آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة)
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة)
-1/15-

الهجرة.. هروب وفتوح واستعمار

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

عرف الإنسان الهجرة منذ وطأ هذه الأرض، وبها انتقل إلى مواطن جديدة وأقام فيها مستوطنات جديدة، وكان لكل غرضه وسببه، فمنهم من هاجر هروبا من خطر وصراع، وبحث آخر عن شروط حياة أفضل في الوطن الجديد، وغيرهم حمل رسالة ودينا جديدا لقوم آخرين.

 

فقبل مئات السنين، حين تهدّم سد مأرب، ساح اليمنيون في الأرض، وحملتهم سفنهم إلى أقصى الشرق، فحطوا رحالهم على سواحل إندونيسيا، ومنها انتشروا ونشروا دينهم في جزرها وجزر الفلبين وجنوب تايلند وبروناي وماليزيا. ويعدون اليوم بأكثر من عشرة ملايين باتوا جزءا أصيلا من تلك المجتمعات.

 

هجرات أخرى انطلقت من أوروبا شرقا وغربا، اكتشفت فيها يابسة جديدة هي اليوم أميركا وأستراليا، لكنهم لم يتعايشوا مع سكانها، أو لم يتفاعلوا معهم، بل أبادوا غالبيتهم، ومن بقي منهم يعيش اليوم في محميات، أقرب لمحميات الحيوانات والنباتات، يتفرج عليهم السياح.

 

عام 1963 سجل الأديب الفلسطيني غسان كنفاني قصة هجرة عابرة في ذاكرة التاريخ، لم يلتفت إليها أحد حينها، لكنها تتكرر في أيامنا هذه حتى لم تعد تثير انتباهنا. حكى لنا كنفاني عن بضعة رجال فلسطينيين حاولوا دخول الكويت -حين بدأت طفرتها النفطية- تهريبا داخل صهريج، فوصلوها جثثا هامدة.

 

بالأمس القريب، واليوم، وغدا تتصدر نشراتنا هجرات مماثلة، ونهايات شبيهة، لمئات الهاربين من جحيم الحروب والقهر والفقر، من سوريا والعراق وفلسطين وأفغانستان ومصر.. إلخ. تتساوى لديهم الحياة والموت غرقا في البحر، أو اختناقا في شاحنة أو صهريج، بحثا عن حياة كريمة في القارة العجوز. فمنهم من يصل، وكثيرون تنتهي رحلتهم قبل أن تكتمل.

 

في هذا العدد من مجلة الجزيرة نستذكر واحدة من تلك الهجرات، التي حملت العرب إلى سواحل شرق أفريقيا، رست السفن ببعضهم على الساحل الكيني، في لامو وممباسا، نشروا فيها الإسلام، وأثروا في ثقافة ولغة القوم، وطبعوا الحياة بطابعهم.

 

ملف "لامو وأخواتها.. الساحل الكيني" يلقي الضوء على بعض ما ترك العرب من بصمات على حياة السواحيليين وعمارتهم وجوانب مختلفة من حياتهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

ملف العدد

ملف العدد
عارف الصاوي -  لامو / كينيا

شكل الساحل الكيني مبكرا البوابة للاستعمار البرتغالي لشرق قارة أفريقيا، وبنى المستعمر مدنا وقلاعا لا يزال بعضها شاخصا على شاطئ مدن لامو وممباسا وغيرها، كما كانت مدينة لامو وأخواتها معبرا للإسلام إلى تلك المنطقة، وتركوا هم أيضا آثارا وثقافة لا تزال حية.

 

ملف "لامو وأخواتها.. الساحل الكيني" الذي أعده مراسل مجلة الجزيرة عارف الصاوي، يحاول إلقاء الضوء على بعض زوايا تارخ المنطقة ومعالم حياة السكان المعروفين بـ"السواحيليين" نسبة إلى اللغة السواحيلية التي يتحدثونها.

 

فيلقي تقريره الضوء على صناعة السفن التي حملت العرب يوما إلى جزيرة لامو، وفيها نشروا الإسلام وتفاعلوا مع ثقافتها فأثروا فيها. وإلى أين وصلت صناعة السفن هذه في ظل تطور صناعتها.

 

ويعرف تقرير آخر بمدينة التقوى التي تحفظ بصمات المسلمين التاريخية في المنطقة. وبالمقابل يصحبنا تقرير إلى قلعة لامو التاريخية التي بقيت من آثار البرتغاليين حين استعمروا الساحل الكيني.

 

ولأن المنطقة غنية بالتاريخ والآثار، اشتغل بعض السواحيليين بجمع التحف من محيطهم وجابوا الدنيا بحثا عن القطع النفيسة لبيعها للسياح الذين يرتادون ساحلهم.

 

البيت السواحيلي له خصوصية المكان والثقافة، فكيف بنى السواحيليون بيوتهم، وبم تمتاز هذه البيوت؟ من خصوصيات المكان وثقافته لعبة الباو التي تستهلك وقتا من سكان الساحل للتسلية، وهو ما نتعرف عليه في تقرير آخر.

 

الحمار في لامو ليس فيه ما يميزه عن غيره في مناطق أخرى، إلا المعاملة الخاصة التي يحظى بها بين سكان الجزيرة، لاعتمادهم عليه في كل مناحي حياتهم، ولذلك يكافئوه بعناية خاصة.

 

وعن مستقبل الساحل الكيني، يتحدث تقرير عن ميناء لامو الإقليمي، الذي يتوقع أن يغير وجه المنطقة اقتصاديا وثقافيا حين يتم تشغيله كأكبر ميناء في المنطقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

داوو.. التي حملت العرب لجزيرة لامو

داوو.. التي حملت العرب لجزيرة لامو

 

للوصول إلى جزيرة لامو شرق كينيا طريقان لا ثالث لهما، إما أن تهبط في مطار بجزيرة ماندا، ثم تستقل المراكب إلى لامو، أو أن  تصل إلى إمباكتوني (مدينة تقع في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة لامو) من الجهة الشمالية الشرقية وتعبر إليها أيضا بالمراكب.

 

وتبدو المراكب هي الوسيلة الوحيدة التي تربط جزيرة لامو بأي نقطة أخرى خارجها. يقول حسين سعود  مؤلف كتاب "السواحليون وثقافتهم"، لمجلة الجزيرة، "وجدت فرصة لمقابلة واحد من أقدم السواحليين في ممبسا، وقال لي هناك دراسات تشير إلى أن الأجانب كانوا يأتون إلى الساحل الكيني -حيث تقع جزيرة لامو - حتى قبل ميلاد المسيح".

 

وتتناول دراسات كثيرة ومتباينة تاريخ وصول الناس من الهند وبلاد العرب إلى الساحل الكيني، لكن الثابت والمؤكد أن الجميع حملتهم المراكب حينما حطوا على الساحل الغربي للمحيط الهندي.

 

صورة تاريخية من المتحف حيث كان سكان لامو يحتفلون بإنزال المركب الجديد إلي البحر (الجزيرة)

لأهالي لامو تاريخ طويل ومعرفة واسعة بالمراكب التي رست على شواطئ الجزيرة، وفي متحف لامو تعرض نماذج للمراكب أو كما يطلقون عليها "داوو". وقال محمد علاوي المتخصص في تاريخ لامو لمجلة الجزيرة "نحن في لامو تعرفنا على أنواع مختلفة من المراكب، ومنها ما صنع هنا"، وهي تتمايز بالأشكال وطريقة النحت على مقدمة المركب التي عادة ما تميز بها العرب.

 

تميزت المراكب في لامو بما يعرف بـ"العين"، وهي علامة أو شعار على شكل نجمة وهلال، تكون عادة في مقدمة المركب. يقول صبري عبد الرحمن -الذي وضع مجسما لمركب أمام مكتبه، تزين مقدمته تلك العلامة- إنها "ذات صلة بالثقافة الإسلامية، وتُعرف بعين المركب".

 

كل الروايات المتداولة عن تاريخ المراكب مرتبطة بتاريخ وصول الناس إلى جزيرة لامو. قبل أن يأتي البرتغاليون ويحتلوا ساحل أفريقيا الشرقي في القرن الخامس عشر، كان العرب يأتون بغرض التجارة، وكانوا يمكثون ثلاثة أشهر يتبضعون فيها، ويصلحون مراكبهم ثم يبحرون.

 

صنّاع المراكب الشراعيةالداو ما زالوا يفتخرون بمهنتهم (الجزيرة)

يقول محمد علاوي لمجلة الجزيرة "المراكب التي كانت تأتي إلى لامو هي مراكب تجارية كبيرة تحمل ستين طنا، وهي مراكب شراعية لم تعد مستخدمة للتجارة البعيدة". ويقول حسين سعود "كانت المراكب تحمل البهارات والملابس القطنية والحريرية والعطور، وتحمل في رحلة عودتها عاج الفيل والملح".

 

ولم تعد المراكب الشراعية التي عرفت قديما في ثقافة السواحليين قادرة على الصمود في وجه تحديات كثيرة، أهمها تطور صناعة السفن الحديثة. يقول جمال زيداني لمجلة الجزيرة "كانت أسرتي تمتلك سبعة مراكب شراعية كبيرة لأغراض التجارة، لكنها لم تعد مجدية الآن ولا حتى للصيد".

 

لكن ما زالت بعض الورش تصنع المراكب التقليدية في جزيرة لامو، ويقول محمد صالح الذي يعمل في صناعة المراكب الشراعية القديمة "أعمل في هذه المهنة منذ عشرين عاما، لكن لم يعد الناس يرغبون في مثل هذه المراكب الآن، قليلون الذين يطلبونها، وغالبا ما تكون للاستخدام الخاص للأسر الغنية التي ترغب في شيء مختلف".

 

حسين سعود يعتقد أن "المراكب لن تختفي من مدينة لامو، وإن تراجع الاهتمام بها، وهي لم تكن لحمل البضائع والناس فقط، بل حملت ثقافات وحضارات ومزجتها في جزيرة لامو".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

"قلعة المسيح".. بوابة الساحل الشرقي لأفريقيا

"قلعة المسيح".. بوابة الساحل الشرقي لأفريقيا

 

على بعد خطوات من مدينة ممبسا القديمة في الساحل الشرقي لكينيا، تنتصب "قلعة المسيح" التي بناها البرتغاليون بعد سيطرتهم على الساحل في 1591-1593. واستخدم البرتغاليون القلعة للسيطرة على الساحل الغربي للمحيط الهندي بأكمله، وحماية الميناء التجاري الأهم في الساحل، وتزداد أهميتها اليوم بعد أن صنفتها اليونسكو عام 2011 واحدة من أهم معالم القرن السادس عشر المعمارية.

 

ومرت على القلعة حضارات وثقافات عدة منذ أن صممها المعماري جيوفاني باتيستا، الذي كان رئيس بعثة المعماريين في الجيش البرتغالي غرب المحيط. واعتبرها المعماريون أول تصميم معماري أوروبي ينفذ خارج أوروبا في القرن السادس عشر.



في 1960، أعيد بناء القلعة كمتحف قومي لكينيا وفتحت أبوابها للجمهور والسياح، حيث تعتبر اليوم من أهم المعالم التاريخية في المدينة، وقبلة للسياح باعتبارها نموذجا لحضارات مرت على الساحل الغربي للمحيط الهندي.

 

البوابات الخشبية القديمة علي الطريقة العربية العمانية أحدثت إضافة علي المبنى البرتقالي الأول (الجزيرة)

 

تفتح القلعة أبوابها الكبيرة للزائرين، ويقوم مرشدون تابعون للمتحف القومي الكيني بإرشاد السياح وتعريفهم بكل غرفة داخل المبنى.

 

عند البوابة الرئيسية استقبلتنا الموظفة المختصة، وقالت "لدينا مواسم متعددة وكل القادمين إلى ممبسا يأتون إلى القلعة لأنها المكان الذي يمكن أن يشرح لهم تاريخ المدينة بطريقة مبسطة". وفي المتحف شواهد كثيرة تشير إلى كل العابرين على القلعة. يقول الدليل السياحي زهران يوسف لمجلة الجزيرة "يقولون قديما إذا أردت أن تسيطر على الساحل الغربي فعليك بالقلعة".


صمم المعماري الإيطالي جيوفاني باتيستا القلعة على شكل رجل مستلقٍ على ظهره ينظر مباشرة باتجاه البحر، إذا نظرت إلى القلعة من أعلى. وقال يوسف زهران -الذي يعمل دليلا سياحيا- للجزيرة، "وجدت الدراسات والحفريات الأولى التصميم الأصلي الذي بناه البرتغاليون".


عدد قليل من السياح يتجولون داخل القلعة، وهو الموسم الأكثر بؤساً للعاملين في قطاع السياحة هذه الأيام. وقال سائح كان على وشك الدخول إلى القلعة للجزيرة "هذه هي المرة الأولى التي آتي فيها إلى هنا، وأنا متحفز لأرى واحدة من أهم مظاهر الوجود الأوروبي في أفريقيا من القرن السادس عشر".

قلعة ممبسا كانت نقطة استراتيجية للسيطرة على الساحل الأفريقي الشرقي (الجزيرة)


ما زال المبنى كما هو، فقد بنى البرتغاليون الجدران العالية بارتفاع 15 مترا، وعندما استلم العرب العُمانيون القلعة عام 1698 قاموا برفع الجدران ثلاثة أمتار إضافية، وجرت في ما بعد تحسينات وتجديدات على القلعة، لكن في كل عمليات التجديد كانت هناك معايير للاحتفاظ بالمحطات الحضارية التي دخلت في بناء القلعة والاستخدامات المختلفة لها.


حينما استنجد السكان المحليون في الجزيرة بالعرب في عُمان، وصلت الدعوة إلى الشيخ عيسي بن الابن علي وهو شيخ لقبيلة في عُمان . أستأذن الشيخ من سلطان بن سعود -سلطان مسقط وعُمان- وسمح له الأخير بالتحرك نحو الساحل الغربي للمحيط، وفي 1698 استطاع الشيخ عيسى هزيمة البرتغاليين والسيطرة على القلعة التي صار واليا عليها للسلطان في عُمان.

 

اليوم وكشواهد تاريخية على الوجود العربي داخل القلعة، نجد المسجد وبئرا للوضوء بجواره، وهناك البيت الكبير وهو بيت السلطان، حيث وجدت فيه منسوجات وآيات من القران الكريم، تعرض في المتحف عن تلك الحقبة.

 

داخل القلعة التي فتحت للجمهور في ١٩٦٠ متاجر لبيع المنحوتات الفنية الأفريقية والسواحلية والعربية (الجزيرة)

وقال حسين علاوي -أحد سكان ممبسا القدماء- للجزيرة "هناك خلط في اسم القلعة، إذ لم توجد أي دراسة تشير إلى أن للقلعة اسما قبل مجيء العرب". واطلعت مجلة الجزيرة على عشرات الوثائق من بعض السواحليين الذين يعيشون في ممبسا منذ أجيال، تشير إلى رواية مختلفة.

 

ويقول يوسف داوي المهتم بالتاريخ في ممبسا لمجلة الجزيرة، "بنى الشيخ عيسى الابن علي بيتاً داخل القلعة وكان الناس يطلقون عليه بيت الوالي أو البيت الكبير، وحينما سيطر الإنجليز على القلعة في القرن الثامن عشر أطلقوا عليها قلعة المسيح، باعتبار أن المقصود بعيسى هو المسيح".


المدهش في هذه القلعة أن الذين تعاقبوا عليها لم يستطيعوا أن يمحوا آثار التنوع وشواهده التي تقف عليها القلعة الآن كواحدة من أهم المتاحف عن تاريخ الساحل الغربي للمحيط الهندي. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

مدينة التقوى.. آثار تحكي قصص المسلمين

مدينة التقوى.. آثار تحكي قصص المسلمين

 

العبور إلى مدينة التقوى التاريخية يمر بغابات القرم "المانغروف" الكثيفة، وبعد نصف ساعة في البحر يظهر لنا الجسر الذي يقودنا إلى أثر مدينة لم يعد يقطنها البشر، ولا يأتيها إلا الزائرون والعابرون الذين يقفون على أطلال مدينة بُنيت في القرن السادس عشر.

 

مدينة صغيرة كل أثر فيها يكتب قصة عن المسلمين الذين عاشوا هنا مئة عام، قبل أن ينتقلوا إلى جزيرة أخرى، لتصبح مدينة التقوى في الثمانينيات محمية تاريخية تتبع المتحف القومي الكيني بقرار جمهوري.


أشارت الشواهد والحفريات إلى أن تاريخ المدينة يعود إلى القرن السادس عشر، وأن الذين سكنوا المدينة الصغيرة كانوا من المسلمين العرب. يقول أحمد عبد الحميد (٣١ عاما) "أجدادي كانوا يسكنون هذه المدينة. وهناك روايات متواترة عبر الأجيال عن السكان الذين سكنوا المدينة".

 

ويُعتقد على نطاق واسع أن سكان المدينة القديمة رحلوا إلى جزيرة مقابلة تسمى "شيلا"، وصاروا يعودون للصلاة من أجل الأمطار في كل عام، وبرحيلهم تركوا البيوت والمعالم التاريخية كما هي، والشوارع التي تقود من ناحية الغرب إلى بوابتين رئيسيتين للمدينة، وكلتا البوابتين تطل على المحيط الهندي. الحائط الذي يمثل السور الرئيسي للمدينة من جهتي الغرب والشرق يدل أيضا على المنعة والحماية والإستراتيجيات الأمنية التي ابتدعها سكان المدينة الأوائل.

 

تحولت المدينة في الثمانينات إلي منطقة سياحية تتبع للمتحف القومي الكيني (الجزيرة)


وواضح أن المدينة استمدت حتى اسمها من الإسلام كدين للسكان الأوائل، ويُعتبر المسجد الذي يتوسط المدينة هو المعلم الأبرز ويقع في مركزها، ويعتبر مقرا للفعاليات الرئيسية في المدينة، ووجدت الحفريات الأولى في المدينة وما يشير إلى أن ساحة المسجد بها مكان للوضوء، وهو البئر الرئيسي في المدينة. كما أن هناك ساحة قريبة من الجامع تلتقي عندها شوارع المدينة المحددة بعناية.

 

كل منازل المدينة تفتح أبوابها شمالا، وقال الباحث في تاريخ لامو محمد علاوي لمجلة الجزيرة "أظهرت نتائج فرق المسح الأولى أن سكان مدينة التقوى بنوا منازلهم من الحجارة، وكلها تفتح في جهة القبلة". ويشير علاوي إلى أن معنى ذلك هو أن السكان الذين عاشوا كانوا مسلمين عربا.

 
وتتفق الروايات على أن سكان المدينة بعد أن استقروا فيها لعشرات السنين، بدؤوا في رحلة إلى جزيرة شيلا في الجهة المقابلة لجزيرة ماندا، ورويدا رويدا انتقل كل سكان التقوى إلى شيلا مستفيدين من وضعيتها الأفضل ومزاياها الجغرافية .



بقي في مدينة التقوى أثر بالغ الأهمية، وتتوافق الدراسات والروايات على أن معظم سكان شيلا في جزيرة لامو كانوا يسكنون بالمدينة. وقال عمر حسن لمجلة الجزيرة "أجدادي كانوا هنا".  ويعمل عمر ضمن فريق المتحف القومي الكيني الذي آلت إليه مسؤولية محمية مدينة التقوى بقرار في ١٩٨٨. ويقول عمر "الآن كل المدينة تتبع للحكومة، ويتعامل معها بقانون المتاحف التاريخية والسياحية" .

الجدار الرئيسي بطول ثلاثة أمتار (الجزيرة)



لا يسكن في المدينة الآن سوى خفير يتبع للحكومة، يعيش مع أسرته، ومهمته تقتضي العمل طوال اليوم للترحيب بالسياح، يقول عبد الرحمن سعيد لمجلة الجزيرة "نحن لدينا تذاكر لدعم المدينة والحفاظ على الآثار وتطويرها بالخدمات حتى يقضي السياح ساعات أطول في معالم التاريخ".

 

اصطحبنا سعيد في جولة حول بعض معالم المدينة الأبرز، حيث الجدار الكبير من جهة الغرب يقودك مباشرة إلى واحدة من بوابات المدينة الأربع. إنها سور بارتفاع ثلاثة أمتار. بمحاذاة هذا الحائط تقابلنا البوابة الثانية، وبعد ما لا يزيد عن مئة متر تكون على واجهة البحر العميق كما يسمونه.

 

في أقصى شرق المدينة تقع ساحة المولد وبها منارة بطول ستة أمتار. يقول الدليل السياحي في المدينة عمر محمد لمجلة الجزيرة "هذه المنارة تُستخدم لتنبيه السفن في البحر للمدينة، وفي البحر يمكن أن تراها من مسافات بعيدة". وحول هذه المنارة، التي كتب عليها اسم الله  والرسول محمد صلى الله وعليه وسلم وأصحابه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم)، كتب في ركن منها التاريخ العربي ١٠٩٤.

 

وقال عبد الرحمن إن السكان كانوا يقيمون احتفالات المولد هنا، وكانوا يقيمون صلاة الاستسقاء حول المنارة، يقول عمر "إلى وقت قريب كان سكان لامو يأتون هنا للدعاء من أجل نزول المطر، وهي كما ترى متجهة نحو الشمال وهناك سهم يشير إلى الكعبة" .

جانب من بقايا مسجد مدينة التقوى (الجزيرة)


لا أحد يعرف الأسباب التي دفعت سكان مدينة التقوى لهجر مدينتهم التي بنوها من الحجر وخططوها تخطيطا هندسيا دقيقا ما زال شاهدا على تلك العبقرية، لكن من المؤكد أن هناك حوافز أكثر في شيلا الأكثر انفتاحاً.

 

يقول علاوي لمجلة الجزيرة "غابات القرم (المانغروف) تكاد تخنق المدينة، والغابات التي تحيط بالمدينة من كل جهة ما عدا البحر هي أكثر الغابات التي تُستخرج منها أخشاب المانغروف، وهي أخشاب تستخدم لسقف البيوت والبناء وصناعة المراكب، وتكاد تكون أساسية في اقتصاد السواحليين. وتنتج جزيرة لامو ٦٧% من إنتاج كينيا من هذه الأخشاب بمساحة تزيد عن عشرة آلاف هكتار" .

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

رحلة البحث عن التحف

رحلة البحث عن التحف

 

في  آخر شارع يخرج من ممبسا القديمة ويصل القلعة التاريخية يقع معرض يوسف للتحف، الذي يحتوي على مقتنيات  شخصية جمعها يوسف شيخ إيماني خلال عشرين عاما. دلفت إلى داخل المعرض مندهشا من معروضات غالية الثمن، وقد كُتبت سطور صغيرة عن تاريخ ومكان شرائها.

 

خلال جولة استغرقت عشر دقائق رتبت لنا مديرة المعرض خلالها مواعيد مع واحد من أكبر جامعي التحف في ممبسا، سافر إلى معظم بلاد العالم، وجمع من كل بلد قطعة فنية، أو عملة نادرة، أو قطعة فضية من القرون الوسطى.

 

في صباح الغد كانت مجلة الجزيرة على موعد مع يوسف، كان بمكتبه في الأعلى، يمسك بمصحف ويقرأ منه مرددا ما يسمعه من جهاز تسجيل. أكمل قراءته ثم طلب من السيدة أن تغلق جهاز التسجيل ليرحب بنا .

 

معرض يوسف يقع في مبنى تاريخي وبه قطع فنية نادرة (الجزيرة)

يوسف بذاته قصة تحكي، ملمح من ملامح التاريخ في الساحل الغربي للمحيط الهندي، جده الأول ولد في ممبسا من أسرة منحدرة من اليمن. سافر يوسف وهو صبي إلى معظم أرجاء الأرض، وصرف عشرات الآلاف من الدولارات في شراء التحف والعملات النادرة والأقمشة والصناديق الفنية والمنحوتات النادرة وكل ما له قيمة وقصة تُحكي. 

 

اشترى يوسف كل ما وقعت عليه عيناه وخفق له قلبه، وقال لمجلة الجزيرة "لم تكن لدي فكرة بالضبط عما أجمعه، كنت أُتابع عيني وقلبي". حصيلة تجربة يوسف كانت مستمدة من حكمة العرب القديمة في فوائد السفر "كنت أعرف أن العرب تعلقوا بالسفر، وأن لهم فيه فوائد، وتعلم أن مكتشفي جغرافيا الساحل الشرقي لأفريقيا كانوا رحالة عربا" .

 

عاد يوسف  من رحلة ما زالت مستمرة ابتدأها في منتصف الثمانينيات شملت الهند وأوروبا والولايات المتحدة وبلاد الشرق الأوسط وغرب أفريقيا وجنوبها، ووصل إلى المغرب ومنها إلى أوروبا. ذهب إلى سوريا، وحينما عاد إلى ممبسا قبل عامين كان قد جمع ما ضاق به بيته من التحف.

 

سألناه عن فكرة بيع مقتنيات السنين، فقال "ضاق البيت وشعرت أن أبنائي ليس لديهم اهتمام بها، فرأيت أن أبيعها لمن يقدرها ويحافظ عليها"  .

 

افتتح يوسف هذا المعرض قبل ثماني سنوات، وقد زاره سفراء وشعراء وموظفون دوليون وفنانون وسياح. وقد ترك جميعهم صورا وتوقيعات وذكريات، يحتفظ بها يوسف ويُظهر احتفاءه بها.

 

صور من المصحف الشريف تعود إلي حقب مختلفة بخط اليد (الجزيرة)

وأضاف "لدي ذكريات مع كل قطعة في هذا المكان، كل قطعة هنا لديها قصة وأتذكر المكان والتاريخ والشارع والبائع الذي باعها لي". حينما قرر يوسف التخلص من حصيلة رحلة سنوات عمره، كان قلقاً على مصير ما جمعه.

 

ليوسف طريقة معينة ومرتبة ودقيقة لحفظ كل قطعة مهما صغر حجمها في مكان مناسب. فتح درج مكتبه وأخرج ميداليات وعملات نادرة، وقال إنه بحث في أصل العملات التي عنده من كتاب معتمد عن العملات المعدنية المستخدمة منذ القرن الرابع عشر .

 

ما زال معرض يوسف ممتلئ بالقطع النادرة التي قد يصل سعر القطعة الواحدة منها إلى خمسة آلاف دولار. وقال يوسف لمجلة الجزيرة "قبل عامين ذهبت إلى السودان بدعوة من أصدقائي هناك، وأنوي الذهاب إلى الحج، هذه كل خططي الآن". لكن يوسف ما زال يقاوم فكرة التوقف عن السفر وشراء وجمع المزيد من القطع النادرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

كيف يبني السواحيليون بيوتهم؟

كيف يبني السواحيليون بيوتهم؟

 

ونحن في طريقنا إلى "المنزل السواحيلي النموذجي" الذي بناه المتحف القومي في ثمانينيات القرن الماضي، قال لي حاج محمد من المتحف القومي الكيني في لامو "السواحيليون بنوا بيوتهم وفق عنصر أساسي وهو التعاليم الإسلامية". المساحات الواسعة، والسقوف العالية، تناسقت مع الغرف المفتوحة على شكل شرفات كبيرة.


ويقول حاج محمد لمجلة الجزيرة في عتبة باب المنزل السواحيلي: سندخل إلى باحات المنزل وهي عادة خمس. قبل الدخول إلى المنزل السواحيلي هناك ما تسمى "الدكة"، وهي مساحة خارج المنزل بُنيت عليها مقاعد من الحجارة .


السواحيليون دائما لديهم اهتمام بالاتجاهات، فالمنزل دائما مفتوح على الشمال والجنوب. وبوابة المنزل دائما خشبية عليها نقوش مرتبطة بالثقافة الإسلامية، ولها معان أخرى حسب تاريخ العائلة. يقول حاج محمد "لدينا عدة نماذج لبوابات المنازل، مثل البوابة العمانية، والبوابة البرتغالية، والبوابة اليمنية وبوابة لامو المستخلصة من بعض النماذج الأخرى".

بنى السواحليون بيوتا عالية ذات سقوف خشبية مميزة مقابلة للبحر (الجزيرة)



البوابات هي الواجهات الأولى للمنزل السواحيلي، وقد اعتنى السواحيليون بأشكال بوابات منازلهم وواجهاتها لتكون مميزة. غالب أبواب مدينة لامو من الخشب إن لم تكن كلها، وفي كل الأبواب هناك نقوش ونحت للزينة أو للتعبير عن ثقافة وتاريخ أهل المنزل، وأحياناً عن مهنهم إن كانوا صيادين أو تجارا، فبعض البوابات تتزين بنقوش إسلامية، وبعضها تنحت عليها آيات قرآنية، وتعتبر مداخل بيوت السواحيليين بمثابة الهوية لأهل البيت.

 
يقول مؤلف كتاب "السواحيليون وثقافتهم" حسين سعود لمجلة الجزيرة "العرب الذين جاؤوا للمرة الثانية بغرض الاستقرار، كانت لديهم خبرة طويلة في المنازل الشرعية".


منازل مدينة لامو القديمة تعطي المارين في شوارعها انطباعا بأن المنازل المتراصة فوق بعضها بعضا ستكون مختنقة في الداخل، إذ كيف لضوء الشمس أن يتسلل إلى تلك النوافذ الصغيرة العالية وهي تقابل بعضها بعضا في مساحات تكاد تكون معدومة، لكن المنزل السواحيلي بالسقوف العالية هو في حقيقة الأمر مبني على مساحات واسعة.

 

يقول علي لامو الفنان وصاحب منزل سواحيلي يسميه "القاليري" لمجلة الجزيرة "المساحات الواسعة هي أساس المنزل السواحيلي، وكما ترى فإن المنزل عندما تدخله من الباب يقودك إلى ساحة كبيرة في منتصف البيت، حيث الحديقة، وهنا تأتي الإضاءة من الأعلى، وكلما توغلت داخل المنزل تزداد الخصوصية".

 

ويشرح حاج محمد شيئا مرتبطا بثقافة السواحيليين "المنزل السواحيلي هو منزل مصمم للمرأة، وعادة الشباب حينما يتزوجون يخرجون من المنزل الكبير". هذه القيمة التي جعلت المنزل السواحيلي مقسما حسب الثقافة الإسلامية، ويولي خصوصية المرأة الاعتبار الأكبر. ويقول المهندس صابر عبد الله لمجلة الجزيرة "السقوف العالية والنوافذ الصغيرة موجودة لسببين أساسيين هما الإضاءة والتهوية".

زاوية أو غرفة النوم على الطريقة التقليدية في البيت السواحيلي (الجزيرة)


يقول حسين سعود لمجلة الجزيرة عن تاريخ السواحيليين، إن العرب كانوا يأتون إلى الجزيرة من أجل التجارة، وبالذات أخشاب المانجروف -التي تستخدم لسقوف المنازل- وبعد أن استقر العرب في الجزيرة عملوا على تغيير نمط المنازل القديمة بالاستفادة من الحجارة البحرية الخاصة.

 

ويضيف سعود "كان البرتغاليون في القرن الرابع عشر حينما جاؤوا للساحل الشرقي لأفريقيا بدؤوا في استخدام الحجر في بناء المنزل"، هذه الأحجار تحملها المراكب من البحر إلى شاطئ مدينة لامو، ثم تحملها الحمير إلى داخل المدينة. وعمد السواحيليون فيما بعد إلى حرق هذه الحجارة لاستخراج ما يشبه الرمل لتثبيت الحجارة أثناء البناء.

 

الأسرّة الخشبية الكبيرة والكراسي المزركشة والصناديق العتيقة، كلها أثاث يميز المنزل السواحيلي. يقول جمال حسن من منزله القديم "المنزل السواحيلي ليس به أثاث كثير، وإنما يعتمد على المساحات الواسعة والأثاث الضروري". ورغم ذلك ظل السواحيليون يحتفظون بأدوات طبخ متقدمة ونظام صرف صحي متطور وصامد حتى الآن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

"الباو".. أشهر الألعاب الذهنية عند السواحيليين

"الباو".. أشهر الألعاب الذهنية عند السواحيليين

 

درج سكان مدينة لامو القديمة من السواحيليين على قضاء وقت ما بعد الظهيرة في ألعاب ذهنية عديدة، إلا أن أهمها وأشهرها لعبة تعرف بـ"الباو"، فما بين صلاتي العصر والمغرب يتجمهر عدد من سكان الجزيرة في الساحة الرئيسية وسط المدينة لممارسة أعمال كثيرة، إلا أن التجمع اللافت من بينها هو مباريات "الباو".

 

حاج محمد الموظف في متحف لامو كان يشير إلى اللاعبين الذين تجاوزت أعمارهم الثمانين وما زالوا متقدي الذهن ويؤدون اللعبة بسرعة، ويقول لمجلة الجزيرة "إنها لعبة معقدة وتحتاج إلى مهارات إستراتيجية وما زال هؤلاء الثمانينيون يلعبونها بحرفية عالية".



"الباو" كلمة سواحيلية قديمة وتعني "اللوح الخشبي"، وهي لعبة معروفة في معظم دول شرق أفريقيا، إلا أنها ارتبطت بالسواحيليين، وهناك عدة أنواع منها، وأشهرها ما يسمونها "باو السواحيليين"، وهي  أكثر تعقيدا، ولها في زنجبار منظمات تمثل اللاعبين، وتعقد لها مباريات كبيرة وجوائز.

كبار السن يقضون وقتا طويلا في لعبة الباو (الجزيرة)

 

أبدع السواحيليون في تصميم أنواع "الباو"، ويختارون لها حجارة أنيقة وذات ملمس مميز. وتنحت على اللوح الخشبي ٣٢ حفرة، يجلس اللاعبون متقابلين، بحيث يكون لكل لاعب ١٦ حفرة، واللوح الخشبي مصمم بأربع حفر في العرض وثمان بالطول. ولكل لاعب ستة أحجار في ما يسمى "البيت"، وهو الحفرة الرابعة من اليمين في الصف الأول، ثم حجران آخران لأول حفرتين على يمين "البيت" في كل صف. ويحتفظ اللاعبون في أياديهم بحوالي ٢٠ إلى ٢٢ حجرا، وبالنسبة للمبتدئين يمكن وضعهم حجرين في كل حفرة.

 

يقول محمد عبد الحميد أحد اللاعبين الأساسيين في لامو لمجلة الجزيرة "تتوقف اللعبة على حركة الحجارة وبالأخص على مكان آخر حجر تلعبه، إنها لعبة معقدة وتحتاج إلى حسابات وتفكير وتنفيذ بسرعة فائقة". وتنتهي اللعبة بحصاد الحجارة، واللاعب الذي يكمل حجارة الآخر يفوز باللعبة. ويضيف محمد "إن كل حركة تنقل فيها الحجارة يجب أن تكون محسوبة، إنها عملية حسابية معقدة ويجب أن تتميز بالحسابات البعيدة".


في ساحة مدينة لامو يقضي كثير من السواحيليين متحلقين حول طاولة خشبية ولاعبين جاهدين في نقل الحصى من حفرة إلى حفرة داخل اللوح الخشبي.

 

الساحة الرئيسية في لامو تعتبر أكثر الأماكن جذبا للعب _الباو حيث تقام منافسات بين محترفي اللعبة (الجزيرة)


يقول حاج محمد لمجلة الجزيرة "لعبة الباو قديمة عند السواحيليين، ونقيم لها مسابقات بين أفضل المتبارين خلال أيام مهرجان لامو الثقافي".

 

وأشار رئيس مهرجان لامو الثقافي السنوي أحمد بوش في حديثه لمجلة الجزيرة إلى أن المهرجان الثقافي هو موسم تتويج المبدعين والذين قدموا أفضل ما عندهم "نريد أن نعرف من هو أسرع حمار، وأفضل سائق مركب، وأفضل لاعب باو".

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

الحمار سيد الشوارع في لامو

الحمار سيد الشوارع في لامو

 

الحمار في مدينة لامو على الساحل الكيني ليس كغيره في مناطق أخرى.  هنا، له الأولوية في الطريق، وتكرمه المهرجانات، ويهتم به الناس نظراً للدور المميز الذي يقوم به  في حياة أهل الجزيرة. 25 ألف حمار تعيش في جزيرة لامو، ثلاثة آلاف منها تعيش داخل مدينة لامو القديمة. يعرف الناس أصلها ونسبها وتواريخ ميلادها، بل ويسجلونها رسمياً في الدواويين الحكومية.

 

في نهاية مارس/آذار الماضي، ولدت حمارة من ذكر بحريني وأنثى صومالية، فكتب علي عنقها الحرف "كاف". ويقول  صاحبها  إنه الحرف الأول من اسمه "قاسم".

 

أُدخلت  "كاف" إلى المركز الصحي للاعتناء بساقها المكسورة فقد تعثرت وهي ما زالت حديثة الولادة. ولفت ساقها بعصى وقماش للحفاظ على نمو الساق مستقيمة. يقول محمد عثمان المشرف على علاج "كاف"  إنها ستمكث هنا إلى أن تشفى بالكامل، وقد تمكث هنا شهرا أو شهرين. صاحب الحمارة الصغيرة يصطحب "أم كاف" يومياً لقضاء بعض الوقت في المركز الصحي.

 

اعتماد كبير على الحمير في لامو لنقل الأغراض (الجزيرة)

 

تتجسد العلاقة الإنسانية بين الحمير وأصحابها في المركز الصحي، حيث يجلب الجميع حميرهم هنا للكشف الدوري وأخذ العلاج المجاني وتقليم الأظفار.  يقول صابر حاج وهو يقوم بتقليم أظفار الحمير لصالح المركز "كل صاحب حمار لديه علامة في عنق الحمار تميزه عن بقية الحمير، والناس يحترمون هذه العلامات ويرضون بها، ويعرفونه بها إن ضاع الحمار" .

 

يقول رئيس مهرجان لامو الثقافي السنوي أحمد بوش لمجلة الجزيرة "للحمار قصة طويلة مع سكان الجزيرة، ولا أعتقد أن الحياة يمكن أن تتبدل في المستقبل".  ويري بوش أن مع طبيعة المدينة وحياة الجزيرة لا يمكن أن يستغني الناس عن الحمار. ويضيف متباهيا "لقد بلغ سعر الحمار 55 ألف شلن كيني (ستمئة دولار أميركي) فالحمار ليس رخيصا هنا". 

 

ويقول الشيخ سعود حسين المختص في تاريخ لامو لمجلة الجزيرة "الحمار خدم أهل الجزيرة عبر قرون، وستستمر الحاجة إليه طالما بقيت لامو". ولفت انتباهي أن "الناس والحمير من يستطيع أن يتحرك في أزقة مدينة لامو الضيقة".

 

يُكرم أهل لامو الحمار في مناسبات عدة، ومن ضمنها مهرجان لامو الثقافي السنوي. فيقول بوش  لمجلة الجزيرة "نُجري سباقاً سنوياً لأقوى حمار وأسرع حمار، ويُكرم صاحب الحمار الفائز، وهو ما يرفع قيمة الحمار ارتفاعا كبيرا".

 

في السابق كما في الحاضر يعتمد سكان جزيرة لامو على الحمار في قضاء الكثير من أعمالهم (الجزيرة)

لكن مع ذلك، فلأهل لامو طريقتهم الخاصة في تكريم الحمير على جزيرتهم، فهم يعرفون طبائعها ويعرفون أصلها، ولها عقودات وشهادات، ويأخذونها إلى الطبيب، وينظفون حافرها كل ثلاثة أشهر.  مقابل هذا العطاء يحمل الحمار الناس وأغراضهم وأطفالهم.

 

يقول عمر محمد، وهو أحد مواطني لامو "الحمار هو الذي بنى بيوت لامو عبر التاريخ، كانوا يحملونه بأخشاب المانغروف وبالحجارة من البحر إلى المدينة". وتمتد هذه العلاقة لمعرفة أصول الحمير التي في الجزيرة وهويتها. ويقول محمد عثمان  مساعد رئيس المركز الصحي للحمير "نحن نعرف نوعين من الحمير، البحريني والصومالي، فالبحريني لونه أحمر وأسود بينما الصومالي لونه رمادي".

 

ويضيف ذلك المسؤول وهو يشير إلى صاحب الحمار الرمادي "هذا الحمار من الصومال وهو قوي نسبيا، لكنه بطي ومزاجي، بينما هناك الحمار البحريني السريع وصاحب الألوان الجميلة". 

 

اليوم وفي الوقت الذي تتعافى الحمارة "كاف" التي عمرها شهر، تنتشر معها سلالة الحمار الهجين في لامو، والتي ستكون جيلا جديدا من الحمير الملونة، وتعتبر "كاف" من الجيل الهجين الرابع، وهو من مزيج القوة والسرعة والألوان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

ميناء لامو.. مشروع إقليمي سيغير الساحل الأفريقي

ميناء لامو.. مشروع إقليمي سيغير الساحل الأفريقي

 

يعيش الصيادون والمهنيون الصغار في مدينة لامو القديمة حالة من القلق أحيانا ومن الأمل المفتوح على البحر بالتغيير القادم على الجزيرة في ثنايا مشروع ميناء لامو الإقليمي بين  كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان، وهو أكبر مشروع تنموي في الإقليم من حيث الميزانية المرصودة له، إذ تقدر تكلفته بحوالي ٢٥ مليار دولار.


كانت الساعة السادسة صباحا، وضوء الفجر يتسلل إلى بيوت لامو القديمة. رسا مركب جمال حسين على أطراف المدينة، بعد أن قضى ساعات الصباح الأولى في البحر، والآن يلقي حبل مركبه على المرسى، ويحين وقت حصاد رحلة الليل في البحر.

 

عشرات الصيادين الذين ورثوا مهنة الصيد عن آبائهم وأجدادهم، تواجه مهنتهم اليوم تحديات جديدة، في وقت يرسم لهم المستقبل القادم تساؤلات عن جدوى مهنتهم. ويقول حسين لمجلة الجزيرة  "بالطبع نحن ندرك مستقبل مهنة الصيد بسبب الميناء الجديد الذي تبنيه الحكومة في جزيرة ماندا باي، لكن تواجه الشباب مشكلة إذا حدثت تغييرات جعلت ظروف الصيد صعبة، ماذا سيفعلون؟".

 

الحقيقة، حتى الحكومة لم تنف أن هناك تغييرات كبيرة ستطرأ على حياة أهل الجزيرة، تقول سامية صالح من وزارة الثقافة والسياحة بمقاطعة لامو "لا أحد ينكر أن الشباب في لامو سيواجهون التغيير لا محالة، ويجب أن تكون لديهم مهارات جديدة غير المهارات التقليدية".

 

الصيادون الذين توارثوا الصيد أبا عن جد في جزيرة لامو (الجزيرة)

وتضيف سامية لمجلة الجزيرة "يعيش في لامو الآن حوالي ١٢٠ ألف نسمة، ومن المتوقع بمجرد افتتاح المشروع أن يتدفق أكثر من مليونين في العامين الأول والثاني، ومع الوقت سيضطر أهل لامو للتكيف مع المتغيرات الجديدة".

 

على بُعد شارعين من مكتب سامية، قابلت مجلة الجزيرة رئيس منظمة شباب لامو وليد عثمان، الذي قال إن "لديهم مشروعات طموحة لتأهيل الشباب في لامو ليكونوا مستعدين لهذا التغيير الكبير القادم، لكن لن تتحقق دون تفهم واستجابة الحكومة القومية في نيروبي".

 

ويعتقد عدد من مثقفي لامو أن مهمة الحفاظ على هوية لامو تتطلب من الحكومة أن تساهم في مشروع حماية ثقافة وحضارة لامو عبر المتحف القومي، ويقول الباحث اليمني في تاريخ لامو حسن علاوي "الحياة ستتغير، الصيادون لن يتمكنوا من الصيد في محيط الميناء، الذي سيؤثر في جزيرة ماندا باي التي سيقام عليها المشروع وجزيرة هندي ومدينة لامو".

 

ويضيف علاوي "إذا لم يستعد شباب لامو وتأهلوا للوظائف الجديدة سيحل محلهم القادمون الجدد وحينها سيختارون الطريقة التي يعيشون بها، وقد تتغير لامو في المستقبل ونخسر كل هذا التاريخ، وكل هذا الإرث".

 

لكن رجل الأعمال ورئيس مهرجان لامو الثقافي السنوي بوش حسين قال لمجلة الجزيرة "أهل لامو يجب أن يرحبوا بالمشروع وأن لا يخافوا من التغيير". وأضاف بحماس "المشروع سيجلب وظائف جديدة وسيجلب مستثمرين وسيطور منظومة الأمن والسياحة وسيستفيد الناس".

 

الحياة في مدينة لامو القديمة قد تتغير باكتمال مشروع ميناء لامو الإقليمي (الجزيرة)

وفي الطريق إلى المتحف القومي الكيني في لامو، قال لي عمر محمد الذي يعمل دليلا سياحيا "المشروع سيجلب لنا الحكومة، والحكومة شيء نفتقده، الآن لا يوجد سياح كما ترى، وبالتالي لا توجد أعمال". وعمر متزوج ويعرف أن موسم انخفاض السياحة يضر به وبآخرين يعملون في هذا المجال، صناع المراكب والصيادون والنجارون وسائقو الماكينات كلهم يظنون أن التغيير قادم لا محالة، وأنهم غير مستعدين له.



يقول بوش أحمد لمجلة الجزيرة "لا يمكن أن نرفض التغيير بحجة الخوف على ثقافتنا، فثقافتنا قوية وراسخة ولا أحد يستطيع أن ينتزعها من لامو". ورغم النظرات الإيجابية التي أظهرها المسؤول عن أكبر مهرجان في الجزيرة يغطي تاريخ وثقافة السواحيليين في لامو، فإن هناك متخوفين ومتشككين من طبيعة التغيير إن لم تستعد له.

 

وقال علاوي لمجلة الجزيرة "ندرك أهمية المشروع لدول الإقليم ولكينيا، لكن هناك مشاكل يجب التعامل معها". يضيف "لا أحد ضد المشروع، ولكن ندعو إلى مراعاة استعداد الناس للتأقلم معه". ويرى وليد عثمان من منظمة تطوير شباب لامو أن الشباب غير المؤهلين، وعليهم التفكير في اكتساب مهارات جديد، وعلى المنظمات والحكومة أن تساعدهم في ذلك".


تقول سامية صالح "هناك دراسات كثيرة أجريت للمشروع، ومعروف أن تحديات تواجه الثقافة المحلية والمهن التي يقوم بها أهل الجزيرة، وهناك خطة لتضمين رفع القدرات ضمن خطة المشروع في شكل منح دراسية". ويؤكد عثمان حصولهم على ألف منحة دراسية هذا العام، ويتطلعون إلى المزيد العام المقبل.

شباب لامو يتطلعون لمستقبل أفضل بعد انتهاء مشروع ميناء لامو (الجزيرة)


 
وكانت الحكومة الكينية قد أعلنت في أبريل/نيسان ٢٠١٣ أن عطاء بناء المراحل الثلاثة الأولى للمشروع سيكون للشركة الصينية للاتصالات والبناء، ورغم أن الحكومة الكينية لم تحدد وقتا قاطعا لاكتمال المشروع فإنها أدرجته ضمن رؤية البلاد الإستراتيجية ٢٠٣٠.

 

وأعلنت الحكومة الكينية أن المشروع سيتمثل في مراحل بناء ميناء دولي كبير في ماندا باي، وخط سكة حديد إقليمي من الميناء إلى جوبا في جنوب السودان وأديس أبابا، وطريق بري يصل البلدان الثلاثة، وستستفيد من المشروع كل دول شرق أفريقيا التي ليس لديها منافذ بحرية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وفي التقارير المنوعة، ننتقل إلى سريلانكا، ونتعرف على خصائص الأعراس عند قومية السنهاليين البوذيين، حيث يتمتع الكهنة والمنجمون بمكانة خاصة في تحديد موعد الزواج وأمور أخرى.

 

ونبقى في طقوس الزواج لكن هذه المرة من السودان، حيث أحيا الشباب تقاليد قديمة في الزواج تسمى "البطان" التي يتقدم فيها شباب من أصدقاء العريس تطوعا لتلقي السياط على ظهورهم لإظهار رجولتهم وقوة تحملهم.

 

ومنها إلى إسطنبول، لنتعرف على ضريح الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، الذي دفن عند أسوار القسطنطينية قبل فتحها، والمكانة الخاصة التي يتمتع به هذا الضريح عند المسلمين الأتراك.

 

وختام التقارير من مدينة أجيرة الإيطالية التي تعيش فيها أسرة "داود" وهي الأسرة الوحيدة المسلمة في تلك المدينة الغنية بالآثار العربية حين حكمها العرب قديما.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

زواج السنهاليين.. الكلمة للكهنة والمنجمين

زواج السنهاليين.. الكلمة للكهنة والمنجمين

سامر علاوي - كولومبو

 

 كان لافتا في ساعات الصباح الباكر رؤية عروس تتجول في أروقة أحد الفنادق الفخمة في العاصمة السريلانكية كولومبو برفقة ذويها من النساء في أبهى حُللهنّ، وبعد تردد تشجعت واقتربت للسؤال عن الأمر معتقدا أن خطأ أو إرباكا ما لا بد أن يكون وقع لمراسم الزواج في الليلة الماضية أو حتى فشله، لكن إحدى السيدات أخبرتني أن موعد حفل الزواج حدد في وقت الضحى، وأن الأسرتين منشغلتين بوضع اللمسات الأخيرة من التجهيز لساعة الصفر، وبالضبط التاسعة والربع صباحا.

 

تمر إجراءات الزواج بمراحل عدة وطويلة وفق تقاليد العرقية السنهالية ومعتقداتها البوذية في سريلانكا، وتستغرق شهورا عدة في العادة، يقام خلالها حفلان منفصلان من قبل أسرتي العروسين، وتتوج المراسم بحفل جامع يتم فيه عقد القران بإشراف أحد الكهنة البوذيين، وبحضور الآباء والأمهات وكبار السن.

 

لكن تحديد وقت عقد القران ليس قرارا أسريا أو توافقا بين العروسين وإنما يخضع لتقديرات المنجمين والكهنة البوذيين، حيث يلجأ العروسان إلى أحد المنجمين ليحدد لهما أفضل وقت لعقد قرانهما، باعتبار أنه الوقت الذي يحمل فألا خيرا لهما ولأسرتهما المستقبلية.

 

أعراس الأثرياء في سريلانكا تمتاز بالهدوء والرومانسية بعيدا عن صخب الزواج الشعبي (الجزيرة)

وبذلك فإن وقت حفل الزواج لن يكون مرتبطا بأعراف وتقاليد أو ظروف اجتماعية، وإنما هو وقت خاص بكل زوجين يقدره المنجِّم وفق رؤية شاملة لحياتهما، تأخذ بالاعتبار تاريخ ميلادهما واسميهما وعمريهما وغير ذلك من خصوصيات العروسين.

 

ويعتبر تبادل الخواتم من قبل العروسين تقليدا معروفا بين الشعوب للإعلان عن الزواج، وهو كذلك وفق عادات وتقاليد القومية السنهالية، لكن الزواج حسب المعتقدات البوذية لا يتم إلا بربط أصابع العروسين معا، ثم سكب الماء المقدس عليها من قبل كاهن بوذي، أثناء ترنيمه تراتيل تدعو الآلهة إلى مباركة الزواج وفق المعتقدات البوذية.

 

وقد يكون الأخذ بالاعتبار اللحظات التصورية للحياة أكثر ما يميز إجراءات زواج السنهاليين عن تقاليد أبناء الديانات الأخرى في سريلانكا من مسلمين ومسيحيين وهندوس، وهو الوقت الأمثل لربط أصابع العروسين بخيط رمزا لرباط أبدي بينهما.

 

ربط أصابع الزوجين مؤشر على رباط أبدي (الجزيرة)

كما تـُزين أجواء العرس بالأنوار المُشعلة بزيت جوز الهند، فالأنوار تعبر عن تفاؤل بالمستقبل وزيت جوز الهند يعبر عن تقاليد سريلانكية عريقة، كما يقول تشاندرا كالديرا -أحد الوجهاء- أثناء إشرافه على عرس أحد أقاربه المقربين، ويضيف كالديرا للجزيرة نت أن "جوز الهند وثيق الصلة بالحياة السريلانكية، فالسريلانكيون يتغذون على حليب جوز الهند ويطبخون بزيته ويدخل في صناعة جل أنواع الحلوى الشعبية والتقليدية".

 

ولا تختلف أعراس العائلات الأرستقراطية في سريلانكا عن عامة الناس من حيث المضمون عادة، لكن الأعراس الشعبية تدخل فيها الموسيقى بشكل صاخب، ويرتدي كثير ممن يحضرونها الملابس التقليدية، ويلجأ كثيرون إلى التخفي بأقنعة تقليدية لها مدلولات دينية بوذية، وهي أجواء لا تناسب الحياة الأرستقراطية وفنادق الخمس نجوم، التي يستعاض فيها عادة بموسيقى هادئة وأجواء رومنسية، وحفلات رقص هادئة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

"البطان" بالسودان.. إحياء الأعراس بجلد السياط

"البطان" بالسودان.. إحياء الأعراس بجلد السياط

 

عماد عبد الهادي-الخرطوم

 

يرفض إبراهيم ومحمد وبابكر الخروج من وسط الحفل قبل أن ينال كل منهم عدة جلدات كدين واجب سداده للعريس أو صاحب المناسبة السعيدة، أو لنيل احترام كثير من الأقران أو الفتيات ممن يحضرن تلك اللحظة.

 

وفي حالة من الزهو والنشوة يخلع أكثر من شاب رداءه  العلوي وسط حلقة معدة سلفا للحفل كاشفا ظهره للعريس، ليتلقى نصيبه من جلدات تسيل دماءه، في ظل زغاريد تطلقها نساء فرحات بهذا الفعل.

 

وفي المقابل يفتخر أحمد العريس بزملائه ممن كشفوا ظهورهم وجلدوا لرد دينه، الذي يتمثل في نيل كل واحد منهم عدة جلدات أو ما يعرف بالبطان، وإلا فإن الجميع سيغادر الحفل دون رجعة، وربما تنتهي إلى المقاطعة.

 

وتعود ظاهرة البطان إلى مناسبات الأعراس أو المناسبات الكبرى في معظم ولايات شمال السودان، من نهر النيل إلى الشمالية إلى شمال كردفان، لتشكل حالة يختلف عليها كثير من الناس.

 

شاب يستعد للجلد في عادة البطان السودانية (الجزيرة)

وكعادة بعض الشباب فإنهم يدخلون الحفل واضعين نصب أعينهم مشاركة العريس وإرضاء الحاضرين، وقطع الطريق على أية عبارات يمكن أن تضعهم في مصاف الجبناء من فتيان القرية أو المنطقة بأسرها.

 

الأستاذ المسرحي والباحث في ذات المجال عبد الرحمن الشبلي يقول إن البطان عادة كانت في بدايتها محاولة لتكملة طقوس مناسبة الزواج، ومشاركة من زملاء وأصدقاء وأنداد العريس في فرحه.

 

ويؤكد أنها كانت تنحصر ممارستها بين القريبين من العريس عند بعض القبائل في الشمال والشمال الغربي للسودان. ويضيف أن "الإحساس بوحشية العادة أدى إلى انحسارها في الفترة السابقة. لكن من يرونها محاولة لإظهار قوة التحمل، ومظهرا من مظاهر إبراز الشجاعة لأي شاب، أعادوا إنتاجها من جديد".

 

ويعتقد بعض الشباب أن عادة البطان كانت مظهرا من مظاهر التودد للفتيات بسبب الحواجز الكبيرة التي كانت تفصل بين الجنسين "إلا في بعض المناسبات".

 

البطان عادة اجتماعية يحييها الشباب السودان في مناسبات الزفاف (الجزيرة)

ويعرف الشبلي عملية البطان بأنها نوعا من الجرتق (طقس من طقوس الزواج)، مشيرا إلى حصرها في فئة الشباب "لكن بعض الذين كانوا يجلدون، عندما يكبرون تأخذهم الحمية للبطان فيأتي أحد أبنائهم أو إخوتهم لفديتهم بالجلد بدلا منهم".

 

بينما يقول متابعون إن انحسار عادة البطان في الفترة الماضية بفضل التعليم "لم يكن مانعا من عودتها من جديد، لأن بعض الناس يعتقدون أنها موروث تجب المحافظة عليه".

 

وينظرون إلى أن مشاركة المتعلمين في عادة البطان محاولة منهم لدحض الاتهامات التي تشكك بشجاعتهم، والعار الذي يلاحقهم بعدم تحملهم جلد السوط، "وبالتالي فإن المتعلمين وأولاد المدارس أصبحوا هم من يحرصون على البطان قبل الآخرين".

 

ويؤكد عبد الرحمن الشبلي لمجلة الجزيرة أن ضعف التعليم والبيات الشتوي لهذه الظاهرة خلق عند الجيل الجديد ما يعرف بالحنين إلى الماضي، مما دفعهم لمحاولة إحياء هذه العادة لتبدأ مع الأطفال والصبية قبل الكبار.

 

البطان تقليد اجتماعي يستعرض فيه الشباب جلدهم وقوة تحملهم (الجزيرة)

ويعلم الأطفال على عادة البطان بالجلد بالعمامة لأجل أن يتعود الطفل أو الصبي على ذلك قبل أن يصل إلى مرحلة سوط العنسيك (شريحة من جلد الفيل).

 

بينما يقول العريس يحيى إبراهيم محمد أحمد إن التقاليد والعادات الجارية أملت عليه القيام بفعل هو أحد معايير الشجاعة في القبيلة، مشيرا إلى أنه "تقليد أشبه بالدَين بين العريس والذين يجلدون".

 

ويقول لمجلة الجزيرة "رغم إننا نعرف الأضرار الناجمة عن ذلك الفعل، فإننا لا نستطيع الإمساك عنه حينما تزغرد النساء احتفاء بصعود الشباب نصف عارين لوسط دائرة الحفل".

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

أبو أيوب الأنصاري.. رمزية الفتح العثماني

أبو أيوب الأنصاري.. رمزية الفتح العثماني

خليل مبروك -إسطنبول

 

 

يقبل الأتراك بشغف كبير على زيارة ضريح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي أعيد افتتاحه في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك الماضي (19\6\2015) بعد ثلاث سنوات من إغلاقه لأعمال الترميم.

 

وبعد شهر من الافتتاح لا يكاد زائر المكان يجد موطيء قدم بين الجموع خاصة إذا تزامن حضوره مع النداء للصلاة في مسجد أيوب المقام بجوار الضريح والذي يطلق عليه الأتراك اسم "أيوب سلطان جامع" في الشطر الأوروبي من مدينة إسطنبول.

 

وإلى جانب مكانته الدينية وارتباط الأتراك به تعبيرا عن محبتهم للصحابي الجليل الذي يردون لقبره كثيرا من الفضل في إصرار أجدادهم على فتح إسطنبول عام 1453 الميلادي، يمتلك المكان جاذبية خاصة كعنوان للهوية الإسلامية في بلد حارب حكامه الدين باسم "الجمهورية العلمانية" لأكثر من ثمانين عاما.

 

وخلال حكم الجمهوريين العلمانيين لتركيا، خضع جامع أيوب لما خضعت له مساجدها من قرارات وأحكام، فنودي للصلاة فيه بالأعجمية وعانت كنوزه الأثرية من التلف والإهمال لكنه لم يغب عن مكانته في قلوب الأتراك.

 

فتيات تركيات يتوجهن لزيارة ضريح الصحابي أبي أيوب الأنصاري (الجزيرة)

وتقول المراجع التاريخية التركية إن جامع أيوب اكتسب مكانته في عهد الدولة العثمانية أيضاً من كونه الأول الذي يشيد في إسطنبول بعد فتحها، وقد تم بناؤه عام 1458 في عهد السلطان محمد الفاتح أي بعد خمس سنوات على فتح المدينة.

 

ووفقا لعمر ترونجان، أستاذ التاريخ في مدارس إمام وخطيب، فإن الأتراك لجؤوا إلى معالم دينهم للاحتماء من غزو العلمانية في عهدها الأول، فأصبحت المساجد والأوقاف ملاذات يحافظون عبر زيارتها على ارتباطهم بالإسلام الذي بقي غريبا في دولة خلافته الأخيرة طوال القرن العشرين.

 

وقال ترونجان -في اتصال هاتفي مع مجلة الجزيرة- إن جامع أيوب "كان كالمساجد الكبرى الأخرى يمنح الأتراك شعاعا روحيا خلال الفترة الجمهورية ربما حافظوا عبره على تدينهم، لكن لم يكن للمساجد في تلك الحقبة أي دور في السياسة أو الفكر أو المجتمع".

 

وتابع بالتأكيد أن مدرسة التدين في تركيا هي مدرسة صوفية بامتياز، وقد استفادت من عزوفها عن السياسة في الوقت الذي لم تكن فيه ظروف البلاد تسمح بظهور غير العلمانيين في واقعها، وهو أمر أتاح للأمة التركية (وفق تعبيره) أن تحافظ على هويتها باللجوء إلى المحاضن الدينية العريقة مثل جامع أيوب والسليمانية وبايزيد وغيرها.

 

ضريح الصحابي أبو أيوب الأنصاري من الداخل (الجزيرة)

 

وفي الـ11 من أغسطس/آب 2014 افتتح رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان فترة حكمه بعد انتخابه من الجولة الأولى بأداء الصلاة في الجامع، وبعد أقل من شهر سلك خليفته أحمد داود أوغلو ذات الطريق مستهلا أول أيامه في رئاسة الوزراء بصلاة الفجر مع والي إسطنبول حسين عوني موتلو ورئيس بلدية المدينة قدير توباش وعدد من المسؤولين في ذات المكان.

 

ولم تكن زيارة زعماء تركيا الحديثة للجامع من بدع التاريخ التركي، إذ كان سلاطين العثمانيين يتولون الحكم بعد تقلد سيوف الخلافة في هذا الجامع وكأنهم يعلنون أنهم يستمدون سلطتهم من التمسك بتراث هذا الصحابي الجليل.

 

وفي جوار المسجد تنتشر قبور السلاطين وكبار رجال الدولة العثمانية ونسائهم الذين كانوا يوصون قبل مماتهم بدفنهم بجوار المقام، كما تنتشر أسماء الصالحين على شواهد قبورهم في المقابر القريبة من الجامع.

 

ويحظى الضريح بمكانة بالغة الأهمية لدى الأتراك الذين يصطفون في طوابير طويلة أمامه يقرأون الفاتحة ويتوجهون بالدعاء في مشهد يثير انتقاد بعض العلماء، الذين يعتبرون زيارته والتبرك به من البدع التي لم تنص عليها الشريعة الإسلامية.

 

لافتة للإرشاد إلى بوابة مغادرة مقام الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري  (الجزيرة)

وقال أحد زوار المقام ويدعى محمد، بعد أن فرغ من تلاوة سورة الفاتحة قرب الضريح، إن تلاوة القرآن على أرواح أموات المسلمين والدعاء لهم عمل يثاب عليه المؤمن ويؤجر به، مضيفا أن الرسول صلى الله عليه وسلم استحب للناس زيارة قبور موتاهم.

 

وأضاف الشاب العشريني لمجلة الجزيرة أن المكانة الكبيرة للصحابي الأنصاري بين الأتراك هي ذات مكانة بقية الصحابة بين عموم المسلمين، مشيرا إلى أن للصحابي فضلا كبيرا على أمة الإسلام باعتباره من المسلمين الأوائل الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه.

 

بدوره رد الشيخ أريدين، وهو أحد سكان المنطقة المجاورة للضريح، حب الأتراك للصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري إلى مكانته وسبقه في الإسلام قائلا "إن  أحدا من المسلمين لا ينسى له استضافته رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يوم الهجرة".

 

وذكر لمجلة الجزيرة أن إغلاق المقام لأعمال الترميم لا يحول دون توافد الزوار الذين يقفون أمام نافذة زجاجية صغيرة لتلاوة القرآن الكريم والتوجه إلى الله بالدعاء من جوار الضريح.

 

وتنتشر في محيط المقام لوحات إرشادية تتضمن توجيهات من سلطة الشؤون الدينية للزوار، ومن ضمنها أن الإسلام بريء من أي بدع أو أعمال تخرج عن أصول الشريعة خلال زيارة المقام، في وقت يؤكد كثير من المواطنين أن الجهل يدفع البعض إلى التوجه للضريح لطلب الحاجة خاصة في مسائل تأخر الزواج والإنجاب وانحباس الرزق وغيرها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

أسرة "داود".. المسلمون الوحيدون في "أجيرة" الإيطالية "العربية"

أسرة "داود".. المسلمون الوحيدون في "أجيرة" الإيطالية "العربية"
خالد شمت - أجيرة / صقلية

 

حينما يقف داود روتوندو مع أصدقائه العرب خارج المركز الإسلامي بمدينة كاتانيا الإيطالية، يبدو لمن يراه للوهلة الأولى وكأنه واحد من هؤلاء العرب، غير أن هذا الانطباع سرعان ما يتبدد بتعريف داود بنفسه بوصفه إيطاليا اعتنق الإسلام منذ أكثر من عشرين عاما.

 

ويضحك الإيطالي الخمسيني وهو يشير إلى تعرضه لمواقف كثيرة ظن فيها زائرون عرب أنه واحدا منهم، إلى أن يتبينوا أنه صقلي قحٌ لا يلم من لغة الضاد إلا كلمات قليلة. ويقول داود إن سحنته وكثيرا من الإيطاليين أمثاله ربما تعود إلى أن أجدادهم ربما كانوا من أولئك العرب الذين حكموا صقلية لثلاثة قرون ووُجدوا فيها لقرنين آخرين، قبل أن يختلفوا وتذهب ريحهم وتأفل شمسهم بهذه الجزيرة الإيطالية.

 

ويحرص روتوندو على الحضور كل جمعة مع زوجته وابنيه يونس وإسماعيل من مدينة أجيرة التي تبعد 90 كيلومترا عن المركز الإسلامي بمدينة كاتانيا المجاورة، لأداء صلاة الجمعة وتمضية باقي اليوم مع أصدقائهم وإخوانهم في رباط الدين هناك، وينظر مسؤولو هذا المركز الإسلامي -الذي تحول في الشهور الأخيرة إلى أهم نقطة بجزيرة صقلية للمساعدة وتقديم الخدمات للمهاجرين غير النظاميين القادمين بالقوارب من الضفة الجنوبية بالمتوسط- بتقدير لمساهمة داود وأسرته في أنشطة مركزهم.

 

ويعتبر رواد المركز الإسلامي أن هذه العائلة المسلمة تعتبر مختلفة ومتميزة عن سواها من المسلمين الإيطاليين، لأن الزوج والزوجة ممن اعتنقوا الإسلام، ولكون داود وأسرته هم المسلمين الوحيدين المقيمين في مدينة إيطالية كل سكانها من الكاثوليك ولها جذور تاريخية عربية.

 

داود مع زوجته مريم لويزا سابقا وإبنيه الكبير يونس والصغير إسماعيل. (الجزيرة)

وعن قصة إسلامهما، روت الزوجة مريم للجزيرة نت أنها سافرت عام 1986 وهي حامل بعد عام من زواجها لزيارة أمها وأبيها اللذين كانا قد استقرا بباريس منذ سنوات عدة لتعرّفهما بزوجها وتحدثهما عن حملها، وأوضحت أن والديها حدثاها بمجرد لقائهما -وكان هذا في ليلة السابع والعشرين من رمضان- عن تعرفهما قبل فترة على أسرة مغربية وأنهما تأثرا بشكل بالغ بهذه الأسرة واعتنقا الإسلام.

 

وذكرت الزوجة الإيطالية أنها قالت لأبويها بعد أن انتهيا من حديثهما إنها تريد أن تصبح مسلمة فذكرا لها الشهادة ورددتها على الفور، وأشارت إلى مواظبتها بعد العودة لإيطاليا على الصلاة والصيام بمفردها في أجواء "انتشرت فيها الأحكام النمطية تجاه الإسلام، غير أنها لم تصل لمستوى ما تشهده الأوضاع الحالية من تمييز شديد تجاه المسلمين".

 

ولفتت مريم إلى أن زوجها داود (كان يحمل وقتها اسم ديفد) لم يظهر في البداية معارضة لاعتناقها الإسلام، لكنه بدأ بعد ذلك بتوجيه الانتقادات لها لتركها الكاثوليكية، مما أوصل الأمور بينهما لحافة الطلاق، قبل أن يتراضيا ويتفقا على ترك الحرية لطفلهما لاختيار الدين الذي يريده بعد البلوغ.

 

وأشارت إلى أن داود ما لبث أن تغير بعد حملهما الثاني وأبلغها أنه رغم عدم إسلامه لا يعارض بتنشئة الطفل الجديد أو أي أطفال يأتوا بعده على مبادئ الإسلام.

 

كهف من الآثار العربية المتبقية بأجيرة الإيطالية (الجزيرة)

ويتدخل داود بالحديث مشيرا إلى مروره لفترة بصراع مع نفسه حول الإسلام الذي رأي فيه -منطلقا من أحكام نمطية سلبية- دينا غريبا سيحدّ من حريته وطبائع تعوّد عليها، وأشار إلى أن مشاهدته بمرور الوقت عبر القنوات الفضائية لنقل صلاة المسلمين وما تتضمنه من ركوع وسجود وخشوع لله، ومحاضرات الداعية الجنوب أفريقي الراحل أحمد ديدات أحدثا تغييرا تدريجيا ملحوظا في وجدانه.

 

وقالت مريم إنها لا تنسى يوما كانت تجلس فيه مع أطفالها الثلاثة على الغداء عندما ناداها زوجها وسألها كيف يصبح مسلما فطلبت منه ترديد الشهادتين خلفها، ففعل ذلك، وأشارت إلى أنهما حرصا بعد ذلك على زيادة اهتمامهما بالتنشئة الإسلامية لأطفالهما وإرسالهم كل عام إلى باريس لحفظ وتعلم تلاوة القرآن الكريم بمعهد متخصص هناك.

 

ويعتبر داود ومريم وابنهما الأوسط يونس والأصغر إسماعيل -بعد انتقال الابن الأكبر إلى ألمانيا للعمل- المسلمين الوحيدين وسط نحو ثمانية آلاف من الكاثوليك المحافظين بمدينة أجيرة الواقعة على ارتفاع 650 مترا عن سطح الأرض.

 

ويتطلع يونس الذي يوشك على الانتهاء من دراسة الهندسة التقنية أن تقبله جامعة إسلامية ليدرس فيها العلوم الإسلامية، ويرغب إسماعيل التلميذ بالثانوي في دراسة العمارة للتخصص في العمارة الإسلامية وتطوير مهاراته بالخطوط والزخرفة العربية.

 

البقايا الخارجية لقلعة أجيرة آخر آثار المسلمين المتبقية بالمدينة الإيطالية (الجزيرة)

ويشير اسم أجيرة إلى الجذور التاريخية العربية لهذه المدينة الصغيرة التي كانت آخر حواضر الحكم والوجود العربي الإسلامي بجزيرة صقلية الإيطالية قبل نحو 800 عام، وما زالت السمات العربية حاضرة في طابع معمار البيوت وتقاسيم الشوارع والطرقات بأجيرة، التي تضم بقايا قلعة تاريخية تعد آخر ما تبقى من أثار العرب والمسلمين بهذه المدينة.

 

وإضافة لهذه القلعة تم مؤخرا اكتشاف أطلال مسجد قديم يعود للقرن الثاني عشر الميلادي في أجيرة، وقد واجهت محاولات الجزيرة نت لتصوير بقايا هذا المسجد رفضا شديدا من صاحب الأرض التي يقع فيها هذا الأثر المكتشف.

 

وتحاول أسرة داود استغلال هذه الجذور التاريخية لمدينتهم، ونموذج التعايش القديم فيها، في تقديم صورة إيجابية عن الإسلام لمحيطها الكاثوليكي ترد على الأحكام النمطية التي كرسها الإعلام.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك