزكاة يتزايد سنويا بنسبة 21%، وبلغ عدد المساهمين في دعم المؤسسة عام 2013 أكثر من 230 ألفا في ولاية سلانغور وحدها، حيث يستطيع المساهم متابعة حسابه عبر الإنترنت أو من خلال جهاز خاص في مقر المؤسسة الرئيسي في مدينة شاه عالم أو الفروع التي يبلغ عددها 21 فرعا في الولاية.

 

وتعتمد المؤسسة على التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لحض الناس على أداء الزكاة والوصول إلى المستحقين قدر الإمكان.

 

وجبة الغداء في مسكن التلاميذ (الجزيرة)

تمكين الفقراء

رشمان نور الدين عبر عن سعادته في حديثه للجزيرة نت عن التغيير الذي أحدثته في حياته عربة نقل قدمتها له قبل سنتين مؤسسة الزكاة في سلانغور لاستغلالها كمطعم متنقل، وحوّلته من متلق للزكاة إلى دافع لها حيث تضاعف دخله عشر مرات في غضون ثلاثة أشهر، وأصبح قادرا على توفير حياة كريمة لأسرته وتعليم أبنائه، بل تشغيل خمسة عمال آخرين.

 

وبعد أن كان رشمان يبيع صنفا واحدا من الطعام، أصبح الآن يقدم قائمة متنوعة من المأكولات ويفكر في فتح فرع آخر لمطعمه المتنقل.

 

أما رئيس مؤسسة الزكاة فيرى أن دعم المشاريع الاقتصادية الصغيرة للفقراء من أموال الزكاة يتعدى إعالة الفقراء إلى إحداث دورة اقتصادية كاملة عن طريق الزكاة، ويضرب على ذلك أمثلة في مشاريع المطاعم المتنقلة وسيارات الأجرة ومعدات وآلات الحرف التي تقدمها المؤسسة.

 

فضلا عن التدريب والتعليم الذي يتلقاه أصحاب هذه المشاريع بما يمكنهم من إدارة أعمالهم التي يُمنحون رؤوس أموال صغيرة لإقامتها، وبعد فترة يعود هؤلاء إلى المؤسسة لأداء زكاة أموالهم التي نمت من أموال زكاة دفعت لهم قبل سنوات أو حتى أشهر قليلة.

 

مشروع صغير مثل عربة متنقلة يمكن أن يغير حياة كثيرين (الجزيرة)

الاستثمار بالتعليم

ويحتل التعليم المرتبة الثانية في نفقات مؤسسة زكاة سلانغور (27%)، في حين تذهب قرابة نصف النفقات لحساب برامج التنمية الاجتماعية، إذ إن عدد العائلات التي ترعاها المؤسسة يتجاوز 33 ألف أسرة تخرج منها أكثر من 800 أسرة سنويا من دائرة مستحقي الزكاة.

 

ويعتبر محمد يوسف التعليم أحد أهم وسائل مكافحة الفقر على المدى البعيد كي لا يرث الأبناء الفقر عن الآباء، وتتنوع أشكال الإنفاق على تعليم الفقراء مثل حساب نفقات تعليم الأبناء ضمن حصة الأسرة من النفقة أو ما يطلق عليه في ماليزيا "حد الكفاية".

 

إضافة إلى كفالة التلاميذ من خلال المدارس الخاصة بالفقراء ومن توفير تسهيلات خاصة بالأطفال الفقراء من بينها مساكن ليلية توفر لهم الطعام والكسوة والنقل، ومساعدتهم بمنح دراسية تكفل تعليمهم من الصفوف الابتدائية حتى التعليم الجامعي.

 

الجزيرة نت وقفت على واحد من مشاريع مساكن التلاميذ في منطقة كلانغ بولاية سلانغور، حيث تقدر ميزانية المسكن بأربعة ملايين رينغيت (أكثر من مليون دولار).

 

فضلا عن توفير جميع الاحتياجات اللازمة من طعام وكسوة ومبيت، ويتم نقلهم بحافلات خاصة بالمسكن إلى مدارسهم، وقد فضلت إدارة مؤسسة الزكاة عدم إقامة مدرسة خاصة بالتلاميذ في هذه المنطقة تجنبا لنفقات باهظة يمكن الاستغناء عنها بالاستفادة من المدارس الحكومية المجانية، وفي نفس الوقت الحفاظ على استمرار اندماج التلاميذ في المجتمع وعدم شعورهم بالعزلة.

 

ستي فاطمة سعيدة بتوفيقها بين عملها ومنزلها ولا تشعر أنها تتلقى صدقات وإنما أجرا (الجزيرة)

مشاريع تشغيلية

لم تتمكن سيتي فاطمة من ضبط مشاعرها وهي تتحدث للجزيرة نت عن التغيير الذي أحدثه في حياتها مشغل الخياطة الذي تعمل به من تمويل مؤسسة الزكاة. وهي مطلقة وترك لها زوجها خمسة أطفال لتعيلهم.

 

وتقول إن مرونة العمل القائم على الإنتاج لا الوقت تمكنها من نقل أولادها من وإلى المدرسة وتحضير الطعام لهم، وفي نفس الوقت تنجز عملها في المشغل. وترى أن من الصعب الحصول على كل ذلك في مكان آخر.

 

أما مديرة المشغل السيدة شكين محمد فتقول إن فكرة المشغل تقوم على أساس "من المستحقين وإليهم" فجميع العاملات من مستحقي الزكاة لكنهن يتقاضين أجورا لا صدقات، أما إنتاجهن فيذهب كسوة للفقراء من تلاميذ المدارس. ولا يوجد عمر محدد لعمل المحتاجات للعمل أو كمية محددة يجب إنجازها وإنما تتقاضى كل امرأة مقابل ما تنجزه من ملابس المدارس في كل يوم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

الروهينغا في ماليزيا.. لجوء بلا حلم بالعودة

الروهينغا في ماليزيا.. لجوء بلا حلم بالعودة

سامر علاوي-كوالالمبور

 

 تنتاب كثير من اللاجئين الروهينغيين مشاعر فقدان الأمل بالعودة إلى وطنهم ميانمار، دون إيجاد حل لمشكلة) الروهينغا(، وهي العرقية التي صنفتها الأمم المتحدة بأنها الأكثر اضطهادا في العالم.

 

ورغم ذلك فقد دعمت الأمم المتحدة الإحصاء السكاني الذي استثنى أبناء هذه العرقية من المواطنة، فعزز الإحصاء السكاني حرمان اللاجئين من العودة لديارهم، وهدد بتشتيت من تبقى في إقليم )راخين( كما تطلق عليه حكومة ميانمار ويعرف تاريخيا بــ أراكان.

 

ففي بلد غير موِّقع على اتفاقية جنيف للاجئين ولا يعترف بحقوقهم، لم يبق لـ نور عالَم أبو فياض سوى الاعتماد على جيرانه في أحد أحياء كوالالمبور الفقيرة لتغطية تكاليف عملية جراحية مقررة له بعد أسابيع، وتبلغ تكلفتها قرابة ألف دولار بعد تخفيض المستشفى الحكومي، نظرا لأنه يحمل بطاقة لجوء من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة حصل عليها عام 1992، وفق ما تؤكده الوثائق التي يحملها.

 

تلاميذ الروهنغيا في مدارس غير معترف بها وتفتقر إلى الاحتياجات الأساسية (الجزيرة)

 

لكن رب الأسرة المريض الذي يعيل ثمانية أبناء بعد زواج ابنتيه الكبيرتين لم يتمكن من دفع فواتير الكهرباء والماء لعدة أشهر، فقطعت بلدية كوالالمبور المياه عن منزله، وتظهر على الأبناء خاصة الصغار منهم آثار سوء التغذية، وبالكاد يستطيع توفير أجرة المنزل من راتب زوجته التي تعمل بالنظافة في المستشفى، وتتلقى الحد الأدنى من الأجور الذي ينص عليه القانون وهو تسعمائة رينغيت (أقل من ثلاثمائة دولار).

 

وبعد 28 عاما قضاها في المهجر، يبدو أبو فياض (48 عاما) يائسا أكثر من أي وقت مضى من إمكانية العودة إلى موطنه في إقليم راخين/ أراكان، نظرا لعدم شموله في التعداد السكاني الذي أجرته ميانمار في أبريل/ نيسان الماضي واستثنى الروهينغا من بين 135 عرقية تستظل بدستور ميانمار.

 

أما الوضع في المهجر، فأقل ما يقال فيه إنه ليس واعدا وفق تصريحات عبد الخالق بن عبد الرزاق مسؤول اللاجئين في تحالف المنظمات الروهسنغية بماليزيا. وبينما تقدر الحكومة الماليزية عدد اللاجئين من ميانمار بأكثر من 127 ألفا، فإن عبد الخالق يقول إن عددهم يتجاوز ثلاثمائة ألف غالبيتهم الساحقة غير مسجلين ضمن طالبي اللجوء في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة.

 

الأمين العام لمجلس علماء الروهنغيا يأمل في أن تسمح السلطات الماليزية بزيادة الصفوف الدراسية للاجئين الروهنغيين (الجزيرة).

 

لكن الاضطهاد الذي يرويه لاجئو ميانمار في ماليزيا من حكومة الغالبية البوذية في بلادهم يتخطى الروهينغا، فاللاجئون من عرقيات ميانمارية أخرى خاصة المسلمين يروون قصص اضطهاد لا تقل بشاعة عما يواجهه الروهينغيون.

 

وغير بعيد عن منزل أبي فياض تقيم السيدة شميلا شريف في غرفة واحدة داخل شقة ضيقة تسكنها ثلاث عائلات، وقد وصلت قبل ثلاثة أشهر من إقليم كاشين هربا بابنتها الصغرى وحفيدها من ابنتها الكبرى التي توفيت بعد مقتل زوجها على أيدي قوات حكومية، كما قالت للجزيرة نت.

 

وتضيف شميلا التي تتحدث الإنجليزية بأن حياتها كانت جيدة في إقليم كاشين -يشكل المسلمون فيه نسبة قد لا تصل إلى 15%- إلى أن اختفى زوجها قبل ثلاث سنوات ثم قتل زوج ابنتها قبل عامين ولحقته ابنتها بعد أن أعياها ثلاثي المرض والحسرة والفقر.

 

فاضطرت شميلا إلى الرحيل وعبرت الحدود مع تايلند ثم إلى ماليزيا في رحلة طويلة علها تجد عملا يمكنها من عيش كريم مع ابنتها الصغرى وحفيدها طفيل ياسين، لكن ابنتها ذات التسع سنوات التي كانت تتعلم في مدرسة عالمية في ميانمار باتت مهددة بمستقبل مظلم لا مكان فيه للتعليم.

 

أبناء اللاجئن الروهنغيين يعانون من أزمة تعليم ومستقبل مجهول (الجزيرة)

 

وعلى الرغم من أن المدارس التي يشرف عليها مجلس علماء الروهينيا في ماليزيا غير معترف بها من قبل الحكومة، فإن الأمين العام للمجلس محمد كريم أعرب في حديثه للجزيرة نت عن قلقه من "منع السلطات الماليزية مواصلة خدمات التعليم إلى ما بعد المرحلة الابتدائية".

 

وأضاف "لقد اتصلنا بالسلطات ووسطنا الجمعيات التي تساعدنا من أجل السماح لنا بإضافة صف سابع في مدارسنا، لكن مطالبنا لم تجد قبولا حتى الآن".

 

بعيدا عن ملاحقة الشرطة للاجئين غير الشرعيين في المدن، زارت الجزيرة مدرسة أقامها مجلس علماء الروهينغا في منزل ريفي بولاية سلانغور، فهي لا تقدم للتلاميذ سوى تعليم ديني أساسي، وتفتقر إلى أبسط الاحتياجات مثل المناهج والكتب والمقاعد.

 

 أما المفارقة فكانت بتلقين أحد المدرسين للتلاميذ قرارات دولية لا يفهمونها تتعلق بحقوق الروهينغا الأساسية وفق المواثيق الدولية وحرمانهم من المواطنة بموجب التعديلات الدستورية في ميانمار، التي لا تعترف بالروهينغا عرقية أصيلة وإنما مهاجرون بنغاليون غير شرعيين.

 

شيلا من إقليم كاشين في ميانمار قطعت آلاف الكيلو مترات هربا بابنتها وحفيدتها حتى وصلت إلى ماليزيا حيث لا عائل ولا مستقبل (الجزيرة)

 

وعلى الرغم من أن جمعيات ومنظمات غير حكومية كثيرة تولي اهتماما بمن يوصفون في ماليزيا باللاجئين غير الشرعيين ومنهم الروهينغيون، فإن هذه المنظمات تتحدث عن صعوبات للوصول إليهم، بسبب تجنب اللاجئين الظهور خشية ضبطهم من قبل الشرطة، حيث يقتادون إلى مراكز احتجاز ولا يعرف عدد اللاجئين فيها ولا يسمح للصحافة بدخولها.

 

وقد اشتكى رئيس المجلس الاستشاري الماليزي للمنظمات الإسلامية (مابيم)  عزمي عبد الحميد من إخضاع جميع المساعدات التي تدخل إلى مراكز الاحتجاز لتدقيق صارم من قبل السلطات، وأضاف للجزيرة نت أن "المنظمات الخيرية تضطر لاستصدار تصاريح خاصة لإدخال الاحتياجات الأساسية مثل المستلزمات الصحية للأطفال والنساء".

 

وكانت الحكومة الماليزية قد تعهدت بعدم إعادة اللاجئين الروهينغيين إلى بلادهم في ظل الأوضاع الحالية، في إشارة إلى الاضطهاد الممنهج ضدهم في ميانمار، وقالت في ردها لاستجواب البرلمان في مارس/ آذار الماضي إنها تغض النظر عما يقدم للاجئين من خدمات صحية وتعليمية، ولا تتعقب العمال من اللاجئين الروهينغيين في ورش عملهم.

 

غير  أن منظمة العفو الدولية انتقدت أكثر من مرة  تصرفات الحكومة الماليزية تجاه اللاجئين الروهينغيين، وطالبتها بمنحهم بطاقات لجوء تحول دون ملاحقة الشرطة لهم وتعرضهم للاعتقال التعسفي أو التسفير أو حتى تسليمهم لتجار البشر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

موسكو تعاقب مسلميها بقلة المساجد

موسكو تعاقب مسلميها بقلة المساجد

 

 أشرف رشيد - موسكو

 

قلة المساجد في العاصمة الروسية موسكو واحدة من المشاكل التي فرضت نفسها بقوة خلال الأعوام الأخيرة على الوسط الإسلامي الروسي حيث أخذت في التأزم وتحتاج لحلول سريعة، ذلك أن أداء الصلاة بات أمرا شاقا ومرهقا.

 

يبلغ تعداد المسلمين في روسيا نحو 25 مليون شخص موزعين على مختلف الجمهوريات والأقاليم، وهؤلاء ليسوا مهاجرين حديثي العهد كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة، بل هم مواطنون أصليون تمتد جذورهم إلى آلاف السنين سواء كانوا من التتار أم من الشيشان أم الداغستانيين وغيرهم.

 

ويعيش في موسكو وحدها قرابة مليوني مسلم على الأقل، ولا يجدون سوى أربعة مساجد باتت تضيق بزائريها من المصلين، وقد استنفدت كل المحاولات لتوسعتها واستغلال المساحات المجاورة التابعة لها.  

 

وتشير أكثر التقديرات تواضعا إلى أن عدد الكنائس الأرثوذكسية المنتشرة في موسكو لا يقل عن ألف ومائتي كنيسة. وإذا كان المسلمون يشكلون ما يقرب من 10% من سكان العاصمة، فإن عملية حسابية بسيطة تظهر أن عدد المساجد يجب أن لا يقل عن 120 مسجدا، وقد يقبل المسلمون بأقل من ذلك بكثير.

 

يقول الشيشاني شاور كوباييف إن أداء صلاة الجمعة بات مهمة صعبة، لأن الطريق لأقرب مسجد تستغرق ساعة ونص الساعة، وإيجاد موطئ قدم داخل المسجد يتطلب الحضور قبل موعد الأذان بساعة على الأقل، وإلا فستكون في كثير من الأحيان تحت رحمة الطقس وتقلباته.

 

المساجد في موسكو تضيق بالمصلين في الجمع والاعياد دون التفات من السلطات الروسية لمعاناتهم (الجزيرة)

ويضيف كوباييف أن شهر رمضان المبارك قد بدأ، وعلينا أن نفكر في كيفية أداء الصلاة في هذه الظروف، لاسيما وأن المسلمين كانوا حتى وقت قريب يجدون مخرجا مناسبا في المصليات غير الرسمية.

 

وكانت هذه المصليات تساهم في تخفيف الضغط الواقع على المساجد، وتشكل ملاذا مناسبا للهروب من الازدحامات وتباعد المسافات، غير أن الحملة الأخيرة التي شنتها السلطات مطلع هذا العام انتهت إلى إغلاقها بالكامل لدواع أمنية.

 

وأضاف كوباييف نحن مواطنون ونحترم القوانين ونعمل بجدّ فلماذا لا يتاح لنا أن نقوم بواجباتنا الدينية بطريقة ميسرة، لا سيما وأن هذا التضييق يثير شعورا شديدا بالاستياء. 

 

وكان عمدة موسكو الجديد سيرغي سابيانين قد تعهد في إطار حملته الانتخابية بعدم بناء المزيد من المساجد في موسكو، لكسب أصوات الأغلبية من غير المسلمين.

 

حرمان المسلمين من بناء المزيد من المساجد جزء من لعبة السياسة لكسب أصوات المعادين للمسلمين في روسيا (الجزيرة)

ففي مقابلة صحفية أجريت معه نهاية العام الماضي اعتبر سابيانين أن "المساجد الحالية الموجودة في موسكو تكفي المسلمين، والإقبال الكثيف للمصلين على المساجد الذي نراه في الأعياد والمناسبات الإسلامية يعود إلى المهاجرين".

 

وتعليقا على ذلك يقول رئيس المجلس الإسلامي الروسي محمد صلاح الدين إن هذا التصريح يدلل على قصور في استيعاب حجم المشكلة، ذلك أن المساجد المقامة في موسكو مجتمعة لا تتسع لأكثر من عشرة آلاف مصل في أحسن الأحوال، فأين هذا العدد من مئات الآلاف من المواطنين الذين يرتادون المساجد؟

 

ويضيف أن "المهاجرين من الجمهوريات المسلمة في رابطة الدول المستقلة قدموا للعمل في روسيا بموجب اتفاقيات ثنائية، وبالتالي فهم مهاجرون شرعيون، يملكون الحق في أداء فروض دينهم بحرية".   

 

واعتبر صلاح الدين أن إحجام السلطات عن بناء مزيد من المساجد "يعود إلى المخاوف من انتشار المظاهر الإسلامية في موسكو التي يراد لها أن تبقى مسيحية أرثوذكسية دون منازع"، ومما يدلل على ذلك الانتشار الملحوظ في بناء الكنائس التي يكاد لا يخلو شارع منها.

 

يعاني المسلمون في موسكو من الصلاة خارج المساجد في ظروف مناخية صعبة (الجزيرة)

 

ولفت إلى "وجود مشكلة في التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي". فمن ناحية، المسلمون يشكلون شريحة مؤثرة من المجتمع الروسي والساسة يحرصون على استمالتهم، والتظاهر بالنزاهة ونبذ التفرقة ما بين الأديان.

 

لكن هذا كله لا يتجاوز الأغراض السياسية المرحلية، لذلك فإن الوعود التي يقطعونها من حين لآخر ردا على المطالب المتكررة ببناء المساجد لا تصل إلى حد التنفيذ الكامل، وإن كانت تتضمن بعض الحلول الترقيعية والوعود التي سرعان ما يتناساها المسؤولون بمرور الوقت.  

 

لكنه اعتبر أن جانبا من المسؤولية يقع على عاتق المسلمين في عدم إيصال صوتهم إلى السلطات، لأنهم ليسوا موحدين. كما أن التنافس الشديد بين القائمين على إدارة شؤون المسلمين في تقسيم مناطق النفوذ يقف عائقا في كثير من الأحيان، وبالتالي هناك تغليب للمصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

 

وفي بعض الأحيان كانت الجهود التي تبذل لبناء المساجد تتوقف بفعل عراقيل وضعتها جهات إسلامية منافسة. ويتساءل صلاح الدين "ما ذنب المسلمين العاديين حتى يعانوا من التجاذبات الداخلية؟ ولماذا يتوجب عليهم الصلاة في المساحات المحيطة بالمساجد معرضين أنفسهم لبرد الشتاء وحر الصيف؟".

 

ولفت إلى أن الحل ربما يكمن في تغيير المسميات والسعي لإنشاء مراكز ثقافية إسلامية متعددة الأغراض تضم أنشطة ثقافية واجتماعية وفنية ورياضية، تماما كما يحدث في العديد من الدول الأوروبية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

صقلية.. المسلمون مروا من هنا

صقلية.. المسلمون مروا من هنا

         خالد شمت - باليرمو

 

 تبدو ملامح العمارة الإسلامية وكتابات بالعربية في الكنيسة الكبيرة وقصر العزيزة التاريخي وما يجاوره من قصور وبنايات وكنائس أثرية، في قلب مدينة باليرمو عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية، ملفتة لأنظار الزائرين وتستدعي أسئلة عن علاقة ربطت هذا المكان يوما ما بجيرانه العرب والمسلمين، سكان الضفة المقابلة من البحر المتوسط.

 

ويربط علماء الآثار الإيطاليون اكتشافاتهم المتزايدة في السنوات الأخيرة لعملات إسلامية وشواهد قبور وحوائط مكتوب عليها بلغة الضاد على امتداد صقلية، بمرحلة الحكم والوجود العربي التي استمرت لأكثر من أربعة قرون بأكبر جزر إيطاليا والبحر المتوسط.

 

وتعد كاتدائية باليرمو الكبيرة من المعالم الهامة بالجزيرة، وتعكس بتطورها المتسلسل منذ تأسيسها مسجدا كبيرا عندما فتح المسلمون "بلرم" عام 216 هـ/831 م، مرورا بتحويل الملك فريدريش الثاني لهذا المسجد إلى كنيسة عام 1230 م، وصولا إلى وضعها الحالي بوصفها مزارا سياحيا، جانبا من قصة الإسلام في صقلية منذ فتحها عام 212 هـ/827 م إلى أفول شمس العرب والمسلمين فيها عام 484 هـ/1092م.

 

المسجد الجامع بكاتانيا ثاني أكبر مدن صقلية. (الجزيرة)

 

وإلى جانب الكنيسة الكبيرة، تحفل باليرمو بمعالم عديدة تدلل على مرور المسلمين بصقلية، منها الخطوط الكوفية المزينة لسقف كنيسة كابيلا بلاتيني التي كانت مسجدا صغيرا، وأعمدة كتبت عليها البسملة وسورة الفاتحة بكنيسة ماراتونا، ولوحة بالعربية -لغة صقلية الرسمية في عهد النورمانيين- بالقصر النورماني، والعقود والقباب والمقرنصات وأواني النحاس والفخار بقصر الأميرة العزيزة، الذي حولته بلدية باليرمو إلى متحف للفنون الإسلامية.

 

وإضافة لأكثر من 170 عملة إسلامية كانت متداولة بصقلية خلال الحكم والوجود العربي فيها، تضم مكتبة باليرمو مئات المخطوطات العربية النادرة بإصداراتها المطبوعة والرقمية، ويقول أستاذ التاريخ العربي بجامعتي باليرمو وروما إبراهيم المقدود إن هذه الموجودات تمثل نزرا يسيرا من كم هائل من الآثار والمخطوطات والعملات والحلي التي نقلت إلى الفاتيكان بعد زوال الوجود الإسلامي من صقلية.

 

وقسم  المقدود -في حديثه للجزيرة نت- الواقع التاريخي للمسلمين في صقلية بعد فتحها إلى قرنين للحكم وأكثر من قرنين للوجود، وأشار إلى أن الآثار العربية والإسلامية الحالية بجزيرة صقلية تعدت عاصمتها باليرمو إلى كافة مدنها، وقال إن مدينة مارسالا -التي مثلت أولى محطات إنزال جيش المسلمين عند فتحه صقلية ويعني اسمها "مرسى الله "- ما زالت أسماء شوارعها تكتب بالعربية إلى جانب الإيطالية.

 

مسجد قصر العزيزة بباليرمو( يسار) تحول لجزء من كنيسة اقيمت بجواره بعد خروج العرب من صقلية. (الجزيرة)

 

ومثل تاريخ المسلمين بصقلية جزءا من تاريخ شعوب متوسطية حكمت الجزيرة كاليونانيين والفينيقيين والرومان والقوط والعرب، الذين انتزعوها بقيادة بني الأغلب من أيدي البيزنطيين بعد محاولات فتح لم تتوقف قام بها الأمويون.

 

وتذكر المصادر التاريخية أن زيادة الله بن الأغلب حاكم تونس -التي كانت تسمى أفريقيا- استجاب لتظلم أمير صقلي ضد البيزنطيين، وأرسل عام 827 م القاضي الفقيه أسد بن الفرات على رأس جيش ضم أشراف أفريقيا وأهل العلم فيها من العرب والأندلسيين والبربر والخرسانيين لفتح صقلية.

 

وأسس الفاتحون الجدد إمارة بني الأغلب التي جعلت صقلية تابعة للحكم العباسي، ورفع الدعاء حينذاك بمساجد الجزيرة للخليفة العباسي، وبعد سقوط إمارة الأغالبة وقيام دولة الكلبيين -الذين حكموا صقلية باسم الدولة الفاطمية- تحول الدعاء إلى الخلفاء العبيديين الشيعة في تونس ومصر.

 

ووصف الرحالة ابن حوقل في كتابه صورة الأرض، باليرمو التي زارها عام 936 م بأنها "مدينة الـ300 مسجد، وأكبر مدرسة للغويين، ومجتمع أهل الأدب وطلاب العلم من كل صقلية"، وتحدث ابن حوقل عما شاهده بصقلية في عصرها الإسلامي من نهضة في صناعات الخشب والحديد وأجود أنواع الكتان، وعن تجاور أسواق الزياتين والخبازين والطرازين والقصابين والصرافين في باليرمو.

 

كتابة عربية بعامود من مسجد استخدم ببناء كنيسة (الجزيرة)

 

وبعد سقوط حكم الكلبيين الموالين للفاطميين، اندلعت حرب طوائف بين العرب والبربر بصقلية لمدة ثلاثين عاما، أسفرت عن توزع الحكم بين أمراء الطوائف، ومثلما أتى استنجاد أمراء الطوائف في الأندلس على الدولة الإسلامية فيها، استولى النورمانيون المسيحيون القادمون من شمال أوروبا على صقلية وأسقطوا حكم المسلمين منها عام 1092 م، بعد وصولهم إليها لدعم الأمير إبراهيم بن الثمنة الطامع بالحكم.

 

وأشار الباحث إبراهيم المقدود إلى أن النورمانيين تعاملوا مع المسلمين بصقلية بعد زوال حكمهم للجزيرة بسياسة تراوحت بين التسامح والتضييق، ولفت إلى أن الحاكم الأول لصقلية روجار وولديه غليوم الأول والثاني وخليفتهم فريدريش الثاني عرفوا بحديثهم بالعربية وجعلها لغة رسمية، واتخاذهم حراسهم وأفراد بلاطهم من المسلمين.

 

ونوه المقدود إلى أن استئصال شأفة مسلمي صقلية وترحيلهم منها وفرض التنصير عليهم حدث بعد استيلاء الإسبان على الجزيرة وتنفيذهم محاكم تفتيش ضد كل من هو غير كاثوليكي مثلما فعلوا مع المسلمين في الأندلس.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات