آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:39 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
اغلاق
خبر عاجل :مراسل الجزيرة:استشهاد شاب فلسطيني في مواجهات مع قوات الاحتلال في القدس
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:39 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
-1/14-

غزة.. معركة الصورة

  محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

كانت ولا تزال معركة الصورة والكلمة جزءا أساسيا من معركة السلاح، تسبقها وترافقها وتكمل أهدافها بعد انتهائها. وهي التي تعرف أحيانا بالحرب النفسية، فتستثمر النجاحات العسكرية على الأرض وتضخمها، لتهز ثقة العدو في قدرته على الانتصار.

 

وفي الحرب على غزة كان للمعركة الإعلامية دور جوهري في نقل صورة أكثر وضوحا وتأثيرا عن نجاحات المقاومة الفلسطينية، خصوصا العمليات النوعية التي فاجأت بها المقاومة العدو الإسرائيلي كما العالم، وحتى الشعب الفلسطيني نفسه.

 

عملية نحال عوز التي صورتها كتائب عز الدين القسام بكامل تفاصيلها، نقلت للعالم صورة أخرى عن معارك غزة لم تظهر من قبل، فالحروب السابقة شهدت بطولات للمقاومة لكنها بقيت محجوبة عن نظر العالم وسجلات التاريخ. وبإدراكها لأهمية الصورة في صناعة الرأي العام حققت المقاومة الفلسطينية نقاط انتصار كثيرة في هذه الحرب.

 

وكما تحدثنا سابقا عن عسكرة المجتمع الإسرائيلي وفرضه التعتيم الإعلامي على كل ما يهز صورة الكيان في نظر مواطنيه والعالم، فإن الإعلام الغربي، وفي مقدمته وكالات الأنباء تكمل هذه المهمة في انتقائيتها للصور التي تبثها لوسائل الإعلام.

 

 فغالبية الصور التي تنشرها الوكالات للعالم عن حرب غزة تظهر قوة الجيش الإسرائيلي وارتفاع معنويات جنوده، والهلع الذي تسببه صواريخ المقاومة للمدنيين الإسرائيليين. وتكاد تغفل بشكل كامل آثار الدمار والقتل الذي يخلفه القصف الإسرائيلي على بيوت المدنيين.

 

وهنا تأتي أهمية النقل الحي والصور الصادقة من الميدان التي تقوم بها شبكة الجزيرة من غزة، والصور الحصرية التي تبثها المقاومة عن عملياتها النوعية والمتميزة، في خلق رأي عام يدرك حقيقة ما يجري على الأرض، وهو رأي عام تتسع رقعته بمرور الوقت، حتى شهدنا مدى اتساعه في عقر دار الغرب، الذي زيف إعلامه الحقائق على مدى عقود.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/14-

عدد خاص

عدد خاص

 

عجز الاحتلال الإسرائيلي عن كسر شوكة المقاومة في غزة في عدوانيه السابقين 2008 و2012، إلا أن عدوانه الأخير كان الأكثر كلفة له عسكريا وسياسيا واجتماعيا، واستحقت هذه الجولة من الصراع مع الاحتلال أن تسمى "حرب المفاجآت". ولهذا يراها المراقبون نقطة تحول في موازين القوة بين الاحتلال ومقاوميه. أو "أول الفجر" الفلسطيني.

 

في العدد الخاص الذي تفرده مجلة الجزيرة للحرب على غزة، قراءات من زوايا عدة للمعركة التي دارت على مدى الـ 30 يوما الأولى، حين تحرير هذا العدد.

 

فمقال "أول الفجر" يرحل معنا في التاريخ والواقع ليصل إلى نتيجة أن هذا هو أول الفجر الفلسطيني، حين يمتلك الشعب قوته وقراره. قبل أن نعيش مع الأرقام والإحصاءات وشهادات الشهود بشأن الشهر الأول من معركة "العصف المأكول".

 

ثم ينقلنا مقال لخارطة التحالفات الإقليمية قبل وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، وما الذي استجد في هذه الخارطة وكيف يتوقع أن تتشكل في القريب. ثم نقرأ كيف أثرت الجغرافيا العسكرية لقطاع غزة على مجريات المعركة، وكيف استفادت المقاومة من هذه الجغرافيا في تفجير المفاجآت في وجه المحتل.

 

أما العقيدة القتالية الجديدة للمقاومة الفلسطينية فيطلعنا عليها مقال آخر من غزة، وكيف طورت من قدراتها، وفي مقال آخر نقرأ كيف انتصرت هذه المقاومة في معركة الأخلاق، باستهدافها جنود الاحتلال في الوقت الذي استعرض الصهاينة قوتهم على أجساد المدنيين والأطفال.

 

ولأن المعركة فيها دائما جنود مجهولون لا يحملون السلاح، وإنما يحملون ثيابا بيضا، نعيش مع تضحيات الأطباء والمسعفين في مستشفيات غزة.

 

ورغم أن فعاليات التضامن الدولي مع غزة كانت الأوسع هذه المرة فإن قارة أميركا اللاتينية النائية كانت الأكثر إبهارا في مواقفها الرسمية تجاه العدو الإسرائيلي، ومنها نقرأ تقريرا عن هذه المواقف.

 

وعن دواخل المجتمع الإسرائيلي في هذه الحرب، نقرأ تقريرا عن إعلام الاحتلال المجند في الدولة العسكرية، ولا ينطق إلا عن هوى العسكريين، وفي تقرير آخر كيف انعكست هذه الحرب وخسائر الاحتلال على المجتمع الإسرائيلي سياسيا واجتماعيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/14-

غزة ٢٠١٤.. الشاهدة والشهيدة

غزة ٢٠١٤.. الشاهدة والشهيدة
 
حسين جلعاد
 

ليس جديدا على غزة أن تصمد، فهي آية المقاومة. وليس جديدا على عروش الطغيان أن تنكشف عوراتهم، فكل ألقابهم واحدة: أبو رغال.



لقد أصبحت غزة في هذه الحرب الأخيرة عنوان تحول تاريخي، سواء في تاريخ العرب أو تاريخ أعداء الأمة. إنها ذروة الربيع العربي بعد ثلاث سنوات من المخاضات والاصطفافات الطاحنة: شعوب تسعى خلف الحرية، وأنظمة تأبدت بفعل الفساد والقمع والعمالة.

 

تقول الحكمة إن من لا ذاكرة له لا حرية له، وهنا يحضر التاريخ برجع الصدى، ويعود بالعبرة التي تستعاد فيها الأحداث ليفيق الناس، ويمسحوا الغشاوة عن عيونهم المسمرة أمام شاشات الفضائيات، وهم لا يكادون يصدقون أن "الشقيق الكبير" أو "حارس البيت" يتآمر مع مجرمي الحرب في تل أبيب، لخنق شعب في غزة لا غاية له إلا أن يعيش حرا كريما، عوضا عن السجن الكبير الذي فرضه عليه "الأخوة" قبل الأعداء.

قصف إسرائيلي مكثف على حي الشجاعية بغزة (الأوروبية)


فلسطين/ مصر ١٢٢٩ ميلادية.. الخيانة والصولجان

يحدّث التاريخ فيقول إن المُلْك عقيم، وأن الحاكم إذا تلبسته شهوة الحكم، وضع ابنه تحت قدميه، فكيف والحالة هذه سيتعامل مع أفراد الشعب الجالس فوق رؤوسهم في عزة تتراءى له أنها خالدة إلى أبد الآبدين. بل إن المبادئ والمحرمات وفق ذلك تصبح مجرد عناوين تعلق للاستهلاك العام، لكن السلطان وجوقته لا يتورعون عن انتهاك أي ستر في سبيل أن يظل الكرسي ثابتا مستقرا.



إبان الحروب الصليبية قدمت الأمة أبطالا وقادة أفذاذا حرروا بيت المقدس، لكن خلف من بعدهم من أضاع القدس وتآمر مع الأعداء على المقدسات، فتروي كتب التاريخ أن الملك الكامل سلطان مصر في تلك الآونة هو من أبرم صفقة التنازل عن مدينة القدس مع الإمبراطور فردريك الثاني إمبراطور الدولة الرومانية عام 626 ﻫجرية الموافق 1229 ميلادية.



في عصر سلطان المماليك ذاك لم يكن نظراؤه من حكام العرب بأفضل حالا، فمن وضعوا التيجان على رؤوسهم حينها، وتربعوا على عروش مصر والشام أسقطوا فريضة الجهاد ضد الغزاة حماية لعروشهم، بل إن بعضهم باتوا يرون في الصليبيين المحتلين لأرض الإسلام قوة سياسية إقليمية لا يخجلون من مهادنتها والتحالف معها، مقابل تنازلات تبقي صولجان الملك في أيديهم أو لتحقيق مطامع إقليمية ضد عروش منافسيهم أو حتى الاستعانة بالفرنجة لمجرد تصفية الحسابات بين السلاطين والولاة.

رضيع أصيب في قصف صاروخي على منطقة رفح جنوب قطاع غزة (أسوشيتدبرس)


ما أشبه الليلة بالبارحة!

مع فرق أن سلاطين المماليك لم يكن لديهم "عكاشة" يدير لهم فضائية تنطق "بالعربية".


فلسطين ١٩٣٦.. أشد مضاضة

يحدث التاريخ أيضا فيقول إن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة. ففي عام ١٩٣٦ قامت في فلسطين ثورة زلزلت الأرض تحت أرجل المحتل البريطاني حتى طاش صوابه. كان الفلسطينيون قد استشعروا الخطر الداهم الذي سيكلفهم لاحقا وطنا كأنه جنة على الأرض، حينها أخرج الساحر البريطاني من قبعته خدعة اسمها "الأخوة العرب"، وجاءت وفود عربية من ممالك تتشكل تحت الوصاية لتقنع الفلسطينيين بالتهدئة المغموسة بعسل الوعود، فضاعت بلاد، وعاد كبار الوفود إلى عواصم الوصاية يتحسسون صولجانات السيد البريطاني الموعودة.



يحدث الآن... الأحلام المسروقة

تبدل العالم إذن بعد أن حرق تونسي نفسه، وصرخ مخنوق في ليل العرب "بن علي هرب.. بن علي هرب".


هنا انعطف التاريخ في جولة جديدة عنوانها العريض: انتفاضات المقهورين، أو ما سمي ثورات الربيع العربي. خرجت شعوب إلى الشوارع عارية الصدور تهتف ضد القمع، وتبحث عن الخبز والكرامة فيما ظلت عيونهم وفية لبوصلة الأمة، فلسطين.

 

مسيرة في قطاع غزة لأنصار حركة حماس تأييدا للمقاومة أثناء التهدئة (أسوشيتدبرس)



لكن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، فأصابت هذه الشعوب زلزلة ارتدادية لم تصح منها بعد بلاد العرب وقد لا تصحو في وقت قريب. فأحفاد الملك الكامل بائع القدس والمقدسات لن يستسلموا بهذه السهولة، وما إن تمالكوا أنفسهم من هول الصدمة حتى شنوا هجوما معاكسا دفعت الشعوب الراكضة نحو الحرية ثمنا باهضا له وستدفع أضعافه دماء وفوضى وغياب أمن.



لقد كانت فلسطين على الدوام هوية الحرية، بها يصنف الناس بين الحق والباطل، كما أن غزة فيصل الاصطفاف، فإما أن تكون مع المقاومة أو مع المحتل، وهنا أبدع أحفاد الملك الكامل فأوجدوا تصنيفا لهم ولأذنابهم، الصهاينة العرب، كأحدث صورة عصرية للخيانة.


إن غزة اليوم هي عنوان الربيع العربي في أعمق أبعاده، فالتآمر والعنف الذي لقيه الثوار العرب من الدولة العميقة وحلفائها أصحاب عروش الطغيان، هو الوجه الآخر لعملية إسرائيل التي تصب حممها على رؤوسنا لتعيق نهوض الأمة.   

 
 
تقطر أيامنا إذن بالدم، في سوريا والعراق ومصر وليبيا وفلسطين، ويجد الطغاة والغزاة غرفا خلفية للتنسيق، ونحن مشغولون بدفن الشهداء، في صورة قد يجد البعض فيها انسدادا للأفق وبابا مشرعا لليأس، لكن التاريخ يحدث ويقول، اشتدي أزمة تنفرجي.



هنا يطل المستقبل، ويبزغ الفجر، فالاصطفاف بيّن، والتحالفات قائمة في وضح النهار. أحرار ضد الغزاة والطغاة.

وحال الأمة مثل حال فلسطين.

تركوا غزة وحيدة، ليس لها إلا رب يحميها ورجال صدقوا ما عاهدوا عليه. ولقد كفاهم رب العزة وهو حسبهم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/14-

انفوغراف صواريخ المقاومة

انفوغراف صواريخ المقاومة
انفوغراف صواريخ المقاومة (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-5/14-

انفوغراف ضحايا الحرب

انفوغراف ضحايا الحرب
انفوغراف حرب غزة (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-6/14-

التحالفات الإقليمية في ضوء حرب غزة

التحالفات الإقليمية في ضوء حرب غزة
د. محسن محمد صالح
 مدير مركز الزيتونة للدراسات

 

لعل النموذج الرائع الذي قدمته حماس وقوى المقاومة في غزة، في حرب "العصف المأكول" أو عدوان "الجرف الصامد"، هو من أكثر لحظات التاريخ الفلسطيني والعربي والإسلامي الحديث تألقاً. وفي الوقت نفسه، فإن النموذج العربي الرسمي (خصوصا في البيئة الإستراتيجية المحيطة بفلسطين) تجاه فلسطين والمقاومة، هو الأسوأ منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين قبل نحو مائة عام ومنذ إنشاء الكيان الصهيوني قبل نحو 66 عاما.

 

منذ أن اندلعت الثورات وحركات التغيير في العالم العربي في مطلع سنة 2011، والمنطقة تشهد حالة من السيولة واللا استقرار والتَّشكُّل وإعادة التشكُّل. الموجة الأولى القوية التي تسببت في إسقاط أربعة أنظمة عربية وباهتزازات داخلية عنيفة في عدد من الأنظمة الأخرى، أظهرت تصدُّر الإسلاميين للمشهد السياسي، وثقة الجماهير التي تنشد التغيير بهم.

 

غير أن هذه الموجة ما لبثت أن تبعتها موجة مرتدة تمكنت فيها بعض الأنظمة وقوى الدولة العميقة السابقة من استعادة زمام المبادرة، وتعطيل مسار التغيير الديمقراطي و"الربيع العربي" الذي كانت تشهده المنطقة، وأدخلت المنطقة في صراع إرادات وحالات تنازع وفوضى واضطراب لم تخرج منها حتى الآن.

 

إلا أن ذروة نجاحات الموجة المضادة تمثلت في سيطرة العسكر على مصر. وقد ترافق مع هذه الموجة حملة شرسة ضدّ التيارات الإسلامية التي بدت كنقيض للأنظمة الفاسدة والمستبدة السابقة، وكبديل محتمل ترضى به الجماهير.

 

وبين تدافع الموجات كانت القضية الفلسطينية تشهد مدا وجزرا واسعين، كما كانت قوى المقاومة والقوى المؤيدة لمشاريع التسوية تشهد صعودا وهبوطا وخضات كبيرة في أجواء تلاطم موجات "صراع الإرادات".

 

دخان وغبار من قصف إسرائيلي على قطاع غزة (أسوشيتدبرس)

 

قلق إسرائيلي

جاءت الثورات العربية لتفرض واقعا جديدا يدعم بشكل أقوى حركات المقاومة ويقاوم التطبيع. ولذلك، ما إن بدأت هذه الثورات حتى نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر رفيعة في مكتب نتنياهو قولها إن قلقا كبيرا يسود دوائر صنع القرار في تل أبيب.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ووزير الدفاع إيهود باراك قال إن "إسرائيل تواجه زلزالا إقليميا". أما شاؤول موفاز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكنيست، فرأى أن ما حدث في مصر وتونس هو "إنذار إستراتيجي لإسرائيل"، بينما وصف الوزير موشيه يعلون ما يحدث بأنه "زلزال تاريخي".

 

أدركت "إسرائيل" أن تغير البيئة الفاسدة والمستبدة حولها إلى بيئة حيوية نهضوية صاعدة يشكل خطرا وجوديا. ولذلك، وصف نتنياهو معاهدتي السلام الموقعتين مع مصر والأردن بأنهما "ذخر إستراتيجي". كما تحدث رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق أشكنازي في 10 فبراير/شباط 2011 بوضوح أن الاستقرار في المنطقة العربية هو بالنسبة لـ"إسرائيل" أهم من الديمقراطية.

 

وحذر نتنياهو، في خطاب له أمام الكنيست في 7 فبراير/شباط 2011، من أن مصر يمكن أن تقع في أيدي الإسلاميين المتطرفين نتيجة للانتفاضة في البلاد. كما حذر رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية الجنرال احتياط عاموس جلعاد من أن صعود الإخوان المسلمين في مصر سيقلب موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، وأنه سيجر المنطقة إلى دوامة من عدم الاستقرار، وسيغير موازين القوّة في المنطقة إلى الأسوأ.

 

وحذر من أن "الإخوان المسلمين يشكلون القوة الحقيقية في المنطقة، مثل حركة حماس، وهم يتطلعون إلى السيطرة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها". ووجه جلعاد تحذيرا من ظهور إمبراطورية إسلامية في منطقة الشرق الأوسط بقيادة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا.

 

ولم تخف قوى التغيير -وخصوصا الإسلاميين- عداءها لـ"إسرائيل"، وإن بدت بشكل عام أكثر انشغالا واستغراقا في الشأن المحلي، وأحرص على عدم الدخول في مواجهات سابقة لأوانها. فقد قال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع "إن إسرائيل لن تهنأ بالنوم بعد اليوم، ولن تعرف طريق الأمن والاستقرار ما دامت تستهين بحقوق الفلسطينيين".

 

وأضاف أن الثورات العربية التي أطاحت بالأنظمة القمعية الفاسدة، تمثل مقدمة لإنهاء الظلم والعلو الصهيوني وتحرير المقدسات ووضع حد للاستكبار الصهيوني (حسبما نشرته صحيفة الخليج الإماراتية، 20 مايو/أيار 2011).

 

الطرف الإسرائيلي الذي كان الأشد قلقا على مصيره مع اندلاع الثورات، أضحى (بعد نحو سنتين) الأكثر ارتياحا على صورة التشرذم ومشاهد الصراع الدموي والتفتت الطائفي والعرقي، وضعف الدولة المركزية، والهجوم على "الإسلام السياسي".

 

وبينما كان الطرف الإسرائيلي معزولا ومستهدفا من القوى الصاعدة، أمسى يجد نفسه مع حلفاء إقليميين محتملين يلتقون معه في أجندة محاربة "الإسلام السياسي"، وفي بقاء أنظمتهم التي تقمع إرادة شعوبها، والتي تلتقي في خطِّها العلماني والمصلحي مع أميركا والقوى الغربية.

 

الموقف الإسرائيلي لم يُخفِ سعادته الكبيرة بإيقاف عجلة الديمقراطية في مصر، وإنهاء دور "الإسلام السياسي"، وعودة العسكر، واعتبر ذلك بدءا لطي صفحة الربيع العربي؛ لدرجة أن شمعون بيريز رئيس الكيان الإسرائيلي طالب المسؤولين الإسرائيليين بالكفّ عن إظهار سرورهم بالانقلاب، حتى لا يُحرج ذلك قادة الانقلاب، وحتى لا يثير حفيظة المصريين.

 

وقد قالت صحيفة معاريف الإسرائيلية إن أوساط الجيش الإسرائيلي تنظر إلى السيسي على أنه عبقري وبطل. وقال أودي سيغل، معلق القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، إن "نتنياهو هو أكثر الناس سعادة على وجه الأرض بسقوط مرسي". وحسب المحطة الثانية في الإذاعة العبرية فقد أصبح نتنياهو منشغلا بدعم الانقلاب في مصر أكثر من انشغاله بالملف النووي الإيراني.

 

الانقلاب في مصر كان بالنسبة للكثير من المسؤولين والخبراء الإسرائيليين يعني أن مكانة "إسرائيل" الإستراتيجية الإقليمية ستتعزز، كما عبر عن ذلك افرايم هليفي رئيس الموساد الإسرائيلي السابق. أما وزير الاقتصاد نفتالي بينيت فرأى أن اتهام الرئيس مرسي بالتخابر مع حماس يعني أن الشراكة الإستراتيجية مع مصر ستتعاظم بشكل غير مسبوق.

 

من الصعب الاسترسال في ذكر الأمثلة على السعادة الإسرائيلية البالغة بالانقلاب في مصر، غير أنه يمكن الرجوع مثلا إلى ملف المعلومات الذي أصدره مركز الزيتونة حول الموقف الإسرائيلي من الأحداث في مصر، ليجد العشرات من الشواهد الموثقة على ذلك.

 

مظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن تأييدا للمقاومة الفلسطينية في غزة (أسوشيتدبرس)

محاصرة الإسلام السياسي

وقبيل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بدا أن هناك خارطة إقليمية تتشكل وأن بعض القوى الإقليمية والدولية ستتقاسم الكعكة، وأن الضحية والخاسر الأكبر هو الإسلام السياسي السني المعتدل، والمقاومة الإسلامية الفلسطينية.

 

فقد عادت "إسرائيل" إلى وضع إقليمي مريح تلعب فيه دور السيد والشرطي، بينما يقوم "الفخار بتكسير بعضه" في المنطقة، ومن لا يخطب وُدَّها فإنه يتجنبها أو يتقي شرَّها.

 

وعاد محور "الاعتدال" للتماسك والتناغم مع السياسة الأميركية في المنطقة، ولمحاربة الإسلام السياسي أو محاصرته. وهو ما شكَّل نقطة تقاطع مهمة مع الجانب الإسرائيلي في إنهاء حكم حماس في قطاع غزة. وهو ما رأى فيه البعض تحالفا جديدا، غير أنه ليس هناك ما يثبت أنه تحالف "رسمي"، لكن عديدين يرونه تحالفا "عمليا" بغض النظر عن مدى ترسيمه أو تنسيقه.

 

وفي أجواء العدوان على غزة، كان الطرف الإسرائيلي أكثر صراحة في الحديث عن هكذا تحالف، فقد أشار نتنياهو إلى العلاقة المتميزة التي نتجت مع دول المنطقة، وأنها ذخر مهم لـ"إسرائيل".

 

وتحدثت وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني عن أن هناك توافقا بين "إسرائيل" ومصر على خنق حماس. أما إسحق هرتسوغ رئيس حزب العمل وزعيم المعارضة الإسرائيلية فتحدث في مقابلة لصحيفة يديعوت أحرونوت في 15 أغسطس/آب 2014 عن "حلف آسرٍ في المنطقة يشمل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية (في رام الله) والسعودية ودول الخليج". مؤكدا أن "إسرائيل جزء منه" وأن هذا الحلف يُعبِّر عن رؤية إقليمية.

 

ونوه يوسي بيلين الذي كان وزيرا للعدل الإسرائيلي ورئيسا لحركة ميرتس في مقال نشره في صحيفة "إسرائيل هايوم" إلى أنه يتضح من سلوك مصر والسعودية أنهما معنيتان بنجاح "إسرائيل" في القضاء على حماس.

 

وقالت صحيفة "جيروزاليم بوست" في مقال تحليلي نشرته في 10 يوليو/تموز 2014 إن مصر وإسرائيل تشكلان يدا واحدة ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس). أما موقع صحيفة (معاريف) على الإنترنت، فقد وصف العلاقة المصريّة الإسرائيليّة بأنها وصلت إلى مرحلة "التحالف الشجاع".

 

جلسة طارئة لجامعة الدول العربية دون تأثير على مسار الحرب على غزة (رويترز)

موقف مصري صريح

بشكل عام، كان الموقف المصري أكثر وضوحا، إذ بينما كانت غزة تحت القصف والمذابح والدمار، تابع النظام المصري الحصار وتدمير الأنفاق، وسمح بالهجوم الإعلامي على حماس وقوى المقاومة وتشويهها والإساءة إلى رموزها، وأسهم سلوكه السياسي والأمني في إضعاف التفاعل الشعبي المصري مع المقاومة.

 

وقدم النظام مبادرة للتهدئة أعدها مسبقا بالتنسيق مع "إسرائيل" وأعلنها دون استشارة قوى المقاومة. وهي مبادرة تنزع أية مكاسب محتملة متعلقة بإلزام "إسرائيل" بفكّ الحصار، ولذلك رحب بها الجانب الإسرائيلي ورفضتها المقاومة.

 

ولم يُبد النظام المصري مرونة إلا تحت ضغط إنجازات المقاومة، وبعد موافقة الطرف الإسرائيلي على تقديم تنازلات، لدرجة أن أمنون أبراموفيتش، كبير المعلقين في قناة التلفزة الصهيونية الثانية قال في منتصف تموز/يوليو 2014 "إن نظام الجنرالات في القاهرة أكثر تطرفا في التعاطي مع حماس من إسرائيل". أما نائب وزير الجيش الأسبق، داني دانون، فقال في 8 أغسطس/آب 2014 إن "المصريين طلبوا منا قبل أسبوعين مواصلة ضرب حماس ومنع المفاوضات، لأن حماس لم تتألم بما فيه الكفاية".

 

أما باقي أنظمة "الاعتدال" العربي فلم يخرج عنها تصريحات رسمية تتحدث عن تحالف مع "إسرائيل"، فهذا لو صحَّ، سيكون محرقة لشعبيتها وسط جماهيرها. غير أن السلوك على الأرض كان يظهر برودا سياسيا، وضعفا إعلاميا في التعامل مع العدوان على قطاع غزة، ولم يتحسن هذا الموقف إلا مع تزايد سخونة الحرب وطول أمدها، وتزايد الضحايا والدمار، وتعاظم إبداعات المقاومة.

 

تشييع أحد شهداء كتائب القسام الذي قتل في صقف إسرائيلي على قطاع غزة (أسوشيتدبرس)

الصديق الممانع

ولأن حماس قررت الوقوف إلى جانب الإرادة الشعبية للجماهير العربية، فقد وجدت نفسها تخسر قاعدة ارتكازها اللوجيستية الأساسية في سوريا، وتدفع ثمنا كبيرا لخصومة النظام السوري معها، ولحالة البرود مع باقي "محور الممانعة"، وتحديدا حزب الله وإيران التي توقفت عمليا عن الدعم المالي للحكومة في قطاع غزة.

 

بدا الطرف الإيراني في وضع إقليمي مريح نسبيا قبيل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فقد وقع اتفاقا بشأن برنامجه النووي مع القوى الكبرى. ودعم النظام السوري بحيث تمكن من البقاء وأخذ زمام المبادرة واسترجاع السيطرة على العديد من المناطق المهمة، كما أن حلفاءه الحوثيين حققوا تقدما واسعا في اليمن، بينما ظلَّ شريكه حزب الله الفاعل الرئيسي في السياسة اللبنانية، في الوقت الذي قامت فيه دول الخليج بتحسين علاقاتها مع إيران. وكان ما يزال اللاعب الأبرز في السياسة العراقية.

 

وبدا أن المنطق يشير إلى أن حماس ستضطر للجوء "للحضن الإيراني" بسبب الوضع الصعب الذي وجدت نفسها فيه في القطاع. غير أن هذا لم يحدث. وبالرغم من أن خيط العلاقة بين الطرفين لم ينقطع، إلا أن العلاقة شهدت بعض التحسن قُبيل الحرب مع زيارة وفد من حماس لإيران.

 

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والصمود والإبداع والأداء البطولي لحماس ولقوى المقاومة، أسقط كل دعاوى وشكوك "محور المقاومة" تجاه حماس. وكشف أن المقاومة الفلسطينية حافظت على بوصلتها في مقاومة العدو، في الوقت الذي غرقت فيه إيران وحلفاؤها في المشاكل الداخلية للمنطقة، بينما كانت تتعرض لاتهامات قطاعات واسعة في العالم العربي أنها تستهلك إمكاناتها في قمع إرادة الشعب السوري.

 

تواصلت إيران وحزب الله مع حماس وأكدتا دعمهما لها في دفاعها عن قطاع غزة، غير أن هذا التواصل افتقد إلى الحرارة والسرعة التي كانت تميز مواقفها سابقا. وتحمل الأيام القادمة إمكانية تسخين العلاقة بين الطرفين، بعد أن أثبتت حماس وقوى المقاومة الفلسطينية أنها الرافعة والقاطرة الحقيقية للمقاومة، وأنها مركز أي "محور مقاومة" حقيقي ينشأ في المنطقة، وبعد أن ظهرت مؤخرا آفاق مقلقة لإيران وحلفائها في سوريا والعراق.

 

وزير الخارجية القطري خالد العطية رأس الدبلوماسية القطرية الداعمة للمقاومة في غزة (رويترز)

خارطة إقليمية جديدة

كشف الأداء البطولي للمقاومة في القطاع حقيقة التحالفات وتقاطعات المصالح التي نشأت قُبيل العدوان الإسرائيلي، كما أنه حمل في الوقت نفسه فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية، من خلال:

 

* إعادة الاعتبار لقوى المقاومة الفلسطينية ودورها الرئيسي في ترتيب البيت الفلسطيني والشراكة الحقيقية في إدارة المشروع الوطني الفلسطيني.

 

* إعادة الاعتبار للإسلام السياسي السني الوسطي المعتدل، وإعادة التفاف الجماهير العربية حوله، وإزالة وتنظيف كل ما فعله الإعلام الأسود من محاولات لتشويهه.

 

* إعادة تحجيم التيارات الإسلامية المتطرفة التي شوهت النموذج الإسلامي مع تغييب وملاحقة التيارات الإسلامية المعتدلة.

 

* تراجع الحملات المسعورة لسحق التيارات الإسلامية، واضطرار العديد من الأنظمة لإعادة حساباتها، بعد فشل محاولاتها في هذا الإطار، وتزايد حدة الغضب الشعبي عليها بسبب تقصيرها أو تواطئها في العدوان.

 

* دخول الطرف الإسرائيلي في أزمة إستراتيجية جديدة، وتصاعد حالة القلق الداخلي بعد فشله في ضرب المقاومة ونزع سلاحها. ودخوله كذلك في أزمة سياسية داخلية بسبب فشل حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي في أداء مهامهما.

 

ومع ذلك، فإن ما أنجزته المقاومة هو عامل "محفز" للتغيير في الأوضاع الإقليمية ولكسر الهجمة المرتدة ضدّ "الإسلام السياسي" وقوى المقاومة. ولكنه لم يتطور بعد ليكون عاملا "حاسما" في التغيير، ذلك لأن عملية التغيير الإقليمية تحركها عوامل عديدة ولاعبون كبار إقليميون ودوليون، غير أنه يبقى عنصرا مهما في عملية "التدافع" وفي "صراع الإرادات" وعملية التشكل وإعادة التشكل التي تشهدها المنطقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/14-

الجغرافيا العسكرية وتطور المقاومة في غزة

الجغرافيا العسكرية وتطور المقاومة في غزة
أحمد فايق دلول
باحث سياسي-غــزة

 

ثمَّة علاقة جدلية تكاملية بين الجغرافيا والعمل العسكري، أو الجغرافيا العسكرية والعمل العسكري، فالحروب والاعتداءات العسكرية والاجتياحات والاقتحامات كلها ترتبط إلى حد كبير بالجغرافيا العسكرية، وتتوقف على مدى صلاحية المكان المستهدف أو ملاءمته العمل العسكري.

 

والجغرافيا العسكرية أو جغرافيا الحروب تهتم بالدور الحيوي الذي تلعبه العوامل المكانية والجغرافية في الحروب والنزاعات المسلحة، وتهتم بمسائل جيوبولتيكية كخطط المعارك، والتحليل الأرضي والجيوإستراتيجي والمعدات الحربية والإمكانيات التسليحية.

 

وتأخذ الجغرافيا العسكرية في الاعتبار عدداً من العوامل، مثل: التضاريس، والمرتفعات، والمنخفضات، والأودية، والأخاديد، والجبال، والهضاب، والمناطق الصحراوية، والمناطق الزراعية، وخاصة التي تتمتع بأشجار عالية كالغابات، والمناطق المستقيمة والملتوية، والمناطق الطولية أو العرضية والدائرية، والمناطق البحرية أو المغلقة.

 

وتكمن أهمية الجغرافيا العسكرية في كونها تساعد في تحليل المعارك والحروب من حيث توزيع القوات المسلحة، وتوزيع الأسلحة لكل قوة أو كتيبة أو فرقة، وقياس قدرات كل فرقة، وبحث كيفية إمدادات كل فرقة سواء بالسلاح أو الطعام أو الاتصال بهم وإدارتهم أو توجيههم من خلال غرف العمليات أو غرف التوجيه والتحكم.

 

من آثار الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أسوشيتدبرس)

واقع الجغرافيا العسكرية لقطاع غزة

أمَّا في قراءة سريعة للجغرافيا العسكرية لقطاع غزة، يمكن القول إن قطاع غزة شريط سهلي ساحلي طولي صغير المساحة ومستوي السطح ويخلو من التضاريس، حيث تبلغ مساحته 365 كيلومترا مربعا، ويبلغ طوله 46 كيلومترا، بينما يبلغ متوسط عرضه سبعة كيلومترات، أي 14 كيلومترا كحد أقصى وستة كيلومترات كحد أدنى.

 

ويفتقر القطاع إلى التضاريس، إذ إنَّه مسطح بري أشبه بالمسطح المائي سوى بعض المناطق المرتفعة قليلاً من حي الزيتون والشجاعية وتل الزعتر وجبل الريس، هذا في ضوء أن هناك الكثير من المناطق "الرخوة" بالمفهوم الإستراتيجي، ولا تصلح لصد العدوان، وبالتالي تشكل عبئاً على المقاومة. وهذا ما يجعل المقاومة الفلسطينية تدرك محاذير ومخاطر الانجرار إلى الأرض السهلية التي تتمركز فيها آليات الاحتلال وترصدها طائراته.

 

كما يفتقر القطاع إلى الأخاديد والجبال بالمفهوم الجغرافي، ولا يوجد به مناطق صحراوية كصحراء النقب أو سيناء أو غيرها من الأماكن التي لا تسمح للجيش بالعيش فيها أو السير فيها راجلاً، أما بخصوص المناطق الزراعية التي تكثر فيها الأشجار فهي نادرة في هذه الآونة، خاصة بعد تجريف أشجار البرتقال والزيتون بواسطة الجرافات الصهيونية بعد اشتعال انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000. ولا توجد في قطاع غزة مناطق وعرة كما الحال بالنسبة لأحراش يعبد في جنين أو نابلس أو الضفة الغربية بصفة عامة أو جنوب لبنان.

 

أمَّا بخصوص الأودية، فهي لا تعدو أن تكون مجرد أخاديد رفيعة لا تمتلئ بالمياه إلا في المواسم. وعلى أية حال، تبقى أودية لا تتمتع بعمق ولا تصلح لأعمال عسكرية، لأنها تكون مرصودة بسلاح الجو الصهيوني.



أمَّا حدود قطاع غزة، فهي الأخرى حدود طولية مستقيمة ولا تتمتع بالالتفاف أو الالتواء، وبالتالي يمكن رصدها من الشمال إلى الجنوب أو من الشرق إلى الغرب بسهولة ودون أي عناء.

 

صلاة الجنازة على عائلة الأسطل التي استشهد عشرة من أبنائها في قصف إسرائيلي (أسوشيتدبرس)

بدائل المقاومة الفلسطينية

وفي ضوء هذا الوضع الجغرافي العسكري لقطاع غزة يكون من غير المجدي توزيع القوات المسلحة ضمن فرق وتوزيع الأسلحة عليها، ويكون من السهل التعرف على قدرات كل فرقة وإمكانياتها وعددها، وإذا ما تمَّ إمدادها بالدعم اللوجستي، يكون من السهل على أجهزة الرصد المعادية كشفها من خلال الأقمار الاصطناعية أو طائرات الاستطلاع.

 

في العدوان الصهيوني الأسبق على قطاع غزة (2008-2009) استطاع الاحتلال كشف قطاع غزة وكأنه لوحة فسيفسائية مكشوفة أمامه، كما استطاع بفضل وجود السطح المعتدل أن يحرِّك آلته العسكرية إلى وسط قطاع غزة والتمركز في منطقة مفترق الشهداء جنوب مدينة غزة (مكان مغتصبة نتساريم سابقاً)، وفصله إلى جزأين.

 

وبالتالي لم يعد بإمكان أحد أن ينتقل من الجنوب إلى الشمال أو العكس إلا بتنسيق مسبق بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وقوات الاحتلال المتمركزة هناك. وهذه الحالة قابلة للتكرار في أي اجتياح صهيوني قادم إلا إذا تمَّ اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار حالة كهذه.

 

كل هذه المعطيات تجعل من قطاع غزة أرضاً غير صالحة عسكريا من منظار الجغرافيا العسكرية وعلم الإستراتيجية، وهذا الأمر هو أحد مبررات انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة في نوفمبر 2005. مع التأكيد على أن كثرة المباني والأزقة والشوارع في القطاع تأتي في صالح المقاومة الفلسطينية، وهو ما يفسر عدم رغبة الاحتلال الإسرائيلي خوض حرب شوارع.

وأثناء عدوان (2008-2009)، قام الجيش الصهيوني بتقطيع غزة لأكثر من جزء، واعتلى أسطح المنازل ليكشف بذلك أغلبية المناطق غير المقام عليها المباني. إلا أن قواته المدججة بأحدث أنواع الأسلحة لم تستطع اجتياح غزة بالكامل واضطرت صاغرة أن توقف العدوان من طرف واحد.

 

وفي ضوء الاستفادة من التجارب العسكرية السابقة، كان لزاماً على المقاومة الفلسطينية أن تغير إستراتيجياتها و"تكتيكاتها" العسكرية تجاه الكيان الصهيوني، بحيث تعمل على إيجاد طرق ووسائل وأساليب جديدة لحماية القطاع من أي عمل عسكري صهيوني، وذلك لأن الجغرافيا في غزة فرضت على المقاومة نوعاً صعباً من "التكتيك" العسكري.

 

من جانبها، اجتهدت المقاومة الفلسطينية في التغلُّب على المشكلة، فاستفادت من تجارب الاحتلال الصهيوني في مسألة نقل المعركة إلى الخارج كما حدث في حرب 1956، 1967، 1982، وغيرها، وهذا ما قاد المقاومة إلى التفكير في عمليات الاقتحامات والإنزال والمهام الخاصة، في ما يطلق عليه "الكوماندوز"، أو ما يقابله عند حماس تحت اسم "وحدة الضفادع البشرية، حيث استطاعت حماس أن تختبر إمكانية الاقتحام من خلال المجموعتين اللتين اقتحمتا قاعدة زيكيم العسكرية في بداية العدوان الحالي.

 

وبجانب ما سبق، طوَّرت حماس صواريخها التي كانت بدائية للغاية، فأصبحت تصل إلى 12 كيلومترا، ثمَّ تطورت إلى سجيل 55 كيلومترا، ثم تطورت إلى M75 (يصل إلى 75 كيلومترا)، وصاروخ J80 (يصل مداه بين 50 و100 كيلومتر)، وأخيراً صاروخ R160 (يصل إلى 160 كيلومترا). وكلها صواريخ سميت تيمناً بقادة العمل الإسلامي مثل القسام والجعبري والرنتيسي والمقادمة، وربما نكون أمام مفاجآت جديدة في الأيام القادمة.

 

وتمكنت هذه الصواريخ من تغيير حيثيات المعادلة العسكرية الصهيونية، وشكَّلت مهدداً للأمن القومي الإسرائيلي. وعليه، ليس من المستبعد أن يقوم الاحتلال الصهيوني بإخلاء المغتصبات القائمة في غلاف قطاع غزة حتى تبعدها عن وابل الصواريخ.

 

واستطاعت حماس -ولأول مرة وفي تطور غير مسبوق- أن تصنع طائرات حربية بدون طيار لتنفيذ مهام خاصة، فالنوع الأول يقوم بمهام الاستطلاع والتصوير والرصد، حيث استطاعت تصوير مقر وزارة الحرب الصهيونية. والنوع الثاني يقوم بتنفيذ مهام هجومية انتحارية على غرار ما قامت به المقاومة في أول سنوات الانتفاضة، ولكن بواسطة الجو. أما النوع الثالث والأخير فهو خاص بمهام القصف وإلقاء الصواريخ كما تفعل طائرات الاستطلاع الصهيونية من قصف بعض المواطنين.

 

جثمان الطفل إبراهيم الدواوشة 12 عاما في ثلاجة مستشفى الشفاء بغزة بعد أن قضى في قصف إسرائيلي (أسوشيتدبرس)

الأنفاق.. إستراتيجية جديدة قديمة

عند إقدام الاحتلال على الاجتياح البري لغزة، تضطر حماس لاستخدام "تكتيكات" ووسائل أو حتى إستراتيجيات أخرى، ومن هنا لجأت حماس إلى حفر عدد غير معلوم للعامة من الأنفاق في أماكن مختلفة من قطاع غزة. ومن المؤكد أن الأنفاق هي الهم والعائق الأكبر لأي اجتياح بري صهيوني لقطاع غزة في هذه الآونة، حيث جرَّبتها حماس من قبل ضد أهداف عسكرية إسرائيلية في 2005-2006.

 

ويتركز استخدام الأنفاق في إطلاق الصواريخ تجاه الأراضي المحتلة من خلال منصات مجهزة استعاضت بها حماس عن العناصر التي كانت هدفاً للطائرات الحربية الصهيونية في الفترات الماضية، أو من أجل اصطياد الآليات العسكرية التي تقوم بعملية الاجتياح، وهو ما حدث بالفعل في غير مرَّة، حيث كان المقاوم يخرج من النفق (الشخصي) ويستهدف الدبابة أو الجيب المصفح ثم يعود إلى مخبئه مرَّة أخرى، مع استخدامه بعض وسائل التمويه مثل الأشجار أو القماش المشابه للون التربة.

 

وفي نفس السياق، أبدعت حركة حماس في تجهيز الألغام الأرضية والصواريخ المضادة للآليات المتحركة من دبابات و"جيبات" وناقلات جند، وإن كان بعضها مستورداً مثل صواريخ الكورنيت.

 

وأظهر العدوان الأخير إمكانيات حماس في استخدام الصواريخ المضادة لسلاح الجو الصهيوني من أجل إسقاط الطائرات أو إخراجها من أجواء غزة، حيث استطاعت إسقاط ثلاث طائرات حربية دون طيَّار، كما تمكَّنت من تحييد الطيران قدر المستطاع.

 

ومن المعلوم أن الطيران لا يحسم معركة، بل يتم حسم المعركة بواسطة المشاة وبمساعدة من سلاح الجو، وبالتالي فإن طرد سلاح الجو من سماء المعركة يعني حتماً حدوث حلقة مفقودة لدى جيش العدو، وهو ما يمكِّن المقاومة من استهداف الآليات المتحركة على الأرض، وبالتالي تحرز المقاومة انتصاراً لا بأس به.

 

وأخيراً، رغم ما تمتلك دولة الاحتلال الصهيوني من عدة وعتاد وسلاح بمختلف أنواعه، تمتلك المقاومة أهم سلاح في المعارك العسكرية أو أهم عنصر من عناصر تحقيق النصر، ويتمثل هذا السلاح في "الإرادة"، وهو السلاح الذي لا يمتلكه جيش الاحتلال الصهيوني.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/14-

المقاومة.. تطوير قدراتها وعقيدتها القتالية

المقاومة.. تطوير قدراتها وعقيدتها القتالية

 

حمزة إسماعيل أبو شنب
باحث ومحلل سياسي فلسطيني

 

يتطور أداء المقاومة مع العدوان الرابع على قطاع غزة خلال السنوات العشرة الأخيرة، فقد سعت -وفي مقدمتها كتائب القسام- لمعالجة وتطوير قدراتها القتالية وتغيير تكتيكاتها العسكرية بعد كل مواجهة، مما جعلها تسجل تفوقا ميدانيا في الاشتباك مع الاحتلال. وإن كانت هذه الحرب تميزت باستخدام إستراتيجية سلاح الأنفاق، إلا أنها طورت أدواتها وإستراتيجياتها التي اعتمدت عليها في المراحل السابقة.

 

البعد النوعي والإستراتيجي لسلاح الأنفاق لم يكن وليد العدوان الأخير فحسب، فقد تطور على ثلاث مراحل. ففي المرحلة الأولى هدف بناء الأنفاق إلى نقل العتاد العسكري والأدوات القتالية للمقاومة الفلسطينية، ونشطت في انتفاضة الأقصى عام 2000، وقد ساهم استخدامها في رفع حدة المواجهة مع الاحتلال.

 

واحد من الأنفاق التي كشفتها قوات الاحتلال واستخدمتها المقاومة الفلسطينية في توجيه ضربات موجعة للاحتلال (الأوروبية)

سلاح الأنفاق

ونقلت المرحلة الثانية تجربة الأنفاق من مجرد ممر لنقل العتاد إلى وسيلة لتجاوز التحصينات العسكرية والابتعاد عن التكنولوجيا الحديثة في حماية المواقع العسكرية قرب المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة، فكانت التجربة الأولى بتاريخ 26 سبتمبر/أيلول 2001 حينما فجرت كتائب القسام عبوة كبيرة أسفل موقع "ترميد" العسكري قرب بوابة صلاح الدين في رفح على الحدود المصرية الفلسطينية.

 

تلتها عملية في 13 ديسمبر/كانون الأول 2003 أسفل موقع "حردون" العسكري في حي يبنا برفح، أما النقلة النوعية في عمليات الأنفاق فجاءت في 28 يونيو/حزيران 2004 عندما فجرت كتائب القسام وصقور فتح نفقا يبلغ طوله 495 مترا بثلاثة عيون حفر أسفل الموقع العسكري المسمى موقع "محفوظة"، ويطلق عليه الاحتلال اسم موقع "اروحان".

 

وتوالت عملية حفر الأنفاق، ففي 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 حفر نفق آخر شرق مدينة غزة للوصول إلى موقع "ملكة" العسكري على طريق "نتساريم" المنطار، وفي يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول 2004  نفذت كتائب القسام وصقور فتح عملية رفح "براكين الغضب" أسفل موقع عسكري على الحدود المصرية.

 

لقد عجز الاحتلال عن التصدي لعميات الأنفاق في قطاع غزة والتي نقلت العمل العسكري للمقاومة الفلسطينية تجاه المستوطنات والمواقع العسكرية من الهجوم فوق الأرض وبقذائف الهاون إلى العمل بعيدا عن أعينه، فكانت سلاحا ساهم في إجباره على الانسحاب من قطاع غزة في سبتمبر/أيلول 2005.

 

ودشنت المقاومة المرحلة الثالثة بنجاح عملية خطف الجندي شاليط  2006. وتجلى استخدامها في عدوان "الجرف الصامد" أو "العصف المأكول" على قطاع غزة، فشهدت تطورا في نقل المعركة من داخل قطاع غزة إلى الخطوط الخلفية للمواقع العسكرية المقامة على الأراضي المحتلة عام 4819.

 

كما طورت الأنفاق من حيث طول المدى والعمق واستخدام الأفراد، فأصبحت تصلح لمسافات طويلة، كنفق العين الثالثة الذي كشفته الطبيعة في مارس/آذار من العام الحالي، فبلغ مداه ما يقارب 1800 متر. كما لم يعد المقاتل يجثو على ركبتيه لتنفيذ المهمة العسكرية، بل يسير واقفاً على قدميه في نفق محصن بالمواد الإسمنتية.

 

ستة صواريخ جي 180 أطلقتها كتائب القسام من قطاع غزة على مدن إسرائيلية (أسوشيتدبرس)

عقيدة قتالية جديدة

أسهم تغيير العقيدة القتالية للمقاومة الفلسطينية في تحقيق نجاحات ميدانية مهمة، فتمكنت من تحييد العناصر القتالية للاحتلال، كالتطور التكنولوجي في المراقبة والتجسس واستخدام سلاح الطائرات والمدرعات لحسم أية معركة وأية مواجهة، وأفشلت مخططات جيشه.

 

فبعد أن اعتمدت في السابق على ثلاثة عناصر في المواجهات، وهي: الاستشهادي الذي لا يعود من أرض المعركة حياً، وقلة عدد المهاجمين فلم يتجاوز الثلاثة استشهاديين، والعنصر الذي ينفذ كافة المهمات من عمليات إطلاق نار وإطلاق الصواريخ والرصد والرباط على الحدود وغيرها من المهمات التي توكل له.

 

ومع التطور النوعي للمقاومة وتطور أدواتها تغيرت العقيدة القتالية، فلجأت إلى إعداد مقاتلين بمهمات محددة تنفذ ثم يعود المقاتل، عملت على رفع العدد في العمليات الهجومية من ثلاثة أفراد إلى العشرات من المقاتلين في العملية الواحدة، وعززت من إجراءات السلامة والانسحاب للأفراد في تنفيذ المهمات، كما سعت إلى تنظيم صفوفها فأصبحت عبارة عن ألوية متعددة ووحدات عسكرية، كسلاح الدروع والمشاة والاستخبارات والرصد والإعلام.

 

لا يختلف اثنان على أن المقاومة لا تمتلك الترسانة العسكرية كما الاحتلال، فموازين القوى لا تُقارن، ولكنها نجحت في تحييد العقيدة القتالية ونقلتها إلى المواجهة المباشرة، وهو ما لا يتقنه جنوده.

 

واحد من المساجد التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي في قصفه لغزة (الأوروبية)

عناصر قوة المقاومة

بعد كل مواجهة تعمل المقاومة على تقييم أدائها والاستفادة مما مرت به من تجارب، ولقد اتسمت حالة الاشتباك بالهدوء وعدم الانجرار خلف الدوافع العاطفية والحماسية كما في السابق، وقد تجلت نقاط قوتها في عدة أبعاد سنقوم بسردها بصورة ملخصة، وهي:

 

  • 1. البعد الميداني: ويتخلص في عنصر المفاجأة، فعملت المجموعات العسكرية المختلفة على مفاجأة الاحتلال بالصواريخ البعيدة المدى التي تصل إلى 160 كيلومترا، وطائرات الاستطلاع المصنعة محليا، وتنفيذ عمليات إنزال خلف خطوط العدو، والعملية البحرية، يليه الضبط الميداني برفع وتيرة الرشقات الصاروخية أو تخفيضها، وضبط مداها وتوقيت تنفيذها، كذلك القدرة على التمويه والتخفي خلال أداء المهمات القتالية، والعمل وفق خطة مدروسة ومعدة مسبقا.

 

  • 2. البعد الاستخباراتي: عملت المقاومة وفق منظومة استخباراتية طورتها خلال السنوات الماضية، وقد نجحت في جمع المعلومات عن مواقع العدو ورصد تحركاته لاتخاذ القرارات المناسبة ومعرفة اتجاهاته وتقدير خطواته، وتكلل النجاح الاستخباراتي في عمليات الإنزال وتوجيه الضربات بقذائف الهاون مما أصابها إصابات مباشرة، كما عملت على توجيه رسائل للجبهة الداخلية الإسرائيلية في إطار الحرب النفسية، كاختراق بث القنوات الإسرائيلية وتوجيه رسائل عبر أجهزة الاتصال المحمولة.

 

  • 3. البعد الأمني: ملاحقة العملاء وردعهم وزيادة الوعي الأمني لعناصر المقاومة كان عاملاً مهماً في نجاحها في المواجهة مع الاحتلال، فأطلقت حملة "مكافحة التخابر" لتوعية المجتمع الفلسطيني وتحذيره من الأساليب المتطورة المستخدمة في تجنيد العملاء، كتقديم المساعدات الخيرية والمنح الدراسية، كما ركزت القوى الأمنية في قطاع غزة على العمل على ردع العملاء كفتح باب التوبة، والملاحقة المتواصلة والعقوبات القاسية، مما أضعف المعلومات الاستخباراتية وعطل الجهود الأمنية للعدو وعجز عن استهداف القيادات وتوقع قدرات المقاومة.

 

  • 4. البعد الإعلامي: لا يقل الجهد الإعلامي أهمية عن الجهد الميداني، ويمكن اعتبار أداء المكتب الإعلامي لكتائب القسام من أبرز صور التطور في أداء المقاومة، فتميز أداؤه بسرعة البلاغات العسكرية، وصدق روايته مقابل كذب الرواية الإسرائيلية، فأصبحت المصدر المعتمد للجمهور الفلسطيني وأضحت أكثر مصداقية للجمهور الإسرائيلي.

 

كما خلقت رمزية للناطق الإعلامي لكتائب القسام والرسائل الإعلامية التي يبثها، كذلك الاهتمام بالتوثيق بالصوت والصورة، وكان أبرزها عملية "ناحل عوز" التي كان لها وقع بليغ على معنويات جنود الاحتلال وجمهوره، وركزت على البعد الأمني في الأداء الإعلامي فلم تبرز صور المقاتلين أو أصواتهم، وأثرت بصورة واضحة في رفع الروح المعنوية للجمهور الفلسطيني كالإعلان عن أسر جندي بعد مجزرة الشجاعية وتوجيه العديد من الرسائل الإعلامية كبث مقتنيات لجنوده، وصور لتصنيع الصواريخ أثناء المعركة وقبلها.

 

من مخلفات القصف الإسرائيلي على حي الشجاعية في قطاع غزة (أسوشيتدبرس)

مقاومة وطنية

لقد بنى الإسرائيليون قرار العدوان على غزة على افتراضات خاطئة، فلم يكونوا يتوقعون أن تقرر حركة حماس المواجهة بعدما تعرضت له ثورات الربيع العربي من إجهاض، وعولوا على الخطوات المصرية تجاه الأنفاق لمنع وصول السلاح للمقاومة، والتقدير الاستخباراتي المغلوط بامتلاكهم المعلومات الكافية عن حركة حماس مما يجعل إسرائيل قادرة على ضربها، كذلك عجزهم عن فهم كيفية تفكير قيادات كتائب القسام واعتمادها على التصنيع الذاتي للأدوات القتالية واستنهاض الطاقة البشرية في التطوير وبناء الأنفاق.

 

هذه جولة جديدة من جولات الصراع ولن تكون الأخيرة، وهذه النجاحات لا تعني أن موازين القوى قد اختلت لصالح المقاومة، لكن أبرز نتائجها أنها رسخت مبدأ الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس سلاح المقاومة، وهذا ما لم يحدث يوما بالمفاوضات، وعملت على إنضاج الوعي الفلسطيني والعربي، وأخرجته من ثوب الضعف وعقدة الجيش الذي لا يقهر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/14-

المقاومة تتفوق أخلاقياً على إسرائيل

المقاومة تتفوق أخلاقياً على إسرائيل

 

أحمد عبد العال-غزة

 

أظهر تركيز المقاومة الفلسطينية على استهداف جنود الاحتلال العسكريين وتجنبها استهداف المدنيين تفوقاً أخلاقياً على الجيش الإسرائيلي الذي كانت الكثير من أهدافه مدنية أدت لاستشهاد مئات الأطفال والنساء والشيوخ في آلاف الغارات على قطاع غزة منذ بداية العدوان. 

 

الخبير العسكري اللواء واصف عريقات قال إن إسرائيل حاولت استعطاف العالم بتسويق نفسها على أنها الضحية في ظل محيط عربي وإسلامي "إرهابي" وتصوير نفسها المظلومة. فكان رد المقاومة عليها أن استهدفت العسكريين الإسرائيليين وتجنبت المدنيين، لتظهر الصورة واضحة أن الجيش الإسرائيلي هو من يقتل النساء والأطفال، بينما المقاومة تقتل فقط الجنود الذين يقتلون هؤلاء الأطفال.

 

واعتبر عريقات في حديث للجزيرة نت أن "المقاومة بذلك تفوقت في الحرب الحضارية الأخلاقية، وأظهرت الانحطاط الأخلاقي عند الجيش الإسرائيلي الذي يقتل النساء والأطفال".

 

جنود إسرائيليون يودعون رفيقهم في الجيش بعد مقتله على يد المقاومة الفلسطينية التي لم تستهدف إلا جيش الاحتلال (الأوروبية)

أما الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي، فأكد أن المقاومة الفلسطينية واعية وتدرك أن الاحتلال يسوق إصابة المدنيين عنده ليبرر مجازره في قطاع غزة.

 

وقال الريماوي للجزيرة نت أن إسرائيل في هذه المعركة فشلت في إظهار صورة أن المقاومة تستهدف المدني الإسرائيلي لتصبح "عارية" أمام العالم، كونها هي من يستهدف المدنيين في غزة دون مبرر، بينما المقاومة سحبت ذرائع جيش الاحتلال".

 

ورأى أن ذلك انعكس على التأييد الواسع للمقاومة الفلسطينية في أوروبا وأميركا وكثير من الدول، حيث شهدنا حالة مساندة لم تكن موجودة من قبل في هذه الدول، معتبراً أن التفوق في البعد الأخلاقي في إدارة المعركة من خلال استهداف مباشر للعسكريين هو انتصار كبير لها". 

 

المقاومة الفلسطينية تجنبت قتل المدنيين رغم استهداف الاحتلال للمدنيين في غزة للضغط على المقاومة (الأوروبية)

وأكد الريماوي أنه وفق اعتراف الاحتلال فإن هناك توجيهاً نارياً يقصد العسكريين الإسرائيليين وفق المعطيات الرقمية حيث إن حجم الإصابات في إسرائيل كان معظمه للعسكريين الذين قتلوا وأصيبوا بقذائف المقاومة وعلى أطراف قطاع غزة عند محاولة الدخول البري للقطاع، وهذا ما يعزز رواية المقاومة أنها تجنبت استهداف المدنيين.

 

واعتبر أن إبقاء المقاومة الفلسطينية على المواجهة من خلال استهداف العسكريين أظهر حالة فشل للجيش الإسرائيلي على الأرض، والذي بدوره كان يرد بالتعبير الناري تجاه المدنيين، بينما المقاومة كانت تدير المعركة بأخلاقية عالية وعقلانية وأفرزت حالة إبداعية يمكن أن ترفد تاريخ النضال الفلسطيني وتعززه.

 

وفي السياق، رأى الريماوي أن تهديد المقاومة بجعل كلّ المدن الإسرائيلية في دائرة استهدافها، وتحديد مواعيد سابقة للقصف هو لإيجاد حالة من توازن الرعب بهدف إحداث حالة إرباك داخل المجتمع الإسرائيلي، وشل كافة مرافق الحياة العامة التي يمكن أن تستخدمها الحكومة الإسرائيلية في تعزيز جبهتها الداخلية ودعم عدوانها على غزة، وقد نجحت المقاومة في وسيلة الردع هذه من خلال التلويح بالفعل.

 

نجل القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، الذي استشهد في تدمير إسرائيل لمنزل الضيف (الأوروبية)

وخلص بالقول "إن هدف المقاومة إظهار توازن الرعب هو وقف استمرار المعركة، حيث كانت المقاومة تطرح بدائل لذلك وهي التهدئة مقابل تحقيق الشروط، لكن إسرائيل كانت تقتل المدنيين وتضغط على المقاومة من أجل الوصول إلى التهدئة".

 

وكانت كتائب القسام قالت في بيان سابق لها "حاولنا قدر الإمكان طوال الحرب التركيز على استهداف العسكريين من جنود وضباط العدو ومواقعه ومطاراته العسكرية وتجمّعات جنوده، وتجنبنا -بقدر الإمكان- استهداف غير العسكريين".

 

واستدرك البيان "لكن الاحتلال كان ولا يزال يغطّي على خيبته باستهداف مركّز للمدنيين الفلسطينيين وللآمنين في بيوتهم ولتجمعات المواطنين الأبرياء، واختار الهروب بجنوده من ساحة المعركة الحقيقية مع القسام والمقاومة، وآثر الاستمرار في استهداف المدنيين بالقصف الجوي والمدفعي، وإن استمراره في هذه السياسة سيجعل كلّ المدن الصهيونية في دائرة استهدافنا، فليست هناك حياة أغلى من حياة أبناء شعبنا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/14-

"جنود" بثياب بيض

"جنود" بثياب بيض

 

أيمن الجرجاوي-غزة

 

يتنقل الطبيب الفلسطيني أيمن السحباني بين أسرّة المصابين في قسم الاستقبال والطوارئ بمجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة بنشاط وحيوية، على الرغم من انقضاء أكثر من شهر وهو على هذه الحال دون راحة أسبوعية حتى خلال فترات التهدئة الإنسانية.

 

وعلى جانبي قسم الطوارئ يرقد مصابون على أسرّة متقابلة قريبة من بعضها، فالمكان لا يتسع لأعداد الجرحى الكبيرة التي تصل كل دقيقة أحيانًا، بينما يقوم عمال النظافة باستبدال أغطية الأسرّة التي تقطر دمًا جراء "فظاعة" الإصابات وخطورتها.

 

ولا يجد الطبيب السحباني الذي يرأس قسم الاستقبال والطوارئ و"جنوده المجهولون" الذين يرتدون ملابس خضرا، وقتًا لتجفيف عرقهم الذي بات ينز كالدم، فضغط العمل وما سببه من إرهاق جسدي جعل ساعة من الراحة ترفًا بعيد المنال.

 

ويسترق بعض الأطباء ساعات التهدئة الإنسانية التي تتوافق عليها إسرائيل والفصائل الفلسطينية للاطمئنان على أسرهم هاتفيًا، لكن مشاهد الأطفال الذين "طحنت" القذائف عظامهم الصغيرة، والنساء اللاتي بترت أطرافهن جراء الصواريخ الإسرائيلية لا زالت ماثلة أمام أعينهم.

 

ولا يخلو يوم من أيام العدوان من أن يستقبل طبيب أو ممرض أو مسعف حبيبًا له شهيدًا أو مصابًا في المستشفى، فهناك من الأطباء من "فُجع" بأبنائه شهداء، ومن المسعفين من ذهب لينقل الضحايا فوجدهم فلذات كبده، ورغم أن القطاع الصحي فقد نحو 16 من كوادره بفعل العدوان فإن إرادتهم قوية للاستمرار بمهمتهم الإنسانية، كما يؤكد السحباني للجزيرة نت.

 

وما يزيد أوضاع العاملين في القطاع الصحي في غزة سوءًا عدم تلقيهم رواتب للشهر الخامس على التوالي بسبب صرف الحكومة الفلسطينية رواتب موظفي حكومة رام الله السابقة دون موظفي حكومة غزة المقالة، "فكثير من الأطباء جيوبهم خاوية، ويضطر بعضهم للاستدانة لكي يأتي لأداء عمله في المستشفى"، كما يقول رئيس قسم الاستقبال والطوارئ.

 

الممرضة المتطوعة شفا جابر أثناء أدائها عملها (الجزيرة)

وضع كارثي

الوضع الصحي "الكارثي" ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية في قطاع غزة شكّل تحديًا كبيرًا أمام عمل الأطباء، لا سيما أن قسم الطوارئ -يضيف السحباني- يستقبل يوميًا ما بين مائتين وثلاثمائة مصاب بجروح متفاوتة خلال أيام العدوان، فضلا عن أيام المجازر التي كانت تصل فيها أرقام المصابين والشهداء لمستويات قياسية.

 

عدد الإصابات غير المسبوق دفع المستشفى لافتتاح أقسام جديدة للعناية المركزة، وإيفاد بعض الجرحى للتداوي في المستشفيات الخاصة داخل القطاع، وترحيل حالات قليلة لمصر والأردن والضفة الغربية، كما أبلت -يضيف السحباني- بعض الوفود السودانية والأوروبية برئاسة الطبيب النرويجي مادس جيلبرت بلاءً حسنًا.

 

وتفتح السلطات المصرية -بحسب رئيس قسم الاستقبال والطوارئ- معبر رفح بـ"القطارة" لنقل جرحى العدوان المستمر على القطاع، ويقول إن المعبر كان إبان العدوان الأول عام 2008 فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك أفضل مما هو عليه الآن، لكنه يؤكد أن المعبر كان خلال عدوان عام 2012 في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي الأفضل على الإطلاق.

 

ولعل قصف إسرائيل محطة الكهرباء الوحيدة في القطاع فاقم الأزمة في مستشفيات القطاع، وباتت أيدي الأطباء على قلوبهم خشية موت جماعي يتهدد مئات الجرحى والمرضى في حال تعطل المولد الوحيد الذي يعمل به مجمع الشفاء الطبي أو نفاد وقوده.

 

قسم الاستقبال والطوارئ بالمستشفى (الجزيرة)

مشاهد مفزعة

بشاعة مشاهد القتل اليومي وصور الضحايا من النساء والأطفال تركت وقعا كبيرا في نفوس الأطباء والممرضين، لكن طبيب جراحة الأعصاب هاني الهيثم يقول إن أكثر مشهد ترك أثرا في نفسه لم يكن مشهد طفل تعرض للسحق بفعل الصواريخ، ولا امرأة تمَّ تجميع أشلائها التي تناثرت.

 

ويواصل حديثه للجزيرة نت "كان مشهدًا مفزعًا.. دخل علينا رجل مسرع يتصبب عرقًا وخلع إحدى ستائر القسم ثم خرج، وبعد أقل من دقيقة عاد يحمل زوجته بين يديه وقد لفّها بالستارة بعد أن مزقت الصواريخ الإسرائيلية ملابسها. كانت قدماها مبتورتان وتنزفان دمًا وهي تصرخ بأعلى صوتها.. لا أريد أن أعيش هكذا.. أريد أن أموت.. أريد أن أموت".

 

الطبيب الهيثم -الذي لم يتلق راتبه منذ خمسة أشهر- يخشى من فقدان الأطباء في غزة إحساسهم وشعورهم لهول ما رأوا من مشاهد قاسية، "فمئات الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ لفظوا أنفاسهم الأخيرة بيننا".

 

ممرضون أثناء تغيير على جرح لشاب اصيب بقدمه بشظايا صاروخ (الجزيرة)

تكفيني الابتسامة

وفي ناحية أخرى من قسم الاستقبال والطوارئ بمجمع الشفاء الطبي، تقابلك الممرضة المتطوعة منذ سبع سنوات شفا جابر، وتقدم الممرضة الوحيدة في هذا القسم رعاية للجريحات من الحالات الطارئة.

 

الممرضة -التي تبدأ دوامها عند الساعة السادسة والنصف صباح كل يوم- تقول للجزيرة نت إن نظام حياتها غير ثابت طيلة أيام العدوان، "فأنا متفرغة لأداء عملي في المستشفى وإن تطلب الأمر أواصل الليل بالنهار ولا أعود إلى بيتي".

 

وفي الوقت الذي يستغل فيه الأطباء فترات التهدئة لأخذ قسط من الراحة والاطمئنان على عائلتهم، تسارع الممرضة المجتهدة لتجهيز اللوازم الطبية من أجل استكمال العمل بعد انتهاء فترة التهدئة، وتقول إنها تفتخر بنفسها كثيرًا، "ويكفيني دعاء المريضة وابتسامتها في وجهي".

 

الممرض رضا الهباش أثناء تغيير على جرح شاب بترت ساقه (الجزيرة)

العدوان الأبشع

ويعاني الممرضون في المستشفيات من صعوبة في التعامل مع جروح الشظايا الناتجة عن انفجار الصواريخ الإسرائيلية، وما تحدثه من التهابات خطرة في أنحاء الجسم، فضلا عن التعامل مع عدد هائل من الإصابات بشكل يومي.

 

ويقول الممرض رضا الهباش -الذي يعمل في القطاع الصحي منذ 22 عامًا- إن العدوان الحالي على القطاع هو الأبشع على الإطلاق، ويؤكد للجزيرة نت أن عدد الجرحى الذين بترت أطرافهم وأصيبوا بتشوهات وجروح خطيرة مرتفع جدا.

 

وتذرف عيون الهباش الدموع وهو يلف الشاش على قدم أحد المصابين بجراح بليغة في قدمه بفعل شظايا صاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية صوبه، ويضيف "كلهم إخواني وأبنائي.. نحن لا نطلب المستحيل.. نريد أن نتنفس الحرية فقط".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/14-

أميركا اللاتينية.. هنا غزة

أميركا اللاتينية.. هنا غزة
غدير أبو سنينة - مناغوا/ نيكاراغوا

 

اتخذت عدة بلدان في أميركا اللاتينية تقودها حكومات يسارية، مواقف سياسية قوية تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، تجاوزت فيها التنديد والشجب. وفضلا عن نيكاراغوا وفنزويلا وبوليفيا وكوبا التي قطعت علاقتها بإسرائيل سابقا، فقد استدعت تشيلي والسلفادور والبيرو والبرازيل والإكوادور سفراءها في تل أبيب للتشاور بسبب الأوضاع المتدهورة في غزة.

 

كما كان لحكومتي الأرجنتين والأوروغواي مواقف مماثلة، ربما من أبرزها إعلان رئيسة الأرجنتين "كريستينا كريشتر" إسقاط الجنسية الأرجنتينية عن الأرجنتينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية الملتحقين بالجيش الإسرائيلي.

 

وأعلن رئيس الإكوادور رافاييل كوريا إلغاء زيارة رسمية كانت مقررة هذا العام لإسرائيل، منددا بعملية "إبادة" نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وكانت الإكوادور قد سحبت سفيرها بالفعل في 18 يوليو/تموز الماضي، مُدينة بشدة التوغل العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

 

الأعلام الفلسطينية ترفع في مسيرة منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة (الأوروبية)

عقاب جماعي

وعلى صعيد التصريحات، كان التنديد واضحا في ردود أفعال تلك البلدان إزاء ما أسموه بالقوة المفرطة من قبل إسرائيل ضد مدنيين فلسطينيين، فقد وصفت تشيلي تلك العملية الإسرائيلية بـ"العقاب الجماعي لسكان مدنيين فلسطينيين في غزة"، وأشارت إلى أن ما تفعله إسرائيل يُعدّ ضد "القانون الدولي العالمي لحقوق الإنسان".

 

كما أعلنت الدبلوماسية التشيلية أنه "رغم استمرار تشيلي في إدانة إلقاء الصواريخ من قبل حماس ضد سكان مدنيين في إسرائيل، فمن المهم توضيح أن درجة وكثافة العمليات الإسرائيلية في غزة تخرقان مبدأ النسبية في استخدام القوة، وهو إجراء ضروري لتبرير شرعية الدفاع عن النفس".

 

وفي البيرو، أعرب وزير خارجيتها أنه "لا يمكن الاستمرار بوضع كهذا حيث يموت الكثير من المدنيين والأطفال".

 

وسحبت حكومة السلفادور سفيرها من إسرائيل كنوع من الاحتجاج أمام تصاعد العنف في غزة، فيما يعد تطورا من قبل الحكومة التي ظلت لسنوات عديدة بيد اليمين قبل أن ينجح اليسار في تسلم مقاليد السلطة عام 2009 عبر صناديق الاقتراع.
 

وقال الزعيم السلفادوري سلفادور سانشيس سيرين: "نتضامن مع الأطفال والنساء والرجال، مع أشخاص بالغين هم ضحايا قصف عشوائي على قطاع غزة، في الوقت نفسه الذي ندين فيه هذه الأفعال بشدة".

 

فلسطينيون ومواطنون بوليفيون يتظاهرون تأييدا لغزة في بوليفيا (رويترز)

وعي أكبر

ولم تتخلف البرازيل عن ركب الدول اللاتينية المنددة بذلك العدوان، إذ دعت ممثلها في تل أبيب في 23 يوليو/تموز، للتشاور بعد تقرير يدين الاستخدام المفرط للقوة من جانب "الدولة اليهودية" ضد غزة، ثم أعربت الدبلوماسية البرازيلية عن سخطها بسبب ردة فعل وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي وصفت البرازيل في مؤتمر صحفي بأنها "عملاق اقتصادي وثقافي" لكنها "قزم دبلوماسي".

 

الرئيس النيكاراغوي دانييل أورتيغا لم يكتف بعلاقاته المقطوعة مع إسرائيل، بل قال إن في داخل نتنياهو شيطانا وأنه بحاجة للبابا فرانسيسكو لطرده، وأن الشعب الفلسطيني هو "ضحية جنون" نتنياهو الذي لديه هدف واحد هو القضاء على الشعب الفلسطيني.

 

ولا يختلف موقف شعوب أميركا اللاتينية عن مواقف حكوماتها في دعم الشعب الفلسطيني، فقد خرجوا بالآلاف في مسيرات حاشدة دعما لفلسطين، فتاريخ تلك القارة يشهد تعرض شعوبها لمحاولات إبادة جماعية على يد الإمبريالية الداعمة لإسرائيل حاليا، وهي إبادة شبيهة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني.

 

وفي التاريخ الحديث مرّت شعوب هذه المنطقة بكثير من الظروف القاسية، وخصوصا حين حكمتها الدكتاتوريات المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية. مع هذا فقد صرح الكاتب الأوروغواياني روبرتو ماسكارو للجزيرة نت، بأن هناك من يدعم إسرائيل في أميركا اللاتينية من اليهود الذين هاجروا إليها بعد المذابح التي تعرضوا لها في أوروبا، كما لا يمكن إغفال دور الأحزاب اليمينية وتابعيها الذين ينفذون حرفيا ما تأمرهم به الولايات المتحدة، على حد قوله.

 

وبالنسبة للمستشارة في مكتب الرئاسة النيكارغوية، سامبرانا باليسكس، فهي ترى أن جزءا كبيرا من دول أميركا اللاتينية تقدم الدعم للقضية الفلسطينية لأنها قد عانت سابقا من الجيش الإسرائيلي الذي كان يدرب الجيوش الدكتاتوية التي حكمت تلك البلدان في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

 

فجيش الرئيس سوموسا الذي حكم نيكاراغوا بيد من حديد ما بين الأعوام (1974-1979) كان مدعوما من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. لكنها تشير إلى أن ذلك لا ينطبق على جميع دول أميركا اللاتينية، فغواتيمالا مثلا معروف عنها دعمها لإسرائيل، ورئيسها أوتو بيريس مولينا "عسكري قديم، بل متهم بارتكاب مجازر".

 

كما تؤكد باليسكس ما قاله ماسكارو من تأثير الجالية اليهودية الضخمة في أميركا اللاتينية، فبنما مثلا فيها ثاني أكبر جالية يهودية، وهذا يؤخذ بعين الاعتبار. وتتابع أن الجيل الحالي أصبح أكثر وعيا من السابق، وقد بدأ بالخروج من عباءة قصة "شعب الله المختار" المفبركة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/14-

إعلام مجند في الجيش

إعلام مجند في الجيش
عبد الحكيم مفيد
أستاذ الإعلام وباحث في الإعلام الإسرائيلي

 

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتحول فيها النقاش حول الأداء الإعلامي في إسرائيل أثناء الحرب إلى "حرب على جبهة أخرى"، تستدعي في الكثير من الأحيان إعادة النظر في أبجديات العمل الإعلامي.

 

وإذا كان من المفهوم ضمنا أن الإعلام لا يعمل في الأزمات والصراعات والحروب بـ"موضوعية"، فإنه ليس من المفهوم ضمنا إذا كان على الإعلام أن يتحلى بقدر من المسؤولية تجاه ما يحدث أثناء الحرب، ذلك لأن ما يمكن إخفاؤه اليوم لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد.

 

في إسرائيل ما زالت علاقة الإعلام والسياسة والحرب (العسكر خاصة) تشكل إحدى محاور الخلاف الذي نما وترعرع عليها أنماط من التجنيد والإثارة والرقابة والنقد والتوافق، وظلت العلاقة بين الأطراف -وتحديدا في زمن الحرب- تتخذ أشكالا متعددة من السلوكيات، التي لم تخرجها في سياقها العام عن المقولة التي أكد عليها أحد أبرز باحثي الإعلام في إسرائيل، جابي برزيلاي، الذي رأى أن المجتمع الإسرائيلي هو "مجتمع في حرب" وهو يشمل كل مؤسسات المجتمع والإعلام على رأسه، ولعل هذا التعبير كان الأكثر وضوحا وصدقا في ذات الوقت لوصف العلاقة القائمة بين الإعلام والجيش والقيادة السياسية في وقت الأزمات.

 

أثناء أحد البرامج الكثيرة التي بثتها القناة التلفزيونية الثانية في إسرائيل، قال المرشح سابقا لقيادة الجيش الإسرائيلي (يواف غلانت) إن "الإعلام يتصرف بشكل رائع، وإن عليه أن يتصرف هكذا ويبقى مجندا أثناء الحرب"، مضيفا أن "ما يفعله الإعلام الأميركي في العلاقة مع المؤسسة العسكرية أثناء الحرب يمكن أن نفعله نحن كذلك".

 

القصف الإسرائيلي الذي استهدف المساجد يدمر مئذنة مسجد السوسي في غزة (الأوروبية)

لم يكن السؤال حول علاقة الإعلام والمؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل في يوم من الأيام ما إذا كان الإعلام "مجندا" أو يجب أن يكون مجندا في مثل هذه الحالات، فهذا من الأسئلة التي حسمت تاريخيا تقريبا منذ العام 1948، وكانت هذه علاقة متينة مبنية على أساس الفهم أن الإعلام مثل كل المؤسسات الأخرى في الدولة يجب أن يعمل كـ"جندي في الجيش".

 

هذه العلاقة تمَّ ضبطها من خلال مؤسسة الرقابة العسكرية، وكذلك من خلال ما سمي بلجنة المحررين التي تشكلت من رؤساء تحرير الصحف اليومية وكذلك محرري وسائل الإعلام الإلكترونية، وكانت وظيفتها البقاء على اتصال دائم مع المؤسسة الأمنية والسياسية، "للتشاور" و"التفاهم" في النشر الذي يخص القضايا ذات الطابع الحساس (الأمني والسياسي والعسكري بالعموم، وهناك تمَّ تحديد "حدود المسموح والممنوع" الذي كان يحتكم للمصلحة الوطنية.

 

غير أن العلاقة التي كانت تتخذ طابعا متشددا ومنغلقا في سنوات الخمسينيات والستينيات وحتى منتصف السبعينيات سرعان ما اتخذت منحى آخر، أكثر انفتاحا ونقدا بل وجرأة، كان ذلك نتاج تغير الخارطة السياسية في إسرائيل وكذلك التنافس الإعلامي بين وسائل الإعلام، التي صارت تتخذ طابعا تجاريا للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور، والتغير الكبير في تقنيات الإعلام التي صارت تتيح إمكانيات أكثر لتدفق المعلومات دون أن تكون هناك إمكانية للسيطرة عليها.

 

ويقوم الإعلام بالتأكيد على الرموز الوطنية مثل العلم كرمز للوحدة، فيما يركز على قصص "البطولة" الجماعية أو الفردية من خلال أحداث هي بالعموم عادية للغاية لكنها تتخذ طابعا بطوليا إلى حدِّ الأسطورة.

 

حرب غزة

في الحرب الأخيرة على غزة لم يخرج الإعلام الإسرائيلي عن عاداته القديمة، وظلَّ أمينا لطريقه وملتزما بذات القواعد التي تعود إلى أكثر من ستين عاما.

 

وعلى الرغم من التغيرات الكبيرة التي حصلت على مفهوم الرقابة وتدفق المعلومات وعدم القدرة على ضبطها، وتحديدا في عصر شبكات التواصل الاجتماعي التي كانت أحد المصادر الهامة للغاية بالنسبة للمستهلك الإعلامي، إضافة إلى الإمكانيات الإعلامية الأخرى المتاحة بواسطة قنوات الإعلام الفضائية، فإن ذلك لم يغير من القواعد والأسس التي اعتمدتها وسائل الإعلام الإسرائيلية في الحرب على غزة، بل قد تكون هذه الحرب هي الأكثر "تجنيدا" للإعلام إذا استثنينا صحيفة "هآرتس" التي مثلت صوتا مختلفا في التغطية، وتعرض "جدعون ليفي" -وهو أحد أبرز صحافييها- إلى هجوم وصل إلى حد التخوين.

 

جثامين 17 فلسطينيا من عائلة جامع قضوا في قصف إسرائيلي على منزلهم في غزة (أسوشيتدبرس)

آليات إعلام الحرب

ولعلنا نذكر هنا أبرز الآليات التي اعتمدها الإعلام الإسرائيلي في تغطية الحرب على غزة:

* كان من الواضح ومنذ اللحظة الأولى للحرب والتي بدأت منذ اختفاء المستوطنين الثلاثة، أن الإعلام الإسرائيلي (الورقي والإلكتروني على كافة أنواعه) يعمل بالتنسيق مع المؤسستين السياسية والعسكرية، سواء من خلال تبني رواية الناطق بلسان الجيش أو رواية القيادة السياسية والعسكرية بالعموم.

 

* لم تتح وسائل الإعلام الإسرائيلية لأصوات مناهضة أو حتى منتقدة التعبير عن رأيها، وعلى خلاف الشعار الذي رفع سابقا "اسكت إنهم يطلقون الرصاص"، فقد كان الشعار هذه المرة "حرِّض إنهم يقتلون الفلسطينيين".

 

* كان من الواضح تأثير خطاب شبكات التواصل الاجتماعي الذي امتاز بالتطرف غير المسبوق والتحريض على القتل والإبادة، على وسائل الإعلام المركزية، وكانت شبكات التواصل الاجتماعي تشكل نبض الشارع الذي استجابت له وسائل الإعلام والقيادة العسكرية والسياسية.

 

* ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلي على رفع المعنويات لدى الجبهة الداخلية من خلال التركيز إلى حدِّ التضخيم على ما قامت به قوات الجيش الإسرائيلي في الحرب من خلال عمليات عادية للغاية أوصلتها إلى حد "البطولة الفائقة"، فيما تغاضت تماما عمَّا قام به الطرف الثاني وقللت من أهميته، من خلال التركيز على أن هذه العمليات كانت نتاج "خطأ" و"عدم حيطة كافية" لدى الجنود الإسرائيليين، كل ذلك بهدف رفع المعنويات.

 

* استعملت وسائل الإعلام الإسرائيلية الرموز ذات الطابع الوطني وعلى رأسها العلم بهدف خلق "وعي مشترك" و"إجماع وطني"، وكانت هذه الحرب الأكثر تشابها مع حرب 1967 من حيث عرض الصراع وتوصيله إلى حالة حرب على الوجود والبيت.

 

* تبنت وسائل الإعلام الإسرائيلية (عدا صحيفة هآرتس) الرواية الرسمية التي نقلها الجيش وقياداته والقيادة السياسية، بحيث تمَّ نشرها كما هي دون إثارة أي سؤال أو تساؤل.

 

* منعت وسائل الإعلام الإسرائيلية من دخول قطاع غزة بحجة "سلامة الصحفيين" فيما سمح الجيش الإسرائيلي لدخول الإعلام تحت إشرافه وبحسب اختياره، ونقل الصورة التي يريد وهو ما كان مع الإعلام الأميركي والغربي في حرب العراق الثانية.

 

* تمَّ عرض الطرف الثاني وحركة حماس وقيادتها تحديدا، على أنها قيادة تختبئ خلف شعبها أو في الخنادق والأنفاق وتترك شعبها يموت، فيما قيادته في الخارج تتنقل من فندق إلى فندق، وهي بالمناسبة دعاية اعتمدها العرب ووسائل إعلامه خاصة المصرية.

 

* في التأكيد على نصرها، أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية المرة تلو الأخرى نقلا عن القيادة السياسية "عزلة حماس"، والتحالف الجديد بين إسرائيل ومصر والسعودية ضد حماس والمقاومة عامة، وهو ما حاولت القيادة الإسرائيلية إبرازه كانتصار.

 

* تعلق الإعلام الإسرائيلي بالجهات الرسمية العسكرية والسياسية، مما جعله أسيرا لهم، يتبنى أية رواية أو معلومة ينشرونها.

 

* في ظل شحّ المعلومات وعدم التمكن من الوصول إلى الحقيقة، أو بعضها، اضطر الإعلام الإسرائيلي وشبكات التلفزيون خاصة بملأ وقت البث لديها، هكذا رأيناها تستضيف ما هبَّ ودبَّ من الشخصيات السياسية والعسكرية والأكاديمية والمختصة، وبدا المشهد الإعلامي "غوغائيا" يقال فيه كل شيء، بل الشيء وضده في ذات الوقت، وأظهر عدد لا بأس به من "المختصين" جهلا مطبقا في معرفة ما يدور في غزة وحولها.

 

* أخفقت وسائل الإعلام الإسرائيلية إخفاقا شديدا في القيام بوظيفتها الأهم وهي "نقل المعلومات" إلى الجمهور، وكان إخفاقها مضاعفا بسبب عدم نشر ما يجب نشره، وبسبب نشر معلومات خاطئة وكاذبة بشأن الطرف الثاني، أي المقاومة في غزة، حيث تمَّ تكرار مصطلحات مثل "حماس على حافة الانكسار"، و"حماس خسرت المعركة في الشارع"، و"خلال يومين يتم الانتهاء من تدمير الأنفاق"، و"حماس تلقت ضربة موجعة".

 

* كان من الواضح إلى جانب التأكيد على هذه المقولات أن الدعاية الإسرائيلية ركزت على "هزيمة حماس" وليس "انتصار إسرائيل"، وكان الإعلام الإسرائيلي واعيا إلى حقيقة عدم قدرته الترويج لـ"نصر إسرائيلي"، وعليه فقد ركز على "هزيمة حماس".

 

* بشكل غير مسبوق نشر الإعلام الإسرائيلي متعمدا صورا للدمار الكبير في غزة، وصورا للأطفال، وصورا لقصف مواقع في غزة من على الشاشات بهدف واحد، التأكيد على "القوة الإسرائيلية"، وكذلك إرواء روح الانتقام التي كانت لدى الشارع، وهو أمر لم يسبق أن استعملته إسرائيل من قبل، بل كانت حذرة للغاية في نشر صور أطفال قتلى، هذه المرة امتلأت المواقع والشاشات بمثل هذه الصور.

 

* باختصار تصرف الإعلام ككتيبة جيش في الحرب، تصرف على أساس "قومي" كما يتم التصرف بالحرب.

 

العديد من رحلات الطيران ألغيت في مطار بنغوريون الدولي في تل آبيب بسبب صواريخ المقاومة (رويترز)

أبواق الجيش

غير أن مثل هذه السلوكيات المتوقعة للغاية وعلى الرغم من كل المحاولات لإخفائها، فإنها لم تنج من نقد وهجوم وصل إلى حدِّ التشكيك والتكذيب، وإذا كان هناك من هو على علم مسبق بتوقع سلوكية الإعلام الإسرائيلي، فإن هناك أيضا من كشف عوراته الظاهرة.

 

كان موقع "العين السابعة" الإسرائيلي -وهو أحد أهم مواقع النقد الإعلامي، إن لم يكن أهمها- هو الأكثر انتقادا لدور الإعلام الإسرائيلي في الحرب على غزة، ولم ينج منه "روائيو الحرب" على اختلاف أشكالهم.

 

بحسب الموقع "فإن الإعلام الإسرائيلي تصرف على أساس قومي في قضية الأنفاق، وتبنى الرواية الرسمية دون أن تكون هناك أية تساؤلات، وهكذا كان الفشل الذريع في قضية الأنفاق".

 

ويضيف: "كان الأشخاص الذين يتنقلون بين القنوات الثلاث (الأولى الثانية والعاشرة)، هم ذات الأشخاص من الجيش، قسم من هؤلاء مسؤول عن فضيحة الأنفاق لكنه كان يقوم بعلاقات عامة للجيش ليخبرنا أن الجيش يقوم بأعمال كبيرة وأن حماس تلقت ضربة قاسية".

 

وفي مقال آخر حوّل الموقع المختص بالشؤون العربية في القناة العاشرة "تسفي يحزكيلي" إلى مهزلة في مقال بعنوان "النبي يحيزقيل"، حيث تطرق المقال الذي كتبه الصحفي "عوزي بنزامين" -وهو من الصحفيين الإسرائيليين البارزين- إلى تغطية يحزكيلي للحرب، الذي أكد من خلال التغطية المرة تلو المرة على أن "حماس تحت ضغط"، مضيفا أن حماس "لم يبق في حوزتها شيء".

 

كما أن خطاب نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية يشير إلى أنه "جبان"، فيما وبحسب يحزكيلي فإنه سمع "كم أن الشارع الغزي مستاء من حماس بسبب ما لحق به من دمار".

 

غير أن بنزامين، ومن خلال عرض تغطية يحزكيلي على مدار أيام، بيّن كيف أنه أخفق إخفاقا شديدا، وكم أن تغطيته كانت بعيدة عن الواقع، مؤكدا أن يحزكيلي مثل غيره من الصحفيين "امتاز بمنسوب عالي من القومية على حساب مهنيته الصحفية"، وهكذا جاءت التغطية سيئة للغاية.

 

ويرى الصحفي "بن كسبيت" من صحيفة "معاريف" -وهو من الصحفيين البارزين والمقربين من المؤسسة السياسية- يرى أن "رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هو الذي سرّب المعلومات حول الثمن الذي ستدفعه إسرائيل في حالة احتلال غزة، كما يرى الجيش".

 

ويرى كسبيت أن تسريب هذه المعلومات من قبل مكتب نتنياهو جاءت كجزء من الحرب على الصورة، حيث أراد نتنياهو التأكيد على أنه ليس هو من أراد احتلال غزة بل الجيش، وهي محاولة منه للهروب من المسؤولية وتحميل الجيش ذلك".

 

ويشير الموقع إلى تجنيد الصحف المركزية الثلاث "يديعوت أحرونوت، ومعاريف، ويسرائيل هيوم" إلى جانب الرواية الرسمية، وإظهار منسوب عالٍ من القومية والتجنيد، كل ذلك بهدف رفع معنويات الناس على حساب الحقيقة التي كان يجب أن تنشغل بها الصحافة.

 

وتبرز صحيفة "هآرتس" التي أبدت قدرا من "الليبرالية" بحسب الموقع، كوسيلة إعلام مختلفة حيث سمحت لأصوات ومعلومات أخرى غير تلك التي تبناها الإعلام المركزي بالوصول إلى الجمهور، وعلى رأسها تقارير ومقالات جدعون ليفي، ودفعت "هآرتس" ثمن ذلك بالتحريض ووقف الاشتراك من قبل مشتركين يهود.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/14-

إسرائيل.. من الجرف الصامد إلى الجرف الهاري

إسرائيل.. من الجرف الصامد إلى الجرف الهاري

 

وديع عواودة- حيفا

 

رغم اختلال موازين القوى بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة وإغراقها بالنار وسط صمت دولي ودعم عربي سري، انقلبت الحرب الراهنة عليها بعدة مستويات وفق اعترافات إسرائيلية.

 

وتتباين تحليلات المحللين الإسرائيليين الكبار حول إدارة الحرب وسبل إنهائها، لكنهم يتفقون على كونها ضرورة حتمية، والأهم أنهم يتفقون على فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة بإخماد النار في غزة وضرب مقاومتها.

 

وهذا ما أقره الشارع الإسرائيلي وفق استطلاعات رأي متلاحقة أفادت بأن أكثر من 50% منهم يرون أن "الجرف الصامد" فشل، وأن الحرب -في أحسن الأحول- انتهت بعدم حسم.

وعبّر عن خيبة الأمل وأجواء الإحباط السائدة في إسرائيل اليوم رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال عاموس يدلين، بقوله إن الحرب انتهت بنتيجة تعادل رغم اختلال موازين القوى والصمت الدولي والدعم العربي السري.

 

إسرائيليون قضوا ساعات في أقبية المراكز التجارية للاحتماء من صواريخ المقاومة المنطلقة من غزة (الأوروبية)

خيبة أمل

وضمن تحليلاته لأجواء الخيبة في إسرائيل، يشير المعلق البارز نحوم برنيع إلى مقتل 64 جنديا وإصابة 750 جنديا في "الجرف الصامد"، مقابل مقتل تسعة جنود في "الرصاص المصبوب" نهاية 2008.

 

كما يوضح برنيع في مقالته المطولة في "يديعوت أحرونوت" أن خيبة الأمل والشعور بتفويت الفرصة تفاقم بعدما تبين أن إسرائيل استخدمت كميات هائلة من النار وتكبد اقتصادها خسارة بقيمة أربعة مليارات دولار. وعلى غرار محللين كثر يشير للنتائج السياسية والاقتصادية الفادحة لصورة إسرائيل التي تتعرض لمقاطعات متزايدة ومتنوعة.

 

ويؤكد برنيع أن إسرائيل ستعوض الخسارة المالية الفادحة بفرض ضرائب جديدة على الإسرائيليين وبتقليص خدمات الرفاه والصحة والتعليم في السنوات القادمة، نظرا لاستئثار الأمن بحصة الأسد من الموازنة العامة.

 

وكشفت صحيفة "هآرتس" نقلا عن المؤسسة الأمنية أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف مدفعية خلال هذه الحرب بأربعة أضعاف ما أطلقه في حرب "الرصاص المصبوب"، مشيرة إلى أنه أطلق في حي الشجاعية على سبيل المثال 600 قذيفة في الساعة، وفي رفح أطلق ألف قذيفة مدفع في ثلاث ساعات.

 

كما كشفت أن الجيش الإسرائيلي استهلك خمسة ملايين رصاصة و82 ألف قذيفة مدفع ودبابة وخمسين مليون لتر وقود للطائرات المقاتلة خلال هذا العدوان.

 

وتتجلى حالة الحرج والارتباك داخل إسرائيل والناجمة عن فشل الحرب بجدل واسع في أوساط الرأي العام، وبخلافات حادة ومعلنة في صفوف أعضاء الائتلاف الحاكم، وبين الحكومة والمعارضة وبينها وبين الجيش.

 

الخسائر الكبيرة التي مني بها جيش الاحتلال في غزة هزت المجتمع الإسرائيلي وصورته النمطية (غيتي)

حماس وعباس

ويتهم يتسحاق هرتسوغ رئيس حزب العمل المعارض، نتنياهو بتعزيز قوة حماس على حساب الرئيس عباس.

 

أما رئيسة حزب ميرتس المعارض، زهافا غالؤون، فتدعو نتنياهو لتقديم استقالته بعد فشل الحرب التي كبدت إسرائيل خسائر كبيرة في عدة مستويات، منها صورتها في العالم وعلاقتها مع حليفتها الأهم الولايات المتحدة.

 

وتقول غالؤون للجزيرة نت إن "نتنياهو دفع بإسرائيل نحو حافة الهاوية، ومع ذلك يرفض اليوم التوصل إلى تسوية سياسية مع غزة خوفا من ازدياد احتمالات تسوية واسعة مع السلطة الفلسطينية".

 

وبلغت الخلافات داخل الحكومة حد المزاودات المتكررة على رئيس الوزراء  نتنياهو من قبل وزرائه الذين يتهمونه بالضعف والتردد.

 

ويشير المحلل السياسي البارز في القناة العاشرة رفيف دروكر أن الحرب على غزة أصابت نتنياهو سياسيا بإصابات بالغة تهدد زعامته، بعدما تراجعت شعبيته في مطلع الحرب وانفضاض مؤيديه من الوزراء المقربين.

 

ويوضح دروكر أن نتنياهو اليوم يواجه عزلة سياسية وتنتظره أيام قاسية ربما تشهد الإطاحة به ليكون الضحية السياسية الأكبر للحرب، لا سيما بعد الكشف عن كل إخفاقات الحرب في تقرير "مراقب الدولة " بعد شهور.

 

وعلى خلفية أزمة الثقة غير المسبوقة، هذه دعت صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها لتسوية الأزمة الخطيرة بين سكان الجنوب وبين الجيش والحكومة.

 

ووضحت أن الحرب قد أجّجت هذه  الأزمة التي بدأت من قبل وتتجلى اليوم برفض أغلبية سكان الجنوب دعوة المستويين السياسي والعسكري العودة لمنازلهم التي هجروها مع بدء العدوان.

 

وسكان مستعمرات الجنوب الذين يتهمون الحكومة بإهمالهم منذ 14 عاما لكونهم في الهوامش ازدادوا غضبا بعدما دعاهم قائد الجيش بيني غانتس للعودة إلى بيوتهم غداة الاتفاق على الهدنة الأولى.

 

من صور التضامن مع غزة في العاصمة البلجيكية بروكسل (الأوروبية)

شقائق النعمان

وقتها وعدهم غانتس بخطاب تعرض لانتقادات كثيرة، بأن لا يسمعوا صافرات إنذار حمراء ويتمتعوا بشقائق النعمان الأحمر، وليتضح أن لا صلة لذلك بالواقع مما دفع الآلاف منهم للتظاهر في تل أبيب ضد الفشل الحكومي.

 

وتفاقمت أزمة الثقة بعدما كشفت الحرب عن تهديد الأنفاق العسكرية التي مكنت المقاومة من مباغتة عدوها وضربه خلف خطوطه، ويتوقع مراقبون أن تكون هذه المسألة أهم القضايا التي ستعالجها لجنة تحقيق إسرائيلية بالحرب.

 

ولذا يرى الباحث في الشأن الصهيوني أنطوان شلحت أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية منيت بهذه الحرب بهزيمة تمثلت بالإخفاق باستشراف قدرات المقاومة الفلسطينية.

 

ويعتبر أن هذه المفاجآت هزيمة أخرى "للعقل الإسرائيلي"، ويشير لفشل إسرائيلي أهم هو فشل إستراتيجية كيِّ وعي الفلسطينيين القائمة أصلا على نظرية "الستار الحديدي".

 

ويتابع شلحت للجزيرة نت "في هذه الحرب شنت إسرائيل عدوانا على كل الشعب الفلسطيني، حكومته الوحدوية وإرادته ومقاومته، وليس على حماس فقط".

 

ويرى أن ذلك "عاد كيدا مرتدا على إسرائيل" التي بدأت تتساءل أوساط واسعة فيها عن جدوى نظرية القوة المفرطة، لا سيما حيال غزة التي لن تهدأ طالما بقيت محاصرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/14-

شعوب العالم تنتصر لغزة

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات