آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:41 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
شنغيانغ (تركستان الشرقية).. صراع الهوية

رقم العدد : 44

تاريخ العدد : أكتوبر/تشرين الأول 2015

-1/17-

"تركستان الشرقية" في مواجهة "شنغيانغ"

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

 في مثل هذا اليوم 1 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1949 أعلن زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وضم منطقة تركستان الشرقية للجمهورية الوليدة بالقوة وأطلق عليها الاسم الصيني "شنغيانغ".

 

دخل الإسلام تركستان الشرقية في أواخر القرن الأول الهجري، وقامت فيها ممالك إسلامية، وكانت المنطقة على مدى قرون حلقة الوصل بين الصين والعالم الغربي عبر ما كان يسمى طريق الحرير.

 

تركستان الشرقية أو شنغيانغ كغيرها من مناطق آسيا الوسطى غنية بإرثها الثقافي والحضاري، وهو ما دفع مجلة الجزيرة لتخصيص ملف هذا العدد للتعريف بالإقليم وأوضاع أهله، فأوفدت مراسلين اثنين للإضاءة على زوايا سياسية وإنسانية وثقافية في حياة سكان الإقليم، وتسجيل مشاهداتهما على الأرض بعيدا عن ما تتداوله المجالس والألسن عن أوضاع الإقليم.

 

التغطية الإعلامية ليست متيسرة في منطقة مثل شنغيانغ نظرا لحساسية السلطات الصينية تجاه الصحفيين الأجانب، باعتبار الإقليم من المناطق المتوترة ويشهد بين الحين والآخر صدامات بين الأهالي وقوات الأمن. إلا أن الملف يقدم وجبة معرفية خفيفة عن واحدة من القضايا المتوارية في الظل الإعلامي.

 

بخلاف باقي أقاليم الصين، يمتاز إقليم شنغيانغ بهوية وثقافة مختلفة، وحول خصوصية الهوية الدينية والثقافية يدور الصراع بين سكان الإقليم والسلطات في بكين، فيأخذ شكل الصدام العنيف أحيانا، والنشاط السياسي السلمي كحال إلهام توهتي أحيانا أخرى، لكن يبقى التدافع حاضرا على الأرض.

 

ولعل تمسك الإيغور -وغيرهم من سكان الإقليم من المسلمين- بالاسم التاريخي لمنطقتهم (تركستان الشرقية)، وفرض السلطات الاسم الصيني (شنغيانغ) بالمقابل، أحد أوجه هذا الصراع على هوية المنطقة. فضلا عن كافة أوجه التدافع الثقافي من لغة وموسيقى ومقامات غنائية، والرموز الدينية كالحجاب والأزياء. وهو ما يحاول هذا الملف الكشف عنه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

تركستان الشرقية -أو إقليم شنغيانغ كما تطلق عليه الصين- واحدة من قصص الضم القسري أو "الاحتلال" التي يتجاهلها العالم، ولا يزال الإقليم عصيا على ترويض النظام الشيوعي الصيني، ويشهد توترا وصداما من حين لآخر. وهو ما يستدعي تسليط الضوء على بعض زوايا معاناة هذا الإقليم والحياة فيه، من خلال ملف "تركستان الشرقية (شنغيانغ).. صراع الهوية" الذي أعده الزميلان علي أبو مريحيل ورافع أبو رحمة.

 

يقدم الملف تعريفا عاما بالإقليم وقضيته، ويرصد تقرير مشاهدات المراسل وأحاديث المسلمين الإيغور معه في طريقه إلى أورومتشي عاصمة الإقليم، ويقدم عائلة قازغن نموذجا لاضطهاد السلطات الصينية لسكان الإقليم الأصليين، قبل أن يعمل النظام الشيوعي على توطين الصينيين من قومية الهان في الإقليم للإخلال بالخارطة السكانية، وتصبح الأغلبية مضطهدة في موطنها.

 

وفي سياق الصراع على هوية الإقليم، تعمل السلطات الصينية على طمس معالم السكان الدينية والثقافية من خلال قوانين وأنظمة وفعاليات تغيب بها الهوية الإسلامية للإيغور. ومن خصوصياتهم الثقافية فن المقامات الـ12 التي تشترك في بعضها مع المسلمين في آسيا الوسطى، كما تشترك معها أيضا في نظام شبكات المياه المعروف بـ"كريز" لحفظ المياه من التبخر بفعل الحرارة من خلال قنوات تحت الأرض.

 

ويعرف تقرير آخر بجامع "عيد كاه" التاريخي في مدينة كاشغر القديمة، ويعد المسجد من أحد أقدم المساجد في الإقليم، وعلى الصعيد البشري، يلقي تقرير الضوء على شخصية أكاديمية وسياسية باتت رمزا للحراك المسلم المطالب بالحرية بالطرق السليمة، وهو إلهام توهتي الذي شغل الرأي العام العالمي بعد الحكم بحبسه مدى الحياة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

إقليم شنغيانغ (تركستان الشرقية)

إقليم شنغيانغ (تركستان الشرقية)

عن "موسوعة الجزيرة"


أحد الأقاليم الصينية الخمسة التي تتمتع بحكم ذاتي، وتقطنه أغلبية مسلمة تنتمي أساسا إلى عرق الإيغور الذين كانوا يسمونه بـ"تركستان الشرقية" قبل ضمه رسميا للصين بعد عام 1949.

 

يقع إقليم شنغيانغ في أقصى الغرب الصيني، ويحده من الجنوب إقليم التبت، ومن الجنوب الشرقي إقليم كينغاي وإقليم غانسو، ومن الشرق منغوليا، ومن الشمال روسيا، ومن الغرب كزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان وجزء من إقليم كشمير الواقع تحت سيطرة الهند، وتبلغ مساحته 1.6 مليون كيلومتر مربع وبذلك يشغل الإقليم خمس مساحة الصين بما فيها مستعمرات الصين الشعبية مثل التبت ومنغوليا الداخلية.

 

المسلمون الإيغور يتمسكون بهويتهم الإسلامية رغم مرور عقود على الهيمنة الشيوعية ومحاولات طمس الهوية (غيتي)

السكان

يبلغ عدد سكان إقليم شنغيانغ بحسب أرقام الحكومة الصينية حوالي 21 مليون نسمة، منهم 11 مليونا من المسلمين ينتمون أساسا إلى عرق الإيغور، وبعض الأقليات مثل الكزاخ والقرغيز والتتر والأوزبك والطاجيك.

 

وبحسب الإحصائيات الرسمية نفسها، يبلغ عدد السكان من أصل "هان" -وهو العرق المسيطر في الصين- تسعة ملايين نسمة، أي حوالي 40% من سكان الإقليم، مع أنهم كانوا يمثلون 10% فقط في منتصف القرن العشرين.

 

ويتكلم سكان الإقليم لغات ولهجات مختلفة، أبرزها التركية والكزاخية والأويرات (لغة المغول) والساريكولي والواكهي، وهما لهجتان قريبتان من اللغة الفارسية، ولغة الأوردو.

 

الاقتصاد

تعد الفلاحة من أبرز أنشطة السكان، وهم يهتمون بزراعة الحبوب والأشجار المثمرة وزراعة القطن وتربية المواشي وخاصة الأغنام.

 

ويزخر الإقليم بالموارد الطبيعية مثل: البترول والفحم والرصاص والنحاس والزنك واليورانيوم والغاز الطبيعي، وتوجد فيه عدد من الصناعات مثل: تكرير النفط وصناعة الصلب والكيمياويات والإسمنت.

 

قطاع غير قليل من المسلمين في تركستان الشرقية يمارسون الزراعة تغطي حاجة السوق من الفاكهة والخضار (غيتي)

التاريخ

بحكم موقعه الإستراتيجي وكونه نقطة عبور يمرُّ بها طريق الحرير، كان الإقليم عرضة لموجات من الهجرة لأعراق مختلفة سكنته أو تعايشت فيه.

 

ويعود دخول الإسلام إلى الإقليم -بحسب المؤرخين- إلى القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، قبل أن ينتشر ويصبح الديانة الرئيسية لسكان الإقليم رغم ظهور بعض الحركات التبشيرية في وقت لاحق.

 

قام السكان من الإيغور بعدة ثورات في بداية القرن العشرين للاستقلال عن الحكومة المركزية في بكين، أبرزها ثورة 1933 وثورة 1944 التي نجحوا على إثرها في إعلان دولة تركستان الشرقية المستقلة، لكن سرعان ما ضمتها الصين الشيوعية عام 1949 بعد موت مسؤوليها في حادث طائرة غامض.

 

سنت الحكومة الصينية جملة من القوانين اعتبرها الإيغوريون مستهدفة لقوميتهم ودينهم، من قبيل قرار منع اللغة الإيغورية في الجامعة عام 2002، ومنع تعليم الإسلام للأطفال دون سن 18 في الإقليم، ومنعهم من الصيام، وإقصائهم من المناصب العليا والقيادية.

 

وتعرض المسلمون في الإقليم لحملات عدائية عرقية وأحداث عنف مرات عديدة خلفت عددا كبيرا من القتلى والجرحى، منها الأحداث التي حصلت في يوليو/تموز 2009.

 

ويضاف لما سبق أحكام قضائية قاسية على خلفية اتهامات بالإرهاب، مثل أحكام صدرت في يونيو/حزيران 2014 بالسجن على 113 شخصا لمدد تتراوح بين عشر سنوات ومدى الحياة بتهم تتعلق بالإرهاب، وتعدد الزوجات والمخدرات وغيرها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

الطريق إلى أورومتشي.. أحاديث على الهامش

الطريق إلى أورومتشي.. أحاديث على الهامش
علي أبو مريحيل- كاشغر

لم يكن متاحا في ظل التشديد الأمني الصيني الدخول إلى مدينة أورومتشي كزائر، وكان من المستحيل بطبيعة الحال الذهاب كصحفي، لذلك لم أجد سبيلا سوى الدخول كسائح ضمن مجموعة من السياح الصينيين الذين يتوافدون إلى المدينة في إطار البرامج السياحية التي تطلقها العديد من المكاتب المختصة بتنظيم الرحلات الداخلية في الصين.

 

لم يجل في خاطري طوال مدة الرحلة التي استغرقت خمس ساعات ونصف الساعة بالطائرة سوى البحث عن طريقة أستطيع أن أتواصل فيها مع سكان المدينة بعيدا عن العيون الأمنية للحديث حول همومهم ومشاكلهم، وأنا الذي لا سلطة لي حتى على وقتي بينهم، كوني أسير برنامج سياحي لا يرى في أورومتشي سوى أطلالها المبعثرة.

 

 فور وصولنا إلى مركز المدينة اجتمع حولنا نفر من أبناء قومية الإيغور صغار السن، وكان لي نصيب الأسد من الحفاوة الإيغورية كوني الأجنبي والمسلم الوحيد بين أفراد المجموعة.

 

لم تمض لحظات حتى سمعت تمتمات باللغة العربية وقعت على أذني كطوق نجاة من شاب وسيم  يدعى صالح، ألقى علي التحية، وقدم نفسه كمترجم، ولأن القائمين على برنامج الرحلة لا يوفرون مترجمين لأنه قلما تضم مجموعاتهم سياحا أجانب وافقوا على اصطحاب المترجم لي بشرط أن يكون ذلك على نفقتي الخاصة .

 

مدخل السوق الدولي الكبير في وسط أورومتشي الذي يعد أكبر أسواق المدينة (الجزيرة)

كان صالح شابا مثقفا مهذبا، وعلى قدر ما كان خلوقا وخدوما كان أيضا بارعا في الهروب من الإجابة عن أسئلة لم يعتد على سماعها من سائح، وفي حقيقة الأمر لم أكن أبحث عن إجابات مباشرة في دردشتي الطويلة معه بقدر ما كنت أبحث عن هامش أمان في شخصيته قبل إطلاق العنان لغريزتي الصحفية.

 

بعد خمس محاولات باءت جميعها بالفشل تمكنت أخيرا من إجراء الحوار الأول مع أحد الباعة في سوق أورومتشي المركزي والذي اشترط عدم ذكر اسمه في التقرير.

 

كانت اللقاءات قصيرة ومحدودة، وكانت تتم في الفترات التي أتذرع فيها بالذهاب إلى بيت الخلاء لقضاء حاجة لكي لا يلاحظ القائمون على برنامج الرحلة أني أقوم بعمل مخالف للضوابط التي تم إبلاغنا بها قبل الإقلاع إلى أورومتشي، خصوصا أن جميع المرافقين لي من قومية الهان التي تدين بولائها للسلطة الحاكمة.

 

روى سليمان -اسم مستعار- كيف تمارس السلطات الصينية سياستها العنصرية في إقليم شينغيانغ، وكيف تنحاز في العطاءات وفي توفير فرص العمل لصالح التجار الصينيين من قومية الهان الذين تم توطينهم في الإقليم على حساب التجار الإيغور، وكيف لا يسمح لهم بتصدير المنتجات والأطعمة الحلال إلى المقاطعات الصينية الأخرى التي تتواجد فيها قوميات مسلمة، مما يؤدي إلى كساد هذه المنتجات فيضطرون لبيعها بثمن بخس.

 

اللغة المحلية بالحروف العربية لا تزال مستخدمة في الفضاء العام بتركستان الشرقية (الجزيرة)

وكان الحوار الثاني مع أيوب (38 عاما) الذي قابلته في سرداب أسفل بيته، وكان أكثر الشخصيات التي التقيت بها حماسة، إذ لمست فيه رغبة جامحة بالحديث عن الاضطهاد الديني والثقافي الذي تتعرض له أقلية الإيغور، وعن الإجراءات القمعية التي تمارسها السلطات الصينية في الإقليم.

 

وقد عزا صالح ذلك إلى اعتقال قوات الأمن ابن أخيه الذي لا يتجاوز الـ15 من عمره أثناء اقتحامها أحد مراكز تحفيظ القرآن في المدينة، وأشار صالح إلى أن السلطات الصينية قامت بمداهمة العديد من المراكز الدينية خلال العامين الماضيين بحجة أنها مراكز غير مرخصة تحث الأطفال على العنف والحقد والتطرف.

 

أما الحوار الثالث والأخير في مدينة أورومتشي فكان مع أحد الأئمة المفصولين من عملهم وهو الشيخ عبد الرحمن (64 عاما) الذي حدثني عن أسباب فصله من المسجد الذي كان يؤم المصلين فيه قائلا إن الإدارة المحلية في المنطقة قامت منذ بداية العام الماضي بتسريح كل الأئمة الذين ينتمون لقومية الإيغور، والإتيان بأئمة جدد ينتمون لقومية "هوي" الصينية المسلمة التي لا تكن عداء للصين، كونها لا ترى في الوجود الصيني بإقليم تركستان الشرقية احتلالا.

 

وتحدث أيضا عن منع ارتداء النقاب الذي يغطي كامل الوجه، ومنع المسلمات المحجبات والشباب الملتحين من ركوب الحافلات، مما تسبب بفقد العديد منهم وظائفهم، لعدم تمكنهم من الذهاب إلى أماكن عملهم البعيدة.

محل لبيع الصناعات اليدوية والتقليدية في السوق المركزي وسط أورومتشي (الجزيرة)



وتحدث أيضا عن قانون حظر الصيام الذي لم يقتصر على الطلاب والمدرسين وموظفي الدولة كما أشيع في الإعلام، وأكد أن الحظر شمل كافة سكان الإقليم.

 

وحين استشهدت بتصريح المتحدثة باسم الحكومة الصينية في إقليم شينغيانغ والتي قالت "إن الصين لم تمنع المسلمين من الصيام، وإن الغاية من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بهذا الشأن التأكيد على الحاجة للاستمرار في الذهاب إلى العمل والقيام بالواجبات المعتادة في نهار رمضان".. انفعل الإمام عبد الرحمن، وتساءل: إن كان هذا الكلام صحيحا فلماذا كانت قوات الأمن الصينية تتفقد البيوت المضاءة في وقت السحور؟ ولماذا كان يتم الاعتداء على الأسر الفقيرة الصائمة التي لا تملك أصلا وظائف؟

 

فاجأني أحد الذين تحدثت إليهم بهم بإعطائي صورة للمفكر الإيغوري إلهام توهتي الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بتهمة السعي لانفصال إقليم تركستان الشرقية عن الصين، وطلب مني أن أثير قضيته في وسائل الإعلام ظنا منه أنه يشيع سرا، موقف صغير يشي بمستوى العزلة التي وصل إليها سكان المدينة.

 

ولم يكن غريبا في ظل السياسات القمعية التي تمارسها السلطات الصينية في الإقليم عدم سماع أصوات تنادي بالانفصال، وهذا يشير إلى نجاعة السياسة الصينية التي نجحت في تحويل السكان الأصليين إلى أقلية باتباع خطة التهجير والإحلال، ومن ثم إغراق الأقلية بالتفاصيل التي تتعلق باحتياجاتها الأساسية كالغذاء والدواء والرعاية الصحية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

"الإيغور" بين فكي التنين الصيني.. عائلة "قازغن" نموذجا

"الإيغور" بين فكي التنين الصيني.. عائلة "قازغن" نموذجا
علي أبو مريحيل- كاشغر

لم أكن على موعد مع عائلة "قازغن" حين التقيت بأحد أفرادها صدفة في قلب مدينة كاشغر، ثاني أكبر المدن في إقليم تركستان الشرقية (شينغيانغ) بعد العاصمة أورومتشي، التي يمكنك حتى اليوم أن تشمَّ  في شوارعها عبق تاريخ الإسلام وحضارته.

 

جمعني القدر بعائلة تختصر حكايتها كل ما يمكن أن يكتب أو يقال عن الاضطهاد الاجتماعي والديني والثقافي الذي تتعرض له قومية الإيغور في إقليم تركستان، وقد ذاقت هذه العائلة ويلات القتل والنفي والاعتقال والحرمان على مدار 66 عاما قضتها تحت وطأة النظام الشيوعي الصيني.

 

بدأت مأساة عائلة قازغن قبل عشرة أعوام، حين أقالت السلطات الصينية عام 2005 ربَّ الأسرة عبد القهار (64 عاما) من وظيفته مديرا لإحدى المدارس الابتدائية في المدينة، بحجة عدم التزام المدرسة والمدرسين بالمنهج الصيني.

 

وكان عبد القهار في ذلك الوقت يعيل ستة أبناء (أربع بنات وشابين)، ولم يكن لديه مصدر دخل آخر، فقرر أن يفتح مشروعا تجاريا صغيرا بما يملك من مدخرات، يعينه على إعالة أسرته.

 

العمارة التقليدية في تركستان الشرقية التي تسعى الصين لتغييرها بنشر البناء الحديث (الجزيرة)

ولم يمض عام على افتتاح المشروع حتى استلم إخطارا من السلطة المحلية، يطلب منه إخلاء محله التجاري، وتفريغه من البضائع خلال يومين، بحجة خضوع المنطقة للترميم ضمن برامج التنمية التي تشرف عليها الحكومة.

 

ولم تقف مأساة عائلة قازغن عند هذا الحد، ففي الخامس من يوليو/تموز 2009، قتل الابن الأكبر "غلام" في المجزرة التي ارتكبتها قوات الأمن الصينية في العاصمة أورومتشي، حين قامت بإطلاق النار عشوائيا على المتظاهرين الإيغور. حيث كان غلام واحدا من عشرات الآلاف الذين خرجوا بشكل سلمي للمطالبة بالقصاص من المشتبه في ضلوعهم في حادث المصنع الشهير الذي أدى إلى مقتل اثنين من العمال الإيغور على خلفية صراع عرقي.

 

رحل غلام مخلفا وراءه زوجة وأربعة أطفال، دون معيل، في بيت طيني لا يصلح حتى للدواب. وبصوت متقطع، ودمعة لا تفارق وجهها، تذكرت آمنة الأيام الأخيرة التي قضاها زوجها بينهم في كاشغر، قبل سفره للعمل في العاصمة أورومتشي. كيف كان يداعب أطفاله ويعدهم بمستقبل أفضل، وكيف كان يخطط لتسجيل ابنه الرضيع على اسم أخيه المتزوج حديثا، حتى يتمكن من إدراج اسمه في سجلات الحكومة، فلا يفقد حقه في العلاج والتعليم. إذ لا يسمح القانون الصيني لأبناء الأقليات المسلمة بإنجاب أكثر من طفلين في المدن، وثلاثة أطفال في الريف والقرى. وهي مشكلة لن تقف آمنة عندها، لكونها لا تملك أصلا ما تطعم به أطفالها، فكيف تقوى على مصاريف تعليمهم وعلاجهم.

 

في زحمة الصمت، سقط سؤال عن شقيق غلام، آراكان (34 عاما) المعتقل في العاصمة بكين ضمن مئة شخص أعادتهم الحكومة التايلاندية إلى الصين في التاسع من يوليو/تموز الماضي، بتهمة الهجرة غير النظامية.

 

وحين سألت كيف استطاع أن يصل إلى تايلاند، أجابت زوجته المكلومة بأنه استطاع أن يحصل على جواز سفر صيني، بعد أن اضطر لبيع كل ما يملك ليدفع مبلغا من المال رشوة لأحد المسؤولين الصينيين، ثم توجه بعد ذلك إلى مدينة شينزن الساحلية جنوب الصين، وتمكن بمساعدة أحد المهربين من الدخول في حاوية بضائع متوجهة إلى تايلاند.

 

رعي الماشية من الأعمال التي يمارسها الكثيرون في إقليم تركستان الشرقية (الجزيرة)

وأضافت زوجته أنه كان يحلم بالوصول إلى تركيا للعمل هناك مع أصدقائه الذين سبقوه، لكن السلطات التايلاندية قبضت عليه وأعادته إلى بكين قبل أن يحقق حلمه. وكانت تايلاند أكدت حصولها على ضمانات من السلطات الصينية، بتأمين سلامة المرجعين ومعاملتهم وفق اللوائح والأنظمة القانونية المعمول بها في الصين.

 

أما الأب المكلوم، فقال إنه لا يثق بالسلطات الصينية، ولا يستبعد أن يلقى ابنه مصير شقيقه غلام، وطالب -بكلمات مقتضبة- المجتمع الدولي بالتدخل لحمايتهم من الاضطهاد الديني والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يتعرضون له في إقليم تركستان الشرقية.

 

أما شقيقته الصغرى، التي لم تكف عن البكاء خلال حديث والدها، فقالت: إننا لا نكن عداءً لأحد، ولا نريد شيئا من هذه الحياة سوى أن نعيش بحرية وكرامة. وواصلت القول: "أخي غلام قتل ظلما، لم يكن يحمل سلاحا حين أطلقت قوات الأمن النار عليه، وأخي آراكان لم يهاجر إلا بحثا عن الأمن والسكينة".

 

وأضافت بصوت غائب: أبي لا يقوى على العمل، وأمي مريضة، وأخي معتقل، وأزواج شقيقاتي الثلاث ممنوعون من العمل بحجة مصاهرة عائلة متطرفة. أيّ مستقبل ينتظرنا، وأي ديانة تقبل بما يجري لنا.

 

وقبل أن تكمل حديثها، دخلتْ في نوبة بكاء طويلة. قبل أن تتوقف عن البكاء فجأة، لتقول بلغة عربية سليمة: "الحمد لله".

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

حين تضطهد الأقلية الأكثرية

حين تضطهد الأقلية الأكثرية
علي أبو مريحيل- أورومتشي

نظرة سريعة على التحولات الديمغرافية التي شهدها إقليم تركستان الشرقية "شينغيانغ" خلال العقود الستة الماضية كفيلة بكشف النقاب عن سياسة التمييز العنصري والتفرقة العرقية التي تمارسها السلطات الصينية في الإقليم لتذويب القومية الإيغورية.

 

فحتى عام 1949 كان الإيغوريون يمثلون 80% من سكان إقليم تركستان الشرقية الذي كان يضم إلى جانب قومية الإيغور قوميات متعددة مثل الطاجيك، والمغول، والأوزبك، والقرغيز، والتتار، ولم تكن في ذلك الوقت قومية الهان الصينية تمثل أكثر من 6%.

 

لكن بعد نجاح الثورة الشيوعية وضم الإقليم مرة أخرى إلى جمهورية الصين الشعبية باسم جديد "إقليم شينغيانغ" مارست السلطات الصينية صنوفا مختلفة من القمع والاضطهاد ضد أبناء قومية الإيغور، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم إلى الدول والمناطق المجاورة.

 

وهو الأمر الذي مهد الطريق أمام الحكومة الصينية لحث الصينيين من قومية الهان على الهجرة إلى الإقليم تحت شعار الانفتاح والتعايش السلمي بين القوميات، ولم تكن هذه الشعارات سوى غطاء لسياسات عنصرية أدت بشكل تدريجي إلى زيادة في نسبة السكان من قومية الهان الصينية الذين أصبحوا يمثلون اليوم قرابة 42% من سكان الإقليم.

 

المسلمون الإيغور يغادرون مسجد عيد كاه في مدينة كاشغر بعد أداء صلاة العيد (غيتي)

ولم تكتف الحكومة الصينية باتباع سياسة التهجير والإحلال في الإقليم بل عملت أيضا على طمس المعالم الدينية والثقافية، وتهميش كافة مظاهر الحياة الإسلامية بحجة مخالفة القوانين والأعراف الصينية.

 

وقامت خلال العقدين الماضيين بإغلاق أكثر من ستة آلاف مسجد، وتسريح عشرات الآلاف من الأئمة الإيغوريين، وحظر استخدام الحروف العربية في الخطابات الرسمية، وإخضاع المؤسسات التعليمية للمناهج الصينية دون أدنى اعتبار لخصوصية الإقليم الدينية والعرقية.

 

ولم تقف سياساتها العنصرية عند هذا الحد، ففي 28 يونيو/حزيران 2014 نشرت الإدارة المحلية لإقليم شينغيانغ بيانا على موقعها الإلكتروني حذرت فيه المسلمين الذين يعملون في المؤسسات والدوائر الحكومية من الصوم أو القيام بواجبات دينية مرهقة خلال شهر رمضان، كما طالبت أيضا الطلاب والمدرسين بعدم الصوم، والامتثال إلى القوانين المعمول بها داخل الإقليم.

 

تبع ذلك قرار أصدرته السلطة المحلية في مدينة كاراماي الواقعة شمال غرب شينغيانغ يقضي بمنع النساء المحجبات والرجال الملتحين وكل من يرتدي ملابس تحمل رمز الهلال والنجمة من ركوب الحافلات بحجة تعزيز الأمن والسلم في المدينة على اعتبار أنه رمز إسلامي يحرض على العنف، كما تدعي السلطات الصينية أن جماعات إسلامية متشددة تستخدمه شعارا لحملاتها الانفصالية وأعمالها العدوانية.

 

المسلمون الإيغور في تركستان الشرقية يقاومون سياسة تذويب الهوية الدينية وتوريثها للأجيال الجديدة (غيتي)

كما شرعت السلطات القضائية في العاصمة الإدارية أورومتشي في 11 ديسمبر/كانون الأول 2014 قانونا يقضي بحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة على اعتبار أن النقاب الذي يغطي كامل الوجه لا يعد من الملابس التقليدية للنساء الإيغوريات.

 

وحذرت السلطات الأمنية عقب صدور القرار كافة شركات الملابس في المدينة وكذلك الخياطين من تصنيع ملابس المحجبات، وأجبرت الشركات المنتجة لمثل هذه الملابس على التوقيع على وثيقة مكونة من عشرة بنود قانونية تضبط آلية تنفيذ القرار.

 

هذه القرارات المجحفة بحق أبناء قومية الإيغور تؤكد أن الصين ماضية في سياستها نحو فرض المزيد من السيطرة والهيمنة على إقليم تركستان الشرقية دون الالتفات إلى الدعوات والأصوات الدولية الحقوقية المطالبة بوقف العنف العرقي الذي تتعرض له الأقليات المسلمة في الصين.

 

هذه السياسات لا تطال أقليات مسلمة أخرى تقيم في مقاطعات وأقاليم صينية مثل قومية "هوي" التي تقيم في منطقة نينغشيا ذاتية الحكم، وهو ما يؤكد أن الأزمة في إقليم شينغيانغ لا تكمن في ديانة قومية الإيغور بقدر ما تكمن في رغبة السلطات الصينية في السيطرة على الإقليم لما يمثله من أهمية إستراتيجية، نظرا لتقاطع حدوده مع خمس دول آسيوية، إلى جانب كونه مركز اتصال بالبر الأوروبي، فضلا عن تمتعه بثروات طبيعية هائلة، أهمها الفحم والغاز الطبيعي والنفط الذي يسد حوالي 80% من الاحتياج الصيني.

ولا يمكن أيضا إغفال مساحة الإقليم الشاسعة التي تمثل خمس مساحة الصين والتي طالما كانت تشكل هاجسا أمنيا بالنسبة للسلطات الصينية لتقاطع حدودها مع خمس دول مسلمة كانت على صلة بالحركات الانفصالية في الإقليم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

طمس معالم أورومتشي الدينية والثقافية

طمس معالم أورومتشي الدينية والثقافية
علي أبو مريحيل- أورومتشي

يخيل لك حين تطأ قدماك أرض العاصمة الإدارية لإقليم تركستان الشرقية أورومتشي أنك في دولة أوروبية شيدت على الطراز الحديث بأبنيتها الشاهقة، وشوارعها الواسعة، وجسورها المعلقة لولا وجوه المارة وواجهات المحال التجارية، وبعض اللافتات المكتوبة باللغة المحلية ذات الحروف عربية الشكل.

 

إنه المد العمراني الذي تسعى من خلاله السلطات الصينية إلى طمس المزيد من المعالم الدينية والثقافية في مدينة أورومتشي، وذلك في إطار سياسة الإقصاء التي تنتهجها الدولة في التعامل مع قومية الإيغور المسلمة.

 

ترى الصين في بروز الطابع الديني للمدينة تهديدا لأمنها القومي لما يحمله من تأكيد وتثبيت لهوية الإيغور الذين تحركهم نوازع انفصالية، لذلك تعمل على طمس كافة المظاهر الإسلامية لديهم تمهيدا لإذابتهم في بوتقة المجتمع الصيني.

 

محل لبيع القبعات التقليدية لدى قومية الإيغور في تركستان الشرقية (الجزيرة)

وهذا ما يفسر الانتشار الكبير للمحال التي تباع فيها الخمور، وأماكن اللهو والنوادي الليلية التي يديرها أبناء قومية الهان الذين يسيطرون بفضل الدعم الكبير الذي يحظون به من الحكومة على كافة القطاعات الاقتصادية في المدينة.

 

وأثناء تجولي في سوق أورومتشي المركزي أثارت انتباهي مجموعة من الصور الإباحية لإعلانات تجارية لا علاقة لها بالمنتجات التي تباع في المحال التي علقت على واجهاتها تلك الصور، وهو ما يؤكد المخطط الصيني الرامي لإفساد جيل الشباب من قومية الإيغور.

 

كما وتظهر أيضا عمليات الهدم الممنهجة التي تستهدف المساجد والمنازل القديمة بحجة إعادة الترميم والتطوير والتنمية، ووفق شهادة الشيخ يوسف -اسم مستعار- إمام أحد المساجد التي تم هدمها قبل شهرين بالحجة نفسها فإن السلطات الصينية قامت منذ مطلع العام الجاري بهدم أكثر من 35 مسجدا في المدينة وتسريح نحو خمسين إماما، وحين سألته عن مصير الأئمة بعد تسريحهم، وإن كانوا يحصلون على تعويض من الحكومة أجاب أن عدم المساس بهم أو التعرض لهم هو أكبر تعويض يمكن أن يحصلوا عليه، لأنهم يخضعون جميعا للمساءلة القانونية والملاحقة الأمنية ما لم يقدموا فروض الولاء والطاعة للسلطة الحاكمة.

 

يتمسك الإيغوريون بهويتهم الإسلامية رغم محاولات طمسها من النظام في بكين (الجزيرة)

وأضاف الشيخ يوسف أن العديد من المساجد يتم استخدامها ثكنات عسكرية ومخازن أسلحة ومراكز تحقيق واعتقال من قبل أفراد قوات الأمن الصينية، لذلك بات الكثير من المسلمين في المدينة يفضلون الصلاة في منازلهم لكي لا يتم ابتزازهم أو اعتقالهم على غرار ما حدث لعشرات الآلاف من الشباب الذين اعتقلوا فقط لمجرد ذهابهم إلى المسجد لأداء فريضة الصلاة.

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى منع تداول المصاحف في المدينة، والكتب والدوريات الإسلامية، ومنع استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان بحجة إزعاج العامة، ومنع تطبيق الأحكام الشرعية في تنظيم الأحوال الشخصية التي تتعلق بالزواج والطلاق والميراث، بالإضافة إلى منع استخدام اللغة المحلية في الخطابات الرسمية، وإخضاع المؤسسات التربوية للمناهج التعليمية الصينية.

 

هذه القوانين الصارمة تم تعميمها على أئمة المساجد ومديري المدارس والوجهاء، وقد حصلت السلطات الصينية على تعهدات خطية مشددة من معظم الشخصيات المؤثرة في المجتمع الإيغوري تقر بالالتزام التام بتعليمات الحكومة، وتشير إلى أن كل من يخالفها سيعرض نفسه للمساءلة القانونية.

 

وأثناء متابعتي ثلاثة عروض فنية قدمتها مجموعة من الطلبة على مسرح المدينة، وعلى الرغم من أن إحدى الفرق كانت تحمل اسما إيغوريا كما أن كافة الفقرات التي قامت بتقديمها من التراث الإيغوري فإن أعضاء الفرقة كانوا جميعا من أبناء قومية الهان الصينية غير المسلمة.

وقد لفت نظري أن الفرقة لا تتقيد بالملابس التقليدية لقومية الإيغور وهي ملابس محتشمة لا تظهر سوى الوجه والكفين، بل على العكس من ذلك ترتدي ملابس فاضحة تكشف أكثر مما تستر، ومثل هذه الفرق يتم إرسالها عادة للمشاركة في المهرجانات الدولية تحت عنوان "فرقة التراث الفني الإيغوري".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

المقامات الإيغورية الـ12.. لكل مقام مقال

المقامات الإيغورية الـ12.. لكل مقام مقال
رافع أبو رحمة - أورومتشي

"يا حبيبتي يداي مقرونتان بالأصفاد، فإن لم أرَ وجهك سأموت.. القاتل يحاول انتزاع حياتي، يا حبيبتي إن لم أر وجهكِ سأموت.. يا عيني، وجنتاكِ جميلتان كالزنبق، وفمكِ الصغير مثل الكرز، وقعتُ في حبّكِ منذ أن رأيتكِ.. يا حبيبتي إن لم أرَ وجهك سأموت".

 

تبدو هذه الكلمات المُغنّاة وكأنها وصف لمزيج من حالة عشقٍ وعذاب، يختلط الأمر على قارئها حتماً وعلى سامعها أحياناً، وذلك بحسب المقام الموسيقي الذي تُؤدّى عليه، فغناؤها على مقام الصبا مثلاً سيشعرك بنهاية حزينة للقصة، في حين سيعطيك مقام الكرد قليلا من الأمل والحماس الذي ينتهي بالحرية وانتصار الحب. أمّا مقام البيات فسيدخلك عالم العشق حتى تجد نفسك أحد أشخاص الأغنية.

 

تلك الكلمات المغنّاة تعود للشاعر الإيغوري يوسف عاج وهي بعنوان "أليب وسنام" (أسطورة الحب)، وتمثل جزءاً من قصيدة حب تشارك في التركيبة الموسيقية للمقامات الإيغورية الاثنتي عشرة التي تشتهر بها قومية الإيغور في إقليم شنغيانغ ذاتي الحكم، وفي مدينة كاشغر على وجه الخصوص، حيث تشارك في هذه المقامات قطع الأغاني السريعة بإيقاعات مختلفة وتسمى "المشرب"، وتكون من الشعر الشعبي في قصص الحب الشهيرة، ويرافق هذا القسم من المقام أداء راقص.

 

يمتاز فن المقام الإيغوري بشموليته الموسيقية من خلال تنوع المحتوى وأساليب الرقص، وتدلّ كلمة مقام في اللغة الإيغورية على عدة معان منها "مجموعة موسيقية كبيرة" و"مجموعة قواعد" و"مجموعة ألحان"، لكنها في الأصل لفظة عربية مدلولها الاصطلاحي هو أسلوب من أساليب الأدب العربي يتضمن قصة قصيرة مسجوعة، ثم تحولت إلى اصطلاح موسيقي يمثل 12 سلما أساسياً من الموسيقى العربية الإسلامية، ثم شهدت تطوراً متكرراً خلال فترات تاريخية طويلة، فظهرت لدى الشعوب الإسلامية مقامات متباينة الأنماط.

معرض لبيع أدوات عزف تقليدية لا تزال مستخدمة في المجتمع الإيغوري (غيتي)

 

والمقامات الإيغورية تمثل مجموعات تقليدية من الألحان التي تجمع بين "لحن الغناء"، و"لحن الرقص"، و"لحن الجواب" وهو لحن سريع يأتي غالباً في ختام اللحن الغنائي (الرقة والعشاق والعذال). وتعتبر المقامات الاثنتي عشرة أروع أعمال المقام الإيغوري بألحانها الرائعة وقصائدها الجميلة ورقصاتها المبهرة، ويمكن وصفها بالروائع الفنية النادرة وبالرمز الحقيقي لقومية الإيغور.

 

وللكشف عن الحد الذي تتشابه فيه المقامات الإيغورية مع المقامات العربية والتركية والفارسية، وعن الجذور الحقيقية لتلك المقامات، التقينا بالفنان والخبير الموسيقي الإيغوري هالي عبد القادر الذي وضّح لنا أنه بعد دراسة المقامات الإيغورية ستجد أنه توجد ستة أنماط مختلفة للمقامات، وهي: كاشغر، إيلي، ختيان، داولانغ، توربان، هامي. وبين تلك الأنماط هناك نقاط تشابه واختلاف طفيفة، بينما يعتبر الفرق ملحوظاً بالمقارنة بينها وبين المقامات العربية والتركية والفارسية، وهذا دليل على التبادل والتأثير بين حضارات الشعوب، وعلى التطور الذي لحق بالفن الإيغوري على مدى التاريخ الطويل.

 

يضيف عبد القادر أن وجهات النظر مختلفة في هذا الأمر، حيث يقول الكاتب الأذربيجاني ميرزا يبلاينوف إن المقامات الإيغورية هي أمّ مقامات القوميات ومقامات الدول الأخرى في آسيا"، بينما يرى الكاتب الصيني جو تشينغ باو في كتابه "الثقافات الموسيقية في طريق الحرير" أن "المقامات نتاج الثقافات الإسلامية التركية".

 

ومن جهته يرى ويد الخبير الأميركي في دراسة الموسيقى الإسلامية أنه "عندما نحلل المقامات من حيث النوع والهيكل واللحن والسلّم الموسيقي والفاصل والإيقاع، نجد أن هناك فروقات ملحوظة بين كل المقامات تميّز المناطق والقوميات المختلفة"، وبالتالي فإن فهم وتوضيح الفروق والاختلافات بين مقامات المناطق المختلفة يحتاج إلى تبنّي نظرية جديدة ليتمكن العامة من معرفة أسرار المقامات.

 

من أحد المهرجانات الثقافية والفنية الإيغورية تعرض الزي والرقص الإيغوري التقليدي (الجزيرة)

يتكون كل مقام من المقامات الاثنتي عشرة من ثلاثة أجزاء هي: الألحان وإيقاع الآلات، والقصائد الروائية، والرقصات، وبواقع عشرين إلى ثلاثين أغنية وقطعة موسيقية يستغرق عرضها الكامل حوالي ساعتين، بينما يستغرق عرض جميع المقامات أكثر من عشرين ساعة متواصلة، وتعرف باسم "أم الموسيقى الإيغورية" وتلقّب "بلؤلؤة الموسيقى الشرقية".

 

ورغم الارتباط الاسمي بين تلك المقامات وقومية الإيغور، فإنه لا يُعتبر فناً حصرياً لأبناء تلك القومية، إذ توجد أشكال متنوعة من هذه المقامات في مختلف مناطق شنغيانغ، علاوة على أنها تنتشر في 19 دولة ومنطقة في آسيا الوسطى وشمال أفريقيا. لكن الفضل في شهرة المقامات الإيغورية يعود إلى موقع شنغيانغ الجغرافي على طريق الحرير القديم، وفي هذا الاتجاه يمكن فهم التقارب بين فن المقامات الإيغورية والأداء الموسيقي والاسمي للمقامات العربية والموشحات الأندلسية، حيث ساهم طريق الحرير في تطوير ذلك الفنّ بالاستفادة من التبادل الثقافي بين الشرق والغرب، ليكون بذلك شاهداً تاريخياً على حوار الثقافات الصينية والهندية والعربية الإسلامية واليونانية.

 

وفي التاريخ الإيغوري الشفوي يذكر أن فن المقامات الإيغورية بشكله العام يدين لامرأة إيغورية تدعى "عمانيشاط مولعة بالموسيقى والشعر، وما إن تزوجت من أحد الملوك بمنطقة شنغيانغ عام 1547، حتى دعت إليها عددا كبيرا من فناني المقام آنذاك، وعملت معهم على جمع روائع هذا الفن وتنظيمها وتوحيدها، وأخذ هذا الفن يتطور بحكم التجارب والتبادلات إلى أن تبلور بالشكل الحالي للمقامات الإيغورية الاثنتي عشرة.

 

في شنغيانغ أو كما يحلو للبعض تسميته "موطن الغناء والرقص"، يتّسم أبناء كل قومية من القوميات في المنطقة بمهارة الغناء والرقص، بحيث تعكس أغانيهم ورقصاتهم التي تتضمن الشعر والأمثال والسرد الشعبي والحب والتأمل في الحياة؛ التاريخ العريق والحياة المعاصرة للمجتمع الذي يحتاج إلى هذه النافذة الثقافية للتحليق عالياً من وإلى جبال الإيغور البعيدة التي وصلها الإسلام بالكلمة الطيبة والدعوة الحسنة لا بالسيف والقتل. ولأن المقام يستخدم للتعبير عن حالة مزاجية معينة، ولأن لكل مقام مقالا، فما عليك إلا أن تُعدَّ مقالك ليكون متناغماً مع المقامات الإيغورية الاثنتي عشرة قُبيل وصولك إلى أرض شنغيانغ.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

كاريز.. سور الصين المخفي في توربان

كاريز.. سور الصين المخفي في توربان
رافع أبو رحمة - توربان

ما إن تُذكر الصين حتى يُذكر معها سورها العظيم، ذلك السور الذي بقي لغزاً في أذهاننا إلى أن وقفنا على أطرافه مشدوهين بتعرّجاته التي تحتضن الجبال، ومأخوذين بجماليته وتاريخه الضارب في القِدم، فاعتقدنا أن وصف العظمة قد انتهى مع نهايات ذلك البناء التاريخي الشاهد على الحضارة الصينية العريقة.

 

ولكن من يزور إقليم شنغيانغ ذاتي الحكم لقومية الإيغور، فيزور منها مدينة توربان -الواقعة على بعد 192 كلم شرق العاصمة أورومتشي- سيشهد بيئة إيكولوجية متميزة وتاريخاً طويلاً ومواقع أثرية وثقافية، مثل أطلال مدينة جياوخه والمقابر القديمة والكهوف الصخرية والواحات، وسيعلم أنه في ذلك المكان إنما يقف فوق قناة الصين العظيمة (سور الصين العظيم الثاني الواقع تحت الأرض)، وهي قناة محفورة تحت الأرض أطلق عليها السكان المحليون اسم "كاريز"، وهي كلمة ذات أصول فارسية قديمة تعني بالعربية "قناة" وينطقها أهل الصينية العامة "كا آر جينغ"، وهي خزان مياه يضمّ أكثر من 1100 قناة بطول خمسة آلاف كيلومتر.

 

لقد أجبر مناخ مدينة توربان الحار والجاف مع قلة الأمطار وارتفاع معدلات التبخر، سكان المنطقة القدماء على التفكير في طريقة تحفظ لهم عصب الحياة المتمثل في المياه. فبحسب بيانات مركز معلومات المدينة، فإن درجات الحرارة العظمى في فصل الصيف تصل إلى نحو خمسين درجة مئوية، ومعدل الأمطار السنوي يقارب 17 مم، أما معدل التبخر السنوي فيصل إلى 3000 مم، الأمر الذي دفعهم لبناء خزانات للمياه تحت الأرض، والتي تطوّرت بحكم الحاجة والخبرة إلى قناة "كاريز" المكونة من عدة فتحات عمودية في سطح الأرض على مستويات مختلفة، وقناة أرضية مفتوحة تصل في ما بينها على التوالي، وتنتهي بسدٍ يمنعها من الفيضانات في منطقة تسمى الخزان أو الواحة، وتغطيها على الجانبين أشجار متلاصقة تحميها من التبخر بفعل أشعة الشمس.

 

عامود لقياس درجة الحرارة في توربان تحت الشمس يشير إلى قراءة 78 درجة في الصيف (غيتي)

ولإنجاح تلك الفكرة استثمر منفذوها منحدرات الجبال لبناء الفتحات العمودية والأنفاق في الصحراء القاحلة، لضمان تدفق المياه، ولتجميع أكبر قدر ممكن من مياه الثلوج والأمطار والمياه الجوفية وجلبها إلى واحة كاريز لتمكين الناس من الشرب والري، دون الحاجة إلى أي قوّة دافعة أو محركة. ومن ثم عمدوا إلى استخدام الطين اللزج الغني بالكالسيوم لتبطين المجاري المكشوفة من القناة وتلك الموجودة تحت سطح الأرض وكذلك الآبار، لتكون حلاً فعالاً لمشكلة التبخر وشحّ مياه الأمطار.

 

وتعتبر قناة كاريز التي تنقل المياه من أعماق الأرض إلى السطح، واحدة من أعظم الهياكل القديمة التي صنعها الإنسان في الصين، جنبا إلى جنب مع سور الصين العظيم والقناة الكبرى. ولا تزال في الوقت الحاضر مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة تروى بمياه كاريز التي كانت تستخدم سابقاً للتنمية الزراعية وللشرب في الاستخدام المنزلي.

 

وتقع معظم قنوات كاريز وواحاتها في الصين بمنطقة توربان، والتي تبين الدراسات التاريخية أنه يعود تاريخ بنائها إلى عهد أسرة هان، أي إلى ما قبل ألفي سنة مضت، ولكن في الواقع العملي على الأرض لم يتمكن المختصون من العثور على كاريز واحد يزيد تاريخ بنائه عن ألف عام.

 

وللوقوف على الخدمات التي تقدمها قنوات كاريز لمدينة توربان ولإقليم شنغيانغ في الوقت الحالي، في ظلّ تطور أساليب ووسائل معالجة المياه ونقلها، وجهنا بعض الأسئلة للخبير في الشؤون الزراعية بالمدينة تشن شين ووي، فأجاب بأنه رغم وصول المياه إلى البيوت وتطور وسائل معالجة ونقل المياه، إلا أن قنوات كاريز لا تزال تشكّل مجالات خدمية حيوية تتمثل في الريّ الزراعي ومياه الشرب لأكثر من خمسين ألفا من الأشخاص ومئة ألف رأس من الماشية. كما تعتبر مصدراً مهماً للمياه النوعية ذات الجودة العالية في المنطقة لما تحتويه على معادن ومكونات طبيعية. وتشكّل واحات كاريز مكانا للترفيه والاستجمام بحكم وجود الأشجار الكثيرة والمياه الباردة والهواء العليل.

 

قنوات الماء تحت الأرض تحميها من البخر السريع (الجزيرة)

وحول أصل التسمية لهذه الشبكة المائية، وعلاقة هذا الاسم وتصميم الشبكة بشبكة المياه الإيرانية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 عام حسب ما هو معلن، قال الخبير تشن إن آبار وقنوات كاريز موجودة في الدول المجاورة للصين أيضاً، بما في ذلك أفغانستان وإيران وباكستان، وتوجد أيضاً في مقاطعات صينية أخرى مثل: كانسو وشنشي وشانشي، ولذلك فإن الأصول التاريخية للاسم والفكرة تقوم على عدة نظريات لم يثبت تقديم إحداها على الأخرى.

 

فمن حيث الاسم اشتركت منطقة آسيا الوسطى في مرحلة ما باستخدام اللغة الفارسية القديمة، أو على الأقل تداخلت بين مناطقها بعض الكلمات والمسميات. ومن حيث هيكلية البناء، يظهر اختلاف بين مجموعة قنوات كاريز في تلك الدول، وقد يكون المرجع في ذلك الاختلاف الطبيعة الجغرافية المميزة لكل منطقة، وقد يكون الفارق الزمني في بنائها، بمعنى تطوير واحدة عن أخرى.

 

وباعتبارها أحد مكونات "التراث الثقافي الحي" النادرة التي لا تزال قيد الاستخدام على طريق الحرير، تواصل قنوات كاريز أداء دور هام حتى اليوم، ولكنها تواجه تحديات هائلة أيضاً، الأمر الذي دفع باتجاه إطلاق مشروع لصيانة قنوات الكاريز في شنغيانغ كان قد بُدئ في مراحله الأولى مع نهاية العام 2009، واكتملت حتى الآن أربع مراحل من أعمال الحماية بتكلفة بلغت 45 مليون يوان صيني (سبعة ملايين دولار)، وشملت المرحلة الأولى إصلاح 108 قناة، وعززت القنوات التحتية على امتداد نحو 18 كلم، وجرّفت الأتربة المتراكمة في نحو 600 كلم، وأعيد فتح نحو عشرة آلاف فتحة عمودية.

 

وفي المرحلة الخامسة التي بدأ الإعداد لها مع بداية العام الجاري، يجري العمل على تجديد 15 قناة لغايات حماية "سور الصين العظيم الثاني الواقع تحت الأرض".

 

وما إن تنقضي مرحلة الصيانة والحماية وتمرّ على توربان المرحلة العصيبة من تجديد شريان حياتها، حتى يعود الكاريز ليغذي الحقول والكروم الخضراء، ويعود بمياهه العذبة الباردة واحة تطلّ على صحراء، فتعود توربان كما وصفها كتاب صحراء غوبي بأنها "جزيرة خضراء في بريّة رملية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

جامع "عيد كاه" في "ياقوتة" طريق الحرير

جامع "عيد كاه" في "ياقوتة" طريق الحرير
رافع أبو رحمة - كاشغر

يقول المثل الشعبي لأهالي إقليم شنغيانغ الصيني "من زار شنغيانغ ولم يزر كاشغر فكأنه لم يزرها، ومن وصل كاشغر ولم يرَ الجامع الكبير فكأنه لم يرَ شيئاً". في هذا المثل المتداول يحمل أهالي المنطقة بطاقة دعوة دافئة تبعث في نفسك الفضول والانجذاب إلى مكان لم تصله بعد.

 

تحمل مضامين الدعوة وتسير بذكرى مشبعة بتاريخ طريق الحرير البرّي إلى حيث شنغيانغ، وقبل أن تصل إلى "سقف العالم" هضبة البامير أم جبال الجليد، تأخذك دهشة الطبيعة فتوجّه ناظريك إلى ملتقى قوافل طريق الحرير القديم في المدينة "الياقوتة" كاشغر كما ينطقها أبناء المنطقة، أو كاشي (كاشن) بنطق الصينية العامة.

 

ولكن أول ما يزعجك في هذا المشهد هو صراع هذه المدينة مع الحداثة، فرغم احتفاظها بالكثير من معالمها القديمة فإن المدينة تعاني من وتيرة التغيير التي ازداد تسارعها بشكل خاص بعد وقوع الزلزال المدمر في مدينة ونتشوان الصينية عام 2008، مع مراعاة الحفاظ على الثقافة المعمارية المميزة لأبناء المنطقة.

 

تبيت ليلتك في المدينة القديمة لتستيقظ على صوت أذان الفجر كما يفعل أهلها يومياً، حيث يخرجون إلى الشارع بهدوء جليل، تكاد لا تسمع منهم سوى وقع خطاهم وهم يحثّون السير إلى المساجد تلبية لنداء الصلاة.

 

تجمع للمسلمين في ميدان عيد كاه قرب الجامع الرئيسي في مدينة كاشغر بتركستان الشرقية (غيتي)

وبحسب تفاصيل الدعوة فلا تتوجه إلى أي مسجد من المساجد الكثيرة الموجودة في المدينة، فقط اسأل عن ميدان "عيد كاه" (آي تي غار) كما يُنطق هناك، لتصل إلى مبتغاك وتدنو من "مكة الشرق الصغيرة" القلب النابض لمدينة كاشغر القديمة، والنموذج البارز لفن العمارة التقليدية لقومية الإيغور، وهو أحد أكبر المساجد في الصين بمساحة تبلغ أكثر من 17 ألف متر مربع.

 

وبالسؤال عن سبب التسمية، وجدنا أن اسم المسجد هو الجامع الكبير، وأما مصطلح "عيد كاه" فهو مزيج من أصول عربية وفارسية يستخدم للدلالة المكانية والزمانية على ممارسة طقوس الأعياد والاحتفالات، فهناك أربعة ميادين (عيد كاه) في إقليم شنغيانغ، إحداها في مدينة كاشغر. لكن تداول المصطلح بين أبناء المنطقة جعل الغالبية تظنّ أنه اسم للمسجد، لا سيّما أنه ميدان مفتوح للزوار وأكبر مركز للنشاطات الثقافية والتجارية للمسلمين في هذه المدينة، فبجانب هذا المسجد شارع مخصص لبيع الأعمال الفنية اليدوية والهدايا التذكارية كالأطباق الفضية والأباريق النحاسية المنقوشة والآلات الموسيقية المحلية.

 

الخصوصية التاريخية لهذا المسجد جعلت منه مقصداً هاماً في يوم الجمعة من كل أسبوع، حيث يتجمع فيه ما يتراوح بين سبعة إلى عشرة آلاف مسلم لأداء فريضة الجمعة. أما في عيدي الفطر والأضحى وغيرهما من المناسبات الإسلامية، فتكتظ قاعة المسجد وساحته الخارجية وكذلك الشوارع القريبة المحيطة بالمصلين الذين يصل عددهم في بعض الأحيان إلى مئة ألف شخص.

 

شنغيانغ -وتعني "الحدود الجديدة"- إحدى المناطق الخمس الذاتية الحكم للأقليات القومية في الصين، وهي منطقة القومية الإيغورية، تحتل سُدس مساحة الجمهورية الصينية وتقع في الجزء الشمالي الغربي منها، مما جعلها همزة وصل هامة بين الشرق والغرب من خلال طريق الحرير البري الذي يقطعها من شرقها إلى غربها.

 

جامع عيد كاه والميدان المحيط به أحد أشهر معالم مدينة كاشغر بتركستان الشرقية (غيتي)

في قلب مدينة أورومتشي -عاصمة شنغيانغ- عدد كبير من المساجد التاريخية التي أعيد بناؤها في السنوات الأخيرة، وفي الطريق إلى كاشغر الواقعة جنوب شنغيانغ تطالعك المساجد على جانبي الطريق بين حين وآخر، ففي كل قرية مسجد واحد على الأقل، مع وجود جامع كبير لصلاة الجمعة لكل مجموعة قرى، حيث يقدر عدد المساجد في شنغيانغ بنحو 24 ألف مسجد، بينها أكثر من ثمانية آلاف جامع كبير مناسب لأداء صلاة الجمعة.

 

وبحسب المصادر الصينية الرسمية، كان يسكن في شنغيانغ 13 قومية حتى نهايات القرن التاسع عشر تدين عشر منها بالإسلام وأكبرها قومية الإيغور، ولكن حالياً وتبعاً لمنظومة التوزيع الجديدة للقوميات (سياسة إعادة التوزيع الديمغرافي) صار سكان شنغيانغ يمثلون 47 قومية من أصل 56 قومية صينية، وبواقع 23 مليون نسمة موزعة بين أبناء قومية الإيغور بنسبة 45% تقريباً، و40% لأبناء قومية الهان التي تمثّل الأغلبية العظمى في الصين.

 

تشير المصادر التاريخية إلى أن الجامع الكبير لميدان "عيد كاه" بني عام 1442، وقد استخدم القرميد الأصفر لبنائه، وتقع بجانب البوابة مئذنة ارتفاعها 18 متراً، في أعلاها منصة صغيرة يُرفع منها الأذان، وكان الجامع يتسع آنذاك لـستمئة مصلٍّ.

 

أقيم في الجهة الخلفية لساحة الجامع بناء على قاعدة ارتفاعها متر واحد تشكل قاعة الصلاة الرئيسية التي يحمل قبتها الخشبية البيضاء أكثر من 140 عموداً بلون أخضر مزينة بنقوش زخرفية بديعة، كما نقش على السقف والجدران عشرات الزخارف بالجبس والألوان الزاهية. أما البوابة فيغطيها اللون الأخضر الخفيف وتزين أطرافها العلوية نقوش بديعة وآيات قرآنية بخط جميل، وعلى جانبها منارتان ترتفعان 18 مترا، وعلى رأس كل واحدة منهما مجسم هلال. وتناظر هاتين المنارتين اثنتان أخريان فوق قبة قاعة الصلاة تبرزان السمة المعمارية الإسلامية.

وقد لحق ميدان الجامع الكبير أعمال توسعة على مر السنين الطويلة، فبات يتسع لما يقارب عشرين ألفاً من المصلين، وفي ساحته نمت أشجار باسقة تبدو للناظرين كحدائق غناء ومروج خضراء تهفو إليها قلوب الزائرين.

 

إقامة الصلاة في جامع عيد كاه في مدينة كاشغر بإقليم شينغيانغ المسلم (غيتي)

يقع الجامع الكبير لميدان "عيد كاه" في قلب كاشغر القديمة وسط شبكة من الشوارع والأزقة الملتوية، تشعر داخلها أنك في متاهة يصعب عليك تحديد اتجاهك فيها. ففي الطرف الشمالي الشرقي للمدينة يوجد شارع قديم يعتبر مركزا لتجمع أبناء قومية الإيغور، وتقوم على هذا الشارع بنايات بطول ثمانمئة متر يرجع تاريخها إلى مئات السنين، وتعتبر نموذجا حيّاً لنمط العمارة وأسلوب الحياة لأبناء قومية الإيغور في كاشغر، حيث يتوارث أبناء الإيغور تلك البنايات جيلا بعد جيل، وكلما ازداد عدد أفراد الأسرة يُبنى طابق جديد فوق البناية القديمة، فإذا كانت البناية لا تتسع لأفراد الأسرة، تبنى غرف أخرى جانبية يتم ربطها بالطبقة الثانية للبناية القديمة، الأمر الذي انتهى إلى تشكّل منظر خاص لمبانٍ معلقة. كما أن وجود هذا النوع من البنايات جعل الشارع يتفرع إلى أكثر من خمسين زقاقا صغيرا.

 

اللافت في تلك الخارطة المعمارية المعقدة أن الأزقة معبدة بنوعين من الطوب، فالأزقة المعبدة بطوب سداسي الشكل تكون متصلة بالطرق الخارجية، أما الأزقة المعبدة بطوب مستطيل فهي مغلقة، وبذلك لا يستدعي الأمر أن تكون من أهل كاشغر لتكون أكثر دراية بشعابها.

 

أثناء تجوّلك في تلك الأزقة تشعر وكأن التلاميذ بأزيائهم المدرسية، والنساء بأزيائهن الإسلامية التقليدية والكهول والشيوخ بقبعاتهم البيضاء التقليدية، يعتبرون أزقتهم تلك هي العالم الذي يعيشون فيه ومن أجله، فلا تصرفهم عن حياتهم الهانئة والهادئة كل المباني الحديثة العالية وهي على بعد مئات الأمتار منهم فقط، فمدينتهم القديمة تضمّ الجامع الكبير لميدان "عيد كاه" والذي لا يعتبر مكاناً هاماً للأنشطة الدينية في شنغيانغ فحسب، بل موقعا للتعليم الرئيسي للثقافة الإسلامية على مر العصور، تخرّج منه العديد من الأئمة على مستوى شنغيانغ وآسيا الوسطى، وقد يكون ذلك هو السبب الذي تم من أجله إدراج هذا الجامع الكبير في قائمة التراث الثقافي الوطنية الصينية منذ العام 2001.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

إلهام توهتي.. قمع صوت الإيغور المسالم

إلهام توهتي.. قمع صوت الإيغور المسالم
رافع أبو رحمة - أورومتشي

إلهام توهتي ولد يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 1969 في إقليم شنغيانغ ذاتي الحكم لوالدين ينتميان لقومية الإيغور المسلمة، عمل أستاذاً للاقتصاد في جامعة القوميات المركزية ببكين، وعُرف بأبحاثه حول العلاقات بين قومية الإيغور وقومية الهان، أكبر قوميتين في شنغيانغ.

 

عرف عنه دفاعه القوي عن تنفيذ قوانين الحكم الذاتي الإقليمي في الصين. مع نهايات العام الماضي شغل الرأي العام الصيني والعالمي بقضيته، فوصفه البعض بأنه مانديلا الصين، ووصفه آخرون بأنه انفصالي خائن، بينما حار آخرون في انتمائه بين نزعاته الإصلاحية وعصبيته العرقية وديانته الإسلامية، فقالوا إنه من الشخصيات المعتدلة المطالبة باحترام الخصوصية الثقافية والدينية للأقليات القومية.

 

بدأت قصة هذا الرجل مع تأسيسه موقع "إيغور أونلاين" على شبكة الإنترنت المهتم بالقضايا الاجتماعية الصينية بشكل عام وقضايا قومية الإيغور بشكل خاص، فشرع في نشر مقالات حول انتهاكات حقوق الإنسان التي تطال أبناء قومية الإيغور، تبعتها مقالات تنتقد سياسات الحزب الشيوعي الحاكم، ليشكّل هذا الموقع فيما بعد مربع صدامه الأول مع الجهات الحكومية المحلية والمركزية التي تعاملت مع هذا الملف بشكل طارئ وإجراءات عاجلة مؤسسة على دوافع احترازية وأخرى رادعة على المستويين الفردي والجماعي. وشملت تلك الإجراءات إغلاق الموقع الإلكتروني في مناسبتين، واعتقال إلهام توهتي والتحقيق معه عدة مرات، وفرض الإقامة الجبرية عليه، وكان آخرها في سبتمبر/أيلول 2014 بعد سلسلة من المظاهرات وأعمال العنف حولت إقليم شنغيانغ إلى مكان مضطرب استدعت حالته الإعلان عن "خطة إستراتيجية كبرى" للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في الإقليم.

 

وقفة تضامنية مع إلهام توهتي في واشنطن بعد الحكم عليه السجن المؤبد (غيتي)

وتضمنت لائحة الادعاء التي قُدمت بحق إلهام توهتي اتهامه بنشر استطلاع رأي زائف أظهر أن 12% من الإيغور يفضلون الانفصال عن الصين، ووصفه للسياسات الحكومية المتمثلة في إعادة التوزيع الديمغرافي لأبناء القوميات "بالإقصاء الممنهج" للإيغور من المنافع الاقتصادية في إقليم شنغيانغ، وسعيه لتكريس وتعزيز استخدامات اللغة الإيغورية التركمانية. وقدمت النيابة دليلاً هو عبارة عن تسجيل مصور لإحدى محاضرات توهتي في الجامعة، قال فيها إن شنغيانغ تنتمي للإيغور لا للأغلبية العظمى من قومية الهان. وانتهى به المطاف في السجن تنفيذاً لحكم محكمة أورومتشي عاصمة إقليم شنغيانغ الصيني بالسجن مدى الحياة بتهمة تأييد الانفصال، وأنه قيادي في "منظمة انفصالية إجرامية"، وقد صادقت محكمة الاستئناف على هذا الحكم في نوفمبر/تشرين ثاني 2014.

 

من المنصات الأكاديمية إلى غياهب السجون، تحوّل مادي ومعنوي قد يكون له أثره الكبير في حياة أسرة إلهام توهتي، وهذا ما دفعنا للتواصل عبر برنامج التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مع ابنته جوهر المقيمة في الولايات المتحدة، وسألناها عن الكيفية التي تستقبل بها التساؤلات حول مصير والدها وكيف تجيب عليها؟ فقالت "لي زميلة صينية تعتقد أنني شجاعة جداً، وأنها لو كانت مكاني فلن تخبر الآخرين بموضوع الحكم بالسجن على والدها، ولعلها قصدت أنه لو كان والدها في السجن لشعرت بالخجل والحرج، بينما أعتقد أن فكرتها سخيفة جداً، فبالنسبة لي لن يكون وجود أبي في السجن عارا، فأنا أعرف أنه حكم عليه بالسجن بسبب تعبيره عن رأيه الشخصي ونيابة عن قوميته ومطالبته بالمساواة، وليس بسبب ارتكابه جريمة.. أعتقد أن ما فعله مدعاة للفخر في كل مكان وأتشرف بأبي، وأؤكد أن أبي ليس إرهابياً، وهو لم ولن يدعو إلى العنف وتقسيم الوطن، فهو بريء".

 

زوجة إلهام توهتي تبكي بعد الحكم عليه بالسجن المؤبد بسبب نشاطه السياسي السلمي (أسوشيتيدبرس)

وبمرور ما يقارب العام على تثبيت الحكم بالسجن مدى الحياة على إلهام توهتي، شهد العالم بأسره احتفالات الصين بالذكرى الـ70 للانتصار في الحرب العالمية الثانية، وكان أهم ما ميّز تلك الاحتفالات على الصعيد المحلي صدور مرسوم عفو عام من الرئيس الصيني شي جين بينغ إكراماً لتلك الذكرى. وللتعرف على مدى استحقاق إلهام توهتي لهذا العفو.

اتصلت مجلة "الجزيرة" بأحد محاميه وسألته عما إذا شمل هذا العفو السيد إلهام؟ وإذا لم يشمله فما هي المدة المتوقعة لبقائه في السجن؟ فأجاب المحامي ليو شياو يوان بأن "حكم إلهام توهتي هو السجن مدى الحياة، وبحسب القوانين الصينية فإن تخفيض مدة الحكم من السجن مدى الحياة إلى السجن المحدود بسنوات معدودة يمكن تطبيقه، ولكن بعد مرور عامين على دخول الحكم حيز التنفيذ".

 

يرى البعض أن الحكم على إلهام توهتي هو الأكثر قسوة فيما يتعلق بالخطاب السياسي غير القانوني في الصين على مدى السنوات القليلة الماضية، بينما يعتقد آخرون أن الدستور الصيني ينص على عقوبة الإعدام على تهم من قبيل الدعوة للانفصال، والإرهاب، والتطرف... لنقف مع نهاية القضية أمام حقيقة لها وجهان: هاجس أمني كضرورة صينية ملحّة مع صعودها الاقتصادي وتعاظم ثقلها الدولي، ورسالة مباشرة لكبح العنف المتصاعد في شنغيانغ، وأنه لم يعد هناك مكان لمعارض وإن كان معتدلاً.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

تركستان الشرقية تتمنع على شنغيانغ

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وفي التقارير المنوعة، نتعرف على غارة بيت ليد المعروفة بجعيتا فلسطين، والإهمال الشعبي والرسمي في استغلالها كمعلم سياحي. ومن قرغيزيا في آسيا الوسطى يعرفنا تقرير على الخيمة القرغيزية التي يقام لها مهرجان سنوي في بشكيك العاصمة.

 

وفي أوكرانيا تقاتل طبيبة مسلمة في صفوف الجيش الأوكراني ضد الوجود الروسي الذي تعتبره احتلالا أجنبيا وتعتبر قتالها واجبا وطنيا. وفي أقصى الشمال المغربي من طنجة نتعرف على مقهى قديم وشهير يقبل عليه الشباب المغربي وفيه يجدون التسلية والطرب الأندلسي والكيف.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

مغارة بيت ليد.. "جعيتا" فلسطين

مغارة بيت ليد.. "جعيتا" فلسطين

عاطف دغلس - بيت ليد


 

لا يضير الزائر لمغارة بيت ليد -أو "جعيتا فلسطين" كما يسميها البعض، أو "هُرُبَّة باطن الحمام" كما يُطلق عليها آخرون، لا سيما أهالي القرية- أن يمشي سيرا على الأقدام لبرهة من الزمن متحملا أشعة الشمس الحارقة ووعورة الطريق.

 

فإن كل من زار المكان واقترب منه أكثر يستمتع بجماله وروعة طبيعته، إذ تبدأ نسمات الهواء الباردة القادمة من قعر المغارة ومن بين انحناءاتها الصخرية الجميلة عبر فوهتها بالانسياب فوق الجسد لتزيل عرقا تصبّب بكثافة على جسم أرهقه السير وأشعة الشمس.

 

فإلى الشرق من مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية حيث قرية بيت ليد الهادئة، ترتفع إحدى تلال المدينة وتبدو كأنها لوحة جمالية يقل نظيرها بين قرى فلسطينية عديدة، ويزيدها جمالا مغارة "هربة باطن الحمام" التي تتدلى منها قطع صخرية متلونة بطبيعتها، يُعرّفها الأهالي بأنها "نوازل وصواعد" تشبه إلى حد كبير نظيرتها في مغارة جعيتا في لبنان.

 

عاطف دغلس مراسل الجزيرة  نت (الجزيرة)

متطلبات الزيارة

يقول موفق شيخة -دليل الزوار والسائحين إلى المغارة- إنه ليس على الزائر سوى أن ينحني انحناءة بسيطة تمكنه من ولوج شقوق ملتوية تؤدي به إلى وسط المغارة، ثم تبدأ حكاية أخرى من الجمال الداخلي تنسيه التعب والمشقة.

 

يحمل شيخة على كتفه سُلّما حديديا لا غنى عنه لدخول للمغارة، ويقول إن الالتواءات عند فوهتها تحدد طريقة الدخول والخروج "المحفوفة بالخطر أحيانا".

 

ويشير إلى أنه لا يمكن الدخول لكل المناطق والتجويفات داخل المغارة، إذ يُقدّر عمقها بنحو خمسين مترا في بعض الأماكن، ، وأعمق بكثير في أماكن أخرى لا يمكن الوصول إليها. ومساحتها تقّدر بنحو 120 مترا مربعا.


ويردف قائلا: "وحدها طيور الحمام البري يمكنها الدخول لتلك التجويفات وبناء أعشاشها هناك، ولذا سميت المغارة باسمها: هربة باطن الحمام".

 

كما أن كلمة "هُرُبَّة" تعني -بحسب لفظهم- الشيء المتسع، وهي تشبه إلى حد كبير مغارة جعيتا في لبنان، بكل تفاصيلها من حيث المناخ والنشأة والتطور والتشكل. وهذا الجمال والتشكيلات التي تحويها كلها تكوّنت طبيعيا، مما يترك أثرا في نفوس زائريها، ويجعلهم يعاودون الزيارة مرة تلو أخرى، كما يقول شيخة.

 

مواطن يضم بين يديه اعمدة نازلة من اعلى المغارة لاسفلها وهي تسمى بالنوازل والصواعد (الجزيرة)

علاج وترفيه

لكن هذا الجمال لم يحظ باهتمام أهالي القرية أكثر من الاعتقاد السائد لديهم لعقود طويلة -ولا يزال- بأن مياهها المنحدرة من بين تجويفات الصخور هي بلسم وشفاء من أمراض عدة، حيث دأب الأهالي على زيارة تلك المغارة مع أطفالهم للاستحمام وشرب شيء من مياهها.

 

يقول المواطن خالد عبد الرحمن، إنه جاء لأخذ بعض المياه من المغارة، حيث يرى أنها تُطهّر الأمعاء وتنظفها -وخاصة الكلى- وتخلص المرضى من انحباس البول، ويؤكد أن هذا ما تفيد به تجارب أهالي القرية.

 

ويقول الشاب إبراهيم جمعة -الذي أتى بأطفاله وأقاربه لزيارتها من الداخل لأول مرة في حياته- إنه رغم التواصل المحدود أو المتراخي بين أهالي بيت ليد ومغارتهم، فإنهم لا يقطعونها.

 

ويضيف أن صعوبة الدخول إلى المغارة وبُعدها عن القرية حدّ من تواصلهم معها، مشيرا إلى أن جمالها وروعة المناظر داخلها جعلته يتجاوز ذلك ويأتي بأبنائه وعائلته ليروا جمال المكان، ويكتشفوا بدائع تكوينه، لا سيما تلك المدليات والملونة بشتى الألوان الطبيعية كالأصفر والأحمر والأخضر والأزرق وغير ذلك.


وفي المقابل يحفر بعض الزائرين أسماءهم على بعض الصخور، ويمارس آخرون هواياتهم باحتضانها والاستمتاع ببرودتها ورائحتها الزكية.


ملايين السنين

ويقول أستاذ الجيولوجيا في جامعة النجاح بنابلس، محمد أبو صفط، إن هذه التكوينات والتشكيلات الصخرية جاءت بفعل عوامل الطبيعة وعلى امتداد أكثر من مليون إلى ثلاثة ملايين سنة، هو عمر مغارة "هربة باطن الحمام".

 

ويشرح أبو صفط تكوين المغارة قائلا، "إنها صخور كلسية أذيبت ثم أعيد تبلورها من جديد عبر عملية طبيعية كيميائية، وتلونت نتيجة لهذا التبلور وأصبحت لامعة بعد ترسبها".

 

ويضيف أنها -مثل كثير غيرها في فلسطين- تُعرف بالمغارات والكهوف الكاريستية، لكنها من أكثرها تطورا بمعنى أن عمرها أطول، وأن الصواعد والنوازل والستائر الصخرية والأعمدة الكلسية تبرز فيها بشكل كبير، إضافة للوحل والطين الذي يترسب في قعر المغارة.

 

وعبر ملايين السنين، أضحت هذه المغارة وعبر تشققات داخل الأرض مستقطبة لمياه الأمطار التي تحوي ثاني أكسيد الكربون، وتتحول إلى حامض كربونيك مخفف تتفاعل مع كربونات الكالسيوم أو الصخور الكلسية الموجودة وتذيب الكلس وتنقله معها، وبذلك تتشكل مثل هذه الأعمدة والصواعد والنوازل.

 

وأشار إلى أن عملية تقاطر المياه بطيئة جدا في هذه المغارة، وبالكاد يصل لأمتار معدودة طوال العام مقارنة بغيرها، ويضيف أنه -نتيجة لذلك- تشكلت الصواعد والنوازل والأعمدة على فترة طويلة من الزمن، مؤكدا أن كل نازل يُقابله صاعد، وأن كل عمود يقابله بروزات.

 

وأوضح أبو صفط أن "هذه المغارة تتميز عن غيرها بأنها باطنية وليست سطحية، وأن تهدم سقفها جاء نتيجة لثقل الهوابط والنوازل وعدم قدرة السقف على حملها"، عازيا برودتها العالية لدخول الهواء والرطوبة وغياب الحرارة.

مثل قطرات المياه هذه تسهم بتشكيل النوازل والصواعد على مدى ملايين السنين (الجزيرة)


عبث وقلة اهتمام

لكن ما يقلق أهالي بيت ليد وغيرهم هو العبث بالمغارة لدرجة الاستهتار بتحطيم بعض الهوابط والصواعد من أعمدتها وستائرها الحجرية المتنوعة الألوان بين الأخضر والأزرق والأصفر، وغير ذلك.

 

ويقول رئيس بلدية بيت ليد، منصور الصوص، إن أخطر ما يواجهونه هو "العبث" بمقتنيات المغارة ومحاولة البعض سرقتها وتحطيمها، إضافة لخطر أكبر يداهمهم وهو "خطر المستوطنين الذي لا يبعدون سوى بضعة كيلومترات عن المكان الذي تقع فيه المغارة".

 

وليس هذا فحسب، بل إن المغارة تعاني -أمام هذه التهديدات الحقيقية- قلة اهتمام الجهات المسؤولة، سواء في وزارة السياحة أو حتى بالاهتمام العلمي ومعرفة التكوينات الحقيقية لها.

 

ويشير رئيس البلدية إلى أنهم يسعون جاهدين ومنذ سنوات عديدة لخدمة المغارة وتحويلها لمكان سياحي رائد ومميز، خاصة في ما يتعلق باستصلاحها وتنظيفها وتجهيز طريقها وحمايتها بسياج عازل.

 

لكن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى اللحظة -كما يقول الصوص- ولم تقدم أي من الجهات المسؤولة -وخاصة وزارة السياحة والآثار- على بذل أي جهد  ينطوي عليه خدمة المغارة وإظهارها بوضعها الحضاري الجيد.

 

وحذّر الصوص في المقابل من تكرار زيارة المستوطنين الإسرائيليين للمغارة، إضافة لأكاديميين إسرائيليين جاؤوا من جامعات مختلفة لأكثر من مرة وأخذوا عينات منها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

"يورت".. الخيمة الصامدة في سهول قرغيزيا

"يورت".. الخيمة الصامدة في سهول قرغيزيا

 نسيبة محمود- بشكيك

تعتبر الخيمة القرغيزية (يورت) رمزا للتراث القرغيزي، وتحظى بأهمية خاصة في حياة القرغيز، خاصة للبدو الرحل منهم باعتبارها منزلهم المتنقل في براري وسهول البلاد.


وتعني بالقرغيزية (بوزوي) وهو منزل مصنوع من الخشب وقابل للنقل. ويطلق عليها بالروسية (يورتا) وهو "الأثر الذي يتركه اليورت المتنقل على الأرض بعد تركه مكان معين". وعلى حسب الامتداد المتصل للكلمة، فإنَّ معناها من الممكن أن يعني وطن الشخص أحيانا في التعبير المجازي.



وتمتاز الخيمة القرغيزية  بقوتها وصمودها في وجه تقلبات الطقس، وتعكس في الوقت نفسه جماليات التراث والفن القرغيزي.


وتبنى هذه الخيمة بنصب إطار خشبي مستدير واسع، ويغطي الإطار الخارجي مع السقف بغطاء من صوف الغنم، ولها باب خشبي مزخرف ومزين بالرسومات والألوان المستوحاة من التراث القرغيزي، وتزين الخيمة من الداخل بزخارف شعبية قديمة.

 

وتفرش بأثاث خاص مصنوع من الصوف ذي ألوان مبهجة وزخارف الطيور المحنطة مثل الصقر أو الغزال أو الحيوانات الجبلية الأخرى، وتعلق على جوانب الخيمة جلود الحيوانات مثل الأغنام والغزال والذئاب، ويستخدمونها في تبريد الماء واللبن، وتربط الخيول بالخيمة ليزيد من جماليتها وخصوصيتها القرغيزية.

 

خيام تقليدية (يورت) في مهرجان الخيمة القرغيزية في العاصمة بشكيك (الأوروبية)

وتعتمد الزخرفة التقليدية لتلك الخيمة التراثية على نماذج وقوالب محددة ومُستمَدة من زخارف لها قدسية ومرتبطة ببعض الرموز الشعائرية. والرموز المُعبرة عن القوة هي الأكثر استخدامًا مثل الصليب المعقوف، والوحوش الأربعة التي ترمز للقوة (الأسد والنمر والجارودا والتنين) كذلك تستخدم صور العناصر الأساسية الخمسة (النار والماء والأرض والمعدن والخشب) وتستخدم هذه الرموز للاعتقاد بأنها ستجلب القوة وتوفر الحماية.

 

وتشكل الخيمة القرغيزية خيارات مناسبة لطبيعة حياة البدو للتنقل في سهول قرغيزيا، ولا يزيد ثمن الواحدة منها على 1500 دولار أميركي، ويستغرق نصبها حوالي ساعتين، وكذلك بالنسبة لتفكيكها.

 

ولأهمية الخيمة التقليدية في حياة القرغيز كرمز وطني، فإنهم ينظمون مهرجانا سنويا تنصب فيه الخيام، بالطريقة التقليدية، وتؤدى فيه الأغاني التراثية، وتعرض طريقة عيشهم وأدواتهم المستخدمة في حياتهم اليومية.

 

ولا يزال القرغيز يستخدمون الخيمة التقليدية في عدد من المناسبات الاجتماعية مثل العزاء واستقبال الضيوف في المناسبات وفي الأعراس والرحلات، ويباع فيها حليب الفرس (القميز) في الربيع، وذلك في سبيل المحافظة على تقاليدهم الشعبية وتوريثها للأجيال الشابة.

 

ويهوى الشعب القرغيزي كثيرا الملابس التراثية الغنية بالألوان المبهجة، والعزف على الآلات الموسيقية، والرقص والغناء، وينظمون مسابقات الشعر داخل اليورت، في مهرجانات وفعاليات سنوية تجري في الغالب في العاصمة بشكيك.

 

بدو قرغيز ينقلون الخيام بعد فكها لنصبها في مكان آخر في مهرجان الخيمة القرغيزية في بشكيك ( الأوروبية)

مجلة الجزيرة زارت مهرجان الخيمة القرغيزية الذي نظم هذا العام في بشكيك، وهناك التقت بـ جومابيكوفا، من جلال آباد وتبلغ 49 عاما، حيث قالت "علينا الحفاظ على تراثنا ولكي لا ينسى الجيل الجديد هذا التراث".

 

ويرى اقيلاي (من جلال آباد) أنه  "شيء جميل أن تعرف كيف كان يعيش أجدادنا من قبل، وكيف كان يغنون ويعزفون على آلة (قوموز)". وأضاف "عندما أجلس في (تلك) الخيمة أشعر أننى في الزمن الماضي".

 

وهو ما يؤكده نورزادا بقوله "أحب تراثنا وأتمنى من الجيل الجديد المحافظة على تراث أجدادنا وألا يفرطوا به".

 

وتعتز نورلان بتراث بلادها فتقول "في هذه الخيمة كان يعيش أجدادنا، وفي فصل الشتاء يرتدون صوف الغنم للاحتماء من البرد، إنه شعور جميل".

 

أما نور سلطان فيقول "هنا كان يحتفظ أجدادنا بالماء واللبن، وأيضا كانوا يخفقون به لبن الحصان (قميز)".

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

أكويفا.. طبيبة مسلمة تقاتل "بوتين" بأوكرانيا

أكويفا.. طبيبة مسلمة تقاتل "بوتين" بأوكرانيا

محمد صفوان جولاق-أوكرانيا


 

ابتسامتها وملامح وجهها لا تدل على شدة أو قسوة، لكن الحديث معها حول احتلال روسيا للقرم، ودعم موسكو للانفصاليين الموالين لها في شرق أوكرانيا، كفيل بأن يغير تعابير وجه أمينة أكويفا، ويبرز ما لديها من حقد على روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين.

 

أكويفا مسلمة أوكرانية (32 عاما) ولدت في مدينة أوديسا لأسرة تنحدر من أصول شيشانية، وهي متزوجة من آدم أوسماييف الذي اعتقلته القوات الأوكرانية عام 2012 بتهمة التخطيط لاغتيال الرئيس الروسي بوتين.

 

حكت أمينة لمجلة "الجزيرة" كيف شاركت في احتجاجات "الميدان الأوروبي" التي أطاحت بنظام الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش بين نوفمبر/تشرين الثاني 2013 وفبراير/شباط 2014، عندما كانت طبيبة متطوعة لمداواة جرحى الاشتباكات مع قوات الأمن آنذاك.

 

"احتجاجات الميدان كانت فرصتي لإثبات براءة زوجي من اتهامات الموالين لروسيا، ولتغيير نظام زاد من معاناة الشعب الأوكراني بدل أن يعمل لصالحه"، تقول أكويفا.

 

بعد نصف عام من الإطاحة بنظام يانوكوفيتش، برأ القضاء زوجها أوسماييف من تهم الإرهاب ومحاولة الاغتيال، فسارعت معه للالتحاق بكتائب تطوعية تقاتل الانفصاليين المدعومين من قبل موسكو في شرق البلاد.

 

أكويفا تقول إنها إنسانة تحب الناس ولكن لديها إرادة النصر على بوتين (الجزيرة)

من عالم المداواة تحولت أكويفا سريعا إلى عالم الحرب الذي تعيش فيه منذ أغسطس/آب 2014 كجندية في كتيبة "البوابة الذهبية" التابعة لوزارة الداخلية الأوكرانية، تعسكر في منطقة لوهانسك التي يسيطر الانفصاليون على أجزاء واسعة منها.

 

تقول أكويفا إن "مشاركتي واجب ديني ووطني، فروسيا اعتدت على دولتنا الآمنة أوكرانيا، واعتدت قبلها على دول القوقاز جميعها، ولهذا سأبقى في مكاني وسأقوم بدوري كما كانت الصحابيات يقمن بدور دعم الجيش.. سأقاتل وأعالج الجرحى ما استطعت".

 

بفخر تتحدث أكويفا عن مشاركتها في القتال رغم الصعوبات والمخاطر، وعن وجود "أعداد كبيرة" من المسلمين في صفوف القوات الأوكرانية، وتقول إن "صفوف كتائب الجبهة تضم ما لا يقل عن ألف جندي مسلم، سواء التحقوا بالجيش بعد التعبئة، أو تطوعوا للدفاع عن أوكرانيا، وهم أوكرانيون أسلموا، أو ينحدرون من أصول إسلامية كالتتار والشيشان وغيرهم".

 

وتضيف أنها وجميع المسلمين يقاتلون في صفوف القوات الأوكرانية دون أي مشاكل تذكر، يجمعهم حب الوطن وكراهية المعتدي، على حد وصفها.

 

ولفتت إلى وجود كتائب يشكل جنودها المسلمون غالبية، ككتيبة تحمل اسم الرئيس الشيشاني السابق "جوهر دوداييف"، وكتيبة "القرم" التطوعية التابعة لوزارة الداخلية، وحتى كتيبة "مريم العذراء" التي شكلها الشيشان وتضم مسلمين ومسيحيين.

 

تقول أكويفا "نمارس في الجبهة تعاليم ديننا كما نريد.. صمنا رمضان على صعوبة ذلك، ولكننا استطعنا، وكان زملاؤنا من غير المسلمين يساعدوننا".

 

أكويفا في جبهة القتال ضد الوجود الروسي في أوكرانيا (الجزيرة)

كراهية بوتين

سألنا أكويفا عن غرابة في أمرها، فمهنتها وصورها قبل الأزمة لا تدل على الحال الذي هي فيه الآن، وحقدها الشديد على بوتين سمة لافتة لكل حديث معها.

 

قالت "أنا إنسانة أحب مخالطة الناس وكسب الأصدقاء، ليس من طبعي القسوة أو الحقد، ولكن في داخلي إرادة قوية للنصر على طاغية سجن بأمر منه زوجي المعارض له، يحارب الإنسانية والشعوب كهتلر وستالين، بدأ حربا على شعوبنا في القوقاز، وأشعلها مؤخرا في وطننا أوكرانيا".

 

وتابعت "زج بوتين بعصابات شيشانية في شرق أوكرانيا ليقتلوا ويسرقوا بأوامر منه ومن رمضان قاديروف حاكم إقليم الدونباس، محاولين إقناع الأوكرانيين بأن الشيشان والمسلمين مع روسيا".

 

وختمت بالقول "نأسف لمشاركة شيشانيين في القتال ضد أوكرانيا، لكننا لا نعتبرهم شيشانيين، فهم مرتزقة بلا ضمير، ومسلمو أوكرانيا أثبتوا أنهم أكثر بكثير من المرتزقة، وأنهم يقاتلون في سبيل وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

مقهى حنفطة بطنجة.. بارتشي وأتاي وطرب وكيف

مقهى حنفطة بطنجة.. بارتشي وأتاي وطرب وكيف

فاطمة سلام - طنجة


 

عندما يقول محمود درويش إن "القهوة لا تشرب على عجل.. القهوة أخت الوقت تُحتسى على مهل.. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة.. القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات"، فإن ذلك يسري بشكل دقيق في المغرب على شرب الشاي بالنعناع وطقوسه في مقاهي البلد العتيقة.

 

مقهى "حنفطة" بمنطقة مرشان في طنجة، واحد من هذه المقاهي.. به وأمام كأس كبيرة من "أتاي" -الاسم المحلي للشاي في المغرب- يجالس الزائر الذاكرة حتى تنضح تفاصيلها الغابرات، بالذات كما ينضح لون الشاي ما بين البني والأصفر، وكما تبدو "كمشة" النعناع بالداخل طازجة جدا.

 

تقول رواية سمعناها من المالك الحالي للمقهى نبيل الطويل الغرباوي (41 عاما) أن محمد حنفطة -صاحب المقهى الأصلي والذي يستمر في حمل اسمه إلى اليوم- كان يعمل في حديقة قصر مندوب السلطان محمد الخامس بالمدينة، قبل أن يهبه عام 1935 قطعة أرض لإنشاء مشروع خاص، اختار حنفطة أن يكون مقهى.

 

وهي الرواية التي يتمها لمجلة "الجزيرة" أحمد شقور (84 عاما) بالقول إن المكان الذي اختير لإقامة المقهى قرب ملعب مرشان، لم يكن مناسبا لاعتبارات تتعلق بمرور موكب المندوب، فطلب إليه عام 1937 تحويله إلى موضع قريب في حي مرشان العريق، بالضبط إلى غابة صغيرة كانت تتوسطه.

 

رواية أخرى حول تأسيس مقهى حنفطة، يرجح كفتها المؤرخ رشيد العفاقي في تصريح لمجلة "الجزيرة"، تقول إن محمد حنفطة كان لاعب كرة قدم معروفا ضمن فريق "الموغريب" المحلي، واختار أن يؤسس مقهى يجتمع فيه الرياضيون والمشجعون قريبا من ملعب مرشان.

 

بين الروايتين حقيقة أن المقهى كان مجتمعا صغيرا حركيا، ولعب دورا سياسيا كما يقول العفاقي، عندما اجتمع فيه سكان طنجة -أسوة ببقية مقاهي المدينة الشعبية الشهيرة- للمطالبة بإعادة سلطان البلاد محمد الخامس إلى المغرب، بعد أن نفته سلطات الحماية الاستعمارية الفرنسية إلى جزيرة مدغشقر.

 

حركة نشطة في مقهى حنفطة الذي يشكل معلما في مدينة طنجة الساحلية بالمغرب (الجزيرة)

اللافت أن المكان الذي نتحدث عنه، كان ساعتئذ عبارة عن مبنى صغير بني من زنك، "كنا نشرب الأتاي ونتسامر بينما يرشح السقف القصديري بقطرات المطر" كما يقول شقور، قبل أن يُدخل عليه مالك سابق تسلمه من حنفطة ثم المالك الحالي الشاب، تغييراتٍ أعادت بناء أساساته بالإسمنت، لكن دون أن تمس روح البساطة فيه.

 

الجدران التي بنيت احتفظت بصور بالأبيض والأسود تعود لعقود، تضم فريق "الموغريب" لكرة القدم، وأعضاء من الكشفية المغربية كان المقهى مكان تجمعهم الأثير، في حين اعتني بأشجار الأوكاليبتوس والزيتون وكرمات التين، الموجود عدد كبير منها في المكان منذ 150 عاما.

 

كذلك لم تتغير الوجوه التي تزور المقهى، الشيخ أحمد شقور ومن بقي على قيد الحياة من مجايليه يزوره منذ سنوات شبابه، بينما ينشأ أيضا تحت ظلاله جيل آخر يرعى زمن الورد، تجمعهم ذات الرغبة في عيش المشترك ببساطة ودون تكلف. لذا إن أردت النظر إلى المقهى بعيني المرتاد اليومي، فسيتبدى لك مكانا حميميا للقاء الخاصة والخلو بالنفس، لن تحتاج فيه إن كنت دون أصدقاء أن تبحث عن الرفقة، يقدمها المقهى كسمة تبصمه.. فيه تعرفك كل الوجوه دون أن تجمعك بها قرابة أو صلة، يكفي أن لها ذات رائحة الوطن وتجاعيد التناوب بين برد الحياة وقيظها، وتنبعث من الأكف رائحة النعناع والسكر و"الكيف".

 

"للبارتشي" انتظارية الحظ وصبر الخبرة.. طرفان على حدي طاولة، بينهما رقعة لعبة بهذا الاسم، يتقدم فيها هذا بنرده ليتراجع ذاك.. يستمران على هذه الحال إلى أن يغنم أحدهما بالفوز، ولا فائز حقيقي في البارتشي كما في الحياة، يوم لك ويوم عليك.

 

صوت نرد البارتشي مميز، يمكن أن تميز نقره لطاولة اللعب من بين أصوات أخرى، وبعفوية يصبح جزءا من مخيلتك عن مقهى حنفطة، إلى جانب لذة الشاي الذي يعده فيه الرجل الستيني محمد.

 

يشتغل محمد في هذه المهنة منذ 40 عاما كما يقول لمجلة "الجزيرة"، لم يتنازل فيها يوما عن جودة المشروب الذي يقدمه، جامعا فيه بين أصالة حبوب الأتاي وصحية الأعشاب الطبية والعطرية التي تصل إلى 50 نوعا، والمرصوصة في مطبخه الصغير بالمقهى ميبسة وقريبة من متناوله. الفرق أن كأس الأتاي قبل عقود كان بستين فرنكا (أي أقل من درهم مغربي)، كما يتذكر في حنين الشيخ أحمد شقور، بينما يساوي اليوم ثمانية دراهم.

 

حفلات الطرب الأندلسي الأسبوعية في مقهى حنفطة جعلت منه معلما مميزا في طنجة (الجزيرة)

أما ليلة الجمعة فلها خصوصية في مقهى حنفطة، حيث تخصص للطرب الأندلسي أو طرب الآلة كما يسميه الطنجيون.

 

منذ 50 عاما والمقهى يقدم هذا التقليد في ليلتي الجمعة والسبت من كل أسبوع، قبل أن يبدأ مؤخرا بالحفاظ عليه ليلة الجمعة فقط أمام إلحاح مقهى عريق آخر بمدينة أصيلة القريبة على إحيائها فيه نقلا ومشاركة للمتعة والفائدة.

 

تجد مكانك بصعوبة ليلة الجمعة في حنفطة.. مريدو الطرب الأندلسي الذي انتقل إلى مناطق المغرب العربي مع أولى الهجرات بعد سقوط الأندلس، كُثر. وهنا يتخلى المقهى عن طابعه الرجالي المعتاد في ظل حضور نسائي قليل، ليلبس حللا وحالات عاشقي الطرب نساء ورجالا.

 

يتكون الجوق الذي يحيي الليلة من "مجموعة مولعين، تكبر وتصغر حسب الظروف.. لا التزام إجباري للحضور، بعضنا متقاعد من العمل والآخر يشتغل، والبعض شباب يصقلون هواية الإنشاد والعزف لديهم" كما يقول الخمسيني والمتقاعد مصطفى البقالي عازف الفلوت بالجوق.

 

يبدأ العزف دائما بنوبة "رمل الماية، المادحة لأحمد الرسول الهادي المجتبى" قبل أن ينتقل إلى نوبات أخرى، فمن بديع صنعة الأندلسيين أنهم قسموا ساعات النهار والليل إلى 24 وقتا/نوبة، معظمها للمديح الديني وبعضها للتقرب من المعشوق ووصف مشاق الحب وجماليات الحياة.. الرابط بينها تصوف الروح والمقام بين يدي الشعر العربي الشفيف والمدقق في فصاحته.

 

بين حضور الطرب الأندلسي، مريدون من نوع خاص، يمتدون بالروح الكلي عبر غمامات الدخان إلى مدارج لا يدركها سواهم.. إنهم مدخنو "الكيف بالسبسي". الأول منثور مستخلص من نبتة الحشيش، والثاني زوادته التي يدخن بها، وهي عبارة عن قطعة خشب تشبه الناي القصبي في نحتها وطولها، مقسمة إلى جزأين الأعلى يسمى "الأنثى" والأسفل "الذكر"، يمتدان عبر بعضهما إلى "الشقف" حيث توضع نثارة الكيف وتشتعل قبل أن يبدأ في تدخينها.

 

"دوخة الكيف" كما يسميها خالد (25 عاما) المتعاطي له مع موسيقى الآلة الأندلسية، تجعلان المدخن "منغما"، أي أنه سابح بين النغم والدخان.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات