آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/12-

القدس.. 66 عاما من صراع الذاكرة

محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت 

 ستة وستون عاما وبيت المقدس تخضع للمبضع الصهيوني، يقتطع منها ما يشاء لمشاريع الاستيطان، ويحفر فيها أخاديد التهويد، ليعزل أحياءها المشبعة بعبق التاريخ العربي والإسلامي.

 

ستة وستون عاما ومعركة تزييف التاريخ والحاضر مستعرة على تلال وهضاب مدينة القدس، وتحت أرضها المقدسة، وفي أنفاقها التي تنبشها عصابات الاحتلال تحت ستر الظلام.

 

ستة وستون عاما والاحتلال يشكل عصاباته التي فرغها المال الصهيوني للترويج لهيكلهم المزعوم والتبشير ببنائه على أنقاض المسجد الأقصى.. وبات يتحدث عنه ساسة الكيان كما متطرفيه الدينيين، لا فرق.

 

ستة وستون عاما وماكنة الإعلام الصهيوني الإسرائيلي والغربي تنتج الأكاذيب وتزور التاريخ والواقع، ونجحت وتنجح، للأسف، في تسويق بضاعتها في أسواق العالم.

 

ولعل مساحة واسعة من المعركة مع الاحتلال الإسرائيلي تجري على شاشات الفضائيات وصفحات الصحف، معركة يحترف المجتمع الصهيوني القصف بكل الأسلحة الثقيلة من أساطيله الإعلامية.

 

ولعل منتدى (تواصل) لدعم الإعلام الفلسطيني، الذي عقد في اسطنبول أواخر إبريل/نيسان  طلقة صائبة في هذه المعركة، يطلقها الإعلامي الفلسطيني في هذه المعركة الشرسة.

 

ورغم تواضعها لكنها تبقى مساهمة مهمة، وخطوة أولى بالاتجاه الصحيح، فالمعركة بحاجة إلى كافة القوى والطاقات الإعلامية المناصرة للقضية الفلسطينية في معركة القدس والأقصى،  وكل تراب فلسطين وشعبها.

 

فالمعركة في حقيقتها معركة ذاكرة. يراهن الاحتلال على تلاشي قداسة القدس والأقصى وكنيسة القيامة والحق التاريخي من ذاكرة الأجيال الصاعدة، وتغيير معالم المدينة على الأرض.

 

ويراهن الفلسطيني على النفخ على جمر الذاكرة لتبقى متقدة نابضة بالحرارة، ومن خير من الإعلام لبعث الروح في ذاكرة الوطن، وتوريث الانتماء لترابه، لا سيما لدى الأبناء والأحفاد في الشتات.

 

مشروع (تواصل) قادر على وصل الداخل بالخارج، والكهل وبالصبي، وجمع الجميع على قضية حية ساخنة، لا يموت فيها الكبير ولا ينسى فيها الصغير.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/12-

(عدد خاص)

(عدد خاص)

منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 48، والمشروع الصهيوني يولي مدينة القدس اهتماما خاصا، في سياق المشروع الذي يهدف لتحقيقه عام 2050 حين يكمل سيطرته على ما يسميه بـ (القدس الكبرى)، وفي هذا السبيل يركز كافة سياساته الاستيطانية وتهجير الفلسطينيين من القدس الشرقية.

 

66 عاما من سياسات التهويد وتزييف الهوية الفلسطينية المشبع بها كل متر من الأرض المحتلة، تهدد الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية لا سيما في المدينة المقدسة، رمز السيادة على الدينية والسياسية على فلسطين التاريخية.

 

في الذكرى 66 لنكبة فلسطين، تفرد مجلة الجزيرة عددا خاصا بالقدس وما تتعرض له من حملة تهويد طويلة الأمد، تطال السكان المقدسيين، والأماكن الدينية المقدسة، واقتصاد المدينة وتعليمها.

 

ففي مقال وجداني يجول بنا الكاتب والأديب المقدسي إبراهيم جوهر في خلجات نفسه تجاه عروس المدائن التي درج في طرقاتها طفلا، وكيف باتت غريبة عليه وهو غريب فيها تحت سطوة الاحتلال، ويرفض أن يكبل الحزن مدينته المقدسة.

 

وتعرض لنا تقارير أخرى جرائم الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس، من احتلالها وحتى اليوم، ويبسط لنا غرافيك تفاعلي معالم الحرم القدسي الشريف.

 

ويستعرض مقالان أحوال القدس وأهلها، ففي الأول يتناول الحصار التعليمي الذي تمارسه سلطات الاحتلال على الطالب الفلسطيني ومدرسته، وسياسة تغييب الهوية الوطنية الفلسطينية في المناهج التعليمية، وفرض الرواية الإسرائيلية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

وفي المقال الآخر يتناول منهجية الاحتلال في إفقار المدينة وسكانها، ودفعهم إلى البحث عن لقمة العيش خارج المدينة لإكمال حلقات التهويد والأسرلة، من خلال تضييق الخناق على النشاط الاقتصادي للمقدسيين وتعزيز اقتصاد المحلتين.

وفي سياق المقابلات، تحاور المجلة الشيخ رائد صلاح، شيخ الأقصى ورئيس الحركة الإسلامية في فلسطين 48، الذي يحدثنا عن أحوال القدس والأقصى وما يقوم به أهل القدس وفلسطينيو أراضي 48 من مقاومة لسياسات تزييف هوية المدينة المقدسة.

وفي مقابلة أخرى مع ياسين حمود رئيس مؤسسة القدس الدولية يعرفنا على نشاطات المؤسسة التي تضم نخبة من السياسيين والمفكرين العرب والمسلمين والمسيحيين المؤمنين بقدسية المدينة وقضيتها العادلة.

ويختتم العدد بعرض كتاب صدر حديثا عن قضية القدس شارك نخبة من الكتاب المعنيين بهم القدس وقضيتها، وألبوم صور يستعرض جوانب مختلفة من الحياة في المدينة المقدسة.

 

وفي قراءات أخرى لأحوال المقدسيين تستطلع مجلة الجزيرة مشاعر أهل المدينة، وكيف يرون مستقبلها في ظل سياسة التهويد والإبعاد، وكيف تختصر القدس النكبة الفلسطينية، لكنها نكبة حية متجددة بكل أبعادها وصورها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/12-

لا لحزن يكبّل المدينة

 لا لحزن يكبّل المدينة

 

إبراهيم جوهر- القدس

 

من كان يتخيّل أن مدينة الأنبياء وقبلة المسلمين الأولى ستبقى هذا الوقت كله تحت الاحتلال الإسرائيلي!!

 

كل احتلال بغيض، عدائي، ينفّذ رؤاه الإستراتيجية، وفي القدس جرت عملية التهويد والضم وإرساء أسس الأسرلة منذ اليوم الأول لاحتلالها قبل سبعة وأربعين عاما من اليوم.

 

القدس مدينة الصلاة والحب والسياحة والأمن والأقصى والقيامة، والثقافة والحياة والأحلام المشرعة على آفاق بعيدة.

 

كانت على موعد مع غد أجمل وهي تواصل نهوضها مع شمس كل يوم جديد، تتثاءب بغنج واثق من نفسه وقدراته وهي تغازل أبناءها بحب ودلال، وتمنّي نفسها بدلال دائم. فجأة انقلبت الصورة، فانقلب الصباح الذي صار يحمل بنادق غريبة، ولغة أغرب، وبلاطها يستقبل "بساطير" غريبة وخطوات غير مألوفة.

 

هل درت المدينة الموعودة بيوم البعث والحساب والصراط أن قوما آخرين زاروها عنوة ليقيموا فيها هذا الوقت المتطاول!! أم تراها ما زالت غير مصدّقة ما تراه عيناها!!

 

قالت ثقافة الناس: هذه مدينة لا يعمّر فيها غازٍ، ولا تدوم أيام العداء والأعداء فيها، فلا حياة لهم في لحمها وعظمها، لذا سيمرّ "سبعة"... بعدها لن يكون للغازي حياة في قلب المدينة.

 

لوحة جدارية بعيون طفل فلسطيني للقدس والأقصى (الجزيرة)

انتظر الناس "سبعة" أيام بعد الساعات السبع، ثم انتظروا سبعة أشهر، ثم سبع سنوات.. والغازي لا يزال يقيم يخنق روحها ويسعى لتهويدها.

 

لم تصدق النبوءة الشعبية، فلم يبق غير النبوءة الربانية التي لا يأتيها الباطل، وعلى هذا ينتظر أهل المكان والتاريخ والإيمان.

 

هل حكم على المدينة القسوة والمعاناة؟ هل هي امتحان لقدرة أهلها على الصمود والتحمل والرباط؟! المهم القائم هو هذا البقاء على أمل وحلم وانتظار.

 

أحلام الناس هنا تتلوّن برائحة المدينة الحزينة فترسم لوحات بقاء وحياة وجمال. من بين أكوام الحزن والظلم يرسم أبناء المدينة وبناتها حياة يرونها على طريقتهم الخاصة المتسلحة بقوة الحق في مواجهة حق القوة!

 

هي القدس إذا، درّة المدائن، أم البدايات والنهايات. أصل المعنى واللغة والصلاة التي ربطها ربّ العزة بأقدس بقاع الأرض في سورة "الإسراء".

 

في كل لحظة القدس تنهض من حزنها وتتصدى بالمتاح بين يديها لمن يعتدي على روحها... لكن الركون لهذا الواقع لن يعفينا جميعا، أفرادا ومؤسسات وحكومات ومنظمات، من مسؤولياتنا أمام ضمائرنا وأمتنا وتاريخنا، وقبل هذا وبعده أمام ربنا.

 

القدس دائما وحدها تبكي وتندب وتنتظر.

 

القدس من "القداسة"، الروح القدس، القدس الشريف. والقداسة قداسة الروح.

 

والمقدّس دائما تتجه إليه أنظار الفؤاد وعيون القلب ودموع الأحلام بالهالة القدسية، فتكون القدس.

 

هدم عقارات إسلامية ملاصقة لقبة للمسجد الأقصى لبناء مراكز تهويدية (الجزيرة)

القدس التي أشبعت مدحا ففاز الآخرون بالإبل هي القدس التي أعرفها، وتعرفني. وهي القدس التي أعرفها ولا أسبر أسرارها كلها، لأنها ببساطة لا تمنح أسرارها التي تبقيها بعيدا هناك في حافظتها.

 

القدس كانت قبلي، وستبقى. هي أقحوانة الروح ورفيف القلب عند خفقة الحب الأولى، خفقة الدهشة والحب الأول حين يكبر القلب مغادرا سذاجة الطفولة البكر. الحب هو الشعور الأول لمدينة بمكانة القدس، وحضورها الآسر.

 

ليس مجرد عاطفة هذا الذي يجذبني إليها. وليس مجرد تعلّق بما اعتادته عادات القلب ومشاكسات المراهقة. لعله أمر آخر. لعله شيء آخر ما زلت أبحث عن توصيف مناسب له.

 

القدس حضرت معي في كتاباتي الأولى، فالإنسان يكتب ما يشعر، ويثبت ما يفتقد على لوحة الروح لكي لا ينسى، وهل تنسى القدس؟!

 

الجرافة كانت قريبة من زاوية السور. زاويته العالية كانت قريبة من أنياب الجرافة الباحثة عن أثر ما لمارٍّ من هنا بالصدفة أو بالتخطيط اللئيم، أو بالقوة، أو بالادعاء... المهم أنها كانت قريبة كما رآها قلمي الصادق وهو يحذر بعفوية وصدق في قصة "تذكرة سفر" التي أخذت مجموعتي القصصية الأولى عنوانها.

 

واللوحة الصفراء التي تحذر من مخاطر الدروب والابتعاد كانت تهتز، وعيون القلم والقلب رأت في اهتزازها إمكانية للتغيير.

 

التغيير حصل، التغيير قام. التغيير كائن، بالاتجاه الآخر المعاكس تماما لاتجاه الروح والتمنيات.

 

القدس التي تذوب أرضا وتاريخا ومباني وثقافة اليوم بدأ التخطيط السلحفائي لتغيير روحها مع الساعات الأولى للحضور الغريب.

 

أُغرقت بالمال المشبوه، والمخدرات، والقشور، وتبدلت الثقافة بفعل مخطط وجد نفوسا انساقت له وغابت رؤاها وانتماؤها. فماذا كان؟

 

شعارات معركة الأرض والمسكن تشعل المقاومة الشعبية بالقدس (الجزيرة)

في القدس التي أعرفها طفلا وأحمل لها صورة وردية، حدث أمر غريب صبيحة ذاك اليوم الدخاني القاتم.

 

نظرت إلى الدخان الأسود في عام الحريق من هناك من قمة الجبل الذي كان استراحة تكبير لفاتح عظيم بحجم "عمر بن الخطاب".

 

كان الدخان يتصاعد شاكيا، والناس في تساؤل وترقب، فما زال في الروح بقية من أمل وانتظار ورجاء، وعجز وكثير من الحيرة...

 

"غولدا" قالت: لم أنم تلك الليلة!!

 

نامي يا عزيزتي، نامي... فالناس الذين تخشين ردة غضبهم الفاعلة لاهون ينتظرون الفارس الأبيض ينزل من سماء عجز ومن حكايات "ألف ليلة وليلة".

 

ونامت بفرح وطمأنينة، حتى ولغ الذئب في قلب المدينة والناس والتاريخ.

 

ما زالت القدس التي تسرق بالتدريج في خاطري، وأمام عينيّ.

 

مؤخرا جلت "سوق مأمن الله" للمرة الأولى. هذا السوق الذي أوجدوه لقتل الأسواق العربية على مقربة وموازاة مع "باب الخليل" لتفريغ الأسواق وإبعاد الحضور عن قلب المدينة. ومشيت من باب الخليل إلى باب الساهرة مرورا بباب الجديد وباب العامود (بوابة دمشق)، وأدركت أنني مقصّر في التجول داخل المدينة السحرية/ مدينتنا القدس المباركة، وفي الالتصاق بأبوابها وأسوارها ولغتها.

 

في الآونة الأخيرة أقنعت نفسي أن الودّ والتعلّق وحدهما كافيان بإبقاء الواحد منا على اتصال بما يحب... فاكتشفت خطأ تفكيري!!

 

زراعة الأرض بالزيتون لتثبيت الوجود ومنع المصادرة (الجزيرة)

الآن أستذكر أغنية صاغتها حكمة أجدادنا، فأعيش وسط معانيها ودلالاتها العميقة، (يا صاحب الطير قوم اسهر على طيرك.. عجّل عليه بالعلف ليعلفه غيرك...)

 

القدس التي في خاطري بحثت عنها اليوم... فصدّتني خطوط سكة القطار، وعربات الشرطة المتحفّزة في باب العامود، وأشجار النخيل العالية على مدخل المصرارة...

 

كانت القدس اليوم في ناظريّ مزيّفة، مصنوعة، ولم يكن لها ذلك البريق الذي أعرفه وأبحث عنه...

 

القدس التي في خاطري... لم أجدها.

 

.. هي القدس التي في خاطري.

 

القدس التي رسمت لها صورة طفولية خلاّبة آسرة أول مرة زرتها وأنا ممسك بيدي أبي خشية ضياعي وسط الزحام الكثيف، والناس الغرباء عن معرفتي... هؤلاء لم أعتد رؤيتهم في قريتي، ولكني اليوم أشعر وكأنّي أعرفهم... أعرفهم جميعهم!!!

 

أعرف فيهم الطيبة، والبساطة، والبحث عن عمل أو قضاء مهمة، أو شراء...

 

وأكاد ألمس همومهم وهم يسيرون مطرقي الرؤوس يبحثون ويدورون ويسألون... اليوم أرى ما لم أره وقتها في تلك الزيارات الأولى على قلّتها وتباعدها... وما زالت صورة ذاك الكهل المحني الظهر محفورة في ذاكرتي...

 

القدس التي دخلتها يوم أمس من جهتها الغربية فصدمتني، وأشعرتني بالغربة والاغتراب، وأثارت فيّ خليط المشاعر والأفكار، هي القدس التي اعتدت على الدخول إليها من الجهة الجنوبية، من جهة راس العامود مرورا بباب الأسباط وباب الساهرة وصولا إلى باب العامود، ومحطة الحافلات المركزية التي شهدت ذات يوم تجربتي الفاشلة/ الخاسرة في تجارة بيع الأسكمو/ البوظة.

 

مسن مقدسي يطل على حي البستان بسلوان المهدد بالهدم (الجزيرة)

القدس التي سرت يوم أمس بمحاذاة الخط الجديد لسكة القطار الكهربائي ذي الشكل المغاير لهدفه السياسي، فاجأتني، وأشعرتني بأنها ليست القدس التي في خاطري وذاكرتي...

 

إنها تلبس اليوم ثوبا غريبا ليس الثوب الذي يجب أن تلبسه لأنه يليق بها... إنه الثوب الآني الغريب الذي تلبسه عنوة. ثوبها الذي حيك بليل، وخطّط له في غفلة من التاريخ...

 

إنها القدس التي أعرفها وقد حنت عليّ حنوّ المرضعات على الفطيم... وحمتني ذات جمعة!! وسرت إلى سوق جمعتها عارضا بعض الأغنام للبيع أيام كان "سوق الجمعة" عند زاوية سورها الشرقية...

 

أين ذهبت القدس/ قدسي؟؟؟؟

 

يا إلهي!!! هل من الممكن أن....... ؟؟؟!!!!

 

لا ، لا، لا أريد.....

 

هي القدس نفسها التي حمتني ومنحتني؛ حمتني شابا ومنحتني حبها ومعنى أن تكون بين أشجار التاريخ والجمال في غابة الحضارة والتاريخ التي اسمها "القدس".

 

القدس، لها من اسمها نصيب القداسة والحماية والحنان. إنها قدسنا التي نحبها، ونحكي عنها بشغف العشاق المفتونين. قدسنا التي نرسمها كما تحلو لذاكرتنا أن تسترجع تفاصيلها، فنحنّ لأزقتها، ولأسوارها، ولرائحة أسواقها، ولمناظر ناسها... لدرجها، وسقوفها... لكل شيء فيها أو منها أو يرتبط بها برباط.

 

قدسنا التي تفهم لغتنا ونفهم لغتها... من هنا كانت حيرتي وحزني وغربتي حين رأيتها وقد تشوّه جمالها الروحي كما تحفظه روحي أنا.

هل أنا حزين لأجلها أم لأجلي؟!!

 

القدس لا تسمح للحزن بالبقاء في صفحة الروح.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/12-

جرائم الاحتلال في القدس.. سجل طويل

جرائم الاحتلال في القدس.. سجل طويل

 عوض الرجوب-رام الله

 

منذ احتلال الشطر الغربي لمدينة القدس عام 1948 وشطرها الشرقي عام 1967، اتخذت سلطات الاحتلال الإسرائيلية سلسلة إجراءات، وسنّت مجموعة قوانين وتشريعات تصبّ في اتجاه السيطرة الجغرافية والديمغرافية على المدينة وتهويدها.

 

وأصابت إجراءات الاحتلال قطاعات البلدية والصحة والتعليم والمقدسات والأرض والعمران، وهويات السكان، فضلا عن العزل التام للمدينة بجدار أكدت محكمة العدل الدولية في لاهاي عدم قانونيته.

 

وفي ما يلي تسجيل زمني لأهم وأبرز جرائم وسياسات الاحتلال في المدينة منذ احتلالها عام 1967 وحتى اليوم، استنادا إلى عدة مصادر، أهمها مستقبل القدس وسبل إنقاذها من التهويد للدكتور إبراهيم أبو جابر:

 

 7 يونيو/حزيران 1967:

 قوات الاحتلال تسيطر على شرقي القدس والمسجد الأقصى، وتهدم عددا من الأحياء العربية، وبعدها بأيام تبدأ سلسلة إجراءات لفرض السيطرة على المدينة، منها قرار سريان القانون الإسرائيلي على القدس العربية، وإقرار الكنيست ضم القدس العربية إلى القدس الغربية، وتوسيع حدود بلدية القطاع اليهودي من القدس ليشمل القدس القديمة وضواحيها، فضلا عن حلّ المجلس البلدي وإلحاق موظفيه ببلدية الاحتلال، والبدء في حفريات لا زالت مستمرة أسفل البلدة القديمة والأقصى والقدس.

 

11 يونيو/حزيران 1967:

هدمت سلطات الاحتلال جزءاً من "حي المغاربة"، وطردت سكانه وسكان أحياء أخرى. وحتى سبتمبر/أيلول من العام نفسه بلغ عدد الذين اضطروا للنزوح من المدينة نحو 23 ألف فلسطيني، وقد قامت سلطات الاحتلال بسحب هويات عدد كبير من المقدسيين، حتى لا يسمح لهم بدخولها أو الإقامة فيها.

 

27 مارس/آذار 1968:

المحكمة الإسرائيلية العليا تصدر قرارا بأن قدسية جبل البيت (المسجد الأقصى) لدى الشعب اليهودي ليست مجالا للنقاش أبدا، وهي للأبد ليست متعلقة بأي حكم، وهي فوق كل بحث.

 

24 أغسطس/آب 1968:

 أصدر الكنيست الإسرائيلي قانونا يُمكّن اليهود من استعادة المنازل التي كانت مملوكة أو مؤجرة لهم من العرب، أما الملاك العرب من أهالي القدس فلا يحق لهم -بموجب القانون الإسرائيلي لسنة 1973م- استرجاع أملاكهم في الشطر الغربي من المدينة أسوة بالقانون الإسرائيلي بالنسبة للملاك اليهود.

 

14 أبريل/نيسان 1968:

أصدرت السلطات الإسرائيلية أمر الاستملاك رقم 1443، وبمقتضاه تم استملاك عدة دنمات من الأحياء العربية الإسلامية في البلدة القديمة من القدس، وطرد سكانها منها، بهدف إنشاء ثلاثمائة وحدة سكنية لاستيعاب 3500 يهودي مكانهم.

 

إسرائيل حولت القدس إلى ثكنة عسكرية لقمع المقاومة الشعبية (الجزيرة)

1968:

مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية خارج أسوار مدينة القدس القديمة، وأقيمت على تلك الأراضي أحياء المستوطنين الجدد، وأقيم ما عرف بحزام المستوطنات الأول حول القدس.

 

1969:

بدأ إنشاء ما عرف بالحزام الاستيطاني الثاني حول المدينة، وهو عبارة عن 15 مستوطنة جديدة، ومعها ظهرت تفاصيل مشروع القدس الكبرى، وبمقتضاه يتم حصار المدينة بالمستوطنات.

 

21 أغسطس/آب 1969:

إحراق المسجد الأقصى على يد مايكل دينس روهان -يهودي من أصل أسترالي أضرم النار في المسجد- وادعت إسرائيل في حينه أنه مختل عقليا.

 

1969:

أصدرت سلطات الاحتلال قانون الإشراف على المدارس، حيث استهدفت من خلاله الإشراف الكامل على جميع المدارس الطائفية والأهلية، وفُرض عليها الحصول على تراخيص.

 

13 مايو/آيار 1970:

نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن المحكمة الإسرائيلية العليا تركت في قرار لها ترتيب موضوع صلاة اليهود في الحرم القدسي (الأقصى) بيد السلطة التنفيذية، وجعلته من ضمن صلاحية شرطة الاحتلال. جاء ذلك ردا على التماس تقدمت به 15 شخصية عامة إسرائيلية حول منع الشرطة لهم من أداء الصلاة في ساحات الأقصى.

 

1972:

وضع  الاحتلال خطة متكاملة تحت اسم "خطة التنمية الخاصة"، وهدفها إعادة تخطيط المدينة بهدف تغيير المعالم الجغرافية والسكانية والمعمارية والتاريخية والاقتصادية، وجعلها موضع إسقاطات تخطيطية مستقبلية حتى سنة 2000، لتغيير معالم مدينة القدس وهوامشها تماما، وتخطيط أماكن الحفريات الأثرية الراهنة والمستقبلية بدعوى التاريخ المزيف لليهود.

 

يوليو/تموز 1980:

بلدية القدس المحتلة تصادق على المخطط الهيكلي الجديد لمدينة القدس، كما أقرته اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في بلدية القدس، ووضع هذا المخطط الهيكلي بدلا من المخطط الهيكلي القديم لمدينة القدس لعام 1955.

 

أغسطس/آب 1980:

أقرّ الكنيست الإسرائيلي بالأغلبية قانون الأساس، الذي يعلن أن القدس هي العاصمة الموحدة لإسرائيل، وأن القدس هي مكان إقامة رؤساء الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

 

11 أبريل/نيسان 1982:

الجندي الإسرائيلي "هاري غولدمان" يقتحم المسجد الأقصى ويطلق النار على المصلين في قبة الصخرة، مما أدى إلى استشهاد مواطنين وجرح أكثر من ستين آخرين.

 

سلب أملاك الغائبين بالبلدة القديمة ونقلها للمنظمات الاستيطانية (الجزيرة)

1987:

كشفت وزارة الأديان ووزارة الآثار الإسرائيليتين عن مشروع النفق الذي انتهت من أعمال تجهيزه وتجفيف المياه فيه وسد فتحاتها بكلفة ربع مليون دولار في أوائل عام 1995.

 

2 يوليو/تموز 1988:

صدر قانون تطوير القدس، وتنص المادة الخامسة منه على أن تبادر وتحضر وتشجع مبادرات لتطوير القدس اقتصاديا. ومن أجل تسريع عملية تنفيذ مواده السنوية قام رئيس الوزراء (إسحاق شامير) في 25 أبريل/نيسان 1990 بسنّ أنظمة تتعلق بتشجيع الاستثمار في القدس وخاصة المصانع المعروفة بالتقنية.

 

8 أكتوبر/تشرن أول 1990:

قوات الاحتلال ترتكب مجزرة بحق المصلين في المسجد الأقصى راح ضحيتها عشرون شهيدا وعشرات المصابين، وجميعهم من المصلين الذين حاولوا منع متطرفين يهود من اقتحام باحات الأقصى لوضع حجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم.

 

1994:

صدور قانون تطبيق الاتفاق بشأن قطاع غزة ومنطقة أريحا، وجاء هذا القانون ليمنع السلطة الفلسطينية من أي نشاط في القدس باعتبارها جزءا من إسرائيل حسب مفهوم الاحتلال، ويسمى أيضا قانون "تقييد نشاطات لسنة 1994".

 

1995:

رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين يعلن مخطط E1 كتوسعة لمستوطنة "معاليه أدوميم" شرقي القدس. 

 

25 سبتمبر/أيلول 1996:

أقدمت قوات الاحتلال في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على فتح نفق بطول 450 مترا، ويمر أسفل المسجد الأقصى والعقارات الإسلامية المحيطة به، فهبت الجماهير الفلسطينية احتجاجا على هذا الإجراء، في ما أطلق عليه "هبة النفق" التي استشهد فيها 63 فلسطينيا من القدس والضفة وغزة، وأصيب نحو 1600 آخرين بجراح.

 

31 أغسطس/آب 1999:

الكشف عن مخططات إسرائيلية لهدم القصور الأموية المحاذية للمسجد الأقصى وتوسيع حائط البراق بهدف تهويد وتخريب المعالم الإسلامية.

 

1999:

جرى التصديق على الخارطة الهيكلية لمنطقةE1، وشمل قرابة 12.000 دونم، أغلبها أراض أعلنت إسرائيل أنها أراضي دولة.

 

28سبتمبر/أيلول 2000:

اندلاع انتفاضة الأقصى التي استمرت عدة سنوات إثر اقتحام زعيم حزب الليكود أرئيل شارون المسجد الأقصى، حيث اندلعت مواجهات داخل الأقصى سرعان ما انتقلت إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وخلال الانتفاضة فرضت سلطات الاحتلال مجموعة قيود وإجراءات لدخول القدس على رأسها إقامة الجدار العازل.

 

2003:

بدأ العمل في الجدار العازل بمحيط القدس وعزل قراها وبلداتها عن مركزها، ملتهما آلاف الدونمات من أراضيها، وعزل الجدار -حتى الآن- قرابة 140 ألف فلسطيني خارج المدينة، وباكتمال المخطط ستتقلص نسبة السكان الفلسطينيين في المدينة إلى 22%، حيث تزيد نسبتهم الآن على 35%، وهي نسبة كانت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون القدس قرّرت عام 1973 ضرورة الوصول إلى مستواها.

 

مايو/آيار 2003:

بدء اقتحامات اليهود المسجد الأقصى فرادى وجماعات.

 

11 ديسمبر/كانون أول 2005:

الحكومة الإسرائيلية تقر ميزانية بـ 68 مليون شيكل (15 مليون دولار) لتطوير ساحة البراق وتأسيس مركز للزوار فيها على مدى خمسة أعوام.

 

13 مارس/آذار 2006:

بعد ثلاث سنوات من العمل افتتح مسؤولون إسرائيليون قاعة جديدة لصلاتهم تحت مبنى المحكمة الإسلامية في ساحة البراق، بحضور الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساب، الذي طالب بتنفيذ حفريات أسفل حائط البراق.

 

13 أغسطس/آب 2006:

بلدية الاحتلال تطرح مناقصة لهدم طريق باب المغاربة الملاصق للمسجد الأقصى، وفي وقت لاحق تم هدم الطريق، وأقام الاحتلال مكانه سلما خشبيا مخصصا لاقتحامات المستوطنين للأقصى.

 

اليهود المتدينين سلاح إسرائيل للتضييق على المقدسيين (الجزيرة)

10 يناير/كانون الثاني 2007:

جمعية "عطريت كهونيم" الاستيطانية تبدأ بناء كنيس بمنطقة باب الواد على بعد خمسين مترا من الحائط الغربي.

 

6 فبراير/شباط 2007:

هدم طريق باب المغاربة تمهيدا للبدء في بناء جسر عسكري ضخم يؤدي إلى المسجد الأقصى.

 

سبتمبر/أيلول 2008:

ﺼﺎﺩﻗﺕ ﺍﻟﻠﺠﻨﺔ ﺍﻟﻠﻭﺍﺌﻴﺔ ﻟﻠﺘﺨﻁﻴﻁ والبناء ﻓﻲ ﻤﺩﻴﻨﺔ ﺍﻟﻘﺩﺱ على المخطط الهيكلي للقدس 2000، الذي بدأ الإعداد له منذ عام 1978 ﻓﻲ ﺼﻴﻐﺘﻪ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﻭﺘﻡ ﺘﻌﺩﻴل ﺍﻟﻤﺨﻁﻁ ﺤﺴﺏ ﻗﺭﺍﺭ ﺍﻟﻠﺠﻨﺔ ﺍﻟﻠﻭﺍﺌﻴﺔ ﻭﻭﻀﻌﻪ ﻟﻺﻴﺩﺍﻉ ﻓﻲ آﻴﺎﺭ 2009، لكن ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺸﺭﻭﻉ ﻟﻡ ﻴﻘﺭّ ﻨﻬﺎﺌﻴﺎ ﺒﺴﺒﺏ ﺭﻓﺽ ﻭﺯﻴﺭ ﺍﻟﺩﺍﺨﻠﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﺒﻕ إﻴﻠﻲ ﻴﺸﺎﻱ ﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻗﺔﻋﻠﻴﻪ لاعتراضه على ﺍﻟﻤﺴﺎﺤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺨﺼﺼﺔ ﻟﻠﺒﻨﺎء ﺍﻟﻌﺭﺒﻲ ﺭﻏﻡ ﻗﻠﺘﻬﺎ.

 

أكتوبر/تشرين الثاني  2008:

افتتاح كنيس خيمة إسحاق التي تبعد خمسين مترا عن الأقصى من جهة الغرب، وفي حينه قالت مؤسسة الأقصى إن الكنيس يحمل قبة كبيرة ويهدف إلى إيجاد مبنى يهودي مقبّب قد يغطي على مبنى قبة الصخرة البارز في القدس.

 

أكتوبر/تشرين الثاني 2010:

افتتاح كنيس الخراب في القدس القديمة، وكانت حكومة الاحتلال أقرت بناء الكنيس عام 2001، وتم البدء في بنائه عام 2006. وقد أوكلت الحكومة بقرار رسمي مهام إدارة الكنيس إلى ما يسمى بـ"صندوق تراث المبكى"، وهي شركة تابعة للحكومة الإسرائيلية تتابع شؤون حائط البراق بشكل مباشر من مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية.

 

25 فبراير/شباط 2014:

الكنيست الإسرائيلي يناقش مقترحا مدعوما من مجموعة حاخامات، يدعو لفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى الذي يخضع للإدارة الأردنية، وفق اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، لكن دون التصويت عليه.

 

مارس/آذار 2014:

ما تسمى اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء الإسرائيلية تصادق على بناء أكبر كنيس في القدس القديمة لا يبعد سوى مائتي متر عن المسجد الأقصى، وبذلك يبلغ عدد الكنس والمعاهد الدينية اليهودية حول الأقصى 102 من الكنائس والمعهد، كلها أقيمت بعد عام 1967 على أرض وقفية إسلامية.

 

معلومات عامة:

- ما بين عامي 1967 و2012 سحب الاحتلال بطاقات الإقامة من 14.263 مقدسيًا، بينما تكشف معطيات  "جمعية حقوق المواطن في إسرائيل" أن نسبة الفقر بين المقدسيين بلغت عام 2013 نحو 79.5%.

 

- وفق مؤسسة المقدسي، فإن بلدية الاحتلال ووزارة الداخلية تسعيان لرفع نسبة الوجود اليهودي في مدينة القدس من خلال تنفيذ مخطط القدس 2000 إلى 77% من مجموع السكان عند حلول 2020، علما أن نسبة اليهود تشكل حاليا 64% والعرب 36%. بينما يقول باحثون مقدسيون إن الهدف الأساسي من مخطط 2020 هو تحويل الفلسطينيين إلى أقلية لا تزيد على 12% من السكان ولا يستطيعون البناء سوى على 11% من مساحة القدس.

 

- تفيد دراسة أكاديمية بأن عدد الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المبارك من قبل المستوطنين وبحماية من سلطات الاحتلال بلغت 3200 اعتداء منذ عام 1967 وحتى الآن.

 

- تشير بيانات مؤسسات حقوقية إسرائيلية إلى أن سلطات الاحتلال قامت بهدم أكثر من 25 ألف مسكن في فلسطين منذ عام 1967.

 

- تقول معطيات جمعية حقوق المواطن في إسرائيل إنه لا يُسمح للفلسطينيّين بالبناء إلا على 14% من مساحة القدس الشرقيّة، وهي تعادل 7.8% من كل مساحة القدس، وأنه منذ عام 1967 صودرت ثلث أراضي الفلسطينيّين في القدس الشرقية، وبُنيت عليها آلاف الشقق للسكّان اليهود.

 

- تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد السكان المقدر في محافظة القدس (الشرقية) منتصف عام 2012 بلغ حوالي 397 ألف فرد، حيث يشكل عدد السكان في المحافظة ما نسبته 9.2% من مجموع السكان في الأراضي الفلسطينية. مقابل 262 ألف مستوطن يسكنون في 26 مستعمرة منها 16 مستوطنة بالقدس الشرقية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/12-

الحرم القدسي.. ازدحام التاريخ بين الأسوار

الحرم القدسي.. ازدحام التاريخ بين الأسوار


وديع عواودة-القدس

حينما يقال "الأقصى" لا يقتصر المعنى المراد على المسجد فقط، فالمصطلح يشمل الحرم القدسي المحاط بالأسوار داخل البلدة القديمة في القدس، ويمتد على مساحة 142 دونما. وهو من أهم المساجد في العالم لأنه "أولى القبلتين وثالث الحرمين، بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي".

 

ويشمل الحرم القدسي الشريف 15 بابا، خمسة منها مغلقة منذ قرون لأسباب أمنية وغيرها، وقد بنيت ورممت في فترات تاريخية مختلفة:

 

1- باب الأسباط: يقع في زاوية المسجد الأقصى الشمالية من جهة الشرق، ويقول المؤرخ عارف العارف إنه بني في 1538، ويعرف باسم آخر هو "ستي مريم"، لقربه من كنيسة القديسة حنة، ويعتبر  المدخل الأساسي للمصلين بعدما أغلق الاحتلال باب المغاربة.

 

 2- باب حطة: يقع شمال جدار المسجد، ويعتبره مؤرخون من أقدم الأبواب، ويفضي إلى حارة السعدية، وهو أحد ثلاثة أبواب يسمح الاحتلال بفتحها لصلوات المغرب والعشاء والفجر، وسمي بذلك نسبة للآية الكريمة: "وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم".

 

3- باب فيصل: يقع في الجدار الشمالي للأقصى، سمي على اسم ملك العراق الراحل تكريما لزيارته للقدس وتبرعه لعمارة الأقصى، ويعرف أيضا بباب العتم وباب شرف الأنبياء وباب الدوادارية لقربه من المدرسة الدوادارية.

 

4- باب الغوانمة: يقع في شمال الجدار الغربي، وسمي بذلك لقربه من حارة الغوانمة، وله أسماء أخرى مثل باب الخليل، وباب الغوارمة، وباب درج الغوانمة نسبة لعائلة وصلت القدس برفقة صلاح الدين الأيوبي.

 

5- باب الناظر: يقع في الجدار الغربي من المسجد الأقصى، ويعرف بأسماء أخرى مثل باب الحبس، وباب المجلس، وباب ميخائيل، وباب علاء الدين البصيري، وباب الرباط المنصوري، ويغلقه الاحتلال أمام المصلين في صلاتي العشاء والفجر.

 

6- باب الحديد: يقع في الجدار الغربي للمسجد الأقصى بين بابي القطانين والناظر، ويعرف أيضا بباب أراغون نسبة إلى مجدده الحاكم المملوكي، وأراغون بالتركية تعني الحديد.

 

7- باب المطهرة: يقع في الجدار الغربي جنوب باب القطانين، واكتسب تسميته من مطهرة المسجد المجاورة، ويسمى أيضا بباب المتوضأ.

 

8- باب السلسلة: يقع في الجدار الغربي للمسجد، وله مدخلان: أولهما يسمى باب السكينة وهو مقفل، والثاني يعرف بالسلسلة، ويعرف باب السلسلة بباب داود، وباب الملك داود. وهو أحد الأبواب الثلاثة التي تفتح لأداء صلاتي العشاء والفجر.

 

9- باب المغاربة: يقع في الجدار الغربي للمسجد، واكتسب تسميته لقربه من حي ومسجد المغاربة، وعرف قديما بباب البراق وباب المغاربة، وهو الباب الوحيد الذي يمنع الاحتلالُ المسلمين من استخدامه، وهو معد لدخول غير المسلمين.

 

10- الباب المفرد: يقع جنوب المصلى المرواني، وقد أغلقه صلاح الدين الأيوبي لعدم وجود فائدة له وآثاره غير واضحة.

 

11- الباب الثلاثي: يقع في الحائط الجنوبي للمصلى المرواني، وهو عبارة عن ثلاثة مداخل متجاورة، ومن هنا جاءت تسميته، وقد أغلقه صلاح الدين الأيوبي لعدم وجود فائدة له.

 

12- الباب المزدوج: يقع في الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى إلى الغرب من الباب الثلاثي، ويتكون من مدخلين، ومن هنا جاءت تسميته، وهو مغلق.

 

13- باب التوبة والرحمة: باب مكون من مدخلين: الرحمة والتوبة ومن هنا جاءت تسميته، ويقعان في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى، وهما مغلقان. واختلف المؤرخون في فترة وأسباب إغلاقهما، ويعرف أيضا بـ "الباب الذهبي".

 

14- باب الجنائز: يقع في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى من على مصطبة الأسباط، وسمي بهذا الاسم لإخراج الجنازات من المسجد عبره إلى مقبرة الرحمة المجاورة، وهو أيضا مغلق منذ عهد صلاح الدين الأيوبي.

 

15- باب القطانين:  يقع بمنتصف الجدار الغربي للأقصى، ويجاور سوق القطانين، ومن هنا جاءت تسميته، ويمتاز بفنونه العمرانية.

 

معالم الحرم القدسي (الجزيرة)


مساجد ومصليات الأقصى                 

بالإضافة إلى مسجدي الأقصى وقبة الصخرة، هناك عدة جوامع ومصليات في الحرم القدسي الشريف، وهي: الجامع القبلي، والمصلى المرواني، ومصلى الأقصى القديم، ومسجد البراق، ومسجد المغاربة، وجامع النساء. وهناك أربع مآذن أنشئت في العهد المملوكي: مئذنة باب المغاربة (المئذنة الفخرية)، ومئذنة باب السلسلة، ومئذنة باب الغوانمة، ومئذنة باب الأسباط.

 

القباب: ما يزيد الأقصى بهاء وجمالا 13 قبة جميلة ودقيقة، وهي: قبة السلسلة، وقبة المعراج، وقبة موسى، والقبة النحوية، وقبة عشاق النبي، وقبة النبي، وقبة الأرواح، وقبة الخضر، وقبة يوسف، وقبة يوسف آغا، وقبة سليمان، وقبة الخليلي، وقبة مهد عيسى.

 

مدارس الأقصى

تنتشر في  رحاب الأقصى مدارس وفد لها طلاب ومعلمون من البلاد الإسلامية في فترات تاريخية مختلفة، مما أثرى الحياة الثقافية في القدس ودلل على الاهتمام الإسلامي بالمدينة، وبعضها ما زال يستخدم للتعليم، وهي ثانوية الأقصى الشرعية، ومدارس ورياض الأقصى الإسلامية، والمدرسة الغادرية، والمدرسة الباسطية، والمدرسة الأمينية، والمدرسة الملكية، والمدرسة الفارسية، والمدرسة الأسعردية، والمدرسة المنجكية، والمدرسة العثمانية، والمدرسة الأشرفية، والمدرسة التنكزية، والمدرسة العمرية، والمدرسة المحدثية، والمدرسة الجاولية، والمدرسة الصبيبية، والمدرسة الختنية، والمدرسة الخاتونية.

 

الأروقة والبوائك

تنتشر في الأقصى أروقة وممرات تقع بين صفين من الأعمدة، وهي الرواق الغربي ويتكون من 55 عقدا، والرواق الشمالي الذي يتكون من عدد كبير من العقدات وتستخدم للتعليم.

 

أما البوائك (القناطر والموازين) فتقدم منظرا جماليا في مداخل الأقصى: كالبائكة الشمالية الشرقية، والبائكة الشمالية الغربية، والبائكة الشمالية الوسطى، والبائكة الجنوبية الوسطى، والبائكة الشرقية، والبائكة الجنوبية الشرقية، والبائكة الجنوبية الغربية، والبائكة الغربية.

 

المصاطب

 المصطبة هي المساحة المرتفعة، وشكلها عادة مستطيل، وبنيت لمجالس العلم خاصة في الصيف، وتم بناؤها في عدة فترات تاريخية، وهي مصطبة الظاهر، ومصطبة الكرك، ومصطبة علي باشا، ومصطبة مسجد البراق، ومصطبة سبيل قايتباي، ومصطبة الزاوية الفخرية، ومصطبة قبة موسى، ومصطبة ومحراب الصنوبر، ومصطبة ومحراب الزهور، ومصطبة سبيل سليمان، ومصطبة علاء الدين البصيري، ومصطبة الكأس، مصطبة الطين، ومصطبة شرقي البائكة الشرقية، ومصطبة الغزالي، ومصطبة شرقي الخلوة الشرقية، ومصطبة جنوب غربي بابي التوبة والرحمة، ومصطبة باب الحديد، ومصطبة شمال شرقي الخلوات الشرقية، ومصطبة المدرسة الأسعردية، ومصطبة باب القطانين، ومصطبة سبيل بدير، ومصطبة سبيل شعلان، ومصطبة البائكتين الغربيتين، ومصطبة جنوبي مقر لجنة الزكاة، ومصطبة المدرسة التنكزية، ومصطبة الجنائز، ومصطبة جامع المغاربة، ومصطبة الطومار، والمصطبة الجنوبية الشرقية، ومصطبة التسوية، والمصطبة الكبرى الشرقية، والمصطبة شبه الأسطوانية، ومصطبة صبرا وشاتيلا، ومصطبة الترجمة، ومصطبة باب الأسباط، ومصطبة قبة الخضر، ومصطبة سبيل المتوضأ.

المحاريب

تنتشر في رحاب الأقصى محاريب كثيرة، ويغلب عليها الطابع الفني المعماري الدقيق، وهي محراب أرضي، ومحراب داود، ومحراب السور الشرقي، ومحراب زكريا، ومحراب صحن القبة، ومحراب البائكة الغربية الجنوبية.

 

سبل وآبار الماء

تنتشر في رحاب الأقصى سبل وآبار تم بنائها على مر العصور التاريخية للاحتفاظ بما يكفي المصلين والزائرين من ماء الوضوء، وهي سبيل الكأس، وبركة النارنج، وصهريج الملك عيسى، وسبيل البصيري، وسبيل شعلان، وسبيل قايتباي، وسبيل منبر برهان الدين، وسبيل سليمان، وسبيل الشيخ البديري أو مصطفى آغا، وسبيل الرحمة، وسبيل الزيتونة، وسبيل المدرسة الغادرية، وسبيل باب حطة، وسبيل مئذنة باب الأسباط، وسبيل باب المغاربة، وسبيل قاسم باشا. يضاف إليها 26 بئرا لكل منها تسميته.

 

وهناك معالم أخرى كمقام الأربعين، ودار الخطابة، والمغارة، والزوايا، ودار الحديث، والخلوات، والمزاول، والمصليات، والمتحف الإسلامي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/12-

القدس تختصر نكبة فلسطين

القدس تختصر نكبة فلسطين

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

 

تعيش القدس المحتلة في كل يوم مشاهد نكبة فلسطين، وتشكل المدينة المقدسة نموذجا مصغرا لصراع الوجود مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يعمل منذ أربعة عقود على طمس هويتها عبر سياساته التهويدية، وخلقه واقعا استيطانيا على الأرض، وطمس الآثار العربية والإسلامية، وتدمير الإرث ومعالم الحضارات التي مرت على بيت المقدس.

 

ويعمل الاحتلال الإسرائيلي على تغيير الواقع من خلال هدم المنازل بذريعة عدم الترخيص، وسحب هويات المقدسيين وطردهم من المدينة، حيث أبعد الاحتلال خمسة آلاف عائلة تضم نحو خمسين ألف مواطنا، لتفريغ القدس من الفلسطينيين.

 

وتوفر الجمعيات اليهودية الاستيطانية بيئة جاذبة لإقامة اليهود في البلدة القديمة، وقد تمكنت من زرع نحو سبعين بؤرة استيطانية وعسكرية، وإقامة مائة كنيس ومدرسة تلمودية ومراكز توراتية بتخوم المسجد الأقصى، وحاصرته بشبكة أنفاق ضمن ما يسمى "مخطط تحديث ساحة البراق"، بتدشين نحو 25 نفقا تحت الأرض.

 

 ويمهد الاحتلال بذلك لفرض سيادته على ساحات الحرم القدسي الشريف التي تبلغ 144 دونما، وصولا إلى تقسيم المسجد زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود، بالإضافة إلى وبناء الهيكل.

 

حضور دائم في الأقصى دفاعا عنه وتثبيتا للحق الفلسطيني فيه (رويترز)

القدس الكبرى

دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على رصد ميزانيات لتوسيع المستوطنات بالقدس الشرقية، التي لم يقم بها أي يهودي قبل عام 1967، وذلك بتشييد قرابة ستين ألف وحدة سكنية، يقطنها نحو مائتي ألف مستوطن، وتتطلع المؤسسة الإسرائيلية إلى بناء سبعين ألف وحدة استيطانية إضافية، مع مواصلة توسيع حدود مشروع "القدس الكبرى" كما يسمونه، والذي يقضي بأن يقيم نحو مليون يهودي في القدس بحلول عام 2020،  قبل إعلان المدينة عاصمة للشعب اليهودي.

 

وبحسب مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات بمركز الدراسات العربية الدكتور خليل التفكجي، فإنه منذ احتلال القدس -التي بلغت مساحتها عام 1967 نحو 72 كيلومترا مربعا، وتبقى منها للفلسطينيين حاليا قرابة 9.5 كيلومترات مربعة- أشهرت إسرائيل "سلاح هدم المنازل ومصادرة الأرض" في وجه المقدسيين، لتفريغ المدينة التي يقطنها قرابة ثلاثمائة ألف نسمة من الوجود الفلسطيني.

 

ويضيف "مهّد الاحتلال من خلال أكبر عملية تطهير عرقي للفلسطينيين منذ النكبة، لبناء الجدار العازل الذي سلخ نحو 125 ألفا عن المدينة وعزلهم عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والخدماتية، ويلوح بسحب الإقامة المقدسية منهم".

 

وفي المقابل، شدد التفكجي -متحدثا للجزيرة نت- على أن إسرائيل عمدت إلى فرض وقائع وحقائق على الأرض لتصفية الوجود الفلسطيني، والحيلولة دون تقسيم المدينة في المستقبل، حيث "بلغ تعداد الوحدات السكنية للفلسطينيين قبيل الاحتلال نحو 12 ألف وحدة سكنية، واليوم هناك 48 ألف وحدة سكنية للمقدسيين صدرت أوامر بهدم 22 ألفا منها بذريعة عدم الترخيص بالبناء"، نظرا للشروط التعجيزية التي تحول دون الحصول على الرخصة، وتكلف صاحبها آلاف الدولارات في حال حصوله عليها.

 

قوات الاحتلال في مواجهات مع شبان فلسطينيين في الحرم القدسي (غيتي)

المقاومة الشعبية

 وسط سياسات الترهيب والاعتقال والإبعاد، وتحت سطوة الاستيطان والتهويد التي تتعامل بها إسرائيل مع سكان القدس المحتلة، تتصاعد وتيرة المقاومة الشعبية بين سكان المدينة، حيث كسر الشاب عبد الرحيم عباسي حاجز الخوف ودفع حريته ثمنا للدفاع عن حقوقه، ويواصل كغيره من الشباب مواجهة مخططات الاحتلال الهادفة إلى تفريغ المدينة من أهلها.

 

وعاد عبد الرحيم إلى نهج المقاومة الشعبية بعد أن قضى مدة في سجون الاحتلال التي أضحت وسيلة لقمع الشباب المقدسيين في محاولة لترويضهم وعزلهم عن قضيتهم الوطنية، كما يقول. لكنه يرجح أن الأوضاع مرشحة للانفجار بانتفاضة ثالثة قد تصل نيرانها إلى العالم العربي نصرة للأقصى والمقدسات.

 

عمار المسجد الأقصى على أحد أسوار الحرم القدسي  (غيتي )

صراع وجود

ويصف الباحث الميداني في مؤسسة القدس للتنمية جهاد زغير الواقع الاجتماعي والاقتصادي "المزري" للمقدسيين في ظل استفحال البطالة والركود التجاري الذي تعانيه أسواق البلدة القديمة، تحت وطأة ملاحقة التجار وفرض غرامات وضرائب مالية سنوية تقدر بعشرات آلاف الدولارات، مما اضطر المئات لإغلاق محالهم. مؤكدا أن "ضرب الاقتصاد وتدمير النسيج الاجتماعي للفلسطينيين بالمدينة ينسجم مع فصول معركة التهويد والاستيطان الشاملة التي تشنّها دولة الاحتلال على القدس والأقصى". 

 

ويجزم زغير بأن فصول ومشاهد نكبة فلسطين ما زالت حية في القدس وتتصاعد مع تفعيل الاحتلال سياسية الإبعاد والتهجير عن المدينة. مؤكدا أن سقوط القدس عام 1967 شكل نكبة ثانية ما زال الفلسطيني إلى يومنا هذا يعاني من تداعياتها من خلال سلب الأرض وهدم المنازل ومصادرة العقارات وأملاك الغائبين، وتحويلها للجمعيات اليهودية التي توظفها للاستيطان بقصد القضاء على الوجود الفلسطيني وطمس الهوية والمعالم العربية والإسلامية للمدينة".

 

ونبه زغير إلى أن البيئة الاقتصادية والاجتماعية الطاردة للفلسطينيين التي تقوم برعايتها دولة الاحتلال تعتبر من أهم وسائل تدمير المجتمع الفلسطيني بالقدس، الذي بات يعيش صراعا على الوجود وليس على الأرض أو الحدود.

 

مؤكدا أن المقدسي يعاني لتوفير سبل معيشته اليومية في ظل تدني دخله وارتفاع مستوى المعيشة، حيث يعيش قرابة 70% من العائلات المقدسية تحت خط الفقر، وهو ما دفع مئات العائلات للانتقال إلى السكن في الأحياء المقدسية التي عزلها الجدار بحثا عن الأرخص وتفاديا للضرائب والغرامات الباهظة.

 

الجدار العازل  آخر أسلحة الاحتلال الإسرائيلي للانعزال عن المحيط الفلسطيني (غيتي)

هواجس الطرد

وعلى خطى المقاومة الشعبية، وفي ظل تصاعد معركة الأرض والمنزل، فضّل هاني يوسف تصفية أعماله ومصالحه في الولايات المتحدة والبقاء في القدس، بعد أن هددته وزارة الداخلية الإسرائيلية بسحب الهوية المقدسية وطرده من المدنية، وقد قامت بلدية الاحتلال بهدم عمارة سكنية لعائلته مؤلفة من خمسة طوابق بذريعة عدم الترخيص، ليسكن مع أفراد عائلته وأشقائه بتخوم ركام الهدم بعربة "كرفان" وبمنزل لا تتعدى مساحته عشرات الأمتار.

 

ويجزم يوسف بأن "إسرائيل تتجه نحو إتمام مخططات التهويد والاستيطان في القدس، في ظل الصمت العربي والإسلامي، وانعدام الدعم لتعزيز صمود المقدسي وتثبيته في أرضه ووطنه". وهو على يقين بمدى أهمية التمسك بالأرض والحفاظ على الهوية والوجود الفلسطيني بالمدينة، خاصة بعد أن أصبح ضحية للهدم والتشريد، وعاش مرحلة من هواجس الطرد وسحب الإقامة، لينشط في تثبيت من تبقى من المقدسيين في أرضهم، بعد أن فقد أي أمل في وقفة إسلامية من أجل القدس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/12-

أسرى القدس.. الأمل بالمقاومة وصفقة تبادل

أسرى القدس.. الأمل بالمقاومة وصفقة تبادل

 

عاطف دغلس - كفر عقب/ القدس

 

عن "شاليط" آخر يبحث ذوو الأسرى المقدسيين -ومنهم والدة الأسير مراد العجلوني- ليروا أبناءهم أحرارا خارج سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهم يؤمنون بأنها المعادلة الوحيدة القادرة على تحرير الأسرى كما حدث في صفقة وفاء الأحرار 2011، وقبلها صفقة الجبهة الشعبية القيادة العامة عام 1985.

 

وينظر المقدسيون لا سيما أهالي الأسرى إلى أن صفقة وفاء الأحرار (جلعاد شاليط) -التي أنجزتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع إسرائيل وأطلقت عبرها 1027 أسيرا وأسيرة- وحدها التي تمنحهم الأمل في رؤية أبنائهم محررين، وكسرت قواعد الاحتلال وتعنته بعدم الإفراج عنهم.

 

أم مراد العجلوني (63 عاما) واحدة من مئات الأمهات المقدسيات اللواتي يقبع أبناؤهن في غياهب المعتقلات الإسرائيلية، ويتجرعن ما لا يذوقه الآخرون من ذوي الأسرى من "مرار ومعاناة" ليس لشيء إلا لأنهم مقدسيون، كما تقول.

 

الأسير المقدسي مراد العجلوني يقبع في السجن ويقضي بالحكم مدى الحياة (الجزيرة)

ما بعد الأسير

وعلى تخوم مدينة القدس تعيش أم مراد في ضاحية كفر عقب (القدس الشمالية) تُصبّر نفسها على مرّ الفراق عن نجلها القابع في سجن جلبوع الإسرائيلي ويقضي حكما بالسجن مدى الحياة، وعشرين سنة إضافية، فهو بمنظور الاحتلال "خائن" لكنه بنظر والدته "بطل" يدافع عن أقصاه ومدينته المقدسة.

 

وتقول أم مراد "أي قوة يمكنها أن تحرر ابني وغيره من الأسرى سوى المقاومة"، وتضيف  "لا سواها وسيلة، خاصة لأسرى القدس الذين تستثنيهم إسرائيل من أية إفراجات أو صفقات تبادل".

 

وتقول أم مراد المعتقل منذ 2002 إن الاحتلال يتعامل معهم بصفتهم ذوي أسرى مقدسيين "بعنصرية مطلقة" فيحرمهم من الزيارة في غالب الأحيان، ويشدد إجراءاته على من يسمح لهم بها، ويمنعهم من دخول المؤسسات الحكومية الإسرائيلية وغير ذلك من صنوف العذاب.

ومثل أم مراد، يعيش الحاج المقدسي صدقي أبو غلوس (63 عاما) مأساة قلّ نظيرها بعد اعتقال نجله عمار قبل عشرة أعوام والحكم عليه بالسجن المؤبد مرتين، ويقول "تحولت حياتي لجحيم، وباتت كل عائلته مستهدفة، ولم تقتصر المعاناة على الأسير وحده".

 

منير صغيّر الناطق باسم لجنة أهالي أسرى القدس قال إن إسرائيل تود معاقبة الأسرى المقدسيين (الجزيرة)

الأمل بالمقاومة

ويقول الناطق باسم لجنة أهالي القدس منير صغيّر "تجمع عائلات الأسرى المقدسيين على خيار المقاومة بكل أشكالها بما فيها المسلحة للإفراج عن أبنائها"، وإن كان الحديث عن مفاوضات فلا بد أن تكون مستندة إلى مقاومة قوية لإجبار الاحتلال على التنازل، "لأن إسرائيل تعودت أن تأخذ ولا تعطي".

 

ويضيف صغير أن إسرائيل لم تفرج طوال العقود الثلاثة الماضية عن أسرى مقدسيين سوى مرتين، مرة في صفقة الجبهة الشعبية القيادة العامة عام 1985، والثانية في صفقة حركة حماس "وفاء الأحرار" قبل أكثر من عامين.

 

ويستثني الاحتلال هؤلاء الأسرى المقدسيين من "بوادر حسن نية" والصفقات المتفق عليها مع السلطة أو حتى المقاومة، ويسعى من وراء ذلك لسحب هوياتهم وطردهم خارج القدس، فالاحتلال عرض على السلطة أن يفرج عنهم مقابل التنازل عن هوياتهم وطردهم للضفة الغربية أو غزة.

 

ويواصل صغير حديثه للجزيرة نت، هؤلاء الأسرى بنظر الاحتلال "خائنون للدولة" ولا يجوز لدولة أخرى -في إشارة للسلطة الفلسطينية- أن تتدخل للإفراج عنهم. ولكن حين تتعلق المسألة بحقوقهم فلا تتعامل معهم إسرائيل بوصفهم مواطنين، بل تتعامل معهم "بازدواجية وتنتهك تلك الحقوق".

 

عمر أبو غلوس والد الأسير عمار الذي يقضي حكما بالسجن المؤبد مرتين يعاني الأمرين بفعل اعتقال ابنه (الجزيرة)

إخلاء القدس

ويقبع في سجون الاحتلال نحو 280 أسيرا مقدسيا منهم 42 محكومون بالسجن المؤبد مرات عدة وأكثر من 120 محكومين لعشرات السنوات، وترفض إسرائيل الإفراج عنهم لأي سبب كان، "فهم الحصن الأول المنيع في الدفاع عن القدس والأقصى" كما يجمع أهالي الأسرى.

 

ولذا، يؤكد مدير مركز حريات لحقوق الإنسان حلمي الأعرج أن إسرائيل تعتقل فلسطينيين ودون أي تهمة "بهدف إبعادهم عن الأقصى".


ويعتقد الأعرج في حديثه للجزيرة نت أن إسرائيل بهذا الإجراء تخالف "الشرعية الدولية التي تعتبر القدس جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وبالتالي مثلها مثل بقية مدن الضفة الغربية، ولذا لا يجوز لإسرائيل أن تعتبرهم خائنين".

 

ويقول الأعرج إنها تتخذ مثل هذه الإجراءات "بحكم القوة العسكرية ليس أكثر، لتقسيم الشعب الفلسطيني من جهة، وخلط الأوراق المهمة كورقة الأسرى من جهة ثانية".

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/12-

معركة التعليم في القدس

معركة التعليم في القدس

 

سمير جبريل
مدير التربية والتعليم في رام الله

 

استهدف الاحتلال الإسرائيلي التعليم في مدينة القدس منذ احتلالها عام 1967 وحتى اليوم عبر إجراءات متواصلة أدت إلى حرمان الكثير من المقدسيين من التعليم. وكان الاستهداف في نواح مختلفة، منها العمل على تغيير المناهج التعليمية، والحد من بناء المدارس، مما أدى إلى نقص حاد في الغرف الصفية يزيد عن 1200 غرفة صفية، وترتب على ذلك حرمان أعداد كبيرة من المقدسيين من التعليم. وتقدر نسبة التسرب بأكثر من 10%.

   

وتسبب الجدار العازل في منع الكثير من المعلمين من الأحياء المحيطة بالمدينة من الوصول إلى المدارس محل أعمالهم. كما أن الجدار حرم نسبة من الطلبة من الوصول إلى مدارسهم وصولا منتظما، بشكل يهدد إكمال مسيرتهم التعليمية بسبب كثرة الغياب.

 

وعلى صعيد آخر، تسبب عدم الاعتراف الإسرائيلي بالجامعات والكليات الفلسطينية بالقدس في حرمان الطلبة الذين أكملوا مسيرتهم التعليمية من العمل في القدس، وهذا ما يبعث الإحباط في نفوسهم.

 

ولأن الارتباط قوي بين التعليم والوضع الاقتصادي فإن الكثير من الطلبة يتركون مدارسهم للالتحاق بسوق العمل لمساعدة أسرهم، التي تعيش دون خط الفقر. ووفق دراسة للأمم المتحدة في مايو/أيار 2013، فإن نسبة الأطفال الذين يعيشون تحت خط الفقر في مدينة القدس تقدر بـ82%.

 

أما الأصعب الذي يواجه المقدسيين فهو ظاهرة تفشي المخدرات التي يتم ترويجها أمام سلطات الاحتلال دون أي تدخل يذكر، إلا إذا حاول المروجون الوصول إلى الأحياء اليهودية. ويقدر عدد المتعاطين بأكثر من 29 ألفا، وهم في سن الشباب الذين خرجوا من التعليم والتحقوا بسوق العمل.

 

لذلك يعتبر التعليم السلاح الأهم في مواجهة هذه الظواهر، والمدرسة هي أفضل بيئة تحافظ على الأطفال وتحصنهم من الانحدار الأخلاقي من خلال التوجيه والإرشاد، إلا أن مدارس القدس لا تتبع إدارة وطنية واحدة، بل تعددت تبعياتها الإدارية مما يصعب الأمر.

 

إحدى مدارس القدس الشرقية (أسوشيتدبرس)

أعداد المدارس والطلبة والشعب في مدارس القدس في

العام الدراسي 2013-2014 حسب التبعية الإدارية 

الجهة المشرفة

عدد المدارس

عدد الشعب

عدد الطلبة

النسبة %

مدارس الأوقاف

42

512

11756

13.76

المدارس الخاصة

69

1020

25902

30.32

مدارس الوكالة

7

79

2011

2.35

مدارس البلدية

56

1337

38498

45.07

مدارس المقاولات

19

272

7259

8.50

المجموع

193

3220

85426

100.00

 

 الرسم البياني يوضح أعداد الطلبة حسب التبعية الإدارية للمدارس

 

تعريف التبعيات الإدارية

مدارس الأوقاف: تبعيتها الإدارية للسلطة الفلسطينية وتعمل تحت مظلة الأوقاف الأردنية.

المدارس الخاصة: تبعيتها الإدارية للكنائس والجمعيات الخيرية والأفراد.

مدارس الوكالة: تبعيتها الإدارية لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة "أونروا" (UNRWA).

مدارس البلدية: وهي مدارس المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال، وتبعيتها الإدارية لحكومة الاحتلال.

مدارس المقاولات: وهي مدارس يديرها أفراد نيابة عن إدارة المعارف الإسرائيلية، وفي تعاقد بين الأفراد والمعارف الإسرائيلية لفتح مدارس في مستويات بيئية مدرسية متدنية لسد العجز في الغرف الصفية، بسبب سياسة التمييز التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية خلال سنوات الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين باعتبارها سلطة احتلال تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهذا ما تكفله المواثيق الدولية.

 

إذ إن سلطات الاحتلال لم توفر لهم أبنية مدرسية بمواصفات المدارس في الأحياء اليهودية، ومنحت أفرادا رخصا ليقوموا بهذه المهمة مقابل تقديم تمويل عن الطلبة حسب عددهم، وتفتقر المدارس إلى الحد الأدنى من مواصفات الأمن والسلامة، ولا تخضع لأية رقابة، ومستوى التحصيل فيها متدن، والخطير في الأمر أن بين هذه المدارس من يدرس المنهاج الإسرائيلي بصورة كاملة، مثل مدرسة رينسانس التي تضم 404 طلبة وطالبات، ومدرسة إكسلانس التي تضم 134 طالبا وطالبة.

 

الجدار العازل يطيل رحلة الطلبة الفلسطينيين إلى مدارسهم ويحرم بعضهم من الدراسة ( الأوروبية)

الجدار العازل

حرم الجدار العازل مئات الطلبة والمعلمين من حرية الحركة والوصول إلى مدارسهم، ولم يقتصر الحرمان على حملة هوية السلطة الفلسطينية فحسب، بل شمل كذلك حملة هوية القدس.

 

حيث يتعرض هؤلاء إلى الظروف نفسها التي يواجهها حامل هوية الضفة لدخول القدس، مما يجعل مئات الطلاب والمعلمين والعاملين في سلك التربية والتعليم وغيرهم يبدؤون يومهم قبل السادسة صباحًا، وهناك إحصاءات  دقيقة عن ما يتعرض له طلبة ومعلمو مدارس الأوقاف على سبيل المثال.

 

أعداد ونسب الطلبة والعاملين في مدارس الأوقاف

الذين تأثروا  بالجدار عام 2012-2013

عدد الطلبة

عدد من يعبر الحواجز

النسبة المئوية

عدد المعلمين

عدد من يعبر الحواجز

النسبة

المئوية

8064

906

11.2%

551

179

32.4%

 

يبين الجدول الطلبة الذين يدخلون القدس يوميا من الأحياء الواقعة خارج جدار الفصل العنصري

ويمكن تلخيص أضرار الحواجز العسكرية الثابتة منها والمؤقتة في ما يلي:

  • 1. تأخير وصول المعلمين إلى مدارسهم، مما يؤدي إلى تشويش العملية التعليمية وبالتالي التأثير السلبي على المسيرة التعليمية بأسرها, ويلحق ضررا على مستوى التحصيل لدى الطلبة الذين يتأخرون، ومن هنا يترك بعضهم المدارس.
  • 2. توقيف المعلمين والطلبة على الحواجز وتعريضهم للتفتيش والانتظار، وذلك لساعات عدة في بعض الأحيان، أضف إلى ذلك الإهانة والصراخ والشتم، أو منعهم من دخول القدس أحيانا أخرى، مما يلحق بهم ضررا نفسيا يؤثر على حياتهم اليومية.
  • 3. عدم انتظام الدوام يوميا بما يؤدي إلى تسرب الطلاب من مدارسهم.

 

على صعيد آخر، رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح الدخول لمعلمي القدس الذين يحملون هوية "دولة فلسطين" ويعملون في مدارس مدينة القدس، مما يؤدي إلى عرقلة سير العملية التعليمية.

 4 . الجدار والحواجز تمنع المساعدات التي تمنح لمدارس القدس من مناطق السلطة الفلسطينية، من أثاث وكتب وأغذية مدعمة بالفيتامينات.

              

  • 5. الملاحقات الإسرائيلية للمدارس بالضرائب والمخالفات والغرامات، حيث تقدر ضرائب الأرنونا (المسقفات أو ضريبة البلدية) المفروضة على مدارس الأوقاف بـ28 دولارا، وهي تراكمية مع غرامات منذ العام 1967, فضلا عن مخالفات مفروضة على المدارس بحجة البناء غير المرخص.

 

ارتباط أطفال فلسطين بالقدس والأقصى (غيتي)

معركة التعليم

وضع التعليم في القدس معقد ومتداخل بسبب السيطرة والاحتواء اللذين تنتهجهما الحكومات الإسرائيلية المتتابعة حيث تجاهلت حاجات السكان الفلسطينيين في مدينة محتلة لعقود ولم تستحدث أبنية مدرسية حسب الحاجة المطلوبة، رغم فرض سلطتها الإدارية والسياسية على المدينة منذ العام 1967، وسعيها للتوكيل أو التفويض (مدارس المقاولات) من دون وضع معايير تعليمية وتربوية ومتابعة حقيقية.

 

كما أن البنية التحتية غير ملائمة مع سيطرة إسرائيلية على تراخيص البناء، وتشديدها في إجراءات البناء، والعقوبات المشددة  بالهدم أو المخالفة للبناء من دون ترخيص، بغض النظر ما إذا كانت مدارس أو مساكن.

 

تتدخل السلطات الإسرائيلية في كتب المنهاج الفلسطيني، وتحاول خلخلة الانتماء والهوية لدى الأطفال المقدسيين من خلال حذف كل ما يتعلق بالهوية والوطنية الفلسطينية وحق العودة، ومنع دخول الكتب الفلسطينية من رام الله إلى القدس، ومحاولاتها فرض المنهاج الإسرائيلي في خمس مدارس، وقد حققت اختراقا في ثلاث مدارس بما مجموعه 190 طالبا وطالبة من أصل 2700 طالب وطالبة ( يشكلون 7% من مجموع طلبة المدارس الثلاث).

 

لكن على الرغم من كل التحديات، يبقى توجه وتطلع المقدسيين نحو ارتباطهم بشعبهم وأمتهم قويا, ومن المؤشرات على ذلك حرصهم على تعليم أبنائهم بإصرارهم على التعليم بالمنهاج العربي, ورفضهم أي منهاج آخر، وتعليمهم أبناءهم في بيوت سكنية تفتقر إلى مقومات البناء المدرسي, فأعداد المتقدمين لامتحان الثانوية العامة متزايد سنويا حيث يبلغ هذا العام (2013-2014) 3834 طالبا وطالبة.

كل هذا يؤكد حقيقة واحدة أن السياسات الإسرائيلية التي تسعى لتهجيرهم لن تحقق مبتغاها، ويستمد المقدسيون صمودهم من الإيمان بأن هناك نهاية لمعاناتهم. ويتطلعون إلى مساندة عربية أكبر لتخفيف المعاناة وإنقاذ الأجيال من مخططات التجهيل، إضافة إلى الجهود الخيّرة التي تصل بصورة وأخرى، إلا أنها غير كافية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/12-

مدينة القدس.. اقتصاد مشلول

مدينة القدس.. اقتصاد مشلول

 

عزام توفيق أبو السعود
المدير العام السابق للغرفة التجارية والصناعية بالقدس

 

تمر مدينة القدس العربية بوضع اقتصادي متراجع منذ نهاية عام 2000، حين زار رئيس وزراء إسرائيل في حينه أرييل شارون المسجد الأقصى المبارك، واندلعت على أثر هذه الزيارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما تلاها من إقامة جدار الفصل العنصري، الذي عزل الضفة الغربية عن القدس، إضافة إلى وضع حواجز عسكرية معيقة لحركة الأشخاص والبضائع، مما أدى إلى عزل جزء من سكان القدس العربية خارج الجدار.

 

القدس العربية التي يبلغ عدد سكانها 285 ألف نسمة، تعتمد في اقتصادها على قطاع السياحة، الذي يشكل 40% من اقتصاد المدينة، بينما القطاعان الخدماتي والتجاري يشكل كل منهما 25% من حجم الاقتصاد، وقطاع الصناعة يشكل 9%، في حين لا يتجاوز القطاع الزراعي 1% من اقتصاد المدينة.

 

وسيعمد هذا المقال إلى تحليل وضع كل قطاع من هذه القطاعات، إضافة إلى موضوعي البطالة والاستثمار.

 

أحد الأسواق الشعبية لبيع الألبسة والمستلزمات الشخصية في القدس القديمة (الجزيرة)

القطاع السياحي

لا تزال السياحة الدينية هي الوحيدة النشطة في القدس، فقد كان في القدس 44 فندقا قبل عام 1967، تحوي 4000 غرفة فندقية قريبة من الأماكن الدينية، بينما كان لدى الإسرائيليين 650 غرفة فندقية فقط، أما الآن فإن لدينا 31 فندقا عاملا فقط بـ2250 غرفة، ولدى الإسرائيليين 18 ألف غرفة، منها 1800 غرفة تشاركنا ميزتنا في قربها من الأماكن الدينية.

 

لم يتم بناء سوى فندقين متوسطي الحجم في القدس الشرقية منذ العام 1967 حتى الآن، في حين تم تحويل بعض فنادق المدينة إلى مستشفى أو سكن لممرضات، أو إلى مدرسة أو مكاتب تجارية أو قنصليات أجنبية، وأحدها مغلق بسبب مشاكل بين الورثة، وكثير من فنادقنا بحاجة إلى صيانة وتجديد جذري.

 

بعد انتفاضة عام 2000 وحتى عام 2005 تراجع عدد السياح القادمين إلى الأراضي المقدسة بشكل لافت، وكان المقدسيون قد استثمروا مبالغ كبيرة استعدادا للألفية الثالثة. وأدى الوضع المتردي للسياحة إلى إغلاق عدد كبير من الفنادق، وتراكم الديون على المستثمرين للبنوك الإسرائيلية والعربية، وبيع عدد من الأصول السياحية، وخاصة أسطول حافلات نقل السياح، الذي كان الفلسطينيون يملكون فيه 212 حافلة عام 2000، بيع كثير منها بأثمان بخسة، لتسديد قروض البنوك، وباتوا عام 2004 لا يملكون سوى 60 حافلة.

 

كما أن توقف السياحة خلال الانتفاضة، وتوقف تحكم دائرة الأوقاف في دخول السياح إلى المسجد الأقصى التي كانت تتقاضى رسوم دخول تقارب 10 دولارات من كل سائح، والإجراءات الإسرائيلية التي فتحت باب المغاربة لدخول السياح إلى ساحات الحرم الشريف بالمجان، كل ذلك أدى إلى حرمان دائرة الأوقاف من دخل سنوي يزيد عن عشرة ملايين دولار سنويا.

 

وكان يمكن لدائرة الأوقاف أن تقوم بهذا المبلغ بتطوير وصيانة مرافق المسجد الأقصى، إضافة إلى استثمار أفضل للأراضي الوقفية، التي من شأنها النهوض بالاقتصاد المقدسي. كما تطورت المطاعم السياحية بالقدس نسبيا، وزاد عددها، لكن ذلك أيضا لم يتناسب مع مضاعفة عدد السياح خلال 15 سنة الأخيرة.

 

لم يطور الفلسطينيون أماكن جذب سياحية إضافية في القدس، وخاصة داخل أسوار القدس، أو في منطقتي جبل الزيتون وراس العمود، اللتين تطلان على القدس بمنظر بانورامي أخاذ. ويرجع ذلك إلى عدم تعاون دائرة الأوقاف -المالك الأكبر للأراضي في القدس- مع المستثمرين أو المطورين العرب، وهناك فرص اقتصادية كثيرة غير مستغلة، يمكن استغلالها لنقل القدس العربية نقلة سياحية نوعية كبيرة، وتزيد من الدخل السياحي فيها، وتقوم بعمل مضاد لإبقاء شكل ومضمون القدس بوصفها مدينة عربية إسلامية مسيحية، مقابل إجراءات تهويد المدينة والتي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي.

 

مصنوعات يدوية في القدس القديمة (الجزيرة)

النشاط التجاري

لم تتطور الأسواق التجارية المقدسية، بل بقيت أسواقا تقليدية، في حين أقام الإسرائيليون عددا من المجمعات التجارية (المولات) التي جذبت المستهلكين بعروضها، والخدمات الترفيهية المتوفرة بها، حتى إن كثيرا من عرب القدس باتوا يقصدون هذه المجمعات التجارية الإسرائيلية للتسوق منها.

 

كما تم تطوير الأسواق في الضفة الغربية، وخاصة مدن رام الله ونابلس والخليل، التي باتت تبيع السلع بأسعار تقل عن مثيلاتها في مدينة القدس، مما جعل سكان القدس العرب يتوجهون للتسوق من هذه المدن.

 

يُرهق التاجر المقدسي بالضرائب الإسرائيلية التي تبلغ ثلاثة أضعاف الضرائب التي يدفعها تاجر مماثل في الضفة الغربية، إضافة إلى الإجراءات التعسفية الإسرائيلية في التعامل الضريبي مع التجار العرب، والغرامات العالية التي يدفعها المقدسيون، وارتفاع إيجارات المحلات التجارية، وارتفاع تكاليف المعيشة في القدس، ومنع المنتجات الزراعية واللحوم المنتجة في الضفة الغربية من دخول أسواق القدس، كل ذلك أدى إلى تناقص عدد المشترين من أسواقها ، وهروبهم إلى أسواق الضفة.

 

وشكلت الدعاية الإسرائيلية العنصرية، وخاصة من أدلاء السياحة الإسرائيليين، الذين ينصحون السياح بعدم الشراء من الأسواق العربية وتوجيههم للشراء من الأسواق الإسرائيلية، إلى خسارة التاجر العربي لهذا العنصر الهام من المتسوقين.

 

في المقابل فإن عرب فلسطين من داخل الخط الأخضر شكلوا عنصرا منقذا للاقتصاد المقدسي، وخاصة بين عامي 2002 و2005، وذلك بتنظيمهم رحلات مكثفة للقدس، كان هدفها الأساسي زيارة المسجد الأقصى، وقد استفادت المدينة من هذه الرحلات، وإن كان ذلك ليس بالشكل الأمثل، خاصة وأن الزيارات تتم يومي الجمعة والسبت، ويوم الجمعة هو يوم عطلة في القدس حيث تغلق المحلات التجارية أبوابها.

 

سيدات يعرضن منتجات غذائية وخضروات للبيع في حارات القدس (الجزيرة)

قطاع الخدمات

تطورت خدمة المواصلات الداخلية وأعيد تنظيمها، كما استفاد قطاع نقل البضائع استفادة كبيرة، حيث اقتصر نقل البضائع من الموانئ الإسرائيلية إلى أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة على سيارات النقل التي تحمل اللوحة الإسرائيلية الصفراء، التي يمتلكها الإسرائيليون وسكان القدس أيضا.

 

ولا يستطيع المقدسي إدارة معاملاته مع الأنظمة الإسرائيلية دون أن يكون له محاسب ومحام، خاصة أن معظم المقدسيين لا يتقنون اللغة العبرية، وهي لغة الدوائر والمؤسسات الرسمية. ولذلك فقد ازدهرت خدمات المكاتب المحاسبية والقانونية، ومكاتب الخدمات. وكذلك باتت هناك حاجة لمراكز المساعدة القانونية، التي تتم عبر مؤسسات العمل الأهلي.

 

يتمتع المقدسيون بالمزايا والالتزامات الخاصة بالتأمينات الاجتماعية كالبطالة والعجز والشيخوخة والتقاعد الإجباري، إضافة إلى التأمين الصحي، ويبدأ المقدسي بدفع رسوم التأمين الصحي والتأمين الوطني من سن الـ18 وقبل أن يحصل على عمل ودخل خاص به، وهي رسوم مرتفعة وتم تحديدها بما يتناسب مع دخل المواطن الإسرائيلي، ويبلغ متوسط دخل الفرد في إسرائيل 22 ألف دولار سنويا، في حين لا يزيد متوسط الدخل في القدس الشرقية عن سبعة آلاف دولار سنويا، وفي ذلك إرهاق كبير للمواطن العربي.

 

ويشكل التعليم الخاص في القدس 30% من المؤسسات التعليمية، ورسوم التعليم في المدارس الخاصة ورياض الأطفال مرتفعة، ولا يطيقها إلا ذوو الدخول المرتفعة، ويضطر ذوو الدخول المتوسطة إلى التعليم الخاص بسبب عدم وجود مقعد دراسي لأطفالهم في مدارس البلدية أو مدارس الأوقاف.

 

وتعد مشكلة السكن وخاصة للشباب المقبل على الزواج معضلة كبيرة، فقد أحيطت القدس العربية بمجموعة من المستوطنات من الشمال والشرق والجنوب، بحيث أصبحت الأرض المتاحة للعرب للنمو العمراني الطبيعي محدودةً، ولم تقم السلطات الإسرائيلية ببناء مساكن للشباب العربي المتزوج حديثا أسوة بما تقدمه لإسكان الشباب اليهودي.

 

وتبلغ تكلفة ترخيص شقة سكنية بمساحة 110 أمتار مربع 70 ألف دولار في القدس الشرقية، وتكلفة البناء تعادل ثلاثة أضعاف تكاليف البناء في مناطق السلطة الفلسطينية، لأن أجور العمال في القدس مرتفعة جدا وتخضع للحد الأدنى للأجور، الذي يزيد عن ثلاثة أضعاف مثيله في الضفة.

 

لذلك يلجأ العرب للبناء غير المرخص والمهدد بالهدم، أو بدفع غرامات عالية جدا، وهو ما يدفع الكثير من المقدسيين للإقامة في مناطق السلطة الفلسطينية رغم أن ذلك قد يهدد بسحب هويتهم المقدسية، وهو ما يسعى الإسرائيليون إليه، لتفريغ القدس من سكانها العرب، وخلق معادلة سكانية جديدة تقلل من نسبة العرب في القدس إلى 20%، حيث يبلغون الآن 35% من إجمالي السكان.

 

صناعة الحلويات من القطاعات التي تقاوم سياسات الاحتلال (الجزيرة)

القطاع الصناعي

لم تكن القدس مدينة صناعية عبر التاريخ، بل تفتقر إلى منطقة صناعية، لذلك لجأ الصناعيون الفلسطينيون إلى تأسيس مصانعهم في مناطق صناعية إسرائيلية ذات بنية تحتية جيدة، وإن كان بعضها يقع ضمن مناطق المستوطنات، ويواجه هؤلاء مشاكل جمة في تسويق بضائعهم في الأسواق الفلسطينية، بسبب المقاطعة لبضائع المستوطنات، وتشغل مصانع ومشاغل فلسطينيي القدس 65% من المنطقة الصناعية في قلنديا (عطروت).

 

وقد أجبرت السلطات الإسرائيلية أصحاب المشاغل، وخاصة التي تتعلق بحرف الهدايا التذكارية للسياح وصناعة الأحذية والجلود، على إغلاق مشاغلهم في البلدة القديمة، ووجدوا أنفسهم ينقلونها إلى المناطق الفلسطينية، مما أضعف الإنتاجية العربية.

 

البطالة في القدس  

نسبة البطالة في القدس تقع في حدود 10%، ثلثهم من حملة الشهادات الجامعية. ويدخل سوق العمل سنويا ما يقارب 10 آلاف باحث عن فرصة عمل، ثلثهم من حملة الشهادات الجامعية، وثلثهم ممن يتسربون من المدارس بين سني 15 و18، وثلثهم من الناجحين بمعدلات ضعيفة أو ممن لم يجتازوا امتحان الثانوية العامة، أو خريجي المعاهد المهنية.

 

ونظرا للأوضاع الاقتصادية الحالية، فإن السوق الإسرائيلي يستوعب 40% منهم بوظائف أو أعمال متدنية، كالفنادق والمطاعم والكراجات وأعمال التنظيف والبناء. ولا يستطيع القطاع الخاص الفلسطيني استيعاب أكثر من 10% منهم، ولا توجد لديهم فرصة للعمل في القطاع العام الإسرائيلي، ونسبة ضئيلة منهم تعمل في التدريس أو المستشفيات المقدسية.

 

ولا يوجد في القدس قطاع عام فلسطيني لأنها لا تزال محتلة، وجزء منهم يعمل في الضفة الغربية بأجور تقل عن تكاليف المعيشة في القدس. ونظرا لضعف القطاع التشغيلي الأكبر وهو البناء، لحرص الإسرائيليين على خفض عدد رخص البناء الممنوحة للفلسطينيين، فإن الباقي ينضمون إلى قوافل البطالة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/12-

الشيخ رائد صلاح: بوصلة "الربيع العربي" تشير إلى القدس

الشيخ رائد صلاح: بوصلة "الربيع العربي" تشير إلى القدس

 

حاوره / محمد محسن وتد-أم الفحم

 

بدا الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية بالداخل الفلسطيني متفائلا بانتصار قضية القدس والأقصى على الاحتلال الإسرائيلي، رغم الواقع المؤلم الذي يؤكد أن القدس والأقصى في خطر، إلا أن الشيخ صلاح يرى أن الاحتلال الإسرائيلي في خطر أكبر لأنه يحمل فناءه في ذاته.

 

ويؤكد "سنفرح قريبا بزوال الاحتلال وغطرسته وشره بتحرير القدس والأقصى". ويشدد على أن "الربيع العربي الذي تعصف به مؤامرات سيخرج من الاضطرابات وسينجح في مشروع تحرير الشعوب ونيل الحرية، لتكون البوصلة إلى القدس والأقصى".

 

ويرى الشيخ صلاح -المبعد بأمر عسكري عن الأقصى منذ عام 2007- أن الاحتلال الإسرائيلي الذي يسابق الزمن في مشاريع التهويد والاستيطان للوصول إلى ما يسميه "القدس الكبرى"، بات يتصرف بشكل جنوني من خلال قمع المقاومة الشعبية واعتماد سياسة الطرد والإبعاد للقيادات السياسية والجماهيرية، وسحب الإقامة من الأسر المقدسية، بالتوازي مع استهدافه المسجد الأقصى عبر شبكة الأنفاق والحفريات تحت الأقصى والقدس القديمة. 

 

وهذا نص الحوار:

 

 كيف تقرأ واقع القدس والأقصى في ذكرى النكبة؟

القدس والأقصى يتعرضان إلى سيل من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي بلا توقف، بهدف تهويد القدس والوصول إلى مرحلة مناسبة في حسابات الاحتلال لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وأؤكد أنه سيكون خاسرا عما قريب، وستنتهي كل اعتداءاته بزواله القريب.

 

ما مدى جدية التهديدات الإسرائيلية للنيل من هوية القدس والمقدسات؟ وما المطلوب عربيا وإسلاميا لمواجهتها؟

بات واضحا أن الاحتلال الإسرائيلي بدأ يكشف عن سياساته وأهدافه بشكل سافر، ووفق هذه السياسات يطمع الاحتلال أن يكمل تهويد القدس القديمة بحلول عام 2020، ويطمع أن يسيطر بالتهويد والاستيطان على المدينة المقدسة التي يسميها "القدس الكبرى" حتى عام 2050.

 ومعنى التهويد في حسابات الاحتلال الإسرائيلي هو السيطرة على كل شيء بالقدس وعدم الإبقاء على أي مقدسي فيها، ولذلك فالمطلوب أن يكون هناك دوران للأمة الإسلامية والعالم العربي.

أما الدور الأول المرحلي، فهو العمل على تثبيت أهل القدس بأرضهم وبيوتهم ومقدساتهم ومؤسساتهم ليصمدوا في وجه تهويد المدينة. وأما الدور الثاني المبدئي المطلوب، فهو العمل من خلال وحدة موقف تجمع بين الحكام والعلماء والشعوب لتحرير القدس والمسجد الأقصى.

 

الشيخ رائد صلاح في المحكمة الإسرائيلية (غيتي)

 

ما خطورة الأنفاق والحفريات تحت المسجد الأقصى على الحرم القدسي؟

 

القرائن المؤلمة تؤكد أن هناك شبكة أنفاق تحت الأقصى المبارك تمتد تحت القدس القديمة وتصل حتى سلوان، وهي خطيرة جدا على قوة بناء المسجد، لا سيما إذا عرفنا أن تقرير اليونيسكو أثبت بشكل واضح -لدى جولات مسؤوليها تحت الأنفاق- أن الاحتلال استعمل الحوامض الكيميائية خلال الحفريات.

 

وأيضا إذا عرفنا أن الاحتلال ما زال يواصل هذه الحفريات حتى الآن، وقد أقام كنيسا يهوديا بأحد هذه الأنفاق، وأقام متحفا باسم "قافلة الأجيال"، ودشن مجسما يدّعي فيه أنه يعبر عن القدس التاريخية، ويمكن من خلال المجسم غسل أدمغة السائحين الأجانب، ويدّعي أمامهم أن الأصل وجود الهيكل، وأن الأقصى بُني على آثاره، وهذا أيضا كذب وتزييف رخيص.

 

وأؤكد أن الاحتلال كان يطمع في يوم من الأيام أن يصل إلى مكتشفات أثرية تؤكد روايته المزورة عن وجود هيكل تحت المسجد الأقصى.

 

ولكن وبعد خمسين عاما من الحفريات لم يجد شيئا إطلاقا، واللافت للانتباه أن هذه الشبكة من الأنفاق تحت الأقصى تسببت في ظهور تصدعات في بعض جوانب المسجد والمباني المحيطة به، وتسببت كذلك في ظهور حفر كثيرة في الساحات الخارجية والداخلية للأقصى، بشكل تسبب بسقوط أشجار عملاقة وتاريخية مضى عليها عقود كثيرة في ساحات الحرم، كما تسببت في انهيارات وحفر بالبلدة القديمة وحي سلوان.

 

لطالما رفعت شعار "الأقصى في خطر"، هل أضحى المواطن المقدسي في دائرة خطر التشريد والتهجير أيضا؟

 

 نحن أكدنا طوال الوقت أن القدس في خطر، وأن الأقصى في خطر، وأن المقدسي في خطر، لأن الاحتلال الإسرائيلي يعمل ليل نهار على تفريغ القدس والمسجد الأقصى من وجودنا فيهما. ويعمل بشكل خاص على تفريغ القدس من الوجود الفلسطيني بأساليب احتلالية كثيرة، منها -على سبيل المثال- الجدار الفاصل الذي بناه الاحتلال حول القدس وتسبب في إخراج 140 ألف مقدسي من المدينة، التي ولدوا فيها وانتموا إليها.

 

ولا يتردد في تبني سياسة الطرد والإبعاد للقيادات الشعبية والسياسية، فقد سبق وطرد وزير القدس الذي كان أحد وزراء الحكومة الفلسطينية، كما طرد ثلاثة نواب مقدسيين من أعضاء المجلس التشريعي، ولا يزال الاحتلال يتبنى سياسة سحب الهويات ونزع الإقامة عن الكثير من الأسر المقدسية، ويضيق يوما بعد يوم على حياة المقدسيين بهدف ترحيلهم قسريا عن القدس أمام الويلات التي بات يفرضها عليهم.

 

 لذلك، لا يجوز أن نكتفي فقط بإلقاء التحية لأهل القدس على دورهم البطولي، ولكن المطلوب أن يجدوا دعما جادا لتثبيت دورهم الذي يعني أنهم يحفظون -باسمنا جميعا (مسلمين وعربا وفلسطينيين)- حقنا الأبدي في القدس والأقصى.

 

إذن، كيف ترى مستقبل القدس والأقصى في ظل قمع الاحتلال للمقاومة الشعبية واستهداف القيادات؟

 

يحاول الاحتلال الإسرائيلي أن يقمع كل صوت يرتفع منتصرا للقدس والأقصى، وهذا واضح جدا، فما زال حتى هذه اللحظات يقمع المقاومة الشعبية، ويعتمد سياسة إبعاد وسجن القيادات، فهو طرد الكثير من طلاب وطالبات مصاطب العلم من الأقصى، ولا يزال يمنعهم من الدخول إليه.

بل قام الاحتلال بإبعاد الكثير من حراس المسجد، وتجرأ أكثر حين منع الشيخ عكرمة صبري خطيب الأقصى من دخول المسجد لمدة نصف عام، وأنا شخصيا ظنّ الاحتلال الإسرائيلي واهما أنه قد منعني من دخول الأقصى منذ عام 2007 حتى الآن، وقد منعني من دخول القدس أكثر من مرة لفترات طويلة، وقد وصل به الصلف ذات مرة أن أصدر حكما يمنعني بموجبه من الاقتراب على بعد ثلاثين كيلومترا من كل ساحات الأقصى.

في نظري كل هذه السلوكيات الاحتلالية الخبيثة سترتد على الاحتلال الإسرائيلي، وما نشاهده الآن -وفي هذه المرحلة- أبسط دليل على ذلك، جماهير شعبنا لا تزال صامدة في القدس عامة والرباط في الأقصى بكل حب وتضحية، وهذا المشهد من العطاء المبارك يقوى ويتعزز يوم بعد يوم ولن يتوقف حتى زوال الاحتلال.

 

الارتباط الفلسطيني بالقدس والأقصى (رويترز)

 

في ظل التهويد والاستيطان، ما دور الداخل الفلسطيني للحفاظ على القدس والأقصى؟

 

لدينا مؤسسة تسمى "القدس للتنمية" بدأت منذ سنوات ولا تزال تكرس دورها فقط من أجل تعزيز صمود أهلنا المقدسيين، وإلى جانبها لدينا "مؤسسة الأقصى" و"عمارة الأقصى" و"البيارق" و"مسلمات من أجل الأقصى".

 

هذه المؤسسات تعمل بشكل خاص على رعاية مشاريع إستراتيجية تصب كلها في إفشال أي طمع إسرائيلي احتلالي لتقسيم المسجد الأقصى تقسيما زمانيا أو مكانيا، لذلك هذه المؤسسات أبدعت حتى الآن في رعاية مشروع مسيرة البيارق، والتي باتت تسيّر عشرات الحافلات يوميا للقدس والأقصى، كما نجحت في رعاية مشروع كبير آخر، وهو مصاطب العلم واستقطاب 1250 طالبا وطالبة، باتوا يدرسون يوميا بساحات المسجد منذ الصباح الباكر حتى صلاة العصر.

 

كل هذه المشاريع تمثل اليوم الحاضنة الداعمة للمقدسيين والدرع البشرية للدفاع عن الأقصى وإحباط أي اقتحامات احتلالية إسرائيلية، وكل هذه المؤسسات باتت -والى جانب الأهل المقدسيين- تتبنى معا خطابا واحدا، نؤكد فيه أن الاحتلال في القدس والأقصى هو احتلال باطل بلا سيادة ولا شرعية، وهو إلى زوال قريب غير مأسوف عليه.

 

 كيف تفسر إصرار حكام وحاخامات إسرائيل على فرض السيادة الاحتلالية على الأقصى؟ وماذا تبقى من القدس للفلسطينيين؟

 

محاولاتهم عبثية، وهم واهمون بإصرارهم على هذا المسعى، ولن يأتي ذلك اليوم الذي نقبل فيه -مسلمين وعربا وفلسطينيين- بأي سيادة إسرائيلية على متر مربع من القدس أو الأقصى. فكما زال كل احتلال سابق سيزول هذا الاحتلال الإسرائيلي، وستذهب كل أحلامه السوداء إلى مزبلة التاريخ.

 

لقد بقي للشعب الفلسطيني كل شيء بالقدس والأقصى، وذروة ما يملكون الآن -وهو أهم شيء- الحق الأبدي لنا بالمدنية المقدسة، والذي يمدنا بوجودنا الشرعي وسيادتنا الشرعية على القدس والأقصى، وهذا الذي يكشف عورة الاحتلال الإسرائيلي، ويجعل وجوده استثنائيا شاذا ومرفوضا. لذلك، فإن الاحتلال لو سيطر في ظاهر الأمر، فهذا لا يعني أنه قد تملك القدس، والمطلوب أن نبقى على هذا اليقين، كما أننا على يقين من زوال كل المشاريع الظالمة والباطلة والدخيلة التي قد حلت بالقدس والأقصى.

 

هل سيصمد المقدسيون وفلسطينيو 48 أمام تحديات الاحتلال ومخططاته التهويدية والتهجيرية؟

 

الاحتلال الإسرائيلي قام بخطوات خطيرة ضد القدس والمسجد الأقصى، ومن أخطرها أنه عمل على عزل الأمة الإسلامية والعالم العربي والضفة الغربية وقطاع غزة عن المدينة ومقدساتها، ولم يبق للقدس والأقصى من بين مليار ونصف المليار مسلم وعربي إلا مليون وأربعمائة ألف يعيشون بالداخل الفلسطيني إلى جانب 350 ألف مقدسي.

 

ونحن كتب الله علينا أن نقوم بهذا الدور الثقيل، ويجب ألا نتردد في تقديم التضحيات رغم المتاعب، فهذا شرف لنا أن نؤدي هذا الدور باسم كل الأمة المسلمة والعالم العربي والشعب الفلسطيني، إلى جانب أهلنا المقدسيين.

 

أقولها بلا تردد، إنني قمت بعشرات الجولات في العالم العربي والإسلامي والتقيت الجاليات المسلمة في كثير من دول العالم، وخرجت بقناعة أن هذه الجموع تحمل في داخلها الحب الكثير والاستعداد الفوري للتضحية والعطاء لنصرة القدس والأقصى، ولن يتخلوا عن دورهم في يوم من الأيام، لذلك أنظر بنظرة تفاؤل، وتزداد يوما بعد يوم، مؤكدا لنفسي ولغيري أن القدس والأقصى قضية منتصرة على الاحتلال الإسرائيلي.

 

كيف ترى تداعيات الربيع العربي وانعكاس الانقسام الفلسطيني على القدس والأقصى؟

 

أنا على قناعة بأن الربيع العربي كان يحمل مبشرات كثيرة على صعيد بلاده الداخلية وفي مواقعه المختلفة من تونس إلى مصر وإلى ليبيا واليمن وسوريا، وفي الوقت نفسه يحمل مبشرات خارجية، تؤكد أن بوصلته الواضحة تتجه نحو القدس والأقصى.

 

ولا أقول ذلك واهما، بل هناك قرائن كثيرة تؤكد ما أقوله، لذلك جرى التآمر على الربيع العربي، ولا يزال هذا حاضرا في دوره مع شديد الأسف، قلتها -ولا زلت أقولها بلا تردد- إن الذين يتآمرون على الربيع العربي يتآمرون على القدس والأقصى.

 

مع ذلك، كنت وما زلت على يقين أن الربيع العربي مصيره إلى نجاح، وسيتخطى كل هذه المرحلة الصعبة، وسنعيش ذلك اليوم القريب الذي نرى فيه وحدة الحال بين رؤساء منتخبين شرعيين، إلى جانب دور للعلماء الذين يجسدون سلاطين العلماء وليس علماء السلاطين، وإلى جانب الشعوب التي تشتعل في داخلها نيران الغضب بهدف الانتصار للقدس والأقصى.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/12-

حمود: مليار دولار سنويا لتهويد القدس

حمود: مليار دولار سنويا لتهويد القدس

جهاد أبو العيس-بيروت

 

شدد مدير عام مؤسسة القدس الدولية ياسين حمود على أهمية قضية أن القدس لا يرتبط فقط بالمسجد الأقصى وغيره من الحجارة أو البنيان، بل بكامل مكونات المدينة المقدسة، وعلى الرأس منها الإنسان.

 

وقال حمود في مقابلة مع الجزيرة نت إن دور التوعية الذي تقوم به المؤسسة التي تأسست عام 2000 إثر اقتحام أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى ، يقوم عبر ستة مجالات، هي: مشاريع التمويل التي تساعد على تثبيت الإنسان المقدسي بكل المجالات، ومجال الإعلام القائم على فضح ممارسات الاحتلال وتوعية الأمة بهذه المخاطر.

 

ومجال الحشد والاستنهاض عبر دفع النخب والعامة على حد سواء للاهتمام والارتباط بقضية القدس، ومجال العلاقات العامة والتواصل مع الجهات الرسمية وغير الرسمية، وتشكيل الفروع في البلدان المختلفة للمؤسسة، وتشكيل الروابط مثل "رابطة شباب لأجل القدس" و"أطباء من أجل القدس" و"إعلاميون من أجل القدس" وغيرها.

وعن أبرز إنجازات المؤسسة، لفت حمود إلى تغطية المؤسسة تمويل أكثر من مائتي مشروع متنوع داخل القدس بكلفة زادت على أربعين مليون دولار، بينما الاحتلال ينفق أكثر من مليار دولار سنويا مقابل أرقام مخجلة عربيا، لافتا إلى تكتم المؤسسة عن ذكر تفاصيل المشاريع وداعميها وأماكنها لضمان عدم ملاحقتها وإجهاضها من طرف الاحتلال الذي صنّف المؤسسة على أنها "منظمة إرهابية ".

 

أما إعلاميا، فتحدث عن وصول المؤسسة لمرتبة المرجعية بالنسبة للأكاديميين والباحثين حول قضايا القدس، نظرا لما تتمتع به أبحاثها ومنشوراتها وإصداراتها من توثيق علمي وموضوعي مجرد.

 

حمود يشرح طبيعة الخطة التهويدية المنظمة للقدس وسط غياب عربي وإسلامي كامل عنها (الجزيرة)

كما لفت إلى إصدار المؤسسة تقريرا توثيقيا استقرائيا سنويا تحت مسمى "عين على الأقصى"، بدأ منذ عام 2005 بواقع تسعة أعداد، يوزع على جهات رسمية ودولية ومنظمات إقليمية وحكومات.

 

كما تصدر المؤسسة ما يعرف بـ "تقرير حال القدس"، والذي انطلق إصداره عام 2010، ويتجدد كل ثلاثة أشهر، ويرصد الأحداث الميدانية واليومية للمدينة المقدسة بكافة المجالات، وفق قراءة منهجية للحدث.

 

كما لفت حمود إلى إصدار المؤسسة مجموعة من التقارير المعلوماتية المتخصصة، حيث صدر حتى اليوم ثمانية تقارير تناول كل واحد منها مجالا من المجالات الحيوية في المدينة كالصحة والتعليم وهدم البيوت والأسرى، بصورة رقمية وبحثية دقيقة.

 

إلى جانب إصدار تقرير إخباري أسبوعي يجري تغذيته ميدانيا عبر مراسلين تابعين للمؤسسة داخل القدس، فضلا عن عشرات "الفلاشات" والفواصل الإعلامية التلفزيونية والأفلام مثل فيلم "خيمة أم كامل" و"جدار في القلب"، إلى جانب أربع لوحات فلمية قصيرة (10 دقائق) مثل لوحة "أم محمد بائعة الخضار"، و"عائلة كاستيلو" التي هدم بيتها و"كهف الصمود" و"مدرسة صموئيل".

 

كما نوّه حمود بإنجازات المؤسسة في عقد عشرات المؤتمرات والندوات المركزية السنوية لتعزيز الحشد لدعم القدس، وكذلك المشاركة في المسيرة العالمية للقدس، وتوسيع الروابط المرتبطة بالمؤسسة، والتي منها حديثا "نساء من أجل القدس" و"رجال أعمال من أجل القدس" و"علماء من أجل القدس".

 

تقرير عين على الأقصى وكذا تقرير حال القدس من التقارير التوثيقية التي غدت مرجعا لكل باحث بشئون القدس(الجزيرة)

وكان لافتا في إطار المنجزات أيضا حديث حمود عن تبني المؤسسة دورة سفراء القدس، وهي عبارة عن "دورات" مكثفة لمجموعة من الشباب على يد مختصين حول المدينة المقدسة، يتخرج المشارك فيها سفيرا للقدس، بمعنى حصوله على ما يؤهله لتقديم محاضرات وشروحات موثقة عن واقع المدينة.

 

وحول تحديات العمل، قال إن التحدي المالي يشكل عقبة رئيسية أمام أهداف المؤسسة إلى جانب ما سماه غياب الإستراتيجية العربية الإسلامية لإنقاذ القدس، وغياب الوعي الجمعي للأمة حول المخاطر التي تتهدد واقع المدينة، فضلا عن غياب المشروع التحرري المقاوم لتحرير المدينة ولِهيان الأنظمة في صراعات جانبية على حساب القضية الفلسطينية.

 

وحول هيئة المؤسسة، قال إن المؤسسة عابرة للجنسيات، فهي تحوي عددا كبيرا من جنسيات مختلفة، وعابرة للأديان لأن فيها المسلم وغير المسلم، وعابرة للطائفية والمذهبية ففيها من كل المذاهب، وعابرة للجغرافيا حيث تضم أعضاء من مختلف القارات، كما تضم في عضويتها شخصيات رسمية كرؤساء حكومات ونواب ووزراء، بالإضافة إلى شخصيات أهلية معنية بنصرة القدس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/12-

المدينة المقدسة التي تهفو إليها الأفئدة والحناجر

المدينة المقدسة التي تهفو إليها الأفئدة والحناجر

عرض/ محمد هديب

 

العبارة المفتاحية في كتاب "عروق القدس النازفة" يلخصها منير العكش بأن فكرة إسرائيل التاريخية التي حققها المستوطنون الإنجليز في أميركا تؤكد أن المصير الذي لقيه سكان أميركا الأصليون في "كنعان الإنجليزية الجديدة" ينتظر كثيرا من أمم الأرض، ومن أولى بهذا المصير أكثر من كنعان اللحم والدم: العرب الفلسطينيين؟

 

كانت القدس في هذا الكتاب مجال البحث لعشرة من الكتاب البارزين في التاريخ السياسي والأدب والفن وصراع الهويات الدينية، ولكن الأفضل الركون إلى التقسيم الذي لجأ إليه العكش أستاذ الإنسانيات واللغات الحديثة حين جعل مؤلفه ثلاثة كتب: الكتاب الأول "صناعة القيامة" والثاني "تشويه حقيقة القدس" والثالث "حفريات الذاكرة".

 

فبحسب الكاتب إسرائيل شاحاك الذي كان أستاذ شرف للكيمياء في الجامعة العبرية (توفي في 2001) فإن من لا يملك معرفة دقيقة صحيحة يجرد نفسه من القوة على التغيير للأفضل.

 

وشاحاك الذي كان أحد سكّان القدس يندد بحال القدس في التعليم الإسرائيلي، ويرى أن النزعة الشوفينية تتجلى في التجاهل أو المغالاة في تهميش كل من ليس يهوديا عاش في فلسطين أو شارك في صناعة تاريخها، وأنه خلافا لكل أدلة التاريخ وعلم الآثار يروَّج أن فلسطين لم تزدهر إلا حين حكمها اليهود، ويضيف شاحاك أن "هذه الخرافة الخبيثة لا تستثني القدس من تخريفها وخبثها".

 

وهذا ما يضيف إليه أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس نصير عاروري حين يقول إن القدس المعروفة لدى اليهود بمدينة داوود لم تكن أبدا المدينة التي بناها داوود وليس عمرها ثلاثة آلاف سنة. بل كانت المدينة التي "دخلها غازيا محتلا كما أشار إلى ذلك الكاتب الإسرائيلي دان المغور والمؤرخ زف فلناي في الموسوعة المعرفية لأرض إسرائيل".

 

لكن إسرائيل لا تسمّي الشيء باسمه ما يعتبره الكاتب مشكلة إسرائيلية مع اصطلاح الاحتلال نفسه، فاحتلال 1967 سمي تحريرا، وفي اتفاقيات أوسلو يبين عاروري كيف أصر المفاوضون الإسرائيليون على اقتلاع اصطلاح الاحتلال من معجم المفاوضات، فلم يكن من المفاوضين الفلسطينيين إلا أن أذعنوا.

 

وما بين الذاكرة المعاصرة والذاكرة التاريخية والأسطورية يصبح التدمير والقتل الذي يتعرض إليه المكان والإنسان الفلسطيني جزءا من دوائر دموية مقدسة، لا تدور الآن بل تواصله منذ آلاف السنين.

 

القصور الأموية المتاخمة للأقصى حولت إلى حدائق توراتية (الجزيرة)

فهذه مثلا هذر سبيرز الشاعرة والفنانة الكندية، مديرة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، كانت في الانتفاضة الأولى التي اندلعت 1987 فكتبت كتاب "المذبحة: رسوم من القدس"، سيرة شاهدة عيان تقول "لطالما سُئلت عند عدم رسمي للضحايا الإسرائيليين وأن هذا يخل بالتوازن، والواقع أنني وجدت من خلال الإحصائيات أن عليّ أن أرسم 3500 طفل فلسطيني جريح قبل أن "يجب" علي إنصاف طفل إسرائيلي".

 

لربما كانت القدس أكثر مدينة في الأرض تتصارع فيها الجيوش لتدميرها وتتوجه إليها الدعاءات آملة في أن تكون المدينة المشتركة، وهذا التداور بين الدم المسفوك المقدس ورجاء السلام يجعل رشيد الخالدي الذي يشغل كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية، يصف القدس بـ"المدينة العظيمة المقدسة والملعونة".

 

وحتى نعود إلى أن  عبارة "المعرفة قوة" لفرانسيس بيكون والتي يدعو شاحاك لاستلهامها، نقرأ ما يقوله منير العكش في الفصل الذي يفتتح كتاب "عروق القدس النازفة" والذي سيصبح فيما بعد جزءا من كتاب "تلمود العم سام".

 

فقد كان رمز "المدينة على جبل" في اللاهوت الاستعماري الإنجليزي واحدا من أقدس رموز فكرة أميركا، فهو يماهي -يضيف العكش- بين أميركا وبين أورشليم الجديدة عاصمة مملكة الله التي ستبنى في آخر الزمان على جبل فوق أنقاض مدينة القدس. تماما كما بنيت واشنطن الجديدة فوق أنقاض مدينة نكن شتنكه. ويذكّرنا الكاتب بأن بريطانيا لم تنس وهي تغزو القدس عام  1917 أن تعلن على لسان غازيها الجنرال اللنبي بأن الحروب الصليبية انتهت باجتياح جيوشها المدينة المقدسة.

 

ويبين العكش أن النخبة البريطانية والأميركية تعتقد أن الاختيار الإلهي لها قدر محتوم أكد عليه كل رؤساء الولايات المتحدة بلا استثناء، بدءا من جورج واشنطن في خطاب الوداع عام 1796، مرورا بـ بيل كلينتون الذي شبه نفسه -وقد كان في أوج فضائحه الشبقية- بالملك سليمان، وشبه الأميركيين بشعب الله المختار، وليس انتهاء بجورج بوش الابن الذي سمى نفسه موسى العصر. أما بريطانيا فإن رؤساء الوزارات فيها منذ أكثر من مائة عام حتى اليوم أيضا دون استثناء لا يخرجون من "تن داوننغ ستريت" قبل أن "يعطّروا" أيديهم بدم عربي ومسلم.

 

 

في الكتاب، الفصل المخصص لصورة القدس في الفنون التشكيلية الفلسطينية، تقرأ الناقدة الفنية سارة روجرز قبة الصخرة بوصفها رمزا للفن الفلسطيني المعاصر.

 

وتؤكد الكاتبة أن ظهور موضوع قبة الصخرة في الفن التشكيلي المعاصر بعد عام 1967 يعزز قول بيير نورا إن في الذاكرة مواقع طوبولجية وزمانية تظهر في الأماكن والأوقات التي ندرك أو نشهد فيها انقطاعا عن الماضي.

 

حفريات لإقامة مركز توراتي جنوب المسجد الأقصى (الجزيرة)

وتوضح روجرز أنها لا تفترض أن الوطنية الفلسطينية نشأت ردا على الصهيونية. "نعم كانت فلسطين لأهلها قبل عام 1948 حقيقة ماثلة في التراب الفلسطيني لكن الستينيات هي التي شهدت عُرام التعبير عن الوطنية الفلسطينية. وفي سياق العلاقة الحميمية بين الفن والوطنية تجلت قبة الصخرة رمزا وطنيا في الفن التشكيلي الفلسطيني".

 

وفي الفصل المعنون بـ "حفريات الذاكرة" نقع على جملة نصوص سيرية حارّة كتبها كتّاب فلسطينيون عاشوا في القدس ثم طردوا منها وحملوها في شتاتهم، كما تصور ذلك لوحة الحمّال الذي يشيل القدس على ظهره والتي رسمها سليمان منصور 1974.

 

الكاتب الفلسطيني الموسوعي جبرا إبراهيم جبرا يقدم مشهدا من سيرته المقدسية كتبها عام 1965، حيث درس فيها بالكلية العربية التي عرفت بأنها تنتقي من مدارس فلسطين كلها أميز مائة وعشرين طالبا.

 

والقدس في عين جبرا ليست مجرد مكان فحسب بل إنها الزمان أيضا، والتجسيد القائم لتجربة الإنسان الهائلة وتاريخ حضارته "منذ أن بدأ التاريخ يتضح على يديه بإنجازاته وفواجعه".

 

يصف جبرا باب خان الزيت فيقول قد تجد فيه "بضع مئات من النساء والرجال يصلون باللاتينية ويجثون على ركبهم بين أرجل السابلة، بين أكياس البقالين وصناديقهم، بين راكبي الحمير والباعة المتجولين، والمقرئ عبد الباسط عبد الصمد يرفع صوته الجميل بآيات من القرآن من مذياع قريب. لقد ذاب التناقض وزالت الدهشة وطريق الآلام تتردد فيه ذكرى حمل الصليب في سبيل الإنسان كل ساعة كل يوم والناس ساعون في سبيلهم إلى شؤون الحياة".

 

وللذاكرة طرق مختلفة تعمل بها، فهذا أستاذ الأدب واللغة العربية في مونتريال عيسى بلاطة يسرد لنا أنه زار الشاعرة والناقدة والباحثة سلمى الخضراء الجيوسي في كامبردج بولاية ماساتشوستس "وفيما كنا نمشي على رصيف غير معبد قرب بيتها في شارع هومر وقع ناظري على خصلة من العشب الأخضر بين الأعشاب البرية تجهد للنماء تحت غبار الصيف وتوقظ ذكريات مماثلة لخصل مقدسية من الأعشاب كانت تنبثق من خلال رصيف غير معبد عند مدرسة شميدت للبنات حين قالت سلمى: انظر يا عيسى ألا تذكّرك هذه الأعشاب بالقدس؟ ولا شك في أنها وهي خريجة تلك المدرسة كانت تمر بمثل هذه الأعشاب ساهية عنها أو غير مكترثة بها كلما ذهبت إلى مدرستها في القدس، أما الآن فها هي تنهض من أعماق ذاكرتها".

 

وفي نصه الذي كتبه عام 1997، يستذكر فؤاد مغربي أستاذ العلاقات الدولية وعلم النفس السياسي في جامعة تنسي قريته عين كارم في القدس التي يقال إن يوحنا المعمدان ولد فيها وإن السيدة مريم زارتها قبل أن تضع عيسى المسيح. ويضيف مغربي أن عين كارم ظلت عربية خالصة يتعايش فيها المسيحيون والمسلمون حتى عام 1948 لكنها الآن جزء من القدس الغربية، ولم يبق فيها عربي واحد بعد أن أخليت من أهلها في النكبة.

 

وكغيره من المطرودين يقول "كان من المفترض أن الهجرة ستكون إلى أجل قصير" فقد كان الناس يعتقدون أنهم سيعودون إلى منازلهم وحقولهم "بعد أن تهجم الجيوش العربية وتضع حدا لليهود".

 

لكن العائلة والجيران باتوا لاجئين في مخيم الدهيشة على أطراف بيت لحم، ويكتب مغربي "لا أستطيع وصف مشاعر الألم عندما دهمهم شتاء قارس وليس لديهم سوى أبسط مقومات البقاء بعد أن منّت عليه وكالة غوث اللاجئين بالخيام والأغطية وبعض المواد الأساسية جدا. إن مشاعر الألم والبرد والوحل الذي غمرنا بعد المطر محفورة في ذاكرتي لا تنمحي أبدا".

 

"عروق القدس النازفة". إصدار: وزارة الثقافة القطرية 2009. تأليف: مجموعة من الباحثين. حرره بالإنجليزية وترجمه إلى العربية: منير العكش.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك