آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة)
-1/12-

الجزيرة نت.. قالب جديد

 محمد المختار الخليل
  مدير تحرير موقع الجزيرة نت
يرى أستاذ الصحافة والعلاقات الدولية بجامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة، البروفيسور فيليب سيب أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت في الصحافة وأدت لهيمنة صحافة الإنترنت على المشهد الإعلامي عامة، على حساب وسائل الإعلام التقليدية المكتوبة والمرئية.
 

واعتبر سيب في محاضرة نظمها مركز الجزيرة للدراسات مؤخرا تحت عنوان (كيف أصبحت صحافة الإنترنت مهيمنة على عالمنا اليوم؟)، أن وسائل الاتصال الحديثة وصحافة الإنترنت أدتا لاختفاء بعض الصحف الورقية، فمعظم الناس يحصلون على أخبارهم عبر الإنترنت.
 

ورغم أن الحديث عن سرعة انتشار وهيمنة الإنترنت في سوق الأخبار والصحافة ليس جديدا، إذ كان نتيجة دراسات عديدة في السنوات الماضية، فإننا لم نلمسه بشكل فعال في الوطن العربي إلا في فترة قريبة، حيث بتنا نعايشه في حياتنا اليومية، سواء الشخصية على صعيد متابعاتنا للأخبار والفيديو والبث الحي على الهواتف النقالة أو الحواسيب اللوحية أو المحمولة. أو على الصعيد المهني في مؤسسات الصحافة الإلكترونية، ومدى تفاعل الجمهور مع هذا اللون من الصحافة، واستفادته منها على وسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"واتس آب" وغيرهما.
 

ولأن موقع الجزيرة نت كان ولا يزال رائدا في تقديم الخدمة الإعلامية الأكثر مهنية، في قالب رشيق يعمل بأحدث تقنيات النشر الإلكتروني، فقد أطلقنا شكلا جديدا للموقع، بتصميم مختلف كليا ومزايا جديدة تتيح للمتصفح تعاملا أكثر سلاسة مع أبواب الموقع وصفحاته.
 

كما يمتاز التصميم ونظام النشر الجديد بمرونة عالية في تقسيم الصفحات، بحيث يتأقلم مع حجم شاشة المتصفح سواء كانت هاتفا محمولا أو حاسوبا لوحيا أو محمولا أو ثابتا، ويعيد ترتيب عناصر الصفحة حسب حجم الشاشة. كما يمنح النظام الجديد مساحة أكبر للصور، التي تنطق في كثير من الأحيان بالكثير من المعاني.
 

ويحدونا في التطوير الدائم لموقع الجزيرة نت وما يقدمه من خدمات إخبارية وفنية، أن نحافظ على ريادة الجزيرة وتميزها في عالم الصناعة الصحفية، لتبقى الجزيرة عند توقعات محبيها ومتابعيها.
السابق

السابق

التالي

السابق

-2/12-

(عدد خاص)

(عدد خاص)

صارح والدا الفتاة الفرنسية مارلين ابنتهما في فترة مبكرة من حياتها بأنهما ليسا والديْها الحقيقيين, وأنهما تبنياها بعد مقتل والديها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. بعد سنوات صدمت مارلين مرة ثانية بعد أن اكتشفت بنفسها أن تل الزعتر هو مسقط رأسها, وأنها في الأصل ناجية من مجزرة ارتكبت هناك.

 

قصة مارلين إنسانية بامتياز, وتستحق أن تُروى. لكنها بالمقابل فتحت أيضا أحد ملفات الحرب المسكوت عنها , وهو ملف المفقودين خلال استسلام أهالي مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين لمسلحي المليشيات اليمينية اللبنانية يوم 12 أغسطس/آب 1976 بعد حصار المخيم وتدميره. التغطية التالية تعرف بالتفاصيل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/12-

مارلين الفرنسية.. أحيت "تل الزعتر"

مارلين الفرنسية.. أحيت "تل الزعتر"

لا تشبه قصة مارلين غ. أيا من القصص التي نقرأها أو نشاهدها على التلفزيون أو السينما. إنها قصة يختلط فيها الإنساني, بالشخصي, بالسياسي المتعلق بمجزرة مسكوت عنها. وأين؟ في بلد شهد حربا أهلية طاحنة مثل لبنان. ففي قصة مارلين نبش لملف أريد له أن يطوى مع بدايات تلك الحرب التي انتهت عام 1989 لكنه يأبى هذه النهاية. إنه ملف الضحايا والمفقودين في مجزرة مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين عام 1976 التي ارتكبتها الميليشيات اليمينية اللبنانية.

 

شاعت قصة مارلين وانتشرت صيف عام 2011  عندما وقفت هذه الفتاة الفرنسية على أعتاب منزل مسؤول رابطة أهالي تل الزعتر محمد عبده باحثة عن ذويها. حتى ذلك الوقت لم يكن أحد من سكان المخيم المكون من غالبية من سكان تل الزعتر السابقين يعتقد أن أحدا من الذين اختفوا خلال الخروج من المخيم يوم 12 أغسطس /آب باق على قيد الحياة. فما بالك إذا كانت الباحثة عن أهلها فرنسية. فذلك يعني أن هنالك فعلا ناجين من المجزرة, كانوا بالتأكيد أطفالا. وأنه تم تبني بعضهم في الخارج. والدليل هو مارلين. إذا لماذا لا يتم السؤال أيضا عن مصير المفقودين الآخرين, الذين لا يعرف إن كانوا أحياء أو أموات وفتح ملف مصيرهم؟.

 

مارلين روت قصتها للجزيرة نت في حوار طويل ومفصل. ملخصها أنها وهي في سن العاشرة عرفت من أبويها الفرنسيين والمقيمين في مدينة تولوز جنوبي فرنسا أنها متبناة من لبنان وأن أبويها البيولوجيين قتلا خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

 

مارلين الفرنسية تفتح ملف تل الزعتر بعد اكتشافها لأصولها الفلسطينية من المخيم المنكوب (الجزيرة)

لكنها وكأي إنسان يصاب بمثل هذه الصدمة, باشرت رحلة البحث عن أبويها ما أن واتتها الفرصة. فحضرت إلى لبنان لأول مرة عام 2003 مسترشدة بالمعلومات القليلة التي توفرت لها وباسم العائلة اللبنانية الذي تم تبنيها على أساسه. لتكتشف أن عملية تبنيها تمت أصلا بوثائق مزيفة وأن الأسرة التي يسرت ذلك لا تريد لها أن تعرف التفاصيل وهو ما أثار فضولها أكثر.

 

ومع وصولها إلى أبناء الأسرة وراهبة سبق لها العمل في الحضانة التي تولت إجراءات التبني تيقنت مارلين أنها من تل الزعتر أولا وأنها ناجية من مجزرة ارتكبتها الميليشيات اليمينية في المخيم . وأدركت خطورة الاكتشاف وحساسيته مع إصرار الأسرة اللبنانية المسيحية على نهيها عن الذهاب إلى موقع المخيم .

 

وبعد عودتها إلى فرنسا تعرفت مارلين على صحفية فرنسية سهلت لها التواصل مع الصليب الأحمر, وعبره وصلت إلى مخيم مار الياس وإلى رابطة أهالي تل الزعتر لينكشف أمام الفتاة عالم آخر على الصعيدين الشخصي والعام. ففي الأول أتيحت لها فرصة للتواصل مع أسرة العلي التي فقدت ابنة لها تدعى فاطمة كانت تعيش في تل الزعتر مع أبنائها الأربعة. واختفوا جميعا يوم الخروج من المخيم في 12 آب أغسطس.

 

وبين أطفال فاطمة طفلة تدعى فاديا كانت في عمر مارلين وقت المجزرة. وتبع هذا الاكتشاف سفر مارلين إلى ألمانيا لمقارنة حمضها النووي بحمض أخ غير شقيق لفاديا يعيش هناك يدعى فايز. ورغم أن النتيجة أتت سلبية, إلا أن مارلين لم تيأس, خاصة أن احتمال أخوة لاح لها ضمن أسرة أخرى من المخيم.

 

أما على الصعيد العام ففتحت هذه الاكتشافات لمارلين بابا للشعور بالانتماء إلى تل الزعتر وأسرته الكبيرة ومأساته المعلومة- المجهولة. وبالنسبة لأسر المخيم المنكوب, فتحت مارلين ملفا ظل مغلقا بفعل تقادم الزمن, وفعل التسوية اللبنانية التي أنهت الحرب الأهلية, والتي أصدر فرقاءها عفوا عن كل الجرائم التي ارتكبت خلالها , وعن مرتكبيها بدون تمييز.

 

مارلين غ. باتت تشعر بانتماء حقيقي إلى تل الزعتر وإلى ضحايا المجزرة. وهي تواصل بحثها عن أسرتها الصغيرة بين أبنائه. أما بالنسبة لأهالي تل الزعتر, فقد جددت مارلين فيهم الأمل بالعثور على أحياء من أقاربهم وأسموها " مارلين- فاديا الزعترية" . وفي آخر تجمع لإحياء ذكرى المجزرة في أغسطس/ آب 2013 دعوها لإلقاء كلمة كي تكون الشاهد الحي عليها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/12-

مارلين الفرنسية للجزيرة نت: "أنا ابنة تل الزعتر"

مارلين  الفرنسية للجزيرة نت: "أنا ابنة تل الزعتر"

 

حاورها في تولوز: عبد الله بن عالي

 

أعربت المواطنة الفرنسية مارلين غ. (40 عاما) عن اعتزازها بالانتماء إلى أهالي مخيم تل الزعتر الذي كان يقع شمال شرق العاصمة اللبنانية بيروت قبل تدميره وإبادة أكثر من ألفين من سكانه عام 1976، على يد قوات لبنانية مسيحية.

 

 وفي حوار حصري مع الجزيرة نت، أضافت  مارلين - التي فضلت عدم كشف اسم عائلتها بالتبني- أنها وجدت جريحة بالمخيم، في أغسطس/آب من تلك السنة، قبل أن تنقل لتلقي العلاج في مستشفى محلي غادرته للإقامة في دار حضانة تشرف عليها راهبات مسيحيات ببيروت الشرقية. وأوضحت أن عائلة فرنسية تبنتها، بعد أشهر من وقوع مذبحة تل الزعتر، ثم استقبلتها في منطقة تولوز بجنوبي البلاد، مشيرة إلى أنها لم تعرف أن جذورها تعود للمخيم إلا في 2003 .

 

و كشفت مارلين  أن بحثها عن أهلها قادها إلى زيارة لبنان مرتين للاتصال ببعض عائلات الناجين من المذبحة، مشيرة إلى أنها أجرت عدة اختبارات للحمض النووي بهدف تحديد قرابتها مع تلك العائلات. وتحدثت "ابنة تل الزعتر" عن الآثار التي تركها العنف الذي عاشته ـ وهي طفلةـ  على سلوكها وردود فعلها. كما أكدت تصميمها على مواصلة البحث لمعرفة ما سمته "الحلقات المفقودة" في قصتها الشخصية.

 

 فيما يلي نص الحوار:

 

ـ من أنت ؟

 

حسب أوراقي الرسمية الفرنسية، أنا مارلين غ. ولدت في بيروت عام 1973، أقيم حاليا بضاحية مدينة تولوز بجنوبي فرنسا. حصلت قبل عامين على شهادة الدراسات العليا في علم النفس. ما زلت أبحث عن عمل. لست متزوجة وليس لدي أطفال.

 

ـ "غ". هو الحرف الأول من اسم العائلة التي تبنتك في فرنسا، أليس كذلك؟

بالضبط، لقد أحضرت إلى فرنسا من بيروت عام 1976 بجواز سفر لبناني مزور يتضمن معلومات متطابقة مع البيانات المثبتة في أوراقي الفرنسية بشأن الاسم الشخصي ومكان الميلاد وتاريخه. لكن الجواز اللبناني كان يحمل اسما عائليا مختلفا.

 

مارلين تلقي كلمة في حفل أقيم في مخيم شاتيلا جنوبي بيروت في أغسطس آب 2013 إحياء للذكرى الـ 37 لسقوط مخيم تل الزعتر (الجزيرة)

ـ ما هو هذا الاسم؟

(تخرج جوازا لبنانيا من ظرف أصفر): انظر،  في الجواز اللبناني، اسمي الكامل هو  مارلين ريمون زوما.

 

ـ من قال لك إن هذا ليس الاسم الحقيقي لعائلتك الأصلية؟

 العائلة التي تبنتني كانت تعرف أن هذه هوية زائفة وضعتها السلطة التي أصدرت الجواز بناء على رغبة راهبات كن يشرفن على دار الحضانة التي كنت أقيم فيها قبيل نقلي إلى فرنسا. هذه الدار - التي توجد في بيروت الشرقية-  هي التي وقعت وثائق التبني مع عائلتي الفرنسية.

 

ـ متى عرفت أنك لست فرنسية الأصل؟

عرفت ذلك في وقت مبكر. عائلتي بالتبني لم تخف قط عني هذه المعلومة. كانوا يقولون لي دائما إني جئت من لبنان. قبل أن أبلغ العاشرة من العمر، أخبرني أبي وأمي ببعض الظروف التي سبقت مقدمي إلى فرنسا. قالا لي إن راهبات دار الحضانة في بيروت أخبرنهما أني وجدت في مكان شهد قصفا. وأكدا لي أنهما علما أن والدي البيولوجيين قتلا جراء القصف. لكن كان هناك تباين في الرواية في ما يتعلق بالوضع الذي وجدت عليه.

 

 ـ كيف؟

عائلتي الفرنسية تقول إن الراهبات قلن لها، مرة، أني وجدت معلقة على جذع شجرة. ومرة أخرى، أني كنت عالقة تحت كومة من الأنقاض. المؤكد هو أني كنت مصابة بجروح بالغة.

 

ـ  لماذا تقولين إن هذه المعلومة مؤكدة؟

لأني لدي شهادة من مستشفى "نوتر دام دي ليبان" ببلدة جونيه (الواقعة شمالي بيروت) تفيد بأني نقلت إلى هذه المؤسسة الطبية في الخامس من أغسطس/آب 1976 ، و أني تلقيت العلاج فيها من جرح في الرأس وكسر في الفخذ. بعد تلقي العلاج، نقلت إلى دار الحضانة التي تديرها الراهبات. لكن وثيقة المستشفى التي احتفظت بها عائلتي في ملف التبني لم تتضمن أي اسم لي.

 

ـ هل احتفظت بأي ذكرى شخصية عن كل هذه الأحداث؟

(اغرورقت عيناها بالدمع)، لا أستطيع أن أقول إني أتذكر شيئا ما لأن عمري - حينها- كان على الأرجح يتراوح بين ثلاث سنوات ونصف وأربع سنوات. لكن، بالمقابل، أحسست دائما أني جئت من لبنان والشرق الأوسط. وكنت، وأنا طفلة، أرغم والدي على التوقف عن الحديث والإنصات حينما يكون التلفاز يبث خبرا يتعلق بالمنطقة.

كما أن سلوكي، في تلك المرحلة من عمري، كان يعكس معاناة سابقة لظروف العنف والحروب. إذ كنت أبادر إلى الانبطاح على الأرض ووضع يدي فوق رأسي كلما حلقت طائرة في المنطقة التي أوجد فيها. كما كنت أصاب بالهلع عند مشاهدة الجرارات الزراعية، فقد كنت أربط، ذهنيا، بينها وبين مشهد الدبابات والمدرعات.

 

ـ لقد نقلت أيضا من وسط إنساني إلى بيئة أخرى مختلفة، هل كان لذلك من أثر؟

فعلا، لقد ترك ذلك أيضا أثره. قالت لي أمي بالتبني أنني كنت، في الأشهر الأولى التي تلت وصولي إلى فرنسا، أصاب بنوبات هستيرية عنيفة، وأنها لم تكن قادرة على فهم الكلمات القليلة التي كنت أنطقها لأن تلك الكلمات كانت - بالتأكيد- عربية. وفي وقت لاحق عندما أصبحت مراهقة، نشأ عندي اشمئزاز من كل ما يحيل إلى المشرق. كنت أنفر من الموسيقى والوجبات الشرقية.  ولم أتغلب على هذا الأمر إلا بعد ذلك بسنوات طويلة.

 

ملصق يوزع بين أهالي مخيم تل الزعتر للبحث عن عائلة مارلين إن بقي منهم أحد بعد المجزرة (الجزيرة)

 

ـ متى عرفت أنك من مخيم تل الزعتر؟

 

 لم أعرف ذلك إلا في 2003. في تلك السنة، استجمعت قواي وقررت أن أعود، لأول مرة، إلى لبنان أملا في العثور على خيط يقودني إلى تبديد الغموض الذي يلف قضيتي. كان أبي وأمي بالتبني قد توفيا في بداية ثمانينيات القرن الماضي. بعد رحيلهما، تولى العناية بي أفراد من عائلتيها. كان لي أخ واحد تبناه والداي، هو الآخر، في لبنان قبل بداية الحرب الأهلية. لم تعد لي  صلة به.

 

كنت دائما أتساءل: ما دامت عائلتي الفرنسية أٌبلغت أن أبي وأمي البيولوجيين قتلا، فلماذا لا أجد أثرا لاسم أي منهما في ملف التبني؟ كان هذا الملف يتضمن كل المعلومات الضرورية عن دار الحضانة. اتصلت بالقائمات عليها هاتفيا قبل أن أغادر فرنسا. لما وصلت إلى بيروت، دلتني دار الحضانة على عائلة لبنانية مسيحية لعبت دورا في إجراءات التبني. فقد قامت هذه العائلة بنقلي من لبنان إلى فرنسا وهي التي سلمتني إلى عائلتي الفرنسية. وجدت أبا العائلة وأمها قد توفيا. الا أن ابنتهما الكبرى، التي كانت شاهدة على بدايات القصة، أخبرتني، بطريقة ملتوية وغير ودية، أنه تم العثور علي في مخيم تل الزعتر.

 

ـ ماذا فعلت عندها؟

 

أخبرتهم أنني أريد أن أزور موقع المخيم فورا. جن جنون تلك العائلة وحاولت بكل الوسائل صدي عن تلك الفكرة، غير أني ذهبت إلى الموقع، وهناك، وجدت رجلا طاعنا في السن، قدم لي نفسه على أنه كان من مقاتلي الكتائب سألته: "هل سمعت عن قصة طفلة وجدت معلقة على شجرة في تل الزعتر؟". ابتسم وقال: "لا". وقضيت في لبنان عشرة أيام حافلة بالبحث والتنقيب.

 

ـ  أين توجهت من بعد؟

 

ذهبت إلى "مستشفى نوتردام دي ليبان" في جونيه. إلا أن إدارته رفضت رفضا قاطعا إطلاعي على أرشيفها أو إفادتي بأي معلومة بشأن ملفي الطبي. بعدها، زرت صحيفة "لوريان لوجور" (جريدة لبنانية مكتوبة بالفرنسية) لعلي أعثر على خبر في أرشيفها بشأن الحادثة، وكانت النتيجة سلبية. لم أحاول البحث في الصحف العربية المحلية لأنه لا يوجد لدي أدنى إلمام باللغة العربية. ثم توجهت إلى مستشفى تعالج فيها إحدى الراهبات اللاتي كن يشرفن على دار الحضانة وكانت تلك الراهبة مهتمة بقضايا الأطفال الذين تم تبنيهم.

 

بعد الكثير من الأخذ والرد معها، أكدت لي هذه السيدة أني قد وجدت  في مخيم تل الزعتر. بعدها، عدت إلى تولوز وجرت مراسلات بيني  وبين هذه الراهبة التي كتبت لي، في إحدى الرسائل، أني -فعلا- من أبناء المخيم.

 

ـ رجعت إلى فرنسا، دون الاتصال بالناجين من مذبحة تل الزعتر الموجودين في لبنان أو زيارة المخيمات الفلسطينية هناك؟

 

نعم، في تلك اللحظة لم تكن لدي أي فكرة عما حدث في مخيم تل الزعتر. ومعلوماتي عن القضية الفلسطينية كانت قليلة وسطحية. حينما رجعت بدأت أقرأ وأبحث على الإنترنت عن فصول المأساة الفلسطينية واكتشفت حينها ما جرى في مخيم تل الزعتر. الا أن انصرافي للدراسة، منعني من إعطاء دفعة قوية للبحث الذي بدأته في بيروت.

 

انتظرت حتى حصلت على شهادة الدراسات العليا في علم النفس، في 2011 ، قبل استئناف ذلك الجهد. التقيت في السنة الموالية بصحفية فرنسية من أصل فلسطيني تقضي أغلب وقتها بين باريس وبيروت. كان هذا اللقاء مفصليا في القصة.

 

ـ كيف؟

 

بفضل علاقاتها مع الهيئة الدولية للصليب الأحمر، مكنتي هذه السيدة من ربط الاتصال مع  رجل فلسطيني يسمى محمد عبدو كان يترأس "رابطة أهالي مخيم تل الزعتر" التي يوجد مقرها بمخيم "مار إلياس" بلبنان. طلب مني محمد أن أرسل له فورا صورا لي وبادر إلى إعداد ملصق إعلاني يحمل تلك الصور ونشره في كل المخيمات الفلسطينية التي يقيم بها ناجون من مذبحة تل الزعتر.


 

ـ وماذا كانت نتيجة نشر الإعلان؟

 

أتصل بى محمود العلي وهو فلسطيني يقيم بلبنان. لقد فقد أخته فاطمة العلي وأطفالها خلال أحداث المخيم. كان من بين هؤلاء الأطفال، طفلة تسمى فادية تقاربني في العمر. اقترح علي محمود لقاء فايز الأحمد وهو أخ لفادية (من أبيها) يقيم في برلين بألمانيا وإجراء اختبار الحمض النووي معه لمعرفة ما إذا كنت أخته أم لا. رحبت بالفكرة وتوجهت إلى ألمانيا حيث استقبلت بحفاوة من قبل عائلة الأحمد. أجرينا الاختبار في أبريل/نيسان الماضي، إلا أن النتيجة كانت سلبية.


 

ـ كيف كان وقع ذلك عليك؟

 

ـ شعرت بنوع من الإحباط، لكني أتصور أن خيبة أمل عائلتي العلي والأحمد كانت أكبر، فهما كانتا تبحثان عن أفراد من ذويهم لهم معهم ذكريات. أما أنا فليست لي ذكريات مع أي أحد في المخيم، لأنني لم أكن أعي أي شيء حينما اٌخرجت من لبنان. أنا أحس أنني أحرزت أهم مكسب حينما عثرت على عائلتي الكبيرة المؤلفة من الناجين من مذبحة تل الزعتر.

 

مارلين الطفلة في منزل أبويها بالتبني في جنوب فرنسا (الجزيرة)

 

ـ هل هذا يعني أنك توقفت عن البحث عن "عائلتك الصغيرة"؟

 

لا، أبدا. لقد رجعت إلى لبنان الصيف الماضي، بدعوة كريمة من محمد عبدو لحضور إحياء ذكرى المذبحة. لقد استقبلت بحرارة في المخيمات الفلسطينية وحظيت بكرم ضيافة عائلتي العلي والأحمد. لقد تأثرت كثيرا حينما التفت إلى وليد الأحمد قائلا: "مرحبا بك، أنت جزء من العائلة". وقد مكنتني هذه الزيارة من ربط الاتصال مع خمس عائلات فلسطينية  تبحث كل منها عن فتاة مفقودة في أحداث المخيم.

 

حتى الآن قمنا بمقارنة الحمض النووي مع اثنتين من تلك العائلات،  وكانت النتيجة استبعاد وجود قرابة بيني وبين العائلة الأولى. أما العائلة الثانية، فكان الأمر يتعلق بممرضة فلسطينية من بيروت فقدت أختها في المخيم. وقد أفاد الفحص باحتمال وجود قرابة لا ترقى إلى مستوى الأخوة بيني وبين تلك السيدة. ونحن بصدد  إجراء فحص تكميلي للحمض النووي لمعرفة درجة تلك القرابة على نحو أدق.

 

ـ وماذا عن العائلات الثلاث الأخرى؟

 

(تبتسم)... أنا لا يمكن أن أكون قريبة للجميع. قبل كل شيء يجب انتظار الحسم في اختبار القرابة مع الممرضة.

 

ـ ماذا يعني لك الآن تل الزعتر؟

 

أولا،  هذا الاسم أصبح مرادفا لجريمة نكراء ارتكبها فاشيون عنصريون. ثانيا، لدي شعور بالتماهي والتضامن العميق مع الناجين الذين وجدت لديهم ما يمكن أن أسميه "روح تل الزعتر"، تلك الرابطة الروحية التي لا يعرفها إلا الناجون من الكوارث المهولة. لذا، فأنا لا أخجل من انتمائي لمخيم تل الزعتر.

 

سأواصل البحث، حتى آخر رمق، عن الحلقات المفقودة في قصتي الشخصية. وأعلم -علم اليقين- أن السند الوحيد الذي يمكن أن أعول عليه في هذه المعركة الطويلة هو "رابطة أهالي مخيم تل الزعتر".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/12-

أيام تل الزعتر الأخيرة .. تسلسل زمني

أيام تل الزعتر الأخيرة .. تسلسل زمني

 4 يناير /كانون الثاني 1976

ميليشيات يمينية لبنانية تمنع قافلة طحين يرافقها ضباط ارتباط لبنانيون من الدخول إلى المخيم وتضرب حوله حصارا.

 

7 يناير /كانون الثاني 1976

قوة من 1200 مقاتل فلسطيني نقلت من الجنوب ومناطق غربي بيروت تهاجم منطقة حرش ثابت غربي مخيم تل الزعتر في مسعى لخلق ثغرة تتيح كسر الحصار عليه.

 

17 يناير / كانون الثاني1976

مخيم ضبية للاجئين الفلسطينيين شمالي بيروت يسقط بأيدي ميليشيات الكتائب والأحرار بعد ثلاثة أيام من القتال.

 

مقاتلون فلسطينيون دافعوا بشراسة عن مخيمهم قبل الغدر بهم وقتل أهلهم في المخيم (الجزيرة)

15-17 يناير /كانون الثاني 1976

القوات المشتركة(الفلسطينية واللبنانية) تهاجم الجية والدامور والسعديات جنوبي بيروت حيث قصر كميل شمعون وتحتلها فيما يشبه الرد على احتلال ضبية.

 

19 يناير /كانون الثاني 1976

 الميليشيات اليمينية تحشد قواتها في منطقتي المسلخ والكرنتينا شمالي بيروت بدعم من الجيش الذي انقسم على نفسه وترتكب فيها مجزرة راح ضحيتها 60 شخصا .

 

9 أبريل /نيسان 1976

قوات سورية تعبر نقطة المصنع الحدودية شرق لبنان بعد أن سبقتها في يناير وحدات من جيش التحرير الفلسطيني المتمركز في سوريا والخاضع لقيادتها.

 

7 يونيو /حزيران

القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية - تشتبك مع القوات السورية في  منطقة صوفر الجبلبة في مسعى لتأخير تقدمها باتجاه بيروت.

 

8  يونيو /حزيران  1976

القوات المشتركة تتصدي لقوات سورية أثناء دخولها مدينة صيدا الساحلية جنوبي لبنان وتدمر لها 18 دبابة.

 

10 يونيو /حزيران  1976

قصف سوري بالصواريخ لمناطق برج البراجنة  وشاتيلا والطريق الجديدة غربي بيروت حيث مقرات القيادة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية .

 

22 يونيو/ حزيران 1976

1500 مقاتل من ستة أحزاب ومجموعات يمينية تبدأ هجوما شاملا على مخيم تل الزعتر . ضمن اللجنة المشرفة على الهجوم كلا من داني شمعون(الأحرار) إتيان صقر, شارل عقل(حراس الأرز) جورج عدوان (التنظيم) مارون خوري(الحركة) والضابطان في الجيش اللبناني ميشال عون وفؤاد مالك.

 

مشهد عام لمخيم تل الزعتر في مطلع الستينيات (الجزيرة)

29 يونيو /حزيران 1976

سقوط مخيم جسر الباشا القريب من تل الزعتر ورفع علم الأحرار عليه. المسلحون اليمينيون يركزون هجومهم على تل الزعتر. والصليب الأحمر الدولي يتحرك لإجلاء من تبقى من سكان جسر الباشا.

 

13 يوليو /تموز 1976

مقتل رئيس المجلس الحربي الكتائبي وليم حاوي برصاصة أطلقها قناص من داخل مخيم تل الزعتر , وبشير الجميل الابن الأصغر لرئيس الحزب بيار الجميل يخلفه بالمنصب.

 

20 يوليو /تموز 1976

 خطاب للرئيس السوري حافظ الأسد يثبت معادلات جديدة في الصراع الدائر بين فرقاء الأزمة اللبنانية وانحيازا غير معلن رسميا للأحزاب اليمينية. حيث أعلن رفضه دعوة كمال جنبلاط للحسم العسكري في لبنان محذرا من لجوء المسيحيين نتيجة الضغط عليهم إلى إسرائيل.

 

29 يوليو /تموز 1976

صفقة لم يعلن إلى اليوم عن مضمونها بين مجموعات محلية في النبعة والميليشيات اليمينية تتيح تهجيرا جماعيا لسكانها باتجاه بيروت الغربية وأجراس الكنائس في الجوار تقرع فرحا بالانتصار.

 

6  أغسطس /آب 1976

اتفاق بين القيادات الفلسطينية والميليشيات اليمينية على إخراج السكان من تل الزعتر برعاية ممثل الصليب الأحمر والجامعة العربية , لكن الميليشيات أوقفت تنفيذه بعد خروج المجموعة الأولى من السكان.

 

12 أغسطس /آب 1976

 بعد 52 يوما من حصار تل الزعتر آخر المجموعات الفلسطينية المقاتلة في تل الزعتر تغادره باتجاه الجبال , ومسلحو الميليشيات اليمنية يرتكبون مجزرة أثناء استسلام الأهالي وخروجهم نحو معبر المتحف. وممثل الجامعة العربية يقول إلى 57 شاحنة أقلت نحو 13 ألفا إلى بيروت الغربية

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/12-

تجويع المخيم قبل حصد أرواحه

تجويع المخيم قبل حصد أرواحه

بالتزامن مع اشتعال القتال بين القوات المشتركة والمليشيات اليمينية على عدة جبهات في شمالي لبنان والبقاع والجبل وبيروت، وبعيد فترة من انقسام الجيش اللبناني على نفسه وانضمام بعض قطاعاته إلى المليشيات, ضربت هذه الأخيرة حصارا عسكريا وتموينيا كاملا على مخيم تل الزعتر المعزول شرقي بيروت في 22 يونيو/حزيران 1976، وشنت هجوما عسكريا ضاريا عليه بهدف احتلاله.

 

وتمكن المقاتلون الفلسطينيون الموجودون في المخيم من صد سلسلة الهجمات بفضل سيطرتهم على عدد من التلال المحيطة به, والدعم الناري الذي أمنته مدفعية القوات المشتركة الفلسطينية-اللبنانية المتمركزة على مرتفعات عاليه وصوفر القريبة نسبيا من المخيم.

 

وأرسلت القوات المشتركة رجال "كوماندوز" لدعم صمود المخيم, ووصل عدد قليل منهم, لكن فاعليتهم كانت محدودة في التغلب على التفوق العددي للمليشيات المهاجمة وقوتها النارية, إلى جانب الشح التدريجي لمقومات الصمود من الغذاء والدواء الذي أضعف صمود المدافعين والروح المعنوية للسكان.

 

وبعد شهر من الحصار ظهرت أزمة مياه جراء سيطرة المهاجمين على مستديرتي المكلس وبيت مري جنوبي المخيم, بحيث لم يبقَ عمليا إلا بئر واحدة ضمن حدود المخيم، كما بدأت تظهر حالات إصابة بالكزاز والغرغرينا بين الجرحى, حسب ما أفاد به الأطباء الذين عايشوا الحصار، ودفع ذلك مجموعة من سكان المخيم للنزوح باتجاه منطقة الدكوانة, فكان أن قتل المسلحون الفلسطينيين منهم، وأخلوا سبيل اللبنانيين، حسب ما أفاد به الباحث حسين فارس.

 

في هذه الأثناء، تحولت بئر الماء الوحيدة إلى مصيدة يموت عليها عشرات النساء يوميا برصاص القناصة أثناء ذهابهم للحصول على ما يسد الرمق، كما انعدمت مصادر الطعام، ولم يتمكن السكان من البقاء إلا بفضل مستودع للعدس يدعى "مستودع غرة" اكتشف السكان وجوده في المنطقة الصناعية القريبة، وبات زادهم الوحيد.

 

وفي السابع من أغسطس/آب بدأت القيادة الفلسطينية -عبر مبعوث الجامعة العربية حسن صبري الخولي- ببحث إخلاء المخيم المدمر فعليا, وإجلاء سكانه عبر الصليب الأحمر الدولي وسحب المقاتلين عبر الجبال، إلا أن المليشيات لم تستجب لهذا الطلب.

 

أحد أزقة مخيم تل الزعتر في ستينيات القرن الماضي (الجزيرة)

وفي 11 أغسطس آب تسلمت قيادة الفصائل المقاتلة في تل الزعتر برقية من قائد قوات الثورة الفلسطينية ياسر عرفات تلاها القيادي في فتح صلاح خلف يطلب فيها منهم تقدير الموقف والنظر في إمكانية إخلاء المخيم بعد استحالة العيش فيه وسقوط آخر مصادر المياه فيه بيد مليشيا الكتائب وحلفائها. وقال نص البرقية حسب ما أفاد به كتاب حسين فارس" النهار لكم, الليل لصالحكم, والله معكم, تصرفوا حسب واقعكم".

 

وفي برقية أخرى، طلبت القيادة المشتركة  في بيروت الغربية من الفصائل المقاومة بالمخيم تسهيل انتقال الأهالي إلى مناطق المليشيات، ومنها إلى بيروت الغربية ومطالبة الصليب الأحمر الدولي وقوات الأمن العربية العمل على ذلك مع المليشيات المسيحية.

 

وفي يوم 12 أغسطس/آب سقط مخيم تل الزعتر في يد المهاجمين بعد أن كان عدد كبير من المقاتلين غادروه ليلا، وبقي قليلون قاتلوا حتى الموت بين الأنقاض، بينهم القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبد الكريم الخطيب، ولم يبقَ أمام سكان المخيم من المدنيين والأطفال وكبار السن ومدنيين آخرين إلا الاستسلام لقدرهم والانتقال عبر خطوط التماس إلى مناطق الدكوانة وحرج ثابت أملا في الوصول إلى بيروت الغربية عبر شاحنات خصصها الصليب الأحمر الدولي لنقلهم. ونقلت صحيفة السفير عن مبعوث الجامعة العربية حسن صبري الخولي أن 57 شاحنة نقلت 13 ألفا من سكان المخيم إلى غربي بيروت.

 

إلا أن الوصول الآمن لم يكن متاحا، فقد أكدت شهادات الناجين أن 12 حاجزا كانت موجودة بين تل الزعتر ومعبر المتحف الذي كان يفصل بين بيروت الشرقية والغربية، وأن كثيرين قضوا على تلك الحواجز. وأفاد مراسل لوموند الفرنسية مثلا بأن مسلحي المليشيات في الدكوانة كانوا يعزلون اللبنانيين عن الفلسطينيين فيخلون سبيل الأوائل ويعدمون الفلسطينيين بين عمر 12 و40 عاما. وأحصى نحو أربعمائة قتيل على تلك الحواجز. وقيل في وصف المجزرة بمنطقة الدكوانة "كنت ترى شهيدا كل متر على جانبي الطريق".

 

 ونقل عن أحمد زعرور وشارل خوري -وهما مبعوثان أرسلهما رئيس مجلس النواب اللبناني كامل الأسعد لتفقد تل الزعتر ولقاء قيادي يدعى مارون خوري يوم التسليم- قولهما إن الجثث كانت تنقل بالجرافات. ويقول حسين فارس في كتابه إن الفلسطينيين -الذين خرجوا عن طريق معمل البلاط (دوار المكلس)- تلقفهم حراس الأرز وحزب الأحرار، و"حصدوا الجماهير حصدا بحيث لم يبقوا على أحد من الأطفال والشيوخ والنساء".

 

هذا ما حصل يوم 12 أغسطس/آب 1976 لسكان تل الزعتر حسب أغلبية المراجع وشاهدة عيان سجلت الجزيرة نت شهادتها. الناجون منهم كتبت لهم حياة أخرى، أما الباقون فما زالوا بحكم المفقودين إلى أن يعثر على أثر لهم, أو على مقابرهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/12-

الفصائل والمليشيات المتحاربة في تل الزعتر

الفصائل والمليشيات المتحاربة في تل الزعتر

كانت الفصائل والمليشيات المتحاربة في تل الزعتر هي ذاتها المنخرطة في الفصول الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية والتي عرفت وقتها باسم "حرب السنتين" 1975 و1976.

 

وعلى امتداد الأراضي اللبنانية كان يوجد أفراد مليشيات ينتمون إلى أحزاب سياسية يقودها كبار الزعماء الموارنة كحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار, يضاف إليهم أعضاء في مليشيات محلية نشأت قبل الحرب, وتسلحت قبل نشوبها على خلفية خشيتها من الوجود  الفلسطيني المسلح، وكانت هذه الفئة توصف في أدبيات الفئة المقابلة بالانعزاليين، وفي بعض الأحيان وبـ"الفاشيست" أو "الفاشيين" في أحيان أخرى, في حين كانت الأحزاب والمليشيات اليمينية تكتفي بتسمية خصومها بمجموعات اليسار أو "اليسار العالمي" والفلسطينيين.

 

وقد قاتلت في تل الزعتر والنبعة وجسر الباشا -حسب مصادر متطابقة- المجموعات التالية:

- مليشيا الكتائب الموزعة على عدة فرق بقيادة رئيس المجلس الحربي الكتائبي وليم حاوي الذي قتل يوم 13يوليو/تموز 1976 أثناء معارك تل الزعتر, ليخلفه بشير الجميل الابن الأصغر لزعيم الحزب بيار الجميل، وكان هذا أول منصب حزبي رفيع يتولاه بشير قبل وصوله عام 1982 إلى سدة الرئاسة.

 

- حركة الشبيبة اللبنانية  أو "الحركة" بزعامة مارون خوري، وهو زعيم محلي في منطقة الدكوانة، توفي عام 2007.

- حزب التنظيم الذي كان نائب رئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية جورج عدوان أحد قادته.

- النمور, وهي الجناح العسكري لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون.

- الرابطة المارونية برئاسة شاكر أبو سليمان.

- حراس الأرز بزعامة إتيان صقر المطلوب بمذكرات توقيف والمقيم حاليا في إسرائيل.

 

- وحدات من الجيش اللبناني كانت تتبع للجنرال إنطوان بركات عند انشقاق الجيش جراء تطورات حرب السنتين، وقد أقر الجنرال ميشال عون في سياق وثائقي "حرب لبنان" -الذي بثته الجزيرة قبل سنوات- بأنه قاتل في تل الزعتر, علما أنه كان وقتها برتبة رائد، وكان مسؤولا عن منطقة الدكوانة.

 

وبعد سنوات من سقوط تل الزعتر, ونشوء منطقة مسيحية صرفة في شرقي بيروت دمج بشير الجميل تلك المليشيات بقوة السلاح عام 1980 تحت شعار "توحيد البندقية المسيحية"، واتخذت تلك العملية طابعا دمويا، خصوصا في منطقة الصفرا شمالي بيروت، حيث قتل عدد من أنصار كميل شمعون، ونتيجة للدمج القسري نشأت "القوات اللبنانية" كقوة حربية موحدة للمسيحيين, لكنها تحولت بعد إقرار اتفاق الطائف عام 1989 إلى حزب هو "حزب القوات اللبنانية".

 

على الجبهة المقابلة، كان يقف مقاتلو الفصائل التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وحلفاؤهم في الحركة الوطنية اللبنانية المكونة من أحزاب يسارية واشتراكية وقومية، وشكل هؤلاء ما عرف بـ"القوات المشتركة" التي كانت تضم مقاتلين فلسطينيين ولبنانيين تدربوا على يد الفلسطينيين بغرض القتال ضد إسرائيل، وكان جزء منهم منتمين إلى الفصائل الفلسطينية ذاتها, خصوصا حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).

 

ولم يكن كل المنخرطين في القتال داخل المخيم من المقاتلين المحترفين، بل من أعضاء المليشيا، وهم محاربون خضعوا لتدريبات عسكرية سريعة وحملوا السلاح، وتاليا تعريف بهذه المجموعات:

 

- حركة فتح بزعامة ياسر عرفات.

- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش.

- الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة.

- جبهة التحرير العربية بزعامة عبد الرحيم أحمد، وهي فصيل فلسطيني كان ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه كان جزءا من  حزب البعث الحاكم بالعراق.

- طلائع حرب التحرير الشعبية قوات الصاعقة, وهي تنظيم كان يتزعمه وقتها زهير محسن، وهو قيادي في حزب البعث الحاكم في سوريا وعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقد انشق هذا الفصيل على نفسه أثناء الحصار جراء الموقف السوري من الأزمة اللبنانية.

 

- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل, وقد انشق هذا الفصيل بدوره جراء ولاء قيادته لسوريا، وخرج منه فصيل سمي جبهة التحرير الفلسطينية.

 

- جيش التحرير الفلسطيني المتمركز في سوريا, شارك بعض عناصره من الذين انشقوا على موقف القيادة الموالي لسوريا، وتسلل بعضهم إلى داخل تل الزعتر، في حين بقي قسم آخر على ولائه لحزب البعث الحاكم في سوريا.

 

من الأحزاب اللبنانية قاتل في تل الزعتر تنظيمان، هما الحزب الشيوعي اللبناني بزعامة نيقولا شاوي وقتها، ثم خلفه جورج حاوي, ومنظمة العمل الشيوعي بزعامة محسن إبراهيم.

 

لم يعرف العدد الدقيق لقتلى المعارك في الجانبين, لكن الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية أعلنت أسماء شهدائها بعد سقوط المخيم، فبلغوا مع موظفي الهلال الأحمر الفلسطيني 507 مقاتلين و210 مدنيين، حسب إحصاء شامل بالأسماء نشره حسين فارس، في حين أشارت إحصائيات أخرى إلى أسماء أقل. أما على الجبهة المقابلة فلم تنشر إحصاءات، وطوي ملف تل الزعتر والفظائع التي ارتكبت أثناء حصاره واستسلام مدنييه مع طي ملف الحرب الأهلية اللبنانية، فقد اتفق الفرقاء اللبنانيون في ما بينهم على العفو عن كل الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب لتمرير تسوية الطائف الموقعة عام 1989.

 

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/12-

تل الزعتر دفع ثمن موقعه الجغرافي دماً

تل الزعتر دفع ثمن موقعه الجغرافي دماً

 كان مخيم تل الزعتر حاضرا في قلب المشهد لحظة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية يوم 13 أبريل/نيسان 1975، فقد انطلقت شرارة الحرب كما هو معروف من حادث "بوسطة (حافلة) عين الرمانة" عندما أطلق وقتها مسلحون من حزب الكتائب اللبناني نيران بنادقهم على حافلة كانت تقل فلسطينيين أثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا غربي بيروت، أقامته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة.

 

وأتى الهجوم -الذي أودى بحياة 27 فلسطينيا- كرد انتقامي لحادث غامض سبقه بساعات في الحي ذاته، وأدى إلى مقتل اثنين من الكتائب في عين الرمانة، كان أحدهما يعمل مرافقا لرئيس الحزب بيار الجميل.

 

وتفيد مراجعة أحداث تلك الأيام - بمعيار الزمن الحاضر- بأن موقع المخيم كان واحدا من عناصر شحن الأجواء بين سكان المخيم من الفلسطينيين، وبين أنصار الأحزاب اليمينية، خصوصا حزب الكتائب، فتل الزعتر يقع في قلب منطقة المتن الجبلية، وهي منطقة تسكنها أغلبية مسيحية، كما أنها أيضا منطقة نفوذ أمين الجميل الابن الأكبر وقتها لزعيم حزب الكتائب بيار الجميل، والنائب في البرلمان، ومسؤول ما يعرف بإقليم المتن الكتائبي.

 

وقد عومل المخيم -منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب من قبل المليشيات اليمينية- باعتباره نقطة عسكرية متقدمة للخصوم، وقد تغذت هذه الفكرة عن المخيم على تجاوزات ارتكبها مسلحون فلسطينيون من تل الزعتر، بينها اعتقال بشير الجميل النجل الأصغر لزعيم حزب الكتائب على أحد حواجز المخيم، وإطلاقه بعد اتصالات، وانخراط الفصائل الفلسطينية بالمخيم كذلك في المواجهة التي جرت بين الجيش اللبناني والمخيمات الفلسطينية في بيروت عام 1973.

 

ومع اتساع دائرة الحرب الأهلية وانتشارها في باقي أرجاء لبنان انخرط تل الزعتر كغيره من مناطق التماس في النزاع المسلح، لكن المليشيات اليمينية - التي ظهرت بعد الحرب- وضعته في بؤرة اهتمامها، وكذلك فعل قادة الأحزاب المنتمية للتيار ذاته.

 

مسعفو الصليب الأحمر يستعدون لإجلاء جرحى من تل الزعتر (الجزيرة)

ففي مطلع يناير/كانون الثاني عام 1976 بدأ مسلحو ما كان يعرف بالتنظيم ومجموعة مارون خوري بإقامة حزام حول المخيم انطلاقا من الدكوانة، وتركوا طريقا واحدا مفتوحا باتجاه عاليه، وضرب الحصار التمويني الأول على المخيم في 4 يناير/كانون الثاني بالتزامن مع اشتعال القتال في جبهات أخرى بطرابلس والدامور والبقاع.

 

ونفذ الحصار -الذي استمر 22 يوما- عناصر من الكتائب والأحرار والرابطة المارونية عندما قامت بمنع أربع شاحنات محملة بالمواد التموينية كانت متوجهة إلى تل الزعتر بحراسة عناصر من الارتباط من المرور في منطقة حرش ثابت، وهددت بنسفها.

 

وبعد جولة قتال أخرى في 22 مايو/أيار 1976 شملت مناطق الدكوانة وتل الزعتر وامتدت إلى جسر الباشا والحازمية والشياح والمسلخ طالب حزب الكتائب بنقل تل الزعتر إلى مكان آخر "تفاديا للاحتمالات". وقال رئيس الحزب بيار الجميل "إن وجود المخيم في تلك المنطقة لا يشكل موقعا إستراتيجيا وضروريا للمعركة مع إسرائيل".

 

لكن مصير المخيم حسمه في الواقع اتجاه الأحزاب اليمينية في سياق تطورات الحرب لإقامة غيتو للمسيحيين لا وجود فيه للأحياء الفقيرة والمخيمات الفلسطينية. وفي هذا السياق، نفذت سلسلة مجازر في مناطق سبنية وحارة الغوارنة في أنطلياس، حيث السكان لبنانيون فقراء، وتبعتها أخرى في حيي المسلخ والكرنتينا القريبين من المرفأ.

 

بالتوازي مع ذلك، سعت المليشيات ذاتها لمنع إقامة تواصل بين مخيمي جسر الباشا وتل الزعتر والنبعة التي سميت في أدبيات الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية "مثلث الصمود".

 

وفي 22 يونيو/حزيران ضربت المليشيات حصارا عسكريا وتموينيا على المناطق الثلاث بدعم من وحدات انشقت عن الجيش اللبناني وعرفت بجيش أنطوان بركات، ثم بدأت عملية عسكرية عليها استمرت 52 يوما، وانتهت بسقوط مخيمي جسر الباشا عسكريا وإخلاء النبعة من سكانها، ثم سقوط تل الزعتر بعد تدميره.

 

قضى في مخيم تل الزعتر أكثر من ألفي شخص، معظمهم من الأطفال والنساء حسب شهادة الدكتور عبد العزيز اللبدي، وهو أحد طبيبين وجدا في المخيم أثناء الحصار، وتوفي بعض الأطفال عطشا في الأسبوعين الأخيرين من الحصار بعد أن أصبح مصدر الماء الوحيد المتبقي لسكان المخيم تحت مرمى نيران المليشيات.

 

ودفعت هذه العوامل إلى جانب تهدم منازل المخيم وأكواخه تماما "القيادة الفلسطينية إلى الاتفاق مع الميليشيات اليمينية على إخلاء تل الزعتر من المقاتلين والسكان في 6 أغسطس/آب على أن يكون التسليم للصليب الأحمر الدولي وقوة الأمن العربية وليس للميليشيات"، حسب ما أفاد للجزيرة نت قائد ميداني من فتح  نجح مع مجموعته باختراق الحصار المضروب على المخيم وقاتل داخله, ووصف بأنه كان آخر المقاتلين الذي غادروا تل الزعتر.

 

الممرضة السويدية إيفا ستاهل التي بترت يدها خلال حصار مخيم تل الزعتر بعد خروجها من المخيم (الجزيرة)

ومع سقوط البئر الأخيرة بيد المليشيات في 10 أغسطس/آب، طلبت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من المقاتلين الانسحاب عبر الجبال، ودعت الأهالي إلى تسليم أنفسهم استنادا إلى الاتفاق مع المليشيات والصليب الأحمر الدولي والجامعة العربية ممثلة بمندوبها حسن صبري الخولي.

 

وأثناء استسلام الأهالي يوم 12 أغسطس/آب 1976 نفذت المليشيات اليمينية مجزرة على حواجزها بين منطقتي الدكوانة والمتحف طالت فلسطينيين ذكورا من سن 16 إلى 40، ونساء وأطفالا، وقتل أثناء تلك المجزرة -حسب شهادات الصحفيين الأجانب- نحو 400 شخص، إما ذبحا أو رميا بالرصاص.

 

لذا لم يخطئ الباحث الفلسطيني حسين أبو النمل حين قال العام الماضي في دراسة عن العلاقات الفلسطينية اللبنانية "إن رمزية مأساة فلسطينيي لبنان لا تتجسد أولا في (مجزرة صبرا وشاتيلا) رغم حجم ضحاياها ورمزيتها والاحتفالية السنوية التي تتم بمناسبتها". وأضاف أن الرمزية هي بلسان الفلسطيني المناور "مجزرة صبرا وشاتيلا"، ولكنها في الوجدان الفلسطيني "مجزرة تل الزعتر".

 

أثناء استسلام الأهالي وفقا لاتفاق نفذت المليشيات المسيحية مجزرة على حواجزها بين منطقتي الدكوانة والمتحف قتل فيها نحو 400 شخص، حسب شهادة صحفيين أجانب.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/12-

أم عماد: فقدت 19 فردا من أقاربي في المذبحة

أم عماد: فقدت 19 فردا من أقاربي في المذبحة

 

حاورها - محمد العلي 

 

كانت فانوس عبده أبو ضاهر ربة منزل في السادسة والعشرين من عمرها، وأما لأربعة أطفال أثناء حصار مخيم تل الزعتر. في 12 أغسطس/آب 1976 دعيت كغيرها من نساء المخيم وأطفاله وشيوخه للخروج منه عبر منطقة الدكوانة المجاورة في وقت بدأت فيه المليشيات اليمينية بالتوغل داخله، تحركها شهوة الانتقام.

 

 في هذه الفترة بالذات, وأثناء خروج السكان في مجموعات عشوائية ووسط عمليات القتل اختفى 19 من أفراد أسرة أم عماد وجيرانها وأقاربها عن ناظريها في طرف المخيم.

 

من وقتها -أي قبل 38 عاما- لم يظهر أي أثر لأي من أفراد عائلة أم عماد وأقاربها، وبينهم ابنها البكر ووالدها ووالدة زوجها وشقيقها وزوجته وأطفاله الأربعة. ومرفق ملحق بأسماء أقاربها الذين خرجوا في مجموعة واحدة، إضافة إلى قريبين مدنيين اثنين فضلا الخروج مع المقاتلين عبر الجبال، واختفت آثارهم.

 

 عن ساعة الخروج من تل الزعتر وكيفية  فقدان أفراد الأسرة والأقارب تحدثت أم عماد للجزيرة نت.  وهذا نص الحوار:

 

سيدة أم عماد، حدثينا بالضبط عن يوم الخروج، من كان معك فيه من إخوتك وأولادك, وماذا شاهدتم أول الخروج وأثناء سيركم في الدكوانة إلى أن وصلتم معبر المتحف غربي بيروت؟

 

تانا بعض الشبان, وقالوا لنا تجمعوا وحاولِوا الخروج من المخيم، نزلنا وتجمعنا قرب مدرسة بيسان, الناس كلهم تجمعوا هناك بهدف البحث عن أي طريقة للخروج من المخيم.

 

حفل زفاف في مخيم تل الزعتر قبل المجزرة (الجزيرة)

 

أين تقع مدرسة بيسان؟

 

في وسط المخيم. هناك أناس نزلوا إلى الجامع, حصل إطلاق نار فعادوا إلى المدرسة, وهناك من استشهد في ذلك المكان، المهم أن زوجة أخي اقترحت أن نعود إلى المنزل كي نرى ماذا سنفعل لاحقا، لأنه لم يعد هنالك أمان، لا في المدرسة، ولا في أي مكان آخر، عدنا إلى البيت فقالت لي دعينا نذهب إلى شخص اسمه أبو نمر، وهو رجل لبناني كبير في السن وصاحب والدي, وسبق له أن رآنا على الطريق, واقترح علينا المجيء عنده. وقال "شو بيصير عليكو بيصير علي". كانت ابنتي الصغيرة تريد دخول الحمام، وكان معي "سلفة" (زوجة شقيق الزوج) أختي أم إبراهيم، ومعها خمسة أطفال، "سلفة" أختي الثانية (علية) معها بنت وولد.

 

وأنت كم ولدا كان معك؟

 

كان معي ثلاثة، وألفة -ابنتي الكبيرة- كانت مع جدتها (لأمها)، وبقوا في المدرسة، انقسمنا وكل واحد ذهب إلى جهة، كان معي بنتا أختي الاثنتان وابن أختي، وكانت معنا شقيقة زوجي ومعها خمسة أولاد وزوجها وحماتي. المهم أنهم ساروا أمامنا، على أساس أنا أريد إدخال البنت إلى الحمام، "سلفة" أختي دخلت أيضا لتغير لابنتها "الحفاظ"، ابنها راح مع "سلفتها"، هم ساروا أمامنا لمسافة كانت ليست بعيدة.

 

هل حدث هذا في المسافة بينكم وبين الشاحنات المخصصة لنقل السكان في الدكوانة؟.

 

كنا وقتها ما زلنا في المخيم وفي بيت أهلي، هم ساروا أمامنا, أنا رأيتهم وهم يسيرون وأنا أدخل ابنتي فاتن الحمام، وأنا أنظر إليهم، بعد سيرهم لفترة وجيزة دخلوا في منعطف، حيث لم أعد أراهم، وهذا كان في طرف المخيم قرب بنايات تضم واحدة منها مركز تموين لـ"فتح".

 

هل كانت هذه البناية من جهة الدكوانة؟

 

لا، قبل مسافة بسيطة من منطقة رأس الدكوانة, حيث مؤسسات توبي وبوتاجي في محيط مدرسة بيسان، المدرسة كانت على مقربة. عندما دخلوا في المنعطف لم أعد أراهم، بعد ثلاث دقائق سرت وراءهم أنا و"سلفة أختي"، ابني ذهب مع جدته وبنت حماي وأخي، بنت أختي ذهبت معهم، المهم أنهم انقسموا، ابن "سلفة" أختي ذهب مع "سلفتها"، المجموعة الكبيرة ذهبت وبقينا نحن وعددنا أربعة-خمسة أشخاص، أنا وأطفال و"سلفة" أختي فقط. مشينا، بحثنا عنهم ولم نجدهم، ذهبنا إلى أبو نمر, وسألناه: هل أتت إليك عائلة شقيقي؟ فقال لا، أنا دعوتهم للمجيء، لكنهم لم يأتوا.

 

في هذا الوقت، هل كان هنالك مسلحون من الكتائب؟، وعندما رأيتموهم يختفون عند المنعطف هل حدث شيء, هل سقطت قذيفة مثلا؟

 

لا، لم تسقط قذيفة, ولم يحدث شيء، في هذا المكان كان هنالك مستودع تموين لـ"فتح"، داخله كان هنالك صوت، لم نستطيع أن نحدد ماهيته، بدأنا بالبحث وبالصراخ والمناداة ولم يجب أحد، والشخص هذا (أبو نمر) قال إنهم لم يأتوا إلي. فكرنا بالدخول إلى التموين، لكننا لم نجرؤ، ثمة شيء داخلي قال لي لا تدخلي، لا أعرف ما هو، إحساس ربما.

 

قلت لـ"سلفة" أختي لا يعقل أن يكونوا أتوا إلى التموين، ربما عادوا إلى المدرسة للقاء المجموعة التي كانت تنتظرنا، عدنا وقتها للمدرسة ولم نعثر على أحد (من العائلة)، قلنا ربما واصلوا طريقهم إلى الدكوانة، ذهبنا إليها فلم نجد أحد، ساعتها اختفوا.

 

من هم بالتحديد؟

 

هم بيت شقيقي أحمد عبده أبو ضاهر, وزوجته زعيلا عبد الله، وكان معهم خمسة أطفال (ذكرت أسماء أربعة، هم سميرة وغادة وميرفت ونزار), وابني عماد (ست سنوات) ومعهم ابنة أختي، واسمها عائدة و"سلفة" أختي (أم إبراهيم) كان معها أظن خمسة أطفال ومعها ابن "سلفها"، وكانت حماتي أم ياسين.

 

كل هذا وأنتم ما زلتم في المخيم؟.

 

لم نكن خرجنا، قلنا ربما ذهبوا إلى الدكوانة، رأوا الناس ينزلون إلى هناك فنزلوا.

 

أرجوك، أنا مهتم بالأرقام والأسماء، أرجو أن تسجلوهم لي بأسمائهم الثلاثية وأعمارهم كي نثبتهم، لأن طريقة ذكرك لنوعيات القرابة صعبة، أنا أريد أن أذكر ما قلته بلسانك، هذا حصل وأنتم ما زلتم في المخيم, كيف وصلتم إلى شاحنات النقل؟

 

عدنا إلى المدرسة، وكان هنالك شباب من "فتح"، وقالوا لنا اخرجوا كما خرج الآخرون، أي أن الناس يذهبون إلى الدكوانة فاتبعوهم، مشينا مع مجموعة أخرى من الناس، طبعا كان هناك قتلى كثيرون على الطريق.

 

كانت هناك جثث مرمية على جوانب الطرقات، هل رأيتم بأنفسكم مسلحين يقومون بقتل أحد؟.

نعم قتل كثيرون.

 

هل كانوا شبابا؟

 

القتلى كانوا شبابا, أطفالا, كهولا, حتى الأطفال كانوا يقتلونهم، كان يسلبون من يملك ذهبا, مالا، ولا يبقون شيئا، مشينا مسافة ليست بعيدة, وكانت الجثث منتشرة على طرفي الطريق.

 

يقال إن الطريق كان طوله نحو ثلاثمائة متر.

 

نعم، الطريق كان طويلا ومليئا بالجثث, ما عدا الذين كان يأخذونهم ويقتلونهم، ما عدا البنات كانوا يأخذونهن والله أعلم ماذا كانوا يفعلون بهن. (يتدخل أبو عماد قائلا: حوالي 4500 شخص قتلوا في يوم واحد).

 

ماذا حدث بعد ذلك؟

 

وصلنا إلى الدكوانة، كان الناس مجموعين، الكتائب كانت تبحث في جيوب الموجودين وتسلبهم أموالا، "شلحوا كثيرين"، أنا رأيت منظرا لا أنساه، قالوا لسيدة: أخرجي ما لديك من نقود، من الخوف كان معها رضيع ملفوف، فتحت ملابسه الملفوف بها وأخرجت المال من ثيابه، أمسكوه هكذا (تشير بيدها إلى رفع طفل صغير من رجليه في الهواء)، وتضيف: "وطخوه" (أطلقوا النار عليه).

 

طفل رضيع, قتلوه أمام عيون أمه؟

 

أمام عيون أمه، وفي الوقت ذاته صفوا شبانا كثيرين كانوا يأتون بهم ويصفونهم على الحائط، بعدها أتوا بسيارات، نحن لم نخرج بالشاحنات التي أحضرت في النهاية، أتي بسيارات وأمرنا بالصعود إليها، صعدنا في باص صغير، كانت هنالك حواجز تنتشر بكثرة على الطريق، وكانوا ينزلون الناس من الشاحنات، سائق الباص توقف بنا في الأشرفية قرب بيت الكتائب بالضبط، رأينا السيارات التي علقوا فيها الشباب (الفدائيين القتلى) بالجنازير، وكيف يجرونهم في المناطق المسيحية.

 

هل كانوا جثثا؟

 

نعم جثث.  (يتدخل أبو عماد قائلا: منهم محمود شقيق فايز فريجي). هذا ما رأيناه، توقف السائق لفترة وجيزة، أتت سيدة هي زوجته على الأرجح. سألته لماذا أحضرتهم إلى هنا، أبعدهم. قال لها هأنذا أذهب، المهم وصلنا خط التماس (معبر المتحف)، هناك أنزلونا، كانت هنالك أيضا محطة بترول، وكانت الكتائب تأخذ إليها الشباب وتصفيهم.

 

  * عمليا، لم يكن هنالك شباب، بل فتيان صغار؟.

 

(يتدخل أبو عماد: حتى يقال إن النساء كن عندما يرين فتى يكسرن زجاجة ويبدأن بذبحه من الخلف).

تقول أم عماد: كثير من هذا حصل.

 

نحن مهتمون بما رأيت أم عماد, هنالك روايات كثيرة تروى, لكن ما يهمنا هو ما رأيته بعينيك.

 

وصلنا إلى هذا (خط التماس)، كانت قوات الردع موجودة، لم يتدخل أحد لوقف ما يجري، خرجنا وهذا ما حصل. (المحرر أشكرك، على العموم هذا ما يهمنا، ماذا حصل يوم الخروج لأنه أكثر يوم سجلت فيه عمليات اختفاء). سألنا كثيرا عن بيت شقيقي, لكننا لم نصل إلى نتيجة.

 

لم يظهر أحد من كل المجموعة التي ذكرتها على الإطلاق؟

 

أمنيتي أن أعرف ماذا حصل لهم. (يتدخل أبو عماد: هذه البنت التي تحدثت عنها (يقصد مارلين) ألا يمكن أن تكون ابنة شقيقتي مثلا؟).

 

فايزة الأحمد (يمين) وفاديا بحضن والدتها فاطمة العلي (الجزيرة)

 

أفراد أسرة أم عماد وأقاربها الذين فقدوا داخل مخيم تل الزعتر يوم 12
أغسطس 1976:

الابن البكر: عماد ياسين عبد الله، مواليد 1969 (سبع سنوات).

الوالد: عبده قاسم أبو ضاهر، مواليد 1911 (65 عاما).

الحماة (والدة الزوج): حليمة يوسف شحادة، مواليد 1920 (56 عاما).

الشقيق: أحمد عبده أبو ضاهر، مواليد 1941 (35 عاما).

زوجته: زعيلا علي العبد الله، مواليد 1945 (31 عاما).

أولاده: التوأم غادة وميرفت أحمد أبو ضاهر، مواليد 1969 (سبع سنوات).

موسى أحمد أبو ضاهر، مواليد 1973 (ثلاث سنوات).

نزار أحمد أبو ضاهر،  مواليد 1974 (سنة ونصف).

عايدة أحمد حوالي (ابنة آسيا أبو ضاهر شقيقة أم عماد) مواليد 1964 (12 عاما).

أقرباء آخرون اختفوا مع المجموعة ذاتها:

شفيقة زوجة محمد إبراهيم داود و"سلفة" آسيا شقيقة أم عماد، مواليد 1921 (55 عاما).

أولاد شفيقة المختفون: أحمد محمد داود, وفاء محمد داود, وبنتان لم تعد تتذكر اسميهما.

أحد الجيران ويدعى غازي علي داود، مواليد عام 1942 (34 سنة)،

 وابنه ماهر غازي داود، مواليد 1973 (عامان ونصف).

أقارب مدنيون خرجوا مع المقاتلين واختفوا في الجبال:

مصطفى عبده أبو ضاهر (شقيق أم عماد)، مواليد 1931 (45عاما).

صالح موسى أبو ضاهر (ابن عم أم عماد)، مواليد 1955 (21 عاما).

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/12-

المجزرة كما يرويها طبيب "تل الزعتر"

المجزرة كما يرويها طبيب "تل الزعتر"

فيما يلي رواية طبيب مخيم تل الزعتر الدكتور يوسف عراقي* لمشاهداته في تل الزعتر والدكوانة يوم 12 أغسطس/آب 1976:

 

في الصباح كنت أنوي الذهاب إلى المستشفى لإحضار بعض كتبي من هناك، وفجأة دوى قصف ليس ببعيد عنا. وجاء محمود وأحمد الممرضان ليخبراني أنهما جاءا من المستشفى ولم يستطيعا الوصول لأن الفاشيين قد طوقوه وقتلوا كل من كانوا هناك، الجرحى، والأهالي الذين كانوا يستعملون قسما منه كملجأ.

 

وكنا ما زلنا في دوامة الاتفاق، وطلقات الرصاص والقذائف تنطلق، إنها خدعة وليس اتفاقا. وتنشب معركة كبيرة عند مركز الطوارئ بين المقاتلين، والمركز يكتظ بالجرحى والنساء والأطفال الذين حضروا للاحتماء عندنا، ولكن.

 

وبينما كنا والدكتور عبد العزيز اللبدي والممرضون نحاول ترتيب أمر نقل الجرحى من المركز إلى بناية مجاورة إذا بأعداد من مقاتلي الفاشيين كانوا قد وصلوا لنا من جهة الشمال من محاور الدكوانة. وطلبوا منا التقدم. سرنا ومعنا جرحانا نحملهم على ما توفر من حمالات وأبواب خشبية وتوجهنا, بعد أن أخبرونا أن الصليب الأحمر ينتظرنا. وكان خروجا إلى الموت.

 

كانت أعداد من الناس والأطفال بدأت تخرج، وكان الممر إجباريا. سرت والطبيب السويدي وزوجته وكان الممرضون يتبعونني, وهم يحملون الجرحى. أوقفنا اثنان من الفاشيين إلى الحائط بعد أن أمروا جميع الممرضين والأطباء أن يقفوا إلى الحائط، وشعرت أنها لحظاتنا الأخيرة. يريدون أن يطلقوا النار علينا.

 

وفيما هم منشغلون بالحديث, دعوت الممرضين إلى التحرك بسرعة والاختفاء بين جموع الأهالي الخارجين. وأخبرت من كان حولي منهم بأن يخلع المريول الأبيض وشارة الهلال والصليب لأنني عرفت أمرا يدبر للطاقم الطبي. ولكنا لم نستطع تفادي الحواجز الكثيرة. وبدأ الوضع يصبح أكثر خطورة كلما تقدمنا، والفاشيون يطلقون النار فوق رؤوسنا وبين أرجلنا. وكانوا يفتشون ويأخذون كل ما نحمل من ساعات ونقود حتى وصلنا طريقا إجباريا وكانت هناك أعداد من المسلحين الفاشيين.

 

أوقفونا جميعا بعدما عرفوا أنني الطبيب وأن الممرضين معي. وحاولوا إطلاق النار علينا فورا. وفجأة  تقدم أحد مقاتلي الفاشيين نحوي، ويناديني د. يوسف، يوسف. لقد تعرف علي وأخذ يعرفني بنفسه. وأنا من هول ما أشاهد لم أستطع النطق. وذكرني بأنني أجريت له عملية جراحية وأنقذته بينما كان في حالة خطرة ذات يوم عندما أحضر إلى المستشفى قبل الحصار الأخير.

 

حاول إنقاذي, ولكن الفاشي الآخر كان يريد إطلاق النار وجرت مشاجرة بينهما, وفجأة يظهر من الباب وجه مألوف.. إنه الملازم راجح. وهو من جيش التحرير الفلسطيني الذي كان داخل المخيم. هرع إلي وعانقني. وحسم الموقف وقدم نفسه على أنه ضابط سوري. حاولت جاهدا السعي لإنقاذ الممرضين والجرحى ولكن من دون جدوى.

 

قادوني إلى مدخل البنايات حيث أجلسوني ليمر أمامي شريط المجزرة. كنت أسمع أصوات الصيحات تنطلق من خلف البناية بعدها شاهدت الفاشيين وقد أوقفوا الممرضين في طابور مزدوج، وأمروهم بالسير إلى الأمام حيث لم أستطع رؤيتهم. ولم أنس نظرات خالد ذلك الممرض المتطوع كانت عيناه تقول لي الكثير، ولكنني لم أستطع عمل أي شيء. وأحضروا الأطباء السويديين إلى الداخل. بعد قليل خرج أحد الفاشيين يحمل بندقية كبيرة وسمعت صليات كثيفة وصراخا، وخيم بعدها الهدوء. وكان هناك ممدوح وخالد وصبحي وبقية الممرضين ويقينا أنهم أطلقوا عليهم النار جميعا.

 

مر شريط المجزرة أمامي رهيبا. كانوا يأخذون الأهالي جماعات ليطلقوا النار عليهم. وكان أحد الفاشيين ضخم الجثة. وقد تعتعه السكر. يحمل سكينة كبيرة ملطخة بالدماء. ويأتي كل بضع دقائق ليمسح السكينة الملطخة بدماء الأهالي بقميص من كان يجلس عند الباب منهم. لقد كان يذبح كما يذبحون الغنم. وبعدها يبدأ التفتيش في جيوب الضحايا عن أشياء. لقد كان منظرا رهيبا وقذرا في لحظة تتجمد فيها العاطفة. كانوا يأخذون من الناس كل شيء.

 

ونيس الجريح مصاب برجله، وكان خارجا على عكازين ورجله في الجبس. انهالوا عليه ركلا بأقدامهم ثم رموه أرضا، ومن بنادقهم الخمس زرعوا جسمه بالرصاص. كنت في هذه اللحظة أفكر بالدكتور عبد العزيز وباقي الممرضين، فإني لا أعرف مصيره. بعد حوالي 45 دقيقة تقريبا. جاءنا مسؤول الأمن الفاشي مع أحد عناصره ليأخذنا أنا والطبيبين السويديين والضابط السوري.

 

كان خروجا رهيبا. ومشينا في الطريق المؤدية خارج المخيم لمسافة 300 متر، ولكن كانت أطول طريق في حياتي. كانت جثث الأهالي الأبرياء متناثرة في ذلك الطريق، كانت هناك جثث الشيوخ، وجثث الأطفال. ورأيت جثة امرأة حامل وقد أطلقت عليها النار في بطنها. والدم ينزف منها. وتتوالي الجثث أمامي والطريق تطول وتطول.

 

وفي نهاية الطريق كانت هناك آلياتهم والفاشيون يتلذذون بمنظر القتلى. أخذوني في سيارة إلى مقر القيادة، وهناك أدخلت إلى مكتب الشيخ أمين الجميل**. نظر إلي هازئا وقال بعد أن قدمت إليه بأنني طبيب المخيم "أنظر تقولون إنني فاشي ويدي ملطخة بالدماء وها هي نظيفة". بعد أن سلموا علي غسلوا أيديهم بالكحول. كانوا ينظرون إلي كما لو أني قادم من كوكب آخر، لم يكونوا ليصدقوا أن هناك بشرا داخل المخيم. كانوا يظنون أنهم يقاتلون أشباحا، فالمخيم كان مدمرا كليا. أين الناس إذا؟ أين المقاتلون؟ كانوا يسألون أسئلة ساذجة.

 

وهناك رأيت الصليب الأحمر الدولي. أخبرت مندوبهم أن الدكتور عبد العزيز -ومعه مجموعة ممرضين- كان يتبعني ولم أعد أعرف مصيره. وفورا اتصل بجهاز لاسلكي، وتحركت سيارة إلى منطقة الدكوانة لإنقاذ عبد العزيز والممرضين, كان هناك جمع من الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء ينتظرون، أجروا معنا لقاء بعد جهد جهيد لأن الفاشيين كانوا لا يريدون الإدلاء بأي تصريح، كانوا يريدون التكتم علينا حتى لا يعرف مصيرنا.

 

رباب كنعان وثقت مجزرة تل الزعتر بكتاب (الجزيرة)

وبدأوا  التحقيق معي،  وتقدم أحدهم بالقول:

  • - أنا الدكتور ريشا، مسؤول الإقليم الطبي.
  • - أهلا وسهلا.

  • - الدكتور يوسف أنت متهم بالتمييز في معاملتك بين الفلسطينيين واللبنانيين، والمسيحيين والمسلمين. كنت لا تسعف اللبنانيين وتسحب منهم الدم حتى الموت لتعطيه للفلسطينيين.

وضحكتُ لهذا الادعاء. وكانت أعصابي في تلك اللحظة غير متوترة.. كنتُ أتكلم بهدوء.. كنت مسبقا قد حسمت قضية الحياة والموت، ولذلك قلت له:

  • - أنت تعرف ما هو سبب وجودي هنا.. لقد أنقذني أحدكم لأنني ذات يوم أجريت له عملية جراحية وأنقذته, وهذا دليل كاف على عدم تمييزي بين الناس.

  • - هناك شخص يعرفك وهو هنا في الغرفة المجاورة ويشهد بأنك كنت تميز ولم تسعف قريبه ذات يوم حتى مات.

كنتُ واثقا من نفسي تماما، ولذلك شعرت أنهم يخوضون ضدي حربا نفسية خاسرة، وقلت له:

  • - أنا مستعد للمواجهة، ولكن عندي بعض الأمور سأواجهكم بها.

وسردتُ له مجموعة ممن يصفهم حسب الدين والجنسية.. فقاموسهم مليء بتلك المصطلحات. و(أبلغته) كيف أجريتُ لهم عمليات جراحية وكيف أنقذتُ حياتهم وأوصلتهم إلى ذويهم سالمين.. وواجهته بالأسماء.. سردتُ عليه قصة الجريح الذي أصيب في رأسه برصاصة اخترقت عينه وكادت أن تكون قاتلة، وكيف أجريت له العملية وكيف أن المقاتلين تبرعوا له بالدم.. كنتُ دائما أسألُ عن مصير الدكتور عبد العزيز، وأقاطع حديثهم لأسأل عنه, ويقولون: لا تخف, سيحضر.

 

وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر, أحضروه، ووجهوا له نفس الأسئلة التي كانت وجهت لي في غرفة أخرى. عرفتُ ذلك فيما بعد, وكانت تجول في خاطري في تلك اللحظة مصير الأخوات الممرضات، لقد قتلوا مجموعة من الممرضين أمام ناظري، وقتلوا جميع من حملنا من جرحى.

 

كنتُ أفكر في مصير بهاء التي كانت بجانبي وكانوا يطاردونها، وفريال وقد حملت لي الحقيبة، وفاديا التي لم أرَها منذ خروجنا من مركز الطوارئ. وتمر أمامي الهواجس وأتخيلهم جميعا وقد قتلوا.. وكذلك الدكتور عبد العزيز.


كانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما شاهدت قوات الأمن العربية ***وكنا في انتظارهم منذ التاسعة صباحا.

 

ومن على شرفة الغرفة كنت أشاهد مظاهر الابتهاج ليس بالانتصار، بل بالنزعة السادية. يتلذذون بمنظر السحل والذبح والقتلى. ويحضر الدكتور حسن صبري الخولي ممثل الجامعة العربية ويتفاوض مدة طويلة مع أمين الجميل. لإخلاء سراحنا. وفي السادسة مساء استقللنا سيارة الدكتور حسن صبري الخولي. يقودها الشيخ أمين الجميل بنفسه. عبر المنطقة الشرقية حيث الحواجز الكثيرة التي بلغ عددها 12 حاجزا. من سلم من المجزرة على مداخل المخيم قتل وسحل على هذه الحواجز.

 

وصلنا منطقة المتحف وهي الخط الأخضر الفاصل بين طرفي بيروت. وهناك نزل أمين الجميل. كان منظرا رهيبا لتلك الحواجز وتلك الجثث. ولا أعرف ماذا حل بي لو لم يكن أمين الجميل معنا. علني كنت ضحية السكين التي طالت الكثيرين وجثثهم مترامية على جانبي الطرقات.

 

نتابع سيرنا إلى بيروت الغربية ونحن غير مصدقين أننا أفلتنا من قبضة الفاشيين. وكان مندوب الصليب الأحمر قد سبقنا ونزل من سيارته. ركض باتجاهنا, وكان بيني وبينه عناق طويل.

=============

النص الحرفي للفصل الأخير من كتاب "يوميات طبيب في تل الزعتر" للدكتور يوسف عراقي، بيروت الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية 1977، ص 115 - 122

 

*  الدكتور يوسف عراقي: ولد في قضاء حيفا عام 1945. لجأ مع أهله إلى لبنان. أنهى دراسة الطب العام في موسكو عام 1975. التحق بالهلال الأحمر الفلسطيني بعد تخرجه. عمل في عيادة ومستشفى الهلال في تل الزعتر من أغسطس/آب 1975 إلى حين سقوط المخيم بيد المليشيات اليمينية. تخصّص في جراحة المسالك البولية في ألمانيا أواسط الثمانينيات. ثم انتقل للعمل والعيش في النروج وهو يقيم هناك حاليا. تقاعد عام 2013.

 

** الشيخ أمين الجميل: كان وقتها مسؤولا لإقليم المتن الكتائبي وعضوا في المكتب السياسي لحزب الكتائب وصاحب مكتب محاماة. انتخب عام 1982 رئيسا للجمهورية بعد مقتل شقيقه بشير.

 

*** قوات الأمن العربية: شكلت في 10 يونيو/حزيران 1976 استنادا إلى قرار صادر عن اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان. كانت تضم 6000 رجل من ست دول بينها السعودية واليمن والإمارات والسودان. انتشرت في بعض مناطق بيروت وصيدا والجبل وطرابلس لكن أفرادها تعرضوا لعمليات قنص واعتداءات. دمجت لاحقا في قوات الردع العربية التي أنشئت بناء على قرار صدر عن قمتي القاهرة والرياض (أكتوبر/تشرين الأول) اللتين أضفتا الشرعية على الوجود السوري وعلى انتخاب الرئيس إلياس سركيس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/12-

الصليب الأحمر: ملف المفقودين حيا

الصليب الأحمر: ملف المفقودين حيا

في لبنان وبعد 24 عاما على انتهاء الحرب الأهلية، لا يزال الآلاف ممن غفل عنهم الزمن حينها مجهولي المصير، ومعظمهم لم يسجل حتى في السجلات، ويتم تناولهم كأرقام تتفاوت صعودا أو نزولا على وقع حسابات الربح والخسارة في عالم السياسة.

 

لكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر الموجودة في لبنان كان لها رأي آخر، فمجموعة من الشباب تترأسهم رباب الخطيب -وهي شابة أيضا- يسابقون الزمن لجمع البيانات عن كافة المفقودين وتسجيلها وأرشفتها لعل الدولة تقرر يوما الرفق بهؤلاء وتشكيل آلية رسمية لكشف مصيرهم.

 

وتوضح رباب التي تترأس فريقا طموحا من عشرين شابا، أن عملهم يأتي ضمن مشروع بدأ في أبريل/نيسان 2012 لجمع بيانات ما قبل الاختفاء لكل مفقودي الحرب الأهلية في لبنان كي يتسنى استخدامها في وقت لاحق من قبل آلية رسمية تعمل على كشف مصيرهم، مؤكدة أن عمل الصليب الأحمر ليس كشف المصير، بل المساعدة في جمع المعلومات.

 

وقالت رباب للجزيرة نت من مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في شارع الحمرا بالعاصمة بيروت، إن فريقها تمكن حتى اليوم من مقابلة عائلات نحو 1200 مفقود، بينهم عائلات قرابة ثمانين شخصا فُقدوا خلال حصار مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين والذي نفذته مليشيات مسيحية عام 1976. ومفقودو تل الزعتر يعيشون الوضع الأصعب لأنه لا لجنة تمثلهم ولا لوائح تبين عددهم، كما أن المخيم لم يعد موجودا.

 

رباب الخطيب مسؤولة فريق جمع البيانات بالصليب الأحمر في لبنان (الجزيرة)

وعملت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال حصار مخيم تل الزعتر الواقع في ضاحية بيروت الشرقية على إخلاء جرحى وقتلى ومدنيين وحتى مقاتلين أثناء وقف إطلاق النار الذي تدخلت لفرضه في أحيان عدة. وهي تلقت على مدى ثلاثين عاما بيانات للبحث عن أشخاص مفقودين في المخيم.

 

ودعت رباب جميع العائلات -وبينهم عائلات مفقودي تل الزعتر- إلى التسجيل في المشروع وتحديد موعد لتقديم معلوماتهم عبر الاتصال على الخط الساخن الذي وُضع من أجلهم (03186386)، لافتة إلى أن المشروع سيستمر طالما هناك عائلة واحدة يمكن أن نقابلها ونأخذ معلومات منها.

 

وأشارت إلى أن عملهم يرتكز على تحديد مواعيد مع العائلات أو الأشخاص المقربين من أحد المفقودين وتعبئة استمارة من نحو ستين صفحة تتضمن جميع تفاصيل المفقود من شكله وتفاصيل جسمه إلى أسئلة طبية قد تساعد في مراحل لاحقة في التعرف عليه، لافتة إلى أن المشروع يشمل كل شخص فُقد في النزاع الأهلي سواء أكان طفلا أو امرأة أو مقاتلا وإلى أي جهة انتمى.

 

وأضافت رباب أنه بعد أكثر من ثلاثين عاما على الحرب، فإن العديد من أهالي المفقودين يتوفون وتموت معهم المعلومات عنهم بينما لم تشكل الدولة أي لجنة لها علاقة بملف المفقودين، لذلك كان لا بد من العمل لكسب الوقت وجمع المعلومات حتى تكون جاهزة عندما تضع الدولة آلية رسمية وتبدأ مباشرة عملية البحث.

 

منشورات وزعت لدعوة أهالي المفقودين للتعاون في توثيق بيانات ذويهم المفقودين لتسهيل البحث عنهم (الجزيرة)

ويحتفظ فريق الصليب الأحمر بمعلومات ما قبل الاختفاء وفقا للمعايير الدولية الخاصة بحماية البيانات. وفور إنشاء هيئة لتوضيح مصير المفقودين تخضع لجميع المعايير والمتطلبات الإنسانية في لبنان، سيتم تسليم المعلومات إليها لتسهيل عملها.

 

وأوضحت رئيسة الفريق أن الصليب الأحمر سيعمل في مرحلة لاحقة على مشروع جمع عينات الحمض النووي لأهالي المفقودين، وهو مشروع ينفذ بالشراكة مع الدولة اللبنانية وخاصة قوى الأمن الداخلي، وسيكون الصليب الأحمر موجودا مع قوى الأمن حين جمع العينات، وهي ستشكل مع المعلومات التي نجمعها البيانات الهامة لآلية كشف مصير المفقودين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/12-

جنرال "تل الزعتر" يروي شهادته للجزيرة نت

جنرال "تل الزعتر" يروي شهادته للجزيرة نت

جنرال تل الزعتر: ما قمت به لا أعتقد أنه ذو شأن مقارنة بما قدمه كثيرون من شعبنا. قد تكون الصدف يسرت أمري، علماً بأنني صاحب تجربة ليست حافلة لكنها قد تكون أهم مما قدمه كثيرون غيري. أنا لست استثنائيا ولا مهما لدرجة أن أدخل التاريخ. أنا فضلت الانسحاب من الواجهة عن سبق إصرار.

 

أنا لم أحتك في تل الزعتر سوى مع المقاتلين الذين اخترتهم بشكل شخصي وطلبت أن يحضروا من الخارج. ولهذا فور أخذ قسط من الراحة أرسلت برقية مشفرة إلى أبو جهاد وحددت فيها الطريق التي يمكن من خلالها أن تتحرك المجموعات المقاتلة. وبالفعل بعد يوم واحد فقط كانت مجموعة صغيرة قد وصلت، وتم ذلك أثناء أعنف الاشتباكات.

 

كانت مجموعة استطلاع، وتأكيدا على سلامة الطريق كان يقودها محمد شحادة* وهو أحد سكان مخيم تل الزعتر ومعه خليل الجمل، وكانا خريجي دورة ضباط واحدة. فور وصول محمد شحادة تم التنسيق معه لدراسة أحوال المخيم على جميع الصعد. وكانت النتيجة أن المخيم في حالة انهيار تام, ولا يوجد كادر يقود.

 

اجتمعت بقائد المنطقة الشرقية سلمان لأتعرف حقيقة الأمور على الأرض، فأبلغني أن معظم الكادر استشهد, والفوضى عارمة, والانهيار قادم, ولا أحد يعرف ماذا يجري ومن يقود. وقال إن العائلات بدأت تتحرك ضد المقاتلين ومع الاستسلام، وطلب مني تنظيم الأمور, وأن نقسم المخيم إلى قسمين بيني وبين محمد شحادة.

 

بعد يومين أصيب أدهم المسؤول العسكري لفتح في المخيم بجراح متوسطة. وبقي في مقر التموين إلى أن أخرج مع الجرحى لاحقا عبر الصليب الأحمر. وكذلك أصيب خليل الجمل ونقل بدوره، مع العلم أن هناك من الجرحى من كانت جراحهم أكثر خطورة من جراح أدهم وخليل الجمل.

 

قادة فلسطينيون يشاركون أهالي تل الزعتر في مناسبة بعد سقوط المخيم بينهم العقيد موسى مراغة ( أبو موسى ) وياسر عرفات وخليل الوزير (الجزيرة)

لم يمض ثلاثة أيام حتى وصلت المجموعة الثانية من المقاتلين، وكانت تتبع لجهاز الأرض المحتلة (القطاع الغربي) وكان يقودها محمد خميس فوده "أبو علي"**.

 

أنا تسلمت مسؤولية أخطر محور يسمى محور الكنيسة، وهو مطل على دير ماروكوز، ويفصله عن مخيم تل الزعتر واد عريض ومتوسط العمق. كانت القوات اليمينية المسيحية قد تخطت هذا الوادي واستقرت على بعد مائة متر من الكنيسة، وكان القناصة يطلقون نيرانهم على أي حركة يشاهدونها.

 

عمليا لم أكن أعرف أحدا سوى مجموعة من أمن القطاع الغربي تعمل مع تنظيم فتح في المخيم، فقمت وتواصلت مع بعض أفرادها. لأن (أبو جرير) وهو قائد المجموعة استشهد نتيجة سقوط قذيفة.

 

عندما شاهدت الوضع على الأرض بدأت العمل على رفع المعنويات أولا، ورفع همة الشباب واعتماد حرب العصابات والعمل خلف خطوط العدو، لهذا قمت بتوزيع قناصين ورماة (أر بي جي) ومدفع هاون للإشغال. وكان من نتيجة هذا العمل القضاء على( وليم حاوي*** يوم  13/7/1976 قنصاً على يد "محمود الشبل". واعتقد أنه بعد تل الزعتر ذهب إلى الجزائر.

 

وقمت باستخدام قذائف مدفع  130 ملم من أجل عمل حفر كبيرة تعيق حركة الآليات وحتى الدبابات حتى يسهل قنصها وتدميرها. وكذلك قمت مع بعض الأفراد بتفخيخ البنايات التي كانت على أطراف التل من الجهة الغربية. حتى نمنع حركة القنص أو التقليل منها. وكان لأبو عماد أحد قادة المحاور في المخيم فضل في المساعدة بذلك (تم تصفيته مع علي سالم) قائد محور المدارس من قبل راسم الغول ضابط قوات 17 **** بتهمة العمل مع جماعة أبو نضال (حركة فتح-المجلس الثوري) وعمله مع أبو داود وناجي علوش بعد الخروج من تل الزعتر.

 

مقاتلون من الكتائب في كمين في الدكوانة في اشتباك بتل الزعتر (الجزيرة)

ومع وصول المجموعة الثالثة من المقاتلين وكان يقودها الأخ عبد الرحمن من قوات 17 وكان بينهم خبراء متفجرات, وبعض هؤلاء من مجموعة كانت تعمل مع  تنظيم الصاعقة الموالي لسوريا ثم التحقت بفتح. ونصبت فخاخ متفجرة صغيرة لشل حركة المشاة وإعاقة حركة الآليات خصوصا وراء خطوط العدو. 

 

بعد هذا التغير الملحوظ في سياق التنظيم والنجاحات في المعركة أخذ إعلام القوات اللبنانية يقول إن هناك خبراء أجانب يعملون في المخيم مع الفلسطينيين. وانتهزت هذا وأخذت على عاتقي مهاجمة عقر ديار المناطق المجاورة للمخيم، خصوصا دير ماروكوز وأبعدنا القوات اللبنانية إلى حد الدير، وأصبح الوادي هو الحدود بيننا وبينهم، وهنا تنفسنا الصعداء.

 

بعد أن قسم المخيم بيني وبين الشهيد محمد شحادة, نسقنا في ما بيننا العمل على تطهير المخيم من العملاء أولا. حيث قمنا برصد تحركات أفراد الصاعقة السورية التي كان يقودها بلال (لا أعرف باقي الاسم). وكذلك رصد عناصر الجبهة الشعبية-القيادة العامة التي كان لها موقع أو تلة سميت باسمها وبجانبها بئر المياه. تلك المياه التي أسقطت الكثير من أخواتنا شهيدات أو جرحى وكذلك الكثير من شبابنا آنذاك من أجل قطرة مياه تزهق أرواح.

 

قبل أسبوع من سقوط تل الزعتر رصد ولد لا يتجاوز عمره الرابعة عشر يتسلل إلى الدكوانة فأمرت بمراقبته. وقبل يومين من سقوط تل الزعتر ألقي القبض عليه وهو يحمل رسالة من ميشال أبو جودة، وهو مسؤول كتائبي إلى بلال الصاعقة. يقول له فيها إن عليه أن يسرع عملية خروج جماعته والعمل على إحداث فوضى في المخيم تكون نواتها النساء، انطلاقا من التركيز على عدم قدرة التحمل وعدم توفر المياه، إلى أن يصل إلى عمل إشكالات بين العائلات بعضها مع بعض.

 

فتمت ملاحقة بلال وأعوانه وألقي القبض على بعضهم وتمت تصفيتهم بعد أن اعترفوا بالمهام التي كانت تكلفهم بها قياداتهم خصوصا بلال. وهرب بلال بعد أن فتح باب الخروج من تل الزعتر إلى الدكوانة لأهالي تل الزعتر مع عائلات أعضاء الصاعقة وبعض العائلات الأخرى التي انضمت إليهم وتم تجميعهم في المدرسة الفندقية (في الدكوانة).

مخيم تل الزعتر أثناء إحدى جولات المعارك عام 1975 (الجزيرة)

المعركة الفاصلة

كانت المعركة الفاصلة يوم 12/8/ 1976 وسقوط تل الزعتر كان فعلياً في 14/8. أما مجريات الاتفاق فتمت بعد استلام برقية من قيادة العمليات العسكرية تنص على التعامل مع قوات الردع العربية ***** من أجل إبرام اتفاق مع المليشيات اللبنانية، ينص على خروج المقاتلين الفلسطينيين من المخيم دون أن تتعرض لهم المليشيات. وتؤمن عملية الخروج قوات الردع عبر منطقة الراعي الصالح وغاليري متى، على أن يتوجهوا إلى المنطقة الغربية. أما المدنيون فيتم خروجهم إلى منطقة الدكوانة ويتجمعون في مدرسة الدكوانة الفندقية، وينقلون من هناك إلى المنطقة الغربية لبيروت.

 

 ووافق الطرف الانعزالي آنذاك على دخول المدنيين للدكوانة بحراسة قوات الردع العربية. أما العسكريون فمرورهم منوط بتسليم أسلحتهم. كنت أنا من يتفاوض مع قوات الردع وسيطا، ومعي المقاتل المعروف باسم (الألماني) واسمه الحقيقي مازن المبسلط (ألقي القبض عليه بعد سقوط التل وصلب وعلق على عمود في وسط بعبدا)، علما بأنه كان ضابط ارتباط مع المليشيات ويعرفه أبو جودة وقياداتهم.

 

 بعد المراوغة واللف والدوران وافقت على خروج المسلحين بعد تسليم أسلحتهم إلى قوات الردع العربية، مما أثار دهشة الألماني، فقلت له نعم نلتزم، (بالطبع هذا الاتفاق الثاني الذي حصل بين الفلسطينيين والمليشيات الانعزالية)، كنا قد أفشلنا الأول لأننا أدرى بوضعنا ولم نمتثل لأمر القيادة آنذاك. وطلبت نزول المدنيين أولا بوجود قوات الردع العربية، وبعد يومين سلمت أسلحة المقاتلين ونقلوا عبر شاحنات بحراسة قوات الردع العربية .

 

الهدف من كل ذلك مناورة مني لضمان خروج المدنيين ولو بالحد الأدنى وتحميل قوات الردع وجامعة الدول العربية مسؤولية ما يحصل. وضمان خروج المقاتلين عبر الجبل والمناطق المحيطة، حيث كانت الاستعدادات للخروج جارية من قبل المقاتلين وتم تقسيمهم لمجموعات قتالية وحددت وجهتهم، لكن دون معرفتهم لساعة الصفر خوفاً من الاختراق. وما أن تم تدفق المدنيين نحو الدكوانة كان العسكريون وفي منتصف الليل يسيرون نحو المناطق التي حددت لهم عبر الجبل وفي وضع قتالي واستعداد للقتال.

 

بقيت مع عدة مجموعات انتقيتها للقتال في الزعتر أثناء الخروج لأنني كنت متيقنا أن المليشيات لن تلتزم بالاتفاق إلا في بدايته من أجل أن تقول إن الطرف الفلسطيني هو الذي أخل بالاتفاق. طبعاً كل ذلك حصل من خلال موافقة القيادة وإصراري على استلام برقية مؤرخة من القائد العام وبالأمر العسكري. لأن البرقية الأولى كانت قبل أسبوع من الاتفاق تقول إن علينا كقيادة الزعتر أن نقرر عملية خروج المقاتلين وترك المدنيين للخروج نحو المنطقة الغربية من بيروت بموجات جماهيرية .

 

رفضت إلا بنص واضح وأمر بالخروج، وقلت لن نستسلم ولكننا سنقاتل، وأنا أضمن القتال لأسبوعين إضافيين، وسنتوكل على الله، وسندخل التاريخ بأننا مقاتلون ولسنا مستسلمين. وحينها أرسل لي أبو عمار "إيه هو أنت بترفض أوامر قيادتك؟". قلت "أنا القائد الميداني، والقائد في الميدان هو من يقرر مصير المعركة, ونريد أمرا واضحا بالخروج".

 

وبعد ذلك جاءت برقية من أبي عمار تقول "نحن نتفاوض مع السعوديين، وعلينا أن نستفيد من العمل السياسي, وسيمارسون ضغوطهم، انتظروا". وقال لي "أنت بتعرف إيه بتعمل؟ عليك فتح معركة تتزامن مع اللقاءات مع السعوديين، فاهم؟". وبعد ذلك قمنا بعدة هجمات أفقدت الانعزاليين صوابهم، حتى إننا تخطينا دير ماروكز ومعظم المناطق المحيطة لتل الزعتر والمعنويات كانت مرتفعة جدا.

 

خطتي كانت تقتضي الهجوم بدلاً عن الدفاع وبمجموعات صغيرة ثلاثة أشخاص وبشراسة وعلى عدة محاور، وكل مجموعة تتنقل من مكان لآخر. وكدنا أنا ومحمد شحادة ننسف المقر الرئيسي لهيئة التنسيق العسكرية السورية الانعزالية ضد تل الزعتر، وكانت قريبة من دير ماروكوز. أنا لا أعرف جيداً المناطق أو أسماءها لأنني لست من المنطقة, وكل ما أعرفه أن البيت الذي تواجد به الضباط السوريون والانعزاليون كان قريبا من منزل الرحابنة وفيروز.

 

وهناك تمكنا من أسر بعض أفراد الانعزاليين ولكننا أوقعنا أنفسنا في ورطة لأننا لم نعرف ماذا نفعل بهم. رأيت أن أطلقهم لعل في ذلك بعض الفائدة. فيما بعد, أطلقناهم بعد إطلاق النار على أرجلهم وأصيبوا بجراح بسيطة وهم مشدوهون للموقف. قلت لهم: اتفضلوا مع السلامة نحن مجبرون على إطلاق الرصاص عليكم كي تظهروا أبطالا أمام مشغليكم ونحن لسنا قتلة ولا مخربين. ولا نريد أن نزيد أعداد القتلى فأنتم تنفذون الأوامر ونحن كذلك وقد نكون ضحية. ولم يصدقوا وأخذوا ينظرون للخلف وهم مرعوبون. 

 

قاتلنا في الزعتر لمدة يومين بعد ما سمي السقوط، حيث كنا قد حفرنا أنفاقا مكشوفة على طول جبهة محور دير ماروكوز. وكذلك هناك نفق كان يوصل بين المحور ومنتصف المخيم منطقة التموين. وكان سريا للغاية أشخاص قليلون جدا كانوا يعرفونه وكان معدا للطوارئ.

 

من أسباب الصمود الأخير لتل الزعتر الاعتماد على الهجمات بديلاً عن التصدي فقط للهجمات. حيث نسفت بناية في قلب منطقة جسر الباشا كانت تضم تجمع مبيت رجال القوات الانعزالية آنذاك، مما أربكهم وحط من معنوياتهم واستهجانهم، حتى إنهم كما علمنا من خلال التخابر اللاسلكي بينهم أنهم اعتقدوا أن البناية قد تفجرت من الداخل لخطأ ما حصل فيها.

 

 كذلك كنا نهاجم المواقع العسكرية المحيطة يوميا، وانتقلنا من عملية الدفاع للهجوم، وكان ظاهرا عليهم الارتباك والهلع. كذلك نسفنا بناية قرب مقبرة تل الزعتر أو ما يسمى المقبرة، وكانت تقع بالقرب منها محطة بنزين مدمرة ومهجورة. مما زاد في هلعهم، فدبت الفوضى بين صفوفهم، وأعتقد أن الهجمات التي كنا نشنها هي التي عجلت لاقتحام تل الزعتر، نظرا لانحطاط المعنويات للقوات الانعزالية، حتى إنهم باتوا يطلقون الرصاص على كل الاتجاهات وبشكل دوري وطيلة الليل.

 

بيوت مدمرة في تل الزعتر جراء الحرب الأهلية عام 1975 (الجزيرة)

الخروج من المخيم

كانت مجموعتنا تضم أكثر من أربعين مقاتلا ومقاتلة خرجت بعد قتال يومين بتاريخ 14/8/1976. بعد قتال عنيف وضار جرى في أزقة وشوارع وأنقاض تل الزعتر. وبعد 14 يوما من القتال في الجبل رأس المتن (المنصورية) (والأحراش - ومنطقة كسروان) تم لقائي الأول مع رفاقنا في منطقة المونتفردي. وكنا ثلاثة أفراد فقط قدر لنا الحياة من مجموعة تضم أكثر من أربعين مقاتلا فلسطينيا، قاتلوا حتى الشهادة في أروع ملحمة سطرت معركة الصمود الثانية، تخللها خوض حرب عصابات, واقتحامات لبعض المواقع الانعزالية, حتى إننا سيطرنا لبعض الساعات على بعض القرى وعلى فترات مختلفة. هذه التجربة النضالية أظنها من أعظم التجارب القتالية.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك