آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/16-

القضاء والإعلام.. على عتبة السلطان

 محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

سلطتان ينبغي أن يحول بينهما وبين التعاطي السياسي برزخ هائل، هما السلطة القضائية والسلطة الرابعة، الإعلام، لأن الأولى هي الجدار الحامي الذي يستند إليه المواطن إذا تغولت عليه سلطات أخرى. ويبقى أمله الوحيد في الانصاف من منصة المحكمة، وضمير القاضي. والثانية هي التي يفترض أن تقدم له المعلومة الدقيقة والخبر اليقين.

 

ولا يبقى للمواطن ثقة في وطنه، كحضن يؤويه وحصن يحميه إذا اهتزت ثقته في هاتين السلطتين، حين يسخر النظام السياسي السلطات كافة لخدمة مواقفه السياسية ضد خصومه، وتغدو كافة مؤسسات الدولة وسلطاتها الأربع في خدمة شخص أو حزب أو تيار.

 

يفقد الوطن قيمته في قلب المواطن حين يصبح القضاء سيفا مسلطا على خصوم أصحاب السلطة، يرهب به كل معترض ومحتج، حتى وإن بدا المشهد هزليا وخارجا عن كافة قواعد التقاضي التي تعارف عليها العالم وأنظمته القضائية.

 

يفقد الوطن قيمته في عين المواطن إذا سخر السلطان كل أبواق الدعاية لتزيين صورته، وتجميل أفعاله، حتى وإن كان فيها من القبح الكثير، وفي ذات الوقت يشوه صورة الخصوم مهما كانت حقيقتهم.

 

يفقد الوطن قيمته في عقل المواطن حين ينظر لنفسه على أنه غير مرحب به في وطنه، وأن طائفة من أبناء بلده تعمل على إقصائه ونبذه، وسلبه هويته وانتماءه لترابه، وتحشد هذه الطائفة السياسية أو الفكرية كل مقدرات الدولة لطرده من المجموع الوطني.

 

الوطن حاضنة تقوم على فكرة الأمان والانتماء، وأيما نظام سياسي سلب أبناءه أو بعضا منهم هذه الفكرة، فقد سلبهم وطنهم من أنفسهم، وهي جريمة بحق هذا الجمع من أبناء الوطن.  جريمة إبادة وطنية، لا يقلل منها بقاء الفئة المطرودة من الوطن على أرض الوطن.

 

القضاء كما الصحافة مهن مقدسة، ينبغي ألا تهراق  قداستها على عتبة السلطان ومغريات السياسة. يصان الوطن بصيانتها من كل غرض ومصلحة وسلطة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد
عبده عايش - جزيرة سقطرى

 

تنعم اليمن بطبيعة ساحرة وتنوع جغرافي وبيئي واسع. وفي واحدة من زوايا اليمن على الساحل الجنوبي، تقع جزيرة سقطرى التي تعتبر واحدة من أكبر المحميات الطبيعية وأغناها في العالم، نظرا لما  تتمتع به من غنى بيئي وطيف واسع من الطيور والأشجار التي لا يوجد بعضها إلا في الجزيرة اليمنية.

 

مجلة الجزيرة خصصت ملف هذا العدد لتجول بالقارئ في بين محميات سقطرى وحياة سكانها. الذين ينعمون كما جزيرتهم بقدر كبير من الأمان والسلم. رغم ما يعتري جزيرتهم من إهمال حكومي، يحرم اليمن من خيرات هذه الجزيرة سياحيا وعلميا.

 

ويتضمن ملف "سقطرى..جنة اليمن المعزولة" مجموعة من التقارير التي أعدها مراسل الجزيرة نت عبده عايش من قلب الجزيرة، وزودنا بصور تبسط أمامنا جمال وتنوع هذه الجزيرة الساحرة.

 

فتتناول تقارير الملف الكهوف والمغارات الضخمة والغائرة عميقا في جبال سقطرى، وعوالمها العجيبة، وما يحيط بها من تنوع في الأشجار النادرة وخاصة شجرة (دم الأخوين) التي لا تمتاز بها الجزيرة، وعوالم الطيور النادرة التي لا يعيش بعضها إلا على هذه الأرض.

 

وتطوف بنا تقارير الجزيرة على حياة الصيادين ومعيشة السكان على الجزيرة، وقصصهم مع القراصنة خصوصا القادمين من الصومال ويتعرضون لصيادي الجزيرة، وما يعانيه سكان الجزيرة من نقص الخدمات وإهمال في رعاية أكبر المحميات الطبيعية وأغناها في العالم.

 

ويحدثنا أحد التقارير في البعد السياسي للجزيرة عن النزعات الانفصالية ومناداة البعض بالاستقلال عن اليمن، والعودة بالجزيرة إلى عهد السلطان عيسى آل عفرار الذي يسعى ابنه إلى استعادة الملك الذي أنهته الثورة الاشتراكية جنوب اليمن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

عجيبة اليمن.. الجزيرة المنعزلة

عجيبة اليمن.. الجزيرة المنعزلة

 

من أجل سقطرى اليمنية -الجزيرة المعزولة في المحيط الهندي- قطع مراد أوزن -التركي الجنسية- آلاف الأميال، ليشاهد بأم عينيه ما يحكى عنها من جمال وفرادة، وغرابة تنوعها الطبيعي.


أوزن قال للجزيرة نت واصفا سقطرى بأنها "فردوس اليمن"، وذلك عقب وصوله إلى مطارها، وأبدى اندهاشه بطبيعتها، في وقت بدت له البلدات والقرى المسكونة لا تتواءم مع خصوصيتها البيئية. وبرزت عشوائية البناء فيها تتناقض مع كونها محمية نادرة على مستوى العالم.

 

سقطرى، هي أرخبيل يمني أعلنت محمية طبيعية منذ العام 1999، كما أعلنت منظمة اليونسكو في عام 2008 فوزها بجائزتها، باعتبارها إحدى أغرب الجزر على الكرة الأرضية.



الافتقار للخدمات

وفي مدينة (حديبو) عاصمة أرخبيل سقطرى، التي أعلنتها السلطات اليمنية مؤخرا "محافظة" كاملة الصلاحيات المالية والإدارية، كان العشرات من السياح والباحثين الأجانب يتدفقون عليها مع مطلع العام الميلادي الجديد، في مهمة للاستكشاف والاطلاع على كنوزها الطبيعية.

 

ويبدو أن أعمال العنف التي تشهدها مناطق مختلفة من اليمن، وما يصاحبها من مخاطر أمنية لم تحل دون سفر الأجانب إلى سقطرى، ودون أن تكون قبلة للكثيرين من الباحثين عن الاستفادة العلمية والسياحة الهادئة، وإن كانت تفتقر لأهم عوامل الجذب السياحي والخدمات الأساسية من فنادق محلية ومواصلات ومطاعم، إلا القليل منها.

 

شجرة دم أخوين في سقطرى أحدى معالم سقطرى المميزة (الجزيرة)

ولم تلق سقطرى من حكومات اليمن الاهتمام الكافي إلا مؤخرا، حيث شق طريق معبد ربط بين بلدات وقرى ساحلية بشرقي الجزيرة وشماليها، ويمر بهضبة وجبل (دكسم) إلى مناطق ساحل غربي الجزيرة وجنوبيها، وساهم ذلك في وصول السياح والباحثين إلى مناطقها المختلفة.



تنوع فريد

وتتمتع سقطرى بتضاريس متنوعة، ففي شماليها وجنوبيها الشواطئ الساحلية، ويتركز سكانها على السواحل، حيث الصيد مهنتهم الوحيدة، بينما تتوسطها هضبة شديدة التضاريس، مكونة من الصخور الجيرية. وترتفع عن سطح البحر نحو 450 مترا، كما تحيط بها سلاسل جبلية، وتعد جبال (الحجهر) الأكثر ارتفاعا، وتصل إلى 1500 متر.

 

ويتكون الأرخبيل من أربع جزر أكبرها سقطرى، التي تبلغ مساحتها 3650 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها يصل إلى مائة ألف نسمة، وتتبعها ثلاث جزر أخرى هي (عبد الكوري)، و(سمحة) المأهولتان أيضا بالسكان، و الرابعة وهي جزيرة (درسة) غير مأهولة، ولا يسكنها سوى جرذان كبيرة، بحسب روايات عديدة.



دم الأخوين

وتحفز شجرة (دم الأخوين) النادرة وأخواتها من النباتات الغريبة والنادرة التي تتفرد بها سقطرى، الكثير من اليمنيين والأجانب على تجشم السفر إلى الجزيرة الجاثية في ركن قصي بالمحيط الهندي. والتي تعد أكبر تجمع للتنوع النباتي في العالم، حيث تحتوي على 850 نوعا من النبات، من بينها نحو 300 نوع مستوطن يندر وجوده.

 

السائح التركي مراد أوزن في مدينة حديبو عاصمة جزيرة سقطرى (الجزيرة)

وتكثر مشاهدة أشجار (دم الأخوين) على قمم الجبال وخصوصا مرتفعات (دكسم)  بالهضبة الوسطى بالجزيرة، وجبال (مومي) شرقا التي تمتد حتى غربيها.

 

وتعود تسمية هذه الشجرة النادرة والفريدة إلى إفرازها سائلا أحمر اللون، فأطلق عليها (دم الأخوين)، كما أن الأهالي بحسب باحثين يستخدمون سائلها الأحمر وعصارة في علاج حالات المغص وغيره، وتستخدم فروع شجرة صغيرة تسمى )سبرة) لوقف نزيف الجروح.

 

وسقطرى التي عرفت بشجرة (دم الأخوين) عرفت بأسماء كثيرة، منها جزيرة البخور، وجزيرة اللبان، حيث تنمو بها هذه الأشجار بكثرة أيضا، كما تبدو سقطرى غنية بأشجار غريبة الشكل، يطلق عليها شجرة (تريم)، وتنبت أيضا في قمم الجبال، بين الصخور.

شجرة تريمو الغريبة في مرتفعات سقطرى الصخرية بجبال دكسم (الجزيرة)



أمن وسلام

وللوهلة الأولى يلحظ زائر سقطرى، الهدوء الذي يعم الجزيرة، وطيبة أهلها والتزامهم الفطري بدينهم. بعيدا عن صخب الحياة العصرية، ربما لغيابها بالأساس عن واقع سكانها.

 

واللافت للنظر حالة الأمن السائدة بجزيرة سقطرى، دون سواها من مناطق اليمن، ربما لأنها  منعزلة ويفصلها عن اليمن البحر. لكن يبدو أن حالة الأمان تتعدى الأهالي إلى المواشي السائبة في كل مكان، وتتجول بحثا عن الأكل، وتنام في طرقات القرى والبلدات. وتجدها في الجبال والسهول، والأودية، دون راع، ولا يخاف مالكها عليها من السرقة.

 

لكن الأغرب هو خلو الجزيرة من الحيوانات المتوحشة، كالذئاب والثعابين، وحتى الكلاب، ولذلك لا يخاف الأهالي على مواشيهم. كما لا يخافون على ممتلكاتهم أو منازلهم من السرقة، وثمة اطمئنان من جانبهم تجاه السياح والوافدين على جزيرتهم. وإن كانوا يختصون أنفسهم بلغتهم (السقطرية) التي تسود أحاديثهم ولقاءاتهم دون غيرهم، وكأن لغتهم هي "شفرة" خاصة بأهالي سقطرى.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

سقطرى.. عشق اليمنيين وموطن النوادر

سقطرى.. عشق اليمنيين وموطن النوادر

 

شغفت جزيرة سقطرى الكثير من اليمنيين الذين هجروا قراهم ومدنهم وأقاموا فيها منذ عشرات السنين، وباتوا جزءا من أهلها يتكلمون لغتهم السقطرية، وامتزجوا مع سكانها وتزوجوا منها، وصارت سقطرى حياتهم وهويتهم.



ورغم انعزال سقطرى وبعدها عن الساحل اليمني فإن حسين سعد يقيم فيها منذ 15 عاما، وصارت بلدته التي يعشقها ولا يريد مغادرتها، ويقول للجزيرة نت إن سقطرى سكنت قلبه فسكنها وانغرس فيها.



حسين سعد نموذج لكثيرين فضلوا السكن والعمل في سقطرى، فقد ترك تخصصه الجامعي في ميكانيكا الكهرباء الذي حصل عليه من جامعة عدن قبل عقد ونصف، واتخذ من قيادة السيارات ونقل السياح عملا له، ويمتلك سيارة رباعية الدفع، فهي الوسيلة الوحيدة القادرة على التنقل بين مناطق الجزيرة المختلفة.

شجرة دم الأخوين تنمو في قمم الجبال (الجزيرة)



وادي عيهفت

وفي وادي عيهفت وسط جبال حجهر أعلى المرتفعات بالشمال الأوسط بجزيرة سقطرى قادنا حسين إلى المتنزه الطبيعي المتميز بغطاء نباتي كثيف ومتنوع، والذي يشتهر بأشجار دم الأخوين والأمتة العملاقة، وأشجار التمر الهندي، واللبان، وغزارة مياه وديانه التي تتساقط شلالات من جباله أثناء فصلي الخريف والشتاء.

 

ولا يسكن وادي عيهفت سوى عدد قليل من السكان البدو، والكثير منهم -خصوصا النساء والأطفال- لا يتحدثون العربية، ولا يتقنون إلا لغتهم المحلية السقطرية.

ووادي عيفهت غني بأنواع كثيرة من النباتات الغريبة والنادرة، وتقدر عدد أنواع النباتات -التي تنفرد بها سقطرى- بأكثر من 295 نوعا، من بين 850 نباتا متنوعا تنمو في الجزيرة والتي بينها نباتات وأشجار يستفاد منها في الطب الشعبي، وعلاج الكثير من الأمراض، مثل السبرة
ودم الأخوين.



ويكتنز عيهفت بين جنباته أندر أنواع الطيور والفراشات والسحالي، وينعم الوادي بأجواء من الهدوء النادر إلا من زقزقة العصافير وتغريد الطيور، وخرير مياه الوادي وشلالاته، خصوصا في موسم الأمطار.



وتزخر سقطرى بأنواع من الحشرات لا توجد إلا فيها، منها فراشات النهار والتي يوجد منها نحو 15 نوعا مستوطنا، بجانب ستين نوعا من فراشات الليل، كما يوجد مائة نوع من الحشرات الطائرة، ثمانون نوعا منها تستوطن جزر الأرخبيل.

 

غابة من الأشجار النادرة والطيور تغص بها جبال وادي عيهفت في سقطرى (الجزيرة)

محميات طبيعية

وتضم سقطرى عددا من المواقع السياحية التي يقصدها السياح والزائرون للجزيرة، وهذه المناطق -التي تسير إليها قوافل الرحلات والبعثات الأجنبية- هي محميات طبيعية عالمية.

 

وأهم المحميات هي محمية ديحمري التي تبعد 23 كيلومترا عن مدينة حديبو عاصمة سقطرى، وتعد واحدة من أهم المحميات البحرية من حيث التنوع الكبير للشعاب المرجانية، حيث سُجّل أكثر من ثمانين نوعا من الشعاب المرجانية فيها، وتضم أشكالا مختلفة من شعاب الطاولة والمتفرعة والشعاب المصمتة والقشرية وأيضا الشعاب المرجانية الناعمة.

 

كما سجل في ديحمري حوالي 150 نوعا من الأسماك والتي تشكل 25% من مجموع الأسماك المسجلة في جزر سقطرى، وتشكل أسماك الشعاب المرجانية معظم هذه الأسماك، منها حوالي 11 نوعا من أسماك الفراشة، والتي تعد من المؤشرات الجيدة لصحة الحيد المرجاني وأيضا للتنوع الحيوي البحري.

 

مياه وادي عيهفت تنساب من فوق حاجز مائي وتبدو أنابيب مد المياه وسط الحاجز (الجزيرة)

كما تعد محمية ديحمري رابع أهم موقع للقشريات من مجموع خمسين موقعا تم عمل دراسات فيها، وتضم أيضا حوالي 16 نوعا من السرطانات البحرية، بعضها يعيش بين تفرعات الشعاب المرجانية، كما سُجّل فيها نوعان من السلاحف البحرية، وهي الخضراء ومنقار الصقر.

 

وتمتاز محمية دليشة (شرقي الجزيرة) بسواحل جميلة ومناظر خلابة، وتكثر فيها السلاحف السقطرية، كما أن محمية دطوح بمديرية قلنسية (شمال غرب الجزيرة) تمتاز بشواطئ رمال بيضاء ساحرة يندر مثيلها في العالم، وفيها خور طبيعي ينتهي ببحيرة تحتوي على مجموعة من المخلوقات البحرية النادرة والجميلة، كما أن طيورا مستوطنة ومهاجرة تتخذ تجاويف جبالها سكنا لها.

 

ولا تقتصر المحميات الطبيعية على المناطق البحرية، بل إن مرتفعات دكسم وفرمهن هي محمية طبيعية لأشجار دم الأخوين الأندر بالعالم، وعلامة سقطرى الأشهر، وتنتشر بكثافة على رؤوس الجبال بشكل مثير ومتناسق.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

عجائب مهملة في أعماق كهوف سقطرى

عجائب مهملة في أعماق كهوف سقطرى

 

يعتقد كثيرون أن كهوف سقطرى اليمنية تعد الأشد غرابة وغموضا، وتحوي كثيرا من الأسرار والآثار، وتحيط بها الأساطير التي تحاك عنها، كما أنها ما زالت ملجأ للأهالي يتخذونها سكنا في بعض الأحيان كما كانت في سالف الزمان.

 

ويوجد في سقطرى أكثر من خمسين كهفا، منها 28 كهفا كبيرة ومهمة بتركيباتها الكلسية والكائنات الحية التي تعيش فيها، حسب ما أكده للجزيرة نت مدير مشروع الدعم المؤسسي والتنوع الحيوي بسقطرى عبد الرقيب شمسان العكيشي.

 

وقال شمسان إن الكهوف في سقطرى اليمنية تعتبر من أكبر الكهوف في المنطقة العربية، فكهف ديجب يتميز بمساحة بوابته الكبيرة وسهولة الوصول إليه، بينما كهف جنيبة بمرتفعات دكسم يمتد عمقه إلى مسافة تزيد على عشرة كيلومترات.

مراسل الجزيرة أمام بوابة كهف ديجب العملاق جنوب سقطرى (الجزيرة)

ديجب الوحش

الجزيرة نت زارت أحد أكبر كهوف سقطرى، وهو كهف ديجب الذي يبعد عن مدينة حديبو عاصمة سقطرى نحو 75 كيلومترا، قادنا إليه السائق عارف انطلاقا من الساحل الشرقي للجزيرة، ومرورا بجبال دكسم وفوق الهضبة الجبلية الوسطى للجزيرة، وانتهاء بالساحل الجنوبي حتى منطقة نوجد الساحلية.

 

وأثناء صعودنا بالسيارة نحو كهف ديجب برزت فتحته الكبيرة على شكل فم وحش كاسر تتدلى أنيابه من بين فكيه، ويبدو كأنه أسد هائج يربض على قمة الجبل حارسا لسكان سقطرى، ويرى من البحر باعثا على الرعب في قلوب الأعداء.

 

وبمجرد الوصول إلى فم الكهف تبدو وكأنك أصغر من قزم أمام الارتفاع الشاهق لفتحة مدخله التي يبلغ ارتفاعها نحو مائة متر، ومع كبر المدخل يمكن لعدد من السيارات -التي تقل السياح للكهف- أن تدخل جوف فمه، وأن تنظم سباقا بينها وسط لسان أكوام التراب المتراكمة فيه.

 

مع ولوجنا بوابة الكهف شاهدنا امرأتين من البدو تجلسان بين أعمدته الضخمة، فيما عشرات من أغنام المواشي ترعى في ركن قصي منه، بينما كانت تتخلل قطرات كثيفة من الماء العذب البارد من بين الفك الأعلى لفتحة الكهف تروي ظمأ الإنسان، والطيور والحشرات التي تتخذ الكهف ملجأ لها.

 

وأظهر مرشدنا أحمد عيسى -معلم الرياضيات في مدرسة محمد محمود الزبيري بمنطقة نوجد جنوب سقطرى- حماسة أكثر، وأدخلنا كهفا صغيرا يمتد من داخل فتحة كهف ديجب، حيث كان الظلام دامسا، وبدت ثمة غرف للسكن في عمقه.

 

جانب من بوابة كهف ديجب جنوب سقطرى يبدو الإنسان أمامها ضئيلا لا يُرى (الجزيرة)

 كهف (حوق)

ومن الكهوف المشهورة في سقطرى كهف حوق والذي يقع على الساحل الشمالي الشرقي لجزيرة سقطرى، وتحديدا في منطقة حالة، حيث يعتبر من أهم الكهوف التي تجذب السياح، فهو يحتوي على أشكال من الصواعد والهوابط والتشكيلات الكلسية الجميلة وكذلك الآثار والكتابات والخربشات.

 

ويمتد كهف حوق إلى مسافة 3.5 كيلومترات، وبارتفاع يصل إلى أكثر من عشرة أمتار، وتتواجد فيه مناطق مياه عذبة، وتحتاج للوصول إلى مدخله لأن تصعد نحو ساعة كاملة حتى تبلغ فتحته، وثمة مرشدون محليون يقومون بمرافقة السياح إلى داخله، وإن كانوا يحذرون من التعمق فيه لأسباب لا يكشفون عنها.

 

ويروي نبيل الغيلي للجزيرة نت قصة زيارته لكهف حوق مع مجموعة زملاء في سقطرى، حيث كانوا 12 شخصا، كان اندهاشهم بالكهف بمجرد ولوجهم إلى فتحته، حيث شاهدوا أعمدة كلسية مزينة ومنقوشة بألوان حمراء مرمرية، ورأوا في بوابته منحوتات على أشكال حيوانية تكونت من الكلس، فيما بدت أحواض مياه بالطرقات.

 

ومع تعمقهم داخل الكهف وعرضه الكبير كان الظلام يلف المكان، والخوف من المجهول يعتري البعض منهم، خاصة مع تراجع المرشد السقطري عن المضي في عمق الكهف رغم أخذهم مصابيح احتياطية، ولكن الإصرار كان دافعهم لاكتشاف الكهف وما يحتوي عليه.

 

وعثرت بعثة خبراء آثار من بلجيكا -التي بدأت عام 2000 وتواصلت خلال ثلاث سنوات- على 250 نصا وكتابات بالهندية والعربية السامية القديمة داخل كهف حوق الذي استخدم معبدا تقام فيه الطقوس الدينية، وعثر في نهايته على مباخر تكلست وموزعة بمسافات متباعدة، وآثار رماد وأخشاب محترقة، كما أن وجود المياه في عمقه دل على وجود آثار حياة فيه.

 

كهوف جبال دكسم في سقطرى (الجزيرة)

"جنيبة" الأعجوبة

وأهم كهف في سقطرى والأكثر شهرة وغموضا هو كهف جنيبة بمرتفعات جبال دكسم، حيث يبلغ طوله أكثر من عشرة كيلومترات، ويقول أحد الباحثين إنه يصعب الوصول إليه إلا عبر النزول من الجبال، ثم تبدأ بالمشي في دهاليزه التي تتحول بين ضيقة وواسعة تتعدى خمسة كيلومترات، ثم لا بد لك من السباحة في اثنين كيلومتر من المياه التي بمناطق قد تغرق فيها، ثم تعود للمشي على أرض صعبة في ممرات قد ترعبك.

 

وتبدو أسرار كهف جنيبة في غاية الغموض، خاصة مع القصص والأساطير التي تُروى عن كهوف سقطرى، وحديثهم عن حكايات الجن والثعابين الضخمة التي تحرس هذه الكهوف وكنوزها، وإن كان أهم كنز يحويه كهف جنيبة هو وجود بحيرة من الماء العذبة داخله يمكن استثمارها في ضخ مياه الشرب للسكان.


 

وتعد الكهوف -حسب شمسان العكيشي- مصدرا مهما للدخل، حيث تستقطب العديد من السياح، ولكنها بحاجة إلى العناية، حيث إن من السهولة تدمير الصواعد والهوابط الكلسية التي تراكمت على مدى آلاف السنين، ولذلك تعتبر الكهوف من أكثر النظم البيئية هشاشة.

 

ويضيف أن هناك بعض الكائنات الحية من اللافقاريات التي تلاءمت للعيش في الكهوف كما هو حاصل من اكتشاف بعض أنواع الجمبري الذي يعيش في المياه العذبة بالكهوف، وغالبا ما تكون الكائنات الحية في الكهوف من دون لون.

 

وأشار العكيشي إلى أن بعض الكهوف في سقطرى تحتوي على مياه، ولذلك يمكن أن تكون مصدرا مهما لها، لافتا إلى أن أهالي سقطرى عاشوا في الكهوف وما زال بعضهم يعيش فيها.

 

وأكد أن الكهوف الصغيرة يمكن أن تكون موردا مهما وذلك بتصميم مآوٍ سياحية يفد إليها السياح، كما يستفاد من دراسة الكهوف في معرفة المناخ القديم الذي مر على الجزيرة، حيث أخذ بعض الباحثين البلجيكيين عينات، ودرسوا الحالة المناخية للجزيرة منذ القدم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

جزيرة الطيور النادرة.. المتوطنة والمهاجرة

جزيرة الطيور النادرة.. المتوطنة والمهاجرة

 

لا تقتصر السياحة في سقطرى اليمنية على الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة والشواطئ الساحرة أو المغارات الجبلية العجيبة، بل إن كثيرا من السياح هم من الباحثين والخبراء الذين يقصدون دراسة النبات والطيور التي تتفرد بها جزيرة سقطرى 

 

وصادف موفد الجزيرة نت في سقطرى وجود بعثة خبراء من بريطانيا وأستراليا وأميركا تعنى بدراسة الطيور المستوطنة، التي تتفرد بها جبال ووديان أرخبيل جزر سقطرى.

 

وبدت الهمة والتركيز على أفراد البعثة وبينهم البريطاني رتشارد بورتر، من جمعية حماية الطيور، والكاتب والباحث الأسترالي فيل جيورجي، وكانا مع زملائهم الآخرين يوجهون مناظيرهم وكاميراتهم إلى الأشجار المنغرسة بمرتفعات (دكسم) الجبلية، فيما أحدهم يزقزق بصوته لإثارة انتباه العصافير والطيور وإخراجها من مخابئها ليتاح تصويرها.

 

وتتعدد أنواع طيور سقطرى بحيث تشكل أحد معالمها البيئية، وتبدو مشاهدة أنواع الطيور في كثير من الأماكن التي يزورها السياح والباحثون، حيث تتخذ من أغصان الأشجار بيوتا لها، وتسمع موسيقى أصواتها وزقزقتها الجميلة في محيط واسع من الجبال والوديان وحتى الشواطئ.

 

طيور النوارس المهاجرة على شاطئ محمية دطوح في قلنسية بجزيرة سقطرى (الجزيرة)

طيور نادرة

ثمة 179 نوعا من الطيور في سقطرى، منها 25 نوعا من الطيور النادرة تعيش في 22 محمية طبيعية على الجزيرة، إلى جانب ستة أنواع من الطيور المستوطنة تنفرد بها سقطرى دون غيرها من بقاع العالم.

 

ويمثل طائر الرخمة المصرية أو ما يعرف محليا باسم سُعيدة (بضم السين) وطوله 60 سم، أحد أعلام سقطرى التي تتفرد به دون غيرها، فهو يوجد في كل مكان بالجزيرة، ويطلق عليه (المنظّف)، ويعيش بالقرب من الشاطئ وفوق المنازل، ويحط على مقربة من الزوار والسياح الذين يتناولون طعامهم، ويقوم بالتهام بقايا الطعام من عظام وخبز وغيرها بسرعة لافتة.

 

وتوجد في سقطرى محمية خاصة بالطيور المهاجرة هي (محمية دطوح) بمديرية قلنسية التي أعلن انضمامها رسميا إلى قائمة الأراضي الرطبة (رامسار) وفقا لاتفاقية رامسار الموقعة سنة 1971، التي تعتبر المناطق الرطبة أو الحساسة بيئيا (محمية).

 

وتعد محمية (دطوح) وفقا لعملية المسح البيئية محمية نموذجية للأراضي الرطبة، نظرا لما تتمتع به من موقع جغرافي وتنوع حيوي وإيواء عدد كبير من أنواع الطيور المستوطنة والمهاجرة، والأحياء البحرية كذلك.

 

طائر السعيدة على شاطئ مدينة حديبو في سقطرى (الجزيرة)

دراسات عالمية

وقال أحمد سعيد سليمان -مدير عام هيئة حماية البيئة في سقطرى- إن العديد من الأبحاث والدراسات العالمية أجريت في أرخبيل جزر سقطرى كافة، على مدى أكثر من 15 سنة مضت، وأجمعت على أهمية سقطرى العالمية للطيور.

 

وأشار في حديث للجزيرة نت إلى أن سقطرى تمتلك أكثر من 22 موقعا للطيور بما فيها الجزر التابعة للأرخبيل، وكذا أكثر من 11 نوعا متوطنا خاصا بجزيرة سقطرى. كما أن هناك أكثر من ثمانية أنواع من الطيور تجرى دراستها حاليا من قبل بعثة خبراء من المهتمين العاملين في الأبحاث والوكالات السياحية في كل من بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية.

 

وأضاف سلمان أن أهم الدراسات التي نشرت عن الطيور في سقطرى دراسات لعالم الطيور البريطاني رتشارد بورتر -وهو أحد علماء طيور الشرق الأوسط- وقد نشر دراسة حديثة عن أطلس الطيور الخاص بجزيرة سقطرى.

 

وتحدث مدير هيئة حماية البيئة في سقطرى عن تحضيرهم لإقامة يوم خاص بطائر الرخمة المصرية (سُعيدة) لما له من أهمية بيئية وعالمية، حيث تعتبر سقطرى المنطقة الهامة في العالم لتكاثر هذا النوع بشكل ممتاز جدا، ولا يوجد ما يهدد حياته ومستقلبه فيها، كما سيتم نشر المعلومات عن الطائر في مختلف مدارس سقطرى وأهميته العالمية، باعتباره أحد أنواع العلم مثله مثل شجرة دم الأخوين.

 

طيور الشلهي السقطرية في منطقة نوجد جنوب الجزيرة (الجزيرة)

أنواع الطيور في سقطرى، وفقا للمركز الوطني للمعلومات في اليمن:

 

- الصقر الحوام السقطري: ويسمى في سقطرى (نهيمة) وهو طير جارح يصل طوله إلى خمسين سنتيمترا.

- طائر السوادية الأفريقية، وتدعى في سقطرى (ضفحن): طوله 31 سم وهو من أندر الطيور المتوطنة فيها، وهذا الطائر مهدد جداً بالانقراض، بسبب تجمعاته الصغيرة جداً في الجزيرة، ويتوالد هذا الطائر في الجبال وخاصة في منطقة جبال مجهر.

- طائر الجشنة: ويطلق عليه اسم (قسقس) طوله 71 سم طويل المنقار، يسكن التلال الصخرية.

- طائر (الهازجة) السقطرية: طوله 10 سم وهو طائر مهدد بالانقراض، له صوت جميل ومميز، ويوجد على الكثبان الرملية ذات الغطاء النباتي القليل.

- المغرد السقطري: طوله 11 سم شديد الخوف والخجل لذلك يعتبر من يراه محظوظا لأنه لا يظهر للبشر.

- التمير السقطري (جهجح): له منقار معكوف للأسفل، وهو أكثر الطيور انتشارا في الجزيرة.

- طائر الشلهي السقطري: طوله 30 سم له ذيل قصير مربع ومنقار رفيع وجناح ذو رقعة برتقالية.

خبراء أجانب في سقطرى يدرسون حياة الطيور المتوطنة والمهاجرة (الجزيرة)

- الدوري السقطري الصغير أو الزرزور السقطري: طوله 51 سم ينتشر ضمن أسراب تحوم حول القرى والمدن.

- طائر العوسق، ويسمى في سقطرى (قشغنة): وهو طائر جارح صغير يصل طوله إلى 35 سم ويتغذى على الحيوانات الصغيرة.

- طائر الحسون السقطري: هذا الطائر ليس من السهل رؤيته حيث يوجد في الأرض ذات الأشجار الخشبية في الجزيرة، معلقاً بهدوء يغرد أو يأكل ورغم ذلك فإنه يلفت النظر عند طيرانه نظراً للون ذيله وجناحيه الأصفرين الفاقعين، وله منقار قوي جدا، ويصل طوله هذا الطائر الجميل 51 سم.

- القنبرة متوجة الرأس، وتسمى في سقطرى (كوفية): يصل طولها إلى 21 سم، الذكر مخطط الرأس واسع الصدر أما الأنثى باهتة اللون.

- حمامة النخيل أو ما يسمى (دجوجة): طوله 26 سم ويوجد حيث تكون بساتين النخيل.

- الخطاف أو سمامة النخيل، ويطلق عليه اسم (حلامنة): وهو طائر يقضي معظم وقته في الهواء محلقاً بجناحين طويلين يشبهان المنجل، ويصل طوله إلى 71 سم.

- الغاق السقطري: من الطيور المهددة بالانقراض، تغادر من سقطرى إلى السواحل الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية في كثير من الأوقات، ولكن اكتشف أول مرة في جزيرة سقطرى لذلك أطلق عليه هذا الاسم.

- النورس السويدي (دحملهن): يعيش على الشواطئ ويتغذى على مخلفات الأسماك التي تتركها قوارب الصيادين، ويصل طوله إلى 43 سم.

- البومة الأفريقية أو الهندية، ويطلق عليها في سقطرى اسم (شجدهن): يصل طولها إلى 12 سم، تتميز بإصدار صوت يشبه الأنين كل أربع ثوان ليلاً مما يسهل تحديد مكانها.

- الصرد الرمادي (دحيفيفي): يتغذى على الحشرات والسحالي والثدييات الصغيرة، ويعلق فريسته على أشواك الأشجار لذلك يسمى (الجزار).

- الغراب السقطري (أعرب): وهو الطائر الوحيد الأسود في الجزيرة، طوله 50 سم.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

صيادو سقطرى.. حكايا القرصنة ومطالب التنمية

صيادو سقطرى.. حكايا القرصنة ومطالب التنمية

 

السلام والحياة الهادئة التي يعيشها سكان أرخبيل سقطرى اليمني، تبدو في أحيان أخرى محفوفة بالمخاطر، خاصة أولئك الذين يقتاتون من مهنة الصيد في أعماق البحر، فإلى جانب اضطراب البحر وهيجانه، يبرز خطر القراصنة محدقا بكثير من الصيادين.

 

وفي إحدى رحلات الصيد التي قام بها الشاب اليمني فيصل، من منطقة بدهول جنوب سقطرى، تعرض لحادثة قرصنة مسلحة كادت تودي بحياته وعددا من رفاقه في عرض البحر، إلا أنه تمكن النجاة من المصير المأساوي.

 

ويروي فيصل للجزيرة نت قصته، فيقول إنه وزملاءه وعددهم ثمانية كانوا على متن )صنبوق( قارب فايبر غلاس، وعلى بعد نحو خمسين ميلا من شاطئ سقطرى الجنوبي، الذي يبعد عن الأراضي الصومالية نحو 350 ميلا بحريا، تفاجؤوا بقذيفة آر بي جي تسقط أمام قاربهم فيما زخات من الرصاص تصوب نحوهم.

 

لم يكد يفيق من هول الصدمة، إلا وكان عدد من القراصنة الصوماليين يحيطون بهم على متن قارب سريع، يحملون أسلحة رشاشة وقذائف الـ(آر بي جي)، وتحت تهديد السلاح طلبوا منهم التوجه نحو الأراضي الصومالية، وقالوا لهم أنهم بحاجة إلى قاربهم، وإذا اعترضوا على ذلك سيتم قتلهم.

 

كانت الخيارات أمام فيصل وزملائه الصيادين محدودة في مواجهة القراصنة، ولم تكن هناك دوريات يمنية من قوات خفر السواحل في منطقتهم لينقذوهم من قبضة القراصنة والمصير المجهول الذي قد يواجهونه، إلا أن فكرة وحيلة تنبه لها فيصل كانت سببا في إنقاذهم.

 

صيادو سقطرى يطالبون بإنشاء ميناء في الجزيرة وبناء مصنع تعليب الأسماك ومكافحة القرصنة (الجزيرة)

يؤكد فيصل أنه أقنع القراصنة أنه يمكنهم الحصول على قاربهم وأيضا تموينهم بمواد غذائية وتقديم أموال لهم، في حالة الإبقاء على حياتهم وإيصالهم إلى شاطئ سقطرى في بلدة بدهول. ومع قربهم من الساحل، طلب من القراصنة إلقاء أسلحتهم حتى يمكنهم دخول القرية، دون إثارة مشاكل مع الأهالي، لأن مطلبهم مجاب والشرطة لا وجود لها، إلا في مدينة حديبو في الطرف الشرقي الشمالي من الجزيرة.

 

ويبدو أن الحيلة انطلت على القراصنة، والطمع أوقعهم في شراك الصيادين اليمنيين، الذين قبضوا عليهم بمجرد أن وطئت أرجلهم شاطئ منطقة بدهول جنوب سقطرى، وألقى الأمن اليمني القبض عليهم وعددهم ستة قراصنة، فيما نجا فيصل وزملاؤه من حادثة باتت حديث كل أهالي المنطقة التي يعمل معظمهم في الصيد.

 

ميناء ومصنع

وثمة مواقف أخرى تعرض لها صيادو سقطرى من أعمال قرصنة في عرض البحر، إلا أن هذه الأعمال تكاد تختفي مع زيادة قوات خفر السواحل اليمنية لدوريات حول الشريط الساحلي للجزيرة البالغة مساحتها 3650 كيلومترا مربعا.

 

وبرغم أن شاطئ سقطرى الجنوبي المقابل للصومال لم تعد تبحر به السفن التجارية العالمية، فإنها تشاهد بكثرة وتجد الأمان بالمرور من الساحل الشمالي الشرقي المقابل لمدينة حديبو، حيث تحضر بقوة السلطة اليمنية بأجهزتها الأمنية والعسكرية.

 

ومع الأهمية الإستراتيجية لأرخبيل سقطرى الواقع على مقربة من مضيق باب المندب جنوب اليمن، والذي يعد من أهم الممرات الدولية الهامة لناقلات النفط وحركة التجارة العالمية، إلا أن جزيرة سقطرى تفتقد لميناء بحري في أحد شواطئها يكون صلة الوصل بينها وبين العالم.

 

الصياد اليمني الشاب فيصل بجنوب سقطرى يحكي قصته مع قراصنة الصومال (الجزيرة)

وثمة لسان بحري صغير يقع شرق مدينة حديبو يستقبل في أحيان بعض الناقلات البحرية، إلا أن أهالي سقطرى وخصوصا الصيادين يطالبون حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، -الذي أعلن مؤخرا تحويل سقطرى إلى محافظة يمنية كاملة الصلاحيات المالية والإدارية- بتحويل أحلام أهالي سقطرى إلى واقع ملموس.

 

ويعتقد الأهالي أن إنشاء ميناء بحري في سقطرى سيعمل على إنعاش المنطقة اقتصاديا، وسيزيد من حجم التجارة وحتى السياحة للجزيرة. كما يطالبون بإقامة مصنع لتعليب الأسماك، حتى يستفيد الصيادون من صيدهم بدلا من رميه بالبحر حتى لا يفسد، لأنه يزيد عن حاجة السكان. وأيضا منع سفن الصيد الأجنبية من نهب الثروة السمكية، وتجريف مناطق الحيد البحري للجزيرة.

 

مطالب التنمية

وتتعدد المطالب لسكان سقطرى الذين يأملون أن تحظى جزيرتهم بالتنمية وتوفر الخدمات الأساسية التي تنهض بهم وبمستواهم المعيشي، وتعكس حقيقة اهتمام السلطة بجزر أرخبيل سقطرى، ويؤكدون أن ذلك سيزيد من ارتباط المواطنين بوطنهم، وسيعود خيرها إلى كل اليمن.

 

وخلال تجوال الجزيرة نت في منطقة (سهل نوجد) جنوب سقطرى، بدت أحوال الناس بسيطة ومطالبهم تتركز في توفير المياه الصالحة للشرب، وإكمال رصف الطريق العام إلى مناطق (مطياف)، وحتى (رأس إرسال) بهضبة (مومي) في الشرق، المتصلة مع شاطئ (عومك) الجنوبي الأكثر جمالا وسحرا.

 

صيادو منطقة بدهول جنوب سقطرى عانوا من قراصنة الصومال (الجزيرة)

ويرى أحمد سالم -مدير مدرسة أبو الأحرار اليمنيين الشهيد محمد محمود الزبيري، التي أسست عام 1984- أن (سهل نوجد) يعد منطقة زراعية، إلا أنها تعاني من شح المياه، برغم وقوعها على شاطئ البحر، وحاجة الأهالي إلى بناء السدود لحفظ المياه، التي تنساب شلالات من الجبال أثناء موسم الأمطار.

من جانبه يطالب وكيل مدرسة الزبيري سالم علي، الحكومة بإعادة ترميم المبنى القديم للمدرسة الذي كان ثكنة عسكرية بني في سبعينيات القرن الماضي، أيام الرئيس الجنوبي الأسبق سالمين.

 

ويعتقد علي أن أهم ما تحتاجه المدرسة هو توفير الكادر المؤهل، إلى جانب توفير سيارات لنقل الطالبات والطلاب وحتى المعلمين من قراهم إلى المدرسة، التي تضم 350 طالبا وطالبة يقطعون عشرات الأميال للوصول إلى مدرستهم الوحيدة التي يتدفق الطلاب إليها من كافة قرى (سهل نوجد).

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

النزاعات الانفصالية والتدخل الأجنبي في سقطرى

النزاعات الانفصالية والتدخل الأجنبي في سقطرى

 

رغم بعد سقطرى وأرخبيلها عن التراب اليمني فإن رياح السياسة -التي تعصف بالعاصمة صنعاء- تهب عليها بوتيرة متزايدة، وتلفح سكانها البسطاء بسخونتها، كما هو الحال مع رياح الصيف الشديدة التي تهاجمها بضراوة وتصل سرعتها لنحو 65 عقدة، وتتسبب باضطراب البحر، وتتوقف المواصلات البحرية إليها.

 

وفي مدينة حديبو عاصمة سقطرى -التي صارت محافظة مؤخرا وفقا للتقسيم الإداري لمناطق اليمن- يلاحظ انتشار الشعارات الانفصالية، والدعوات إلى إعلانها إقليما مستقلا، فيما أعلام الانفصال تُرفع فوق الأعمدة وترسم على جدران الشوارع.

 

بينما يبرز علم السلطنة العفرارية منافسا جديدا، والذي ظهر في أعقاب زيارة قام بها إلى الجزيرة في فبراير 2012 نجل آخر سلطان حكم سقطرى ومحافظة المهرة.

 

وجاءت زيارة عبدالله بن عيسى آل عفرار إلى سقطرى -مسقط رأسه- وزياراته المتكررة إلى محافظة المهرة بعد خمسة عقود من فراره طفلا وعائلته إلى الإمارات عقب مقتل والده السلطان على يد نظام الحكم الاشتراكي بالشطر الجنوبي من اليمن الذي نال الاستقلال من الاستعمار البريطاني عام 1967.

 

شعارات رافضة لإقامة الإقليم الشرقي باليمن الذي يضم سقطرى والمهرة وحضرموت (الجزيرة)

نزعات الماضي

وينشط المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى -الذي أسسه بن عفرار في يوليو 2012- في نشر مطالبه بأوساط اليمنيين في سقطرى والمهرة، وداخل أروقة مؤتمر الحوار الوطني بالعاصمة صنعاء، وأهمها اعتبار المهرة وسقطرى إقليما مستقلا في ظل الدولة اليمنية الاتحادية.

 

ويرفض كذلك مشروع "الإقليم الشرقي" الذي يضم محافظات المهرة وسقطرى، وشبوة، وحضرموت، ويعتبره أحد عوامل التهميش لسقطرى والمهرة منذ عام 1967، بينما معارضوه يرون أن مساعي بن عفرار في إقامة إقليم سقطرى والمهرة تنتابها نزعة لاستعادة "سلطنة" والده، وإن كان يدثرها بغطاء "الخصوصية الاجتماعية والثقافية واللغة المشتركة" التي تجمع أهالي المحافظتين.

 

ويبدو أن رياح السياسة لا تلمس اهتمام المواطن السقطري المنعزل بنفسه عنها، وعن حالة الاستقطاب الحزبي، خصوصا نشاطات عناصر "الحراك الجنوبي" الانفصالي، بينما يظهر بفطرته الدينية قريبا من الصوفية وميالا إلى الحركات الإسلامية الوسطية الفكر والمنهج.

 

ورغم نزعات "العودة للماضي" -سواء مطالب الحراك بانفصال الجنوب أو إقامة إقليم سقطرى والمهرة والتي تبدو غير مؤثرة- يرى مراقبون أن ثمة صراعا خفيا بين قوى دولية كبرى وإقليمية على بسط نفوذها إلى سقطرى، مما يؤكد "الأطماع العسكرية الأجنبية" في الجزيرة اليمنية وربما السيطرة عليها.

 

مطار سقطرى سهّل الرحلات الجوية ونقل السياح إلى الجزيرة اليمنية المنعزلة (الجزيرة)

الأطماع الأجنبية

يعتقد محللون أن "الأطماع الأجنبية" في سقطرى تفسر "سر السخاء العالمي في دعم الجهود التي تكرس سقطرى كمنطقة بيئية خاصة وشديدة الحساسية، وتقيّد أي نشاط اقتصادي واسع فيها".

 

ويقول الكاتب اليمني والمحلل السياسي ياسين التميمي في حديث للجزيرة نت إن "القوى الكبرى مرتاحة لكون سقطرى منطقة فراغ سكاني، وذات نشاط اقتصادي محدود، مما يرشحها كقاعدة عسكرية تتميز ببيئة سكانية مواتية".

 

وازدادت أهمية سقطرى مؤخرا على المستوى الدولي مع بروز ظاهرة القرصنة البحرية في خليج عدن والبحر العربي، والتي تهدد أهم ممر ملاحي لمرور السفن التجارية، وناقلات النفط خصوصا.

 

وباعتقاد التميمي فإن "التنافس الخفي على موطئ قدم في سقطرى ينحصر بشكل أساسي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وعلى المستوى الإقليمي بين إيران والإمارات، وبصورة أقل سلطنة عمان".

 

ويشير إلى أن "الاهتمام الأميركي بالجزيرة اليمنية قد تجلى في دعم بناء مدرج كبير للطائرات بسقطرى، وكان من اللافت أن الذي أنشأ المطار شركات إيرانية، وهو يمثل قاعدة للدعم اللوجستي لعمليات القوات البحرية التابعة للتحالف الدولي في خليج عدن".

 

ويؤكد التميمي أن الحضور الأميركي متعدد الأغراض في سقطرى -والذي يندرج معظمه تحت ستار الأبحاث البيئية- قد بدأ منذ أكثر من 13 عاما. ويلفت إلى أن وفدا من مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة المرشح الرئاسي السابق جون ماكين قام بزيارة سرية إلى سقطرى في صيف 2009 على متن طائرة نقل عسكرية، نقلتهم من العراق.

 

وقال المحلل اليمني إن "المشاريع الخيرية -التي تقوم بها دول إقليمية مثل الإمارات في سقطرى على أهميتها وبعدها الإنساني- لا تخلو من أهداف اقتصادية وسياسية في الغالب".

 

وأضاف قائلا "من هنا تكمن خطورة النزعة الانفصالية التي يتبناها ورثة سلطنة المهرة وسقطرى هذه الأيام، لأن هذا سيسهل كثيرا للقوى الكبرى الحصول على موطئ قدم يحقق لها نفوذا في هذه المنطقة الحيوية من العالم في ظل البنية الهشة للدولة اليمنية حاليا".

 

مدينة حديبو عاصمة سقطرى تطل على البحر وفي سفح جبال حجهر وشارع وحيد مُسفلَت فيها (الجزيرة)

أهمية إستراتيجية

يشار هنا إلى أن سقطرى وأرخبيلها كانا مطمعا للغزاة، فقد احتل البرتغاليون جزر الأرخبيل اليمني مطلع القرن الـ16 وتحديدا عام 1507، ثم خضع عام 1839 للاستعمار البريطاني الذي احتل جنوب اليمن لأكثر من 128 عاما.

 

وتأتي أهمية أرخبيل سقطرى -من الناحيتين الإستراتيجية والجيوسياسية- من كونه يحتل موقعا فريدا في منطقة شديدة الحساسية، وفي أهم ممر ملاحي للتجارة العالمية، فجزر سقطرى تقع عند نقطة التقاء خليج عدن بالبحر العربي والمحيط الهندي، وهذا الموقع يؤمّن حضورا مهما لليمن.

 

ومن الناحية الاقتصادية يتميز أرخبيل سقطرى بطبيعة فريدة من الناحية البيئية والمكونات الإحيائية النباتية والحيوانية، نظرا للطبيعة المناخية التي تجعل من سقطرى واحدة من أهم عشر جزر شبه مدارية في العالم لا تزال باقية على طبيعتها، مما يعزز من مكانتها الاقتصادية في اليمن كأهم وجهة للسياحة الطبيعية والبيئية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

وإلى جانب ملف سقطرى تتناول التقارير الإخبارية مجموعة من القضايا السياسية والإنسانية والاجتماعية اللافتة. فيعود بنا تقرير إلى الاحتفال الإسباني بمرور ألف عام على تأسيس مدينة  غرناطة الأندلسية، والمعرض الذي أقيم للتعريف بالحضارة الإسلامية في الأندلس.

 

ويضعنا تقرير آخر في أجواء معاناة صناع السفن في الإسكندرية بمصر، بسبب تراجع صناعتهم واتجاهها للانقراض، في ظل عزوف الشباب على العمل بها وتضييق السلطات المصرية على هذا القطاع.

 

ومن بريطانيا نعيش اقبال البريطانيين على قراءة الكف، لاستشراف مستقبلهم أو تفسير ما جرى لهم، رغم ما يدعيه البريطانيون أنهم الأبعد عن الخرافة. وبالقرب من بريطانيا نتعرف على تجربة المسلمين في هولندا بتوزيع مصاحف مجانية مترجمة إلى الهولندية، في مشروع (مصحف في كل بيت بهولندا).

 

وفي القصة السورية واللاجئين السوريين، يطلعنا تقرير على معاناة اللاجئات السوريات ومكابدتهن لتوفير لقمة العيش لأبنائهن، ولون آخر من المعاناة هي شهادة لشاب خاض تجربة الاعتقال في سجون النظام السوري وذاق ألوان العذاب، وقد نجا من الموت الذي شرب من كاسه الكثيرون أمام عيونه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

ألفية مملكة غرناطة.. احتفاء بالتاريخ

ألفية مملكة غرناطة.. احتفاء بالتاريخ

 

آمن عجاج-غرناطة

 

تشهد مدينة غرناطة حتى نهاية مارس/آذار من العام الجاري معرضا يُعَد بمثابة آخر محطات أنشطة احتفال المدينة الأندلسية بالألفية الأولى لتأسيس مملكة غرناطة (1013-2013) للتعريف بالإنجازات التي تحققت بالأندلس في الفترة بين القرنين الـ11 و15 الميلاديين بمختلف المجالات العلمية والفنية والثقافية، والتي كانت غرناطة آخر معاقلها في الغرب الإسلامي بأراضي شبه الجزيرة الأيبيرية.

 

وأقيم المعرض بقصر الإمبراطور "كارلوس الخامس" المندرج في إطار "المجمع الأثري لقصر الحمراء وحدائق جنة العريف". وقد اختير المجمع لاستضافة هذا الحدث ليتحول إلى "الحاضنة والقطعة النفيسة في الوقت ذاته بالمعرض".

 

ووفقا لمنظمي المعرض، فقد جمعت القطع المعروضة من أكثر من سبعين متحفا وأرشيفا تاريخيا تنتمي لمدينة غرناطة ومختلف مدن الأندلس، لتكون المرة الأولى التي تُعرض فيها تلك القطع النفيسة جنبا إلى جنب في مكان واحد.

 

وخُصِّصَت كل قاعة من المعرض لشرح موضوع محدد، فالقاعة الأولى تقدم نظرة للمستوى الفني العالي الذي بلغه الأندلسيون في صناعاتهم الحرفية، والثانية تتحدث عن المجتمعات والثقافات التي عاشت على الأراضي الأندلسية من خلال قطع استعملتها تلك المجتمعات في حياتها اليومية، والثالثة خُصِّصَت لمدينة غرناطة الأندلسية وتطورها عبر العصور.

 

أما القاعة الرابعة المسماة "ديوان الفنون" فتوضح تطور الفن الأندلسي على مختلف المواد مثل النسيج والخزف والمعادن وغيرها، وتمازج الفنون في الأندلس نتيجة لتمازج المجتمعات وتعايش الأديان فيها، والأثر الكبير للفن الإسلامي.

 

قصر الامبراطور كارلوس الخامس، الذي يحتضن معرض فن وثقافات الأندلس الذي يحمل شعار سُلطة الحمراء (الجزيرة)

وتضم القاعة الخامسة وثائق عربية غرناطية تاريخية نفيسة، وتقدم القاعة الأخيرة المسماة "سُلطة الحمراء" شرحا لأثر هذا القصر الغرناطي البديع على فنون وثقافة الغرب منذ استيلاء الملوك الكاثوليك على المدينة عام 1492 وحتى الآن.


الجزيرة نت استطلعت آراء عدد من زوار المعرض الإسبان ومن السياح الأجانب، حول المعرض والاحتفال بألفية غرناطة. فقالت الممرضة الإسبانية مارغاريتا غونثالث، الحاصلة أيضا على شهادة جامعية في دراسات التاريخ المعاصر، والتي قالت إنها برغم إقامتها في غرناطة منذ أمد طويل، فإن المعرض المقام بمناسبة الاحتفال بألفية تأسيس هذه المملكة الأندلسية كان حافزا لها لزيارة مجمع قصر الحمراء الأثري للمرة الأولى.

 

وأكدت غونثالث أن "التاريخ العربي في غرناطة، الذي امتد على مدار ثمانية قرون وكان نموذجا للتعايش وحسن الجوار بين المسلمين والمسيحيين واليهود، يطغى نفوذه إلى وقتنا الحاضر على طبيعة مدينة غرناطة وهندسة أحيائها القديمة، وهذا المعرض الذي يضم أيضا مقتنيات من مدن أندلسية أخرى يوضح للزائر ثراء التراث الأندلسي وروعة فنونه".

 

وقال مينو لي، الألماني الجنسية ذو الأصول الكورية الجنوبية وأخصائي صناعة وترميم آلات الكمان الموسيقية، إنه زار الآن قرطبة وغرناطة، وكان هذا أول احتكاك له بالحضارة العربية والإسلامية، وقال إنه بعد زيارة هذا المعرض تضاعف إعجابه بالهندسة العربية، والصناعات اليدوية الدقيقة الرائعة، والأفكار الفنية التي كانت نتاج الحضارة الإسلامية.

 

ويتمنى لي أن يتم تدريس هذه الحضارة في المناهج التعليمية الغربية لتتعرف عليها جيدا الأجيال الجديدة وتواصل الحفاظ على آثارها، فالحضارة الإسلامية في الأندلس كانت مثالا لسماحة التعايش وللتقدم العلمي والفني وكان لها أثر على الحضارة الغربية، فالزائر لمدن الأندلس يرى انعكاس الفن والمعمار العربي الإسلامي إلى يومنا هذا، على كثير من المباني والأعمال الهندسية المنتشرة بتلك الأراضي.

 

بوابة الدخول إلى المعرض، الواقعة في فناء قصر الامبراطور كارلوس الخامس. (الجزيرة)

أما الغرناطي إغناثيو فرنانديث، فني أعمال السباكة الذي جاء مع زوجته إلى قصر الحمراء للاحتفال بعيد زواجهما الأول، فقال إنه يفتخر بمجمع الحمراء الأثري العربي الذي يميز غرناطة عن غيرها من المدن الإسبانية، والذي يُعد المعلم السياحي الأول في إسبانيا من حيث عدد الزائرين، والمكان المناسب -وفق رأيه- لإقامة هذا المعرض المتميز.

 

وأضاف فرنانديث أنه قرأ عن الحضارة الإسلامية أثناء المرحلة الدراسية، إلا أن مشاهدة تلك الآثار البديعة على الطبيعة في هذا المعرض الفريد تثير الانبهار في النفس، وتعرِّف الزائر بعظمة الحضارة العربية في ذلك العصر، والتي تركت أثرا عميقا في الحضارة الغربية عموما وفي إسبانيا خصوصا، مستدلا على ذلك بالمعمار وبالكلمات الكثيرة ذات الأصول العربية التي ما زالت تُستخدم في اللغة الإسبانية المعاصرة.

 

ومن جهته، قال المحلل الاقتصادي النرويجي المتقاعد لونتليف لوند إنه قرأ قبل زيارة إسبانيا عن أثر الحضارة العربية على المجتمع الغربي، وأكد أن المعرض مثير للاهتمام والإعجاب لأنه يعرِّف الزائر بالحضارة العربية في الأندلس بصفة عامة، وكيف تمكن مسلمو الأندلس من تطويرها بكل براعة.

 

وأضاف أن المعرض يبيِّن أن علوم تلك الحضارة كانت بمثابة الجذور لعلوم الحضارة الغربية الحالية، فقد كان مسلمو الأندلس من التقنيين البارعين، فقد طوَّروا أنظمة مذهلة في ذلك العصر، مثل أنظمة المياه والري على سبيل المثال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

الإسكندرية.. صناعة السفن مهددة بالانقراض

الإسكندرية.. صناعة السفن مهددة بالانقراض

                                                  

 أحمد عبد الحافظ - الإسكندرية

 

تواجه صناعة السفن في محافظة الإسكندرية شمالي مصر تحديات ومعوقات عديدة تهدد بانقراض هذه المهنة التي تعد جزءا من تراث المدينة، حيث يتوارثها صناعها عن آبائهم جيلًا بعد جيل، ويسعى المشتغلون بها إلى الإبقاء عليها مهنة حية، مع عزوف الأجيال الشابة عن مزاولتها بسبب متاعبها.

 

ويبدي الكثير من صناع السفن قلقهم من تراجع عدد المصانع والورش التي تنتج السفن، بسبب إغلاق عدد كبير منها لعدم إصدار الحكومة تراخيص لبناء سفن جديدة تعمل داخل حدود المياه الإقليمية لمصر.

 

بينما يرجع الحرفيون السبب في هذا الحال إلى تجاهل المسؤولين لمشاكلهم، مما عرضهم للبطالة وقلة الدخل، وسيطرة المصانع الكبرى المزودة بأحدث التجهيزات والمعدات على سوق السفن، فضلا عن عزوف الشباب عن تعلم الحرف التقليدية لعدم جدواها في الوقت الراهن.

 

عدد من أصحاب الورش والمصانع اضطروا لإغلاقها أو تسريح عدد من العمالة بسبب التضييقات الحكومية على المهنة (الجزيرة)

 

على شاطئ الأنفوشي بغرب الإسكندرية يحرص الحاج زكريا  أبو شنب الذي يعتبر أحد أشهر العاملين في صناعة السفن والمراكب على قضاء ساعات طويلة بين أخشابه، وآلاته ومعداته داخل ورشته  التي ورثها عن أجداده،  حتى صار "ارتباطه بها كالسمك والماء، إذا خرج منه مات" كما يقول للجزيرة نت.

 

وأضاف بنبرة حزينة "صناعة بناء السفن انقرضت (تقريبا) للأسف في الفترة الأخيرة بسبب القرارات الحكومية، وعدم توفر الدعم اللازم لها من جهات عدة، فضلا عن ضعف الطلب على صناعة المراكب واليخوت مقارنة بالسابق، للدرجة التي جعلت البعض يصنع مركبا واحدا في العام بأكمله. لذلك اكتفينا بأعمال الصيانة والترميم للسفن القديمة".

 

وتابع "أغلبنا وُلد وعاش طيلة سنوات حياته في هذه المنطقة، ولم يتعلم سوى هذه الصناعة، ونحن لم نعتبرها فقط مصدر دخل لنا، بل هي جزء من شخصية أهل هذه المدينة العريقة، التي عاصرت وامتزجت بحضارات العالم" .

 

وأوضح إبراهيم القبطان (56 سنة) عضو مجلس إدارة جمعية صناع السفن بالإسكندرية أن عائلات كثيرة امتهنت هذه الحرفة بعد أن ورثوها عن أجدادهم وآبائهم وعلموها لأبنائهم وأحفادهم. إلا أن عددا كبيرا منهم اضطروا لإغلاقها أو تسريح عدد من العمالة لديها توفيرا للنفقات، لعدم قدرتها على منافسة المصانع الكبيرة.

 

وأشار إلى انتشار "هياكل لعدد من اليخوت والمراكب الخشبية أو المعدنية لم يتم  الانتهاء من تصنيعها" بعد أن توقف أصحاب الورش عن تنفيذها بسبب قرار وقف بناء السفن الجديدة، سواء للصيد أو السياحة، مما يعرضهم للبطالة وقلة الدخل، خاصة أنهم لا يعرفون مهنة غيرها.

 

ويحكي القبطان ذكرياته مع المهنة التي امتدت لأكثر من 46 عاما، منذ أن كان في السابعة من عمره، وكيف شاهد عشرات السفن واليخوت لملوك وأمراء ومشاهير سواء في مصر أو الدول العربية، تم تشييدها داخل ورش المنطقة بإشراف أمهر الحرفيين، لدرجة جعلت منطقة الأنفوشي من المعالم الأثرية والسياحية للمدينة، التي يحرص عليها السائح ليتعرف ويشاهد بنفسه الدقة والحرفية في التصنيع.

 

المراكب التي تصنع في الإسكندرية تتفاوت استخداماتها ما بين السياحة والصيد (الجزيرة)


ويروي عبد المنعم حسني  (56 سنة) أحد العاملين في ورش تصنيع السفن بالمنطقة معاناتهم والصعوبات التي تواجه هذه النوعية من العمل، ورغم ذلك فمعظم العاملين فيها محرومون من الخدمات الأخرى، فلا يوجد تأمين ولا رعاية صحية.

 

وأكد حسني أن أنواع المراكب التي تصنع في الورشة تتفاوت ما بين اليخوت السياحية وقوارب الصيد بأحجامها المختلفة، والخشب المستخدم، وأن وقت الانتهاء من صناعتها يتوقف على طولها وعدد العاملين فيها.

 

بدوره، قال رئيس حي الجمرك (وحدة السلطة المحلية بالمنطقة) إن صناعة السفن في الإسكندرية هي أقدم الصناعات وأبرزها وأكثرها رقيًا وارتباطًا بثقافة الإسكندرية القديمة والأصيلة، مبديًا انزعاجه من اندثارها وتشريد العاملين فيها.

 

وأضاف اللواء أحمد أبو طالب في حديثه للجزيرة نت: ما يحدث مع صناع السفن من كساد بسبب المصانع الكبيرة والمتطورة التي تمتلك أحدث تكنولوجيا التصنيع، لا يجري عليهم وحدهم، بل هو تغول من الآلة على كل ما له علاقة بالجهد البشري والتصنيع اليدوي القديم، المفعم بعبق الماضي.

 

 وأوضح أيضا أن الدولة لا تملك أية وسائل تحفيز وتشجيع ودعم للصناع اليدويين المهرة في مواجهة الأجهزة والمصانع العملاقة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

حملة هولندية.. مصحف في كل بيت

حملة هولندية.. مصحف في كل بيت

                                                                              

نصر الدين الدجبي-أمستردام

 

 يروي أحد المتطوعين في حملة "مصحف مجاني" التي تنظمها مؤسسة "اكتشف الإسلام الهولندية" أن ردود أفعال إيجابية تلقاها من المواطنين الهولنديين الذين زارهم في بيوتهم لإهدائهم نسخة من المصحف الشريف المترجم، وأن الحملة تحقق هدفها بفضل الدعاية المضادة والاهتمام الإعلامي الكبير.

 

وانطلقت حملة "مصحف مجاني" في 20 ديسمبر/كانون الأول 2013، وتهدف - وفق المنظمين- إلى توفير مصحف في كل بيت في هولندا، والرد على حملات التشويه التي يقوم بها بعض المعادين للإسلام.

 

وتتزامن الحملة مع حملة زعيم حزب الحرية المعادي للإسلام خيرت فيلدرز والتي بدأها نهاية العام الماضي، بنشر ملصقات تهدف إلى التخويف من الإسلام، وكتب عليها عبارات تهين المسلمين في مقدساتهم. وندد عدد من الساسة والحقوقيين بالحملة المعادية للإسلام، واعتبروها تهديدا للتعايش والسلم الاجتماعي في هولندا.

 

فولدومان يلمس تأثيرا جيدا لتوزيع المصحف المجاني على الهولنديين والحوار معهم حول الإسلام (الجزيرة)

نجحنا وفشل

وبين عضو بمؤسسة "اكتشف الإسلام" أن الفرق شاسع بين رسالتهم وما يدعو له فيلدرز "فهو يدعو للكراهية ونحن نعطي القرآن لمن يرغب، وندعو للتعايش، فنحظى بالترحاب وتصد الأبواب في وجهه، نحن ننجح وهو يفشل".

 

وأضاف يعقوب فان ديربلوم للجزيرة نت أن "الحملة لم تكن مبرمجة بهذه السرعة، ولكن توزيع فيلدرز لملصقاته ساعد على انتشار حملتنا واتساع تأثيرها". وتابع أنهم بدؤوا بثلاثة آلاف كتاب كتجربة أولية، ولكن عدد طالبي المصحف المترجم وصل إلى أكثر من ثلاثين ألفا ولم يستطيعوا تأمينها.

 

وتتوقع الحملة أن تُوزع قبل شهر رمضان المبارك القادم أكثر من مائة ألف مصحف مترجم، وأن تحوي منازل هولندا مصحفا وإنجيلا بعد حين .وأرسل القائمون على الحملة عند انطلاقتها نسخا من المصحف المترجم إلى الملك ألكسندر والملكة ماكسيما وفيلدرز.

 

ويصر القائمون على حملة "مصحف مجاني" أن تتم عملية إيصال المصحف المترجم إلى الراغبين فيه بطريقة مباشرة لإعطاء الفرصة للهولنديين لطرح أسئلتهم عن قرب ولتوضيح بعض الشبهات.

 

ديربلوم-الحملة لم تكن مبرمجة بهذه السرعة ولكن توزيع فيلدرز لملصقاته ساعد على انتشار حملتنا واتساع تأثيرها (الجزيرة)

إقبال واسع

ويقول أحد القائمين على الحملة إن الطبعة الأولى من المصحف المترجم في طريقها إلى النفاد. وتوقع أن يصدر في الطبعة الثانية نحو مائة ألف نسخة.

 

وقال عضو المؤسسة الهولندي نور الدين فيلدومان الذي رافقته الجزيرة نت  في رحلة إلى مدينة أتريخت وسط هولندا لتوزيع المصاحف "أعود كل يوم بعد عملي لأضع الكتب في السيارة وأجهز العناوين وأنطلق في مغامرة جديدة" .

 

ويقيّم فيلدومان في حديث للجزيرة نت ردود الأفعال على امتداد الفترة التي عمل فيها متطوعا لتوزيع المصحف المترجم قائلا بأنها إيجابية "لأننا لا نجبر أحدا على أخذه، ونقدمه لمن يطلبه". ويضيف أن الاهتمام الإعلامي الهولندي بحملة "مصحف مجاني" جعل الطلبات تتزايد "حتى وصلت إلى المئات يوميا".

 

وتابع أن حملة فيلدرز واليمين جعلت كل هولندا  شمالا وجنوبا شرقا وغربا تطلب المصحف، وأضاف أن حملة فيلدرز اختفت ولم يعد يتحدث عنها إلا القائمون عليها. واضطرت شركة غوغل - تحت ضغط واحتجاج مؤسسات إسلامية وحقوقية في هولندا إلى إيقاف بريد إلكتروني منحته الشركة لحملة فيلدرز.

 

يُذكر أن القرآن ترجم 15 مرة إلى اللغة الهولندية، بعضها كان مع ازدهار الاستشراق الهولندي، وأخرى مع قدوم الجاليات المسلمة إلى هولندا، وثلاث مرات العام الماضي. وتشرح هولندية تعمل مع مسلمين أسباب طلبها للمصحف بالقول "فهمت من المسلمين أن الإسلام هو القرآن، ولذلك أردته في بيتي لأطلع عليه كاملا".

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

لاوس.. الموت بالألغام أربعين عاما

لاوس.. الموت بالألغام أربعين عاما

 

محمد أمين-لندن

 

تحتل جمهورية لاوس في جنوب آسيا المرتبة الأولى في العالم من حيث وجود الألغام والقنابل العنقودية فيها. وهي من مخلفات الحرب الأميركية على فيتنام سابقا، وقد أودت وما زالت تودي بحياة الآلاف من المواطنين في هذه الجمهورية.

 

روبرت ويلان، منتج ومخرج الأفلام الإيرلندي الجنسية، قرر أن يعيش مغامرة فريدة، فحمل كاميرته لينتج فيلما وثائقيا باسم LAOS 13.5, Land of a million bombs، رافق فيه فريق تفكيك ألغام نرويجي خلال عمله في هذه البلاد التي تسمى بلد المليون لغم.

 

فبين لغم وآخر قصة لمفكك ألغام لقي حتفه، أو طفل كان يلهو بالقرب من لغم انفجر به، أو رجل ذهب هناك للعمل في مزرعة فانتهى ضحية لألغام تحكي قصة حرب طاحنة دارت رحاها في لاوس، قبل أربعين عاما.

امرأة لاوسية تعمل على استخراج لغم أرضي بطرق بدائية (الجزيرة)


مأساة مجهولة

يبدأ ويلان حديثه بالقول إنه أراد من  مغامرته هذه  توثيق حقيقة أن الآلاف من البشر في هذه البقعة الجغرافية من العالم مازالوا يدفعون ثمن قصف أميركي جنوني حصد مئات الآلاف من الأرواح، ومازالت آثاره تطارد الأحياء.

 

فالأطراف الصناعية في أجساد ضحايا القصف شاهد يومي على حجم الجريمة اليومية هناك وفق ويلان. ويضيف أن 24 دقيقة -مدة فيلمه- هي حصاد مغامرة استمرت أياما، كان يضع في أحد احتمالاتها أن يكون هو ضحية لهذه الألغام.

 

ويؤكد أنه رغم ذلك فإن كاميرته كانت في تلك اللحظات أهم من روحه، فهي التي ستوثق، وستنقل ما جرى ويجري في مسرح الجريمة كما يحلو له وصف  "ألغام لاوس".

 

يقول ويلان إنه صدم في إحدى رحلاته الآسيوية بقصة "لاوس" وزاد من دهشته أن قليلا من الناس يعرف حقيقة وتاريخ الحرب هناك. فذلك البلد الذي تعرض لأعنف حملة قصف في التاريخ، مع مليوني طن على الأقل من القنابل التي أسقطت على رؤوس الناس، جعله الأكثر قصفا على الأرض.

 

ويضيف أنه يقدر وجود أكثر من ثمانين مليون قنبلة غير منفجرة لا تزال في لاوس، كل هذا جعله يقرر إنتاج فيلم لاستكشاف آثار "حرب لئيمة" وفق وصفه، لاتزال آثارها مستمرة على الإنسان والأرض والحيوان.

 

ألغام أرضية استخرجها فريق البحث عن الألغام في لاوس (الجزيرة)

 الموت القريب

مرافقة ويلان لفريق عالي التدريب لم تكن كافية لجعله يشعر بالأمان، فرغم أن كثيرا من القنابل من النوع العنقودي الذي يحتاج لضغط أكبر حتى ينفجر، فإنك إذا ركلت حجرا أو مسمارا وارتطم بها فإنك ستفقد حياتك في لحظتها، كما يروي ويلان.

 

ويضيف المنتج الإيرلندي أنه كان دوما حريصا أين يضع قدميه، وكثيرا ما غامر رغم تحذيرات الفريق المرافق لكي يصور لقطات مقربة للألغام، وكما يقول فإن حجم الكارثة يجعل الفرد يشعر بأن حياته ليست أغلى ممن فقدها هنا، رغم أنه لا ينكر شعوره  بالخوف مرارا، خاصة عندما يذهب لالتقاط مشهد، فيبدأ الفريق بالعد التنازلي له حتى يغادر.

 

ويصف تلك اللحظات بأنها خيط رفيع بين الحياة والموت، وأنه لو تأخر ثانية لانتهت حياته في حينها، لكن ثقته بالفريق النرويجي المحترف الذي رافقه وقناعته بما يوثقه كانا دوما  يهدئان من روعه.

 

مخلفات الحرب من القذائف خطر يتهدد الأطفال الذين يستهويهم اللعب بالقذائف غير المنفجرة (الجزيرة)

 "كرة اللغم" بديلا عن القدم

الألفة الشعبية للقنابل والألغام أكثر شيء أثار دهشة واستغراب ويلان، فالناس في لاوس يصنعون تحفا وآثارا من بقايا الألغام ويعلقونها في بيوتهم، وبعضهم يصنع منها ملاعق طعام. والتقط صانع أفلام أسترالي في فيلم له مشاهد لأطفال يلهون ويلعبون كرة القدم ببقايا الألغام والقنابل العنقودية بعد أن صنعوا منها كرة للعب.

 

الأطراف الصناعية التي باتت جزءا من أجسام كثير من سكان هذا البلد الآسيوي تؤشر على عمق الجريمة التي ارتكبت هنا، وفق ويلان.

 

ويضيف أن كثيرا من الناس في لاوس من الفقراء رغم أن أرضهم خصبة وزراعية، لأن هذه الألغام قصد بها الأميركيون فيما قصدوا منع الأهالي من زراعة أراضيهم واستثمارها حتى يبقوا فقراء ومعدمين.

 

ويأمل ويلان أن تكون هذه الدقائق التي قدمها في فيلمه وثيقة تسجل جريمة ارتكبت هناك، ومازالت تحصد مئات الأرواح البريئة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

البريطانيون.. تسحرهم قراءة الكف

البريطانيون.. تسحرهم قراءة الكف

 

 محمد أمين -لندن 

 

في مجتمع متقدم ويسوده العلم كالمجتمع البريطاني البعيد عن الخرافات الاجتماعية والدينية، كما يقولون، بدأت ظاهرة الإقبال على قراءة الكف تنتشر بشكل ملحوظ السنوات الأخيرة في أوساط وأعمار وأصول مختلفة من البريطانيين.

 

وربما دفع قلق الناس من مسؤوليات الحياة وهمومها للإقدام على من يقولون إنهم "يتنبؤون بالمستقبل". فإذا ركبت قطارات لندن وأخذت صحيفة من صحف "المترو" ستقرأ الكثير من الإعلانات لما يعرف بـ "قارئات الكف" أو "متنبئات المستقبل".

 

ميرا، بريطانية من أصول هندية، تتخذ من بيتها الكائن غرب لندن مركزا لاستقبال زبائنها. فهي تعمل في هذا المجال منذ 31 عاما، إذ تعلمت قراءة خطوط اليد، أباً عن جد، وتقول ميرا إن قراءة الكف ليس مهنة وحسب، بل هي علم له قواعده وأصوله.

 

فقد درست ميرا وتعلمت كثيرا من والديها اللذين يعتبران من المراجع في هذا المجال بالهند، قبل قدومهم إلى بريطانيا، فسرُ هذه المهنة -وفق خبيرة الكف ميرا- في الأسرار التي يتوارثها الآباء عن الأجداد، لأن هذه الأسرار هي مفتاح الاحتراف.

 

وتعرّف ميرا هذا العلم بأنه علم المعرفة والعمق، ووفق قولها فإن "العمل فيها يحتاج لعقل صحيح وتتلمذ على يد أستاذ، وعيون تنظر للإله وتطلب منه المساعدة".

 

ميرا: قراءة الكف هي علم قائم على الحسابات والرموز وهو يهدف لمعرفة معلومات محددة بناء على معطيات محددة (الجزيرة)

 

خطوط اليد وخطوط المستقبل

كان مكتبها مليئا بالزبائن أو المريدين من جنسيات مختلفة هندية وبريطانية، جاؤوا بمواعيد مسبقة. وعندما يدخل الزائر ينتظر في غرفة ضيوف يقابلها مكتب الأستاذة كما تصفها مساعدتها، وتطلب الأستاذة من زبائنها قبل البدء بالقراءة، إعطاءها ثلاثة بيانات: الاسم وتاريخ الميلاد والبلد الأصلي.

 

وتقول ميرا إن هذه المحددات الثلاثة تفتح لها الطريق نحو اكتشاف ماضي وحاضر مَن أمامها. ولعل الخصوصية التي تحيط بهذه المهنة، تجعل كثيرا من مرتادي المكان يحجمون عن الحديث للإعلام، لكنهم هنا من جميع الثقافات جاؤوا لمعرفة شيء واحد هو المستقبل، ولتفسير ما مضى من أعمارهم.

 

تقول ميرا -في محاولة للتفريق بين عملها والسحر- إن السحر هو عمل شيء غير موجود أصلا وتعاون مع عالم الجن والأرواح، لكن قراءة الكف هي علم قائم على الحسابات والرموز، وهو يهدف لمعرفة معلومات محددة بناء على معطيات محددة.

 

الغالبية العظمى من البريطانيين لا يؤمنوا بالأديان، فرغم أن الديانة المسيحية هي الرسمية، فإن البريطانيين معروفون بتمردهم على المعتقدات والأديان ونزوعهم نحو العلمانية أو اللادينية.

 

ميرا تؤكد أن زبائنها من مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية فقراءة الكف يستهوي جميع شرائح المجتمع البريطاني (الجزيرة)

وتشير قارئة الكف إلى أن الناس الذين لديهم اعتقادات دينية "مسلمين أو مسيحيين" كثير منهم تمنعهم أديانهم ومعتقداتهم من القدوم لها. فهناك "مفاهيم خاطئة ترى أن قراءة الكف هي نوع من السحر" وهو محرم  طبقا لهذه الأديان، لكنها توضح أنه "في السنوات القليلة الماضية تغيرت هذه القناعات" فهي تشرح باستمرار للناس أن هذا علم وليس دجلا.

 

يحلو لميرا أن تؤكد دوما أن زبائنها من مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية، فقراءة الكف وعلم المستقبل يستهوي جميع شرائح المجتمع البريطاني، ولا علاقة له بالمستوى التعليمي، فلديها أطباء وأكاديميون ورجال أعمال وأناس عاديون. ولأن لندن مدينة مفتوحة فإن ثقافة الجاليات التي تؤمن بقراءة الكف أثرت على البريطانيين وجعلتهم يقبلون عليها.

 

ومن خلال خبرتها لأكثر من ثلاثين عاما، فإنها تجمل أكثر المواضيع التي تستهوي الناس، وتقول إن  العلاقات الأسرية والصحة والعمل والمال والحب هي أكثر ما يأتيها الزبائن من أجله. وتصنف الذكور بأنهم يهتمون بقضايا العمل والصحة، في حين الإناث أكثر سؤالا عن علاقة الحب والعلاقة الزوجية والأطفال والقضايا ذات البعد العاطفي.

 

الماضي معروف لكني أقدم تفسيرا لماذا حدث ما حدث، تقول ميرا. وتضيف أن كثيرا من البريطانيين يأتوها لتفسر لهم جزءا من الماضي، على سبيل المثال أسباب فشل علاقتهم مع شريكة حياتهم. أما المستقبل فإنه يعني للناس الكثير، فعلى سبيل المثال يأتيها من هو مريض ويتوق لمعرفة هل سيشفى في يوم من الأيام؟ وإذا واجهت ميرا مشكلة لا حل لها -كما تقول- فإنها تعطي نصائح عامة تفيد زبائنها في حياتهم.

 

الاسم وتاريخ الميلاد والبلد الأصلي محددات ثلاثة تفتح لميرا الطريق لاكتشاف ماضي وحاضر من أمامها (الجزيرة)

 

المستقبل صندوق مغلق

بثقة، تؤكد خبيرة الكف أنها واثقة جدا من نصائحها بنسبة قد تصل الى 95%، لكن الخطأ قد يحدث أحيانا، وهذا وارد وليس مرتبطا بمهنتها فقط ، فحتى الطبيب المتخصص أحيانا يخطئ في التشخيص.

 

جيم كالي بريطاني من إيرلندا، يقول إنه يعرف كثيرا من الأصدقاء الذين يؤمنون بقراءة الكف، ويضيف كالي ذو الأصول الإيرلندية أنه رغم ولادته بمجتمع كاثوليكي متشدد دينيا، فإنه لا يؤمن بكل الأديان ولا التقاليد ولا المعتقدات. ويخشى من معرفة المستقبل فهو صندوق مغلق ربما إذا فتحته تجد ما يسرك أو ما لا يسرك، وفق قوله.

 

غير أن بريطانيين آخرين بسبب القلق اليومي باتوا شغوفين بمعرفة مستقبلهم. ويعرب كالي عن اعتقاده أنه "إذا ذهبت لطبيب فإنه سيقول لك عن حالتك الصحية، وقياسا على ذلك فإن خطوط اليد قد ترسم لك خطوط الحياة والمستقبل".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

لاجئات سوريات.. معادلة الكفاح والكرامة

لاجئات سوريات.. معادلة الكفاح والكرامة

                                                                    

  ناريمان عثمان-أنطاكيا

 

لكل منهن قصة معاناة طويلة وصلت بها إلى قرية الريحانية بتركيا، لكن المشترك بينهن أنهن سوريات يرغبن في العيش بكرامة وإعالة أطفالهن وأسرهن. حيث تعمل مجموعة من السيدات السوريات في ورشة للخياطة، ووجدن إضافة إلى العمل رفيقات يتشابهن في ظروفهن الصعبة.

 

تحتاج أم عبدو ساعة من المشي يوميا لقطع المسافة بين منزلها والورشة، إذ لا يمكنها تحمل نفقات إضافية للمواصلات. وتحدثت للجزيرة نت عن ظروف مغادرتها سوريا ومقتل زوجها واعتقال ابنها، وهي الآن مسؤولة عن خمسة أبناء، وتدفع ثلثي راتبها لإيجار البيت ويترتب عليهم تدبر معيشتهم طوال الشهر بمائة دولار تقريبا.

 



وتقول أم عبدو "أشعر بكثير من القهر بسبب صعوبة ظروفنا، وليس باليد حيلة، لا يمكنني العودة إلى قريتنا والعيش تحت القصف والنيران مع أولادي، حتى وإن رجعت لم يعد لي أحد هناك، فجميع أهلي وأقاربي نزحوا أيضا".

 

أشغال يدوية من إنتاج اللاجئات السوريات يجري تسويقها لمساعدتهن ماديا (الجزيرة)

أما أم مياس فقد عملت في الخياطة لعشرين عاما في سوريا، وعندما وصلت إلى الريحانية لم يجد زوجها عملا، فباشرت بالعمل في هذه الورشة لإعالة بناتها الثلاث، وتشعر بالسعادة لأنها قامت بتفصيل وخياطة ثياب العيد لأطفال في مخيم أطمة.

 

وتقول "العمل ينسينا همومنا والظروف السيئة في سوريا، تعرفت هنا على كثير من النساء بعضهن من منطقتي، ويخفف عني تبادل الأحاديث معهن".

 

ضحى (28 سنة) أم لستة أطفال، وكانت ملمة بالخياطة قبل زواجها والآن بعدما خرجت من سوريا مع أسرتها بدأت العمل في الورشة بسبب الظروف المعيشية الصعبة.

 

وقالت "زوجي كان موظفا في الحكومة سابقا، ترك عمله في إدلب وجئنا إلى تركيا، وإذا وجد عملا فلأيام فقط ثم يبقى باقي الأيام بلا عمل ولا دخل".

 

ولفتت ضحى إلى أنها والعديد من زميلاتها في العمل أمهات لأطفال صغار ومضطرات لتركهم في البيت مع إخوتهم الأكبر قليلا فـ"دائما مشغولة البال على طفلي الصغير، وأعود يوميا وأجده محتاجا للطعام وتغيير ملابسه، وكذلك ابنتي لديها إعاقة ولا تستطيع الحركة وتحتاج خدمة مستمرة".

 

وقالت عاملة أخرى إن طفلها وقع واحترقت يده بالمدفأة في غيابها، وكثير من الحوادث المشابهة تحصل لأطفالهن، لكن ورغم هذه الظروف فإنهن يعتبرن العمل وحصولهن على دخل يساعد في إعالة أولادهن أفضل بكثير من سؤال الناس.

 

رغم صعوبة ظروفهن تجد أولئك النساء أن العمل يحفظ كرامتهن (الجزيرة)


أما أم أحمد فهي والدة شهيد، وتقول إنها وجدت في العمل سلوى لها، وفي رفيقاتها أخوات جديدات وأسرة تحتضن همومهن، وقالت "كل واحدة منا لديها ما يكفي من المشاكل والمعاناة، العمل ومسؤوليات الأسرة ليس سهلا، لكننا أيضا لم نتعود السؤال ونريد أن نحفظ كرامتنا".

 

وتعتبر أن العمل هو حاجة ملحة للاجئين السوريين، وتتمنى افتتاح مشاريع لتشغيل اللاجئين تغنيهم عن أشكال المعونات الأخرى وتحفظ كرامتهم.

 

مديرة ورشة الخياطة التابعة بمؤسسة الأورينت تحدثت للجزيرة نت عن ظروف العمل، وأوضحت فداء شحادة أن الكثير من السيدات تستفدن من العمل في هذا المشغل، منهن سيدات كانت لديهن خبرة سابقة في الخياطة، وأخريات تعلمن في المشغل من خلال دورات تدريبية يتم تنظيمها بشكل دوري.

 

وقالت "لقد أبدت السيدات إرادة قوية ليتعلمن الخياطة في وقت قصير، وأصبحن قادرات على إنجاز العمل بالكفاءة المطلوبة".

 

وأشارت إلى أن هدف هذا المشروع هو دعم المرأة السورية ومساعدتها من أجل حياة كريمة، حيث إن ورشة الخياطة هذه وفرت قرابة خمسين فرصة عمل لنساء سوريات. وأضافت أن ظروف حياة اللاجئين صعبة، وفي حال وجد رب الأسرة عملا فإن دخله لا يكفي، لذا على النساء المساعدة في تدبر النفقات وإيجارات البيوت.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

معتقل نجا من "فرع الموت" بسوريا

معتقل نجا من "فرع الموت" بسوريا

 

الجزيرة نت - خاص

 

ما تزال ملامح محمد غضة رغم قسوة ظروفه الراهنة كلاجئ سوري في لبنان، وتعرضه قبل سنة لتعذيب شديد أثناء اعتقاله لدى النظام السوري، حيث كان يصل به الأمر لدرجة تمني الموت عندما كان يفقد القدرة على تحمل التعذيب، كما يقول.

 

فالشاب البالغ من العمر 17 عاما فقط، يعتبر نفسه محظوظا لأنه نجا بأعجوبة من الموت في السجن بسوريا، والآن ترك مقاعد الدراسة دون الحصول على الشهادة الثانوية، وبات مسؤولا عن إعالة أسرته.

 

ترسخ في ذاكرة محمد -وهذا اسمه المستعار- مواقف لا تُنسى في المعتقل، ومنها مشهد طفلين أحدهما في الثامنة من عمره والثاني يبلغ 11 عاما، كانا في فرع الشرطة العسكرية بالقابون.

 

قال "لا أنسى معالم الطفولة في وجهيهما، سألتهما ماذا يفعلان هنا!؟ كان الطفل الأصغر قد فقد القدرة على الكلام، أما الثاني فأجاب والصدمة واضحة عليه بأنهما اعتقلا دون أن يعرفا السبب، وتم احتجازهما في (فرع فلسطين) لثلاثة شهور ثم نُقلا إلى الشرطة العسكرية ووضعا في زنزانة منفردة لمدة شهرين".

 

أما المكان الأسوأ على الإطلاق بالنسبة لمحمد فقد كان (فرع الأمن 215) في دمشق الذي يسميه المعتقلون (فرع الموت)، وأوضح أنه كان عددهم 112 شخصا حشروهم في شاحنة ونقلوهم إلى ذلك الفرع، وفي الطريق قٌتل شخصان اختناقا بسبب فقدان الأكسجين والضيق الشديد، وعندما وصلوا كان البقية قد فقدوا الوعي.

 

رسم توضيحي لاختناق المعتقلين في الشاحنة التي نقلتهم إلى السجن ووفاة بعضهم (رسم الزميل شجاعت علي-خاص بالجزيرة نت)

وقال "عند دخولك الفرع 215 تشعر أنك دخلت لتموت فيه، ينقطع الأمل من الخروج منه، أنا عن نفسي بدأت بنطق الشهادتين، وبعد 15 يوما قُتل 35 شخصا بسبب قلة الماء والطعام والنوم".

 

ويشير إلى أن عددهم تقلص من 110 إلى 75  فقط في مهجعهم الصغير من أصل ألفي معتقل في الفرع، والذين كانوا يتشاركون جميعا في الظروف السيئة، وقال "عندما دخلت الفرع كان عدد الشهداء 1500 وعندما خرجت بلغوا 3750 شهيدا".

 

يقول محمد إنه قضى الشهر الأول في هذا المعتقل على البلاط مجردا من ملابسه وكان الطعام قليلا جدا ولمرة واحدة في اليوم، ولم تكن هناك حمامات في المهاجع ومن يُسمح له بالخروج إلى دورة المياه لقضاء الحاجة كان يُعتبر محظوظا.

 

وتابع "كان البعض يتنازلون عن الخبزة الوحيدة في اليوم مقابل أن يحصلوا على كيس خبز فارغ كي يقضوا حاجتهم فيه". وأردف أن حالات الإسهال والجرب شديدة الانتشار بين المعتقلين، وأن الشخص الذي يصاب بالإسهال يموت بعد يومين.



وفي فرع الموت هذا، يعترف المعتقلون بما فعلوه ولم يفعلوه وفقا لمحمد الذي اعترف بدوره بتهم يقول إنه لم يرتكبها. ويقول إنه في لحظات اعتقاله الأولى باللاذقية تعرف على شاب بجواره اسمه أحمد ياسين، رافقه التنقل من معتقل إلى آخر إلى أن لقي حتفه تحت التعذيب في الفرع 215.

 

وذكر أسماء معتقلين آخرين كان لهم المصير نفسه فقتلوا تحت التعذيب، وهناك من وضع حدا لحياته منتحرا باستخدام شفرة حلاقة، بينما قال إن العديد من المعتقلين كانوا يصابون بحالة أقرب للجنون والهلوسة، بسبب تعرضهم للتعذيب وسماع أصوات المعتقلين الآخرين، مشيرا إلى أن هؤلاء أيضا كانوا يموتون بعد وقت قصير.

 

الشاب (محمد) الذي أدلى بشهادته عن تجربته في سجون النظام السوري (الجزيرة)

ولفت محمد إلى ظاهرة استرعت انتباهه في المعتقل، وهي استغلال الأطفال جنسيا من قبل الشبيحة وفي بعض الأحيان من قبل معتقلين آخرين، وقال "كان بعض المعتقلين يشاركون بتعذيب معتقلين آخرين، وكنا ننادي أحدهم ببطحيش، كان يفعل ذلك ليحصل على سيجارة في نهاية اليوم".

 

تعرض محمد لأشكال عديدة من التعذيب، منها التعذيب بالكهرباء حيث كانوا يجردونه من ملابسه ويدفعونه إلى شبكة معدنية مكهربة وبعدها لا يتذكر ما يحدث له، كما تعرض للإيذاء بأسلاك معدنية في مناطق حساسة من جسده.

 

أما في (فرع البالوني) بحمص فاعتمدوا قضبانا حديدية للضرب "ضربني الضابط بها عدة ضربات على رأسي فشعرت أنه يكاد ينفجر، ثم تلقيت خمسين ضربة على قدمي إلى أن تغير لونها وأخذ الدم ينزف منها".

 

ويصف محمد قسوة الأيام الأولى في فرع الأمن العسكري قائلا إنه لم ينم سوى دقائق، حيث كان يتعرض "للشبح" (التعليق من اليدين) لساعات يوميا "إذا ترك السجان أصابع قدميك تلامس الأرض فستكون محظوظا، كانت القيود تشد على يدي وأنا أصرخ وأبكي وكان السجان كلما سمع صوت صراخي يزيد التعذيب ويضربني بالأسلاك الكهربائية".

 

كان يطلب من السجان أن ينزله أرضا ويرميه بالرصاص إذا شاء، فقط يريد أن يتوقف الألم غير المحتمل، ووفق قوله فإن الرد كان يأتي بدلو ماء بارد كان يزيد وجع الجروح المتقيحة.

 

يقول الشاب إنه لا يستطيع نسيان تفاصيل تلك التجربة المريرة، ولا يدري إذا كان سيتمكن من تجاوز آثارها، لكنه ورغم كل ذلك لديه حلم بأن يصبح صحفيا في المستقبل.

السابق

السابق

التالي

السابق

التعليقات