آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:37 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:37 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
-1/15-

للكلمة الحرة ثمن

 محمد المختار الخليل
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

كانت ولا تزال حرية التعبير ونقل المعلومة دون معوقات هي الشرط الموضوعي الأول لنجاح السلطة الرابعة في أداء رسالتها، ووضع المشاهد أو القاريء في قلب الحدث، وعرض ما يجري على الأرض بكافة تفاصيلها عليه ليتاح له اتخاذ قراره وفق اقتناعه بكل حرية.

 

وكانت وما تزال الأنظمة الشمولية، مدنية كانت أم عسكرية، على عداء فطري مع حرية التعبير، وكأن رسالتها المقدسة هي قمع الحريات وتكميم الأفواه، وتزداد شهوة القمع لديها بشكل مبالغ فيه ضد وسائل الإعلام الحرة، التي تقدس المهنية وتلتزمها، وتأبى أن تتقزم لتصبح بوقا لتلك الأنظمة.

 

وكانت وما تزال شبكة الجزيرة واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية في العالم تعرضا لقمع الأنظمة الشمولية، الديكتاتورية، التي لا تقبل أن يرى الجمهور إلا ما ترى.

 

ولأن شبكة الجزيرة فرضت معادلة إعلامية جديدة على الوطن العربي، وكسرت احتكار الأنظمة القمعية لأحادية الرأي والمعلومة. فقد عانت من الإغلاق والاعتقال وحتى القتل منذ أن حلقت في الفضاء العربي.

 

النظام الانقلابي في مصر يقترف اليوم أحدث فصول قمع الإعلام واغتيال حرية الكلمة، باعتقاله - على مدى شهور- طاقم الجزيرة العامل في مصر لعدة قنوات في شبكة الجزيرة، من الجزيرة العربية والجزيرة مباشرة والجزيرة الإنجليزية، وكل جريرتهم أنهم نقلوا رواية أخرى غير التي يروج لها الانقلابيون وتتبناها جل وسائل الإعلام المصرية.

 

كانت وما تزال هذه الأنظمة لا تقرأ التاريخ، لا تاريخ الآخرين ولا تاريخها هي، ولو فعلت لعلمت أن قمعها لحرية الرأي في مصر على مدى عقود لم يثمر إلا ثورة شعبية بعد أن فاض كأس الظلم في نفوس الشعب.

 

أما ضريبة مهنة المتاعب من أذى أو اعتقال وحتى القتل فهي حاضرة في وعي ووجدان من يقتحم هذا الميدان، خصوصا في مؤسسة كالجزيرة، وتؤتي ثمارها من إصرار واقتناع بقدسية هذه المهنة ورسالتها في اللحظات التاريخية من عمر هذه الأمة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/15-

ملف العدد

ملف العدد

تشهد المنطقة تسخينا يتسارع وشحذا يتوسع للصراعات السياسية على أسس طائفية ومذهبية، ولعل التحشيد الأشد خطرا على وحدة المنطقة واستقرارها السياسي والاجتماعي هو التأجيج السني الشيعي في عدد من الساحات العربية مثل لبنان والعراق وسوريا، وعلى مساحة جغرافية أوسع بين ضفتي الخليج العربي: الشرقية الشيعية، والغربية السنية.

 

ويرى علماء الاجتماع أن الصراع السياسي المؤسس على عقائد واستدعاءات دينية أشد خطرا على المجتمعات من الصراع السياسي المؤسس على المصالح، ففي حين يمكن رأب صدع الثاني سريعا، يترك الأول آثارا عميقة في الخريطة النفسية للمجتمع.

 

ولقراءة مخاطر الصراع الطائفي في منطقتنا، خصصت مجلة الجزيرة ملفها الرئيسي لهذا الخطر، "الطائفية.. طاعون الشعوب"، لعرض القضية من جوانب عدة وقراءتها من زوايا مختلفة من قبل باحثين متخصصين.

 

فيتناول الملف تحذيرا من مخاطر استغلال العاطفة المذهبية لتحقيق مصالح فئة سياسية. وقراءة في تاريخ التواصل السني الشيعي منذ نشأة الخلاف السياسي بين المذهبين، تؤكد أن الخلاف لم يقد إلى صراع على الأرض إلا في مساحات ضيقة من التاريخ الإسلامي.

 

كما تتناول دراسة نفسية الآلية التي يعمل به طاعون المذهبية في تفسخ المجتمعات وتعميق الشق بين مكوناتها. وبالمقابل تعرض مقابلة وجهة نظر سياسية للتوجس العربي الإيراني ومدى حضور المذهب في هذا الخلاف، وحقيقة البعد السياسي في الصراع.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/15-

استغلال البعد المذهبي سياسيا وخطره على الأمة

استغلال البعد المذهبي سياسيا وخطره على الأمة
السيد علي الأمين
مرجع شيعي لبناني

 

عزفُ بعض المتصدّين للشأن العام السياسي والديني على أوتار الطائفية يعد من المحرمات الكبرى، لأنه يُحدث فتنة بين أبناء الوطن الواحد وبين أبناء الأمة الواحدة، وهم بذلك -شعروا أو لم يشعروا- يعملون على تمزيق المجتمعات وتأجيج الصراعات التي تدفع الأمة بكل مكوّناتها أثمانها من حياتها ودورها وسمعة رسالتها. وماذا يبقى لهؤلاء من مصالح شخصية لهم ولأحزابهم ولجماعاتهم إذا أشعلت سياساتهم نار الفتن بين الطوائف والمذاهب والأديان؟!

 

ولذلك نرى أنه يجب العمل على محاصرة خطاب التطرف الديني والمذهبي عبر إشاعة وإظهار خطاب الاعتدال الذي ينبذ التعصب والتطرف ويعيدنا إلى طريق الوسطية التي أرادها الله تعالى لهذه الأمة.

 

كما نرى أن المحرّك الرئيسي لظهور الشحن الطائفي في مجتمعاتنا هو الصراع على السلطة والنفوذ بين الأحزاب الدينية والجماعات السياسية في الداخل، وبين دول إقليمية على مستوى الخارج، وتوظيف العناوين الطائفية والمذهبية في الطموحات السياسية البعيدة عن مصالح الشعب ومكوناته المختلفة، للحصول على الاصطفافات الطائفية التي تعزز مطالب تلك الجماعات والزعامات التي توحي للأتباع بأنها تسعى للحفاظ على حقوق الطائفة والمذهب، بينما هي في الحقيقة لا تحافظ إلا على مصالحها الخاصة.

 

رجال دين لبنانيون يوقعون على علم لبنان تأكيدا على وحدتهم الوطنية (الاوروبية)

وقد قلنا فيما مضى على سبيل المثال عن الحالة الطائفية في لبنان، بأن حقوق الشعب اللبناني مما يسمى الأكثرية أو الأقلية لم تكن موجودة حتى عندما يشترك المتخاصمون في الحكم، فأين هي حقوق الناس في التعليم والطبابة؟ وأين حقوق الناس في الأمن والخدمات؟ وأين حقوق الناس في فرص العمل والتوظيف؟

 

لقد  أصبحت كلها حقوقاً لأشخاص الزعامات والأتباع المختصين من الصف الأول، وليست للطوائف، "فلو كانوا على حقوقنا يختلفون لعادت إلينا حقوقنا عندما يتفقون"، ولكننا نرى أن حقوق الشعب ضائعة في كلتا الحالتين، في حالة الاتفاق بين الأكثرية والأقلية في الحكم وفي حالة الافتراق، وذلك لأن كل فريق يحاول أن يختزل حقوق طائفته أو جماعته في حزبه أو شخصه.

 

وقد عاشت مجتمعاتنا قروناً عديدة بعيداً عن هذا المنطق الطائفي الظاهر اليوم، ولم نكن نسمع بهذه الاختلافات والآراء الشاذة التي نبشت من بطون التاريخ ليستغلها أعداء أمتنا في صناعة الفرقة والبغضاء بين أبنائها.

 

ولم يكن هناك صراع على السلطة والحكم بين الأحزاب الدينية وغيرها من أنظمة الحكم والجماعات السياسية، وكانت الدعوة هي الغالبة على توجه الحركات الدينية، والمسلمون في أوطانهم مع غيرهم من المواطنين كانت تجمعهم القضايا العامة كالدّفاع عن الوطن الإسلامي ومكانته في العالم، وقضاياهم الخاصة الوطنية والحياتية المشتركة.

 

وقد يؤدي استمرار توظيف العناوين الطائفية في صراعات النفوذ والمكاسب السياسية إلى تفكيك دولنا وأوطاننا وتدمير مجتمعاتنا، والمستفيد من إثارة هذه الفتن العمياء هم أعداء الأمة الطّامعون في خيراتها والخائفون من وحدتها ونهضتها.

 

ولذلك يجب أن نرفض خطاب التطرّف والتكفير من كل الفئات، وأن ندعم خطاب الوسطية والاعتدال الذي يسعى لنجاة الأمة بأسرها. وأصحاب هذا الخطاب الاعتدالي هم من الفرقة الناجية لأنهم يسعون إلى نجاة الأمة كلها من الفتن والانقسامات ويعملون بقوله تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون".

 

احتفال الشيعة اليمنيين ممثلين في جماعة الحوثي باتوا قوة تفرض نفسها على المشهد اليمني (رويترز)

ومن أعظم الخير لأمتنا ومجتمعاتنا هو السعي لوحدة الكلمة فيها وإبعادها عن منطق الطائفية والانقسام، وانظر إلى قوله تعالى حيث عبّر عنهم بلفظ "أمة" وأنهم هم المفلحون، فهؤلاء هم الناجون وليس الذين يحتكرون النجاة لأنفسهم ومذاهبهم وجماعاتهم.

 

والمطلوب لمواجهة هذه الحالة الطائفية الطارئة التي تهدد الاستقرار في بلداننا، أن يتحرك بالدرجة الأولى ولاة الأمر والحكام في دولنا العربية والإسلامية -لأنهم يمتلكون إمكانات المواجهة- بالعمل على ترسيخ قواعد المواطنة التي تقوم على العدل والمساواة بين المواطنين، وبدعم قوى الاعتدال الديني وتنظيم التعليم الديني وإقامة المعاهد الدينية المشتركة، واعتماد الوسائل الإعلامية والقنوات التلفزيونية التي تنشر فكر الوسطية والاعتدال في المجتمع.

 

وبذلك نعزّز ارتباط المواطن بالوطن والدولة ومؤسساتها، وبذلك نبعد مخاطر استغلال التمايز الطائفي أو المذهبي من قبل السياسيين في الداخل والخارج لتسويق الصراع على أنه مسألة حياة أو موت للطائفة أو المذهب.

 

وإن من أهم الوسائل المانعة من اختلاط الديني بالسياسي واستثمار مقدسات الدين في الخلافات السياسية، هو العمل على نشر الوعي الديني الذي يعطي المواطنين القدرة على التمييز بين الشأن الديني والشأن السياسي، والبيان لهم أن الدين ليس هادفاً للإمساك بالسلطة والنظام، وأن الدين لا تتنافى أهدافه مع العدالة والاستقرار التي يحققها النظام السياسي الذي ارتضاه الشعب في بلاده.

 

ومن الوسائل النافعة في هذا المجال العملُ على تنظيم قيام الأحزاب على أسس من البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية، بعيداً عن احتكار الصفة الدينية التي توحي للقواعد الشعبية وكأن الخلاف السياسي بين بعض الأحزاب والنظام وغيره يجري بين أتباع الدين ومخالفيه.

 

فالشرعية الدينية للحاكم والدولة لا تأتي من الانتماء للأحزاب الدينية، وإنما من مؤسسات الدولة التي ارتضاها الشعب ومن العمل المتواصل لتحقيق العدالة الاجتماعية والحياة الآمنة للشعب وتطويرها، وإرساء قواعد النظام العام الشامل لأمن البلاد ومصالح العباد.

 

مقاتل من حركة أمل في معركة مع عناصر درزية في طريق مرزعة الكورنيش عام 1987 في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية (اسوشيتدبرس)

ونتوجه إلى شبابنا الذين قد يقعون ضحية لتلك الشعارات التي تزرع الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة ونقول لهم:

أنتم أمل الأوطان، وأمل الأمة في بناء مستقبلها وتعزيز مكانتها، والوصول بها إلى موقعها الريادي اللائق بها في العالم.

 

وأنتم تعلمون -أيها الأمل الواعد- من خلال تاريخنا وقرآننا المجيد، أن وحدة الكلمة كانت أساس البنيان المرصوص لأمتنا، قال الله تعالى "إنّ هذه أمتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، وقال أيضا "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً".

 

لذلك فإن المطلوب منا جميعاً أن نبتعد عن كل عوامل الفرقة والانقسام، وأن ندرك أن وحدة الأمة هي من مقاصد شريعتنا السمحاء، وبهذا المقصد الشريف يعرف شبابنا بطلان كل دعوة تريد جعلنا طوائف ومذاهب متناحرة تحت شعار الدين، فالدين داعية وحدة لا داعية فرقة وانقسام، كما جاء في قول الله محذراً من الذين فرّقوا دينهم "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء"، وقوله تعالى "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين".

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/15-

السنة والشيعة بين التواصل والقطيعة

السنة والشيعة بين التواصل والقطيعة
محمد بن المختار الشنقيطي
باحث وأستاذ بكلية قطر للدراسات الإسلامية

 

الطائفية عرَض من أعراض الابتعاد عن دين الفطرة، وثمرة من ثمار التعلُّق بالمواريث التاريخية التي نبتتْ على ضفاف الوحي، فهي تسلبُ الناسَ ما لديهم من فضائل فطرية، وتمنحُهم جدلاً وسوء ظنٍّ وتكفيراً وتنفيراً.

وفي الطائفيين رذيلة لعن القرآن الكريم بسببها (الذين كفروا من بني إسرائيل) وهي أنهم (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه). فجوهر الطائفية هو الانتصار للطائفة والتعصب لها في الحق والباطل طبقا للمنطق الجاهلي الذي عبر عنه أحد الشعراء بقوله:


لا يسألون أخاهم حين يندبهم                   للنائبات على ما قال برهانا

ورغم وجود خلافات في تفاصيل العقائد ورسوم الشعائر بين السنة والشيعة، فإن أشد مظاهر الخلاف بينهما إثارة للنزاع واستفزازا للمشاعر ليست المسائل الاعتقادية والعبادية، بل قضايا السياسة والذاكرة التاريخية. فمصدر شرعية السلطة والصورة الذهنية المتناقضة حول تاريخ صدر الإسلام هما أشد الأمور حساسية في هذا المضمار.

 

والمتتبع ليوميات هذا الصراع على مدى القرون يدرك أن هاتين المسألتين كانتا في القلب منه على الدوام. وقد لاحظ الكاتب السوري إبراهيم محمود أن الصراع السني الشيعي نمَّى نوعا من "عقلية التخاصم" و"حُمَّى التاريخ" في الثقافة العربية، وحوَّل التاريخ الإسلامي إلى ما يشبه أباً لأبناء كُثرٍ من أمهات ضرائر. والهمُّ الأهم لكل من الأبناء هو إثبات بُنُوَّته للأب الجامع، والطعن في نسب إخوته غير الأشقاء، وهكذا أصبح التاريخ هو "جامع الجميع ومفرقهم جميعا". (إبراهيم محمود، الفتنة المقدسة، ص 10-11).

 

علما بأن التقاتل على الماضي هو نوع من التزاحم على أبواب المستقبل، لكن بطريقة الرعاع والغوغاء، لأن المذاهب الدينية تتحول في السياق الطائفي إلى عصبية سياسية واجتماعية، متجردة من أي مغزى أخلاقي أو رسالة إنسانية.

 

الشيخ أحمد الأسير أحد عناوين الصراع المذهبي الصريح في لبنان  (أسوشيتدبرس)

والدارس لتاريخ العلاقات السنية الإمامية منذ ظهور الإسلام إلى اليوم يجد أنها لم تكن علاقات قطيعة في أغلب مراحل التاريخ. بل ظل التواصل الاجتماعي والسياسي والفكري غالبا رغم الخلافات التي تتعمق بين المدرستين مع الزمن. وأهم سمات التواصل: الإحساس بالاشتراك في الدين والتاريخ والهوية والانتماء والمصير، والوقوف صفا واحدا أمام العدو المشترك.

 

وقد بينتُ في كتابي عن "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" كيف وحَّدت الحملات الفرنجية السنة والشيعة الإمامية في بلاد الشام. أما القطيعة فهي تنكرٌ لكل هذه المشتركات، ورفع للأسوار عاليةً بين الطائفتين، مع تغليب سوء الظن والتخوين، وشيوع الصور النمطية السلبية، وانعدام الثقة، حتى يصبح العدو البعيد أقرب وأرحم من الجار القريب.

 

لقد كان هنالك تمايز سياسي -لا اعتقادي- بين السنة والشيعة في العصر الأموي، ثم وُلدت الدولة العباسية في بدء أمرها مزيجا من التشيع السياسي والتسنن الاعتقادي، وتداخلت المدرستان تداخلا سياسيا وفكريا كثيفا طيلة العصر العباسي الأول.

 

فقد كان لدى بعض الخلفاء العباسيين الأوائل ميول شيعية صريحة رغم أنهم سنة من الناحية النظرية، كما كان من بين وزراء الخلفاء العباسيين العديد من الشيعة، منهم أبو سلمة الخلال وزير السفاح، ومحمد بن الأشعث وعلي بن يقطين وزيرا الرشيد، ويعقوب بن داود وزير المهدي، وجعفر بن محمود الإسكافي وزير المعتز والمهتدي، والخطاط الأشهر محمد بن مقلة وزير المقتدر، والفضل بن الفرات وزير الراضي... وأظهر الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق ميولا شيعية في سياستهم، حتى إن المأمون فكر في تولية الإمام علي الرضا -وهو الإمام الثامن عند الإمامية- ولاية العهد من بعده.

 

وقد ساعد على التواصل والتداخل بين المدرستين التقارب العقدي والفقهي بين السنة والشيعة الإمامية. وإنما كانت العلاقة الاعتقادية والسياسية سيئة بين السنة والشيعة الإسماعيلية خلال العصر العباسي، خصوصا في العهد الفاطمي الأول بإفريقية (تونس).

 

لكن المرحلة المصرية من الدولة الفاطمية شهدت تداخلا سياسيا كبيرا، وتسامحا دينيا نسبيا، رغم أن تنافس العباسيين والفاطميين على الهيمنة على الشام والعراق ومصر ظل يلقي بظلاله على العلاقات الطائفية. وقد استخدم الفاطميون وزيرين سنيين على الأقل (رضوان بن ولَّخْشي والعادل بن السلار) ووزرين إماميَّين على الأقل (طلائع بن رزيك وأبا علي البطائحي) ووزيرا مسيحيا واحدا على الأقل (بهرام الأرمني).

 

ونجد هذا التداخل والتواصل بين السنة والشيعة في الحياة الفكرية والفقهية. فمن علماء وأمراء السنة من ظهرت ترجمته في كتب الشيعة باعتباره شيعيا، ومن علماء وأمراء الشيعة من تمت ترجمته في كتب السنة باعتباره سنيا.

 

والقارئ لموسوعة السيد محسن الأمين عن (أعيان الشيعة) يجد عشرات من هذا القبيل. وقد نقل الطرفان الحديث النبوي عن رواة الطرف الآخر دون حرج. ولم ير علماء الحديث السنة الأقدمون في التشيع مانعا من الثقة في الراوي والرواية عنه. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من علماء السنة الذين جمعوا الأحاديث عن المئات من الرواة الشيعة.

 

تشييع في كربلاء لقتلى من لواء سيد الشهاداء الشيعي لعراقي قتلوا في معارك سوريا (الاوروبية)

وحتى حين حرص المؤلفون الأقدمون على التصنيف الطائفي فإن أحكاما نسبية -لا حدية- ظهرت لديهم في أحيان كثيرة، من مثل قول الذهبي في الراوي أبان بن تغلب: "شيعي جَلْدٌ، لكنه صدوق، فلنا صِدْقه وعليه بدعته" (الذهبي، ميزان الاعتدال 1/5). وقد جمع الدكتور فاروق حمادة نماذج كثيرة من ذلك في دراسته عن (التواصل بين المذاهب الإسلامية: تأصيله وتطبيقه عند المحدِّثين).


أما التواصل الاجتماعي فقد ساد تاريخيا في صورة عيش مشترك في نفس المدن والأحياء، وتزاوج بين رجال ونساء الطائفتين. ولم يظهر التمايز الاجتماعي بين الطائفتين في العراق -مثلا- إلا بعد الحرب الأهلية التي صاحبت الاحتلال الأميركي عام 2003، حيث بدأت تخلو مدن ومناطق عراقية بكاملها من إحدى الطائفتين لصالح الأخرى، وتراجع الزواج المختلط بين الطائفتين بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق، كما بينت ذلك دراستان ميدانيتان للجنة الأزمات الدولية ومعهد بروكينز عام 2006.

 

لقد وجدتُ بالاستقراء التاريخي أن التواصل العلمي والاجتماعي والسياسي بين السنة والشيعة ظل سائدا في جُلِّ مراحل التاريخ الإسلامي. وإنما سادت القطيعة بين الطائفتين في أربع سياقات محدودة هي:

• الصراع بين المالكية والإسماعيلية خلال الحكم الفاطمي لتونس الذي دام بضعة عقود.
• المناوشات الحنبلية الشيعية في بغداد تحت الحكم البويهي (1045-1055 م).
• صراع النفوذ بين العثمانيين والصفويين ابتداء من معركة جاليدران عام 1514.
• الصراع على ضفتي الخليج منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وهو الذي نعيشه اليوم.

 

ويدل الاستقراء على أن الأسباب وراء هذه القطيعة بين السنة والشيعة كانت أسبابا سياسية في جُلِّها، وإن كان التعبير عنها يرد بلغة دينية ومذهبية غالبا. ولا تسود الفتن الطائفية إلا على خفوتٍ من صوت العقل، وضعْف في الإرادة الحكيمة، وسيطرة لغرائز الهيمنة والفناء والإفناء.

 

ومن خصائص المزاج الطائفي: الغلو في رد الغلو، والخطأ في إصلاح الخطأ، لأن منطق العوام هو الذي يسود في أوقات الفتنة على حساب منطق العلماء والحكماء. ولا يتوقف الوعاظ الشعبيون المتعصبون عند حدود التحريض باللسان، بل يتحركون أحيانا في عصابات تتجاوز السلطة، وتفرض رؤيتها الدينية المنغلقة بقوة الساعد والسلاح.

 

وكثيرا ما يأتي ذلك متزامنا مع ضعف السلطة ضعفا يَحْرمها من ضبط الميزان الاجتماعي. وحينما يسود المنطق العاميُّ الأهوج يختل ميزان العدل، وتُهدَر إنسانية الإنسان على مذبح الانفعال الاجتماعي غير المتقيِّد بشرع ولا عقل.

 

وغالبا ما يكون انحياز السلطة السياسية إلى أحد تأويلات العقيدة على حساب تأويلات أخرى من أهم أسباب الفتن الطائفية، بينما تقتضي الحكمة السياسية ألا تكون السلطة طرفا في الصراع الفكري، بل تضمن للجميع حق التعبير عن ما يعتقدونه حقا دون إعنات.

 

توريث الرواية التاريخية للخلاف الطائفي حول مقتل الإمام الحسين للإجيال القادمة تزيد من الشقاق في الأمة (غيتي)

إن الفتنة الطائفية ليست حتمية كونية، بل هي نتيجة من نتائج عجزنا الفكري والسياسي عن بناء فضاء مفتوح من التعددية المذهبية والحرية الدينية التي أرسى الإسلام دعائمها، وتوصلت إليها أغلب المجتمعات البشرية. وأول ما نحتاجه في هذا المضمار اليوم هو التوقف عن الاستنزاف الأحمق للذات، والقبول بشرعية الهويتين السنية والشيعية، وحقهما في الوجود دون إكراه أو إجحاف، طبقا للقاعدة القرآنية: "لا إكراه في الدين." (سورة البقرة، الآية 256).

 

ولعل من الحكمة في هذا السياق أن يتولى أهل السنة نقد الجوانب السلبية في التراث السني، ويتولى الشيعة نقد الجوانب السلبية في التراث الشيعي، تجنبا للسقوط في الجدل العقيم والمهاترات الطائفية التي يثيرها نقد بعضهم لبعض.

 

فلسنا بحاجة إلى من يبرهن على صحة مذهب وبطلان آخر بالتعصب والشدة والجفاء، فليس الحق في حاجة إلى عصبية وتعصب. وإنما نحتاج اليوم إلى من ينقض المنطق الطائفي ذاته، ويكشف زيفه وتهافته، وبُعْده عن معاني الشرع وروح الإنسانية، ومن يدرك معنى الحديث النبوي: "وأما ترك السنَّة فالخروج من الجماعة." (رواه أحمد وصححه الحاكم والذهبي وشاكر).

 

كان الشيخ الأزهري الدكتور محمد عبد الله دراز يقول: "إذا كان الظالمون بعضهم أولياء بعض، فلم لا يكون المظلومون بعضهم أولياء بعض؟" وهي مقولة نحتاج إلى التأمل فيها مجددا في ظل الربيع العربي الذي قسَّم عالمنا إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فسطاط المظلومين وذوي الضمائر الحية، مقابل فسطاط الظالمين وذوي القلوب الراكدة الكاسدة. فالخلاف الديني لا يتحول فتنة سياسية وصراعا عسكريا إلا إذا لابَسَه ظلمٌ. ومن أسوأ ثمار التعصب الطائفي أنه يحوِّل الصراع بين ظالم ومظلوم إلى صراع بين ظالميْن.

 

ويوحي تاريخ كل الثورات إلى أنها تقوم على فلسفة التأجيل والترجيح: تأجيل المطالب الجزئية لصالح الغايات الكلية، وترجيح الصالح العام على المنفعة الخاصة. ولمنع المجتمع من الوصول إلى بناء هذه الكتلة الحرجة الضامنة لنجاح الثورات، يسعى الاستبداد دائما إلى تسويق الخوف بين مكونات المجتمع، بادعاء التماهي مع إحدى الكتل الاجتماعية والسعي إلى إقناعها بارتباط مصلحتها - وحتى وجودها- بوجوده. وهذا ما نراه اليوم في بعض الدول العربية التي تشهد ثورات شعبية.

 

إن أسوأ ما في الفتنة الطائفية الحالية بين السنة والشيعة هو ما قادت إليه من تقطيع الأرحام الدينية والقومية والوطنية والإنسانية، وفقدان الإحساس بالانتماء المشترك والمصير المشترك بين أبناء الأمة الواحدة.

 

ولن يكون تجاوز المحنة الطائفية الحالية بالتنكر للخلاف النظري بين الطائفتين، أو محاولة القفز عليه بمجاملات باردة، ودعوات نظرية للتقريب بين المذاهب، وإنما يكون بتحييد الخلاف عمليا، وحصره في الجدل العلمي والحِجاج النظري، دون إنهاك للمجتمع أو تمزيق للحمته، مع احتفاظ كل طائفة بحقها في التشبث بما تراه حقا دون إكراه أو إجحاف، واحترام حقوق الناس في العقيدة والعبادة بغضِّ النظر عن خلفيتهم الطائفية والمذهبية.


ليس الحل في الرد على الطائفية بطائفية، فثقافة الثأر الأبدي قد تعين على الانتقام أو على تغيير ميزان القوى الظرفي ولكنها لا تبني مجتمعات العدل والحرية. وإنما تنهزم الطائفية بنقْض المنطق الطائفي البغيض من أساسه، وانتصار الفرد الحر على الجماعة المغلقة، لا بانتصار طائفة على أخرى. أما الدواء الشافي الذي لا دواء سواه للطائفية فهو العدل والحرية للجميع، دون ازدواجية ولا مثنوية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/15-

قراءة تاريخية للطائفية في تاريخنا الإسلامي

قراءة تاريخية للطائفية في تاريخنا الإسلامي
محسن محمد صالح
مدير مركز الزيتونة للدراسات

 

يحتفل برنارد لويس هذا العام بذكرى ميلاده الثامنة والتسعين، ولعله يستطيع أن يودّع الدنيا وهو يظن أنه حقق بعضاً من أمانيه في إعادة رسم الخرائط السياسية في المنطقة العربية والإسلامية على أسس طائفية وعرقية.

 

هذا المستشرق المشهور -وهو يهودي صهيوني متعصب- كتب رسالته للدكتوراه حول طائفة "الحشاشين"، وهي طائفة منشقة عن الإسماعيلية الشيعية. وكان يرى في تمزيق المنطقة العربية والإسلامية طائفياً وعرقياً استجابة طبيعية لدواعي التاريخ والجغرافيا والثقافة والتراث. وكان يرى في هذا التفكيك خدمة كبرى للمشروع الصهيوني وضمانة أساسية لبقاء "إسرائيل" القائمة على فكرة يهودية الدولة، في بيئات طائفية وعرقية مشابهة.

 

وكان للويس تأثير كبير على مدرسة المحافظين الجدد وعلى جورج بوش الابن الذي غزا العراق وسعى لإعادة ترتيب أوضاعه على أسس طائفية وعرقية.

 

في الرؤية الدينية

لم تكن المنطقة العربية والإسلامية بحاجة إلى انتظار لويس وأمثاله حتى تشهد نزاعات طائفية، فالاختلافات تعود إلى جيل الصحابة الأول رضوان الله عليهم، والاختلاف من طبيعة البشر، فالناس يختلفون في الأديان، والأفكار، والثقافات، والمعايير، والأولويات، والأذواق، وفي درجات العلم، والذكاء، والغنى، والنفوذ، والجمال.

 

وفي هذه الحياة لم يسلم زعيم، ولا مفكر، ولا قائد، ولا نبي، ولا حتى الذات الإلهية من سخرية الناس وإساءاتهم. غير أن هناك قواعد للسلوك ومعايير للحياة تكاد تجمع عليها كافة العقائد والأيدولوجيات كالدعوة إلى الصدق، والأمانة، والعدل، وكفّ الأذى، بغض النظر عن مدى التزام الناس بها. والإشكالية هنا لا تكمن في وجود الاختلاف ذاته، وإنما في القدرة على إيجاد بيئة وأنظمة وقوانين تُدير عملية الاختلاف، بحيث يتحول إلى اختلاف تنوع وإبداع، لا إلى اختلاف صراع ودمار.

 

اعترف الإسلام بوجود الاختلاف بين البشر "إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، ورفضَ الإكراه في الدين، ووفر الحماية والرعاية لأتباع الديانات الأخرى، وكانت هناك تعليمات لإدارة الخلاف بين المسلمين أنفسهم "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله".

 

مسلحون شيعة يرفعون صور الرمزين الشيعيين محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم  (غيتي )

واتبع علماء المسلمين عبر التاريخ بشكل عام فقه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في قتال المسلمين لبعضهم بعضاً، فإذا قوتل "البُغاة" فلا يُطارد هاربهم، ولا يُقتل أسيرهم، ولا يُجهز على جريحهم، ولا يُغنم لهم مال، ولا يُسبى أو يُسترقُّ (يصبح عبداً أو رقيقاً) منهم أحد. وهو ما فعله علي رضي الله عنه في قتال الخوارج وغيرهم.

 

وكان من المعروف في مدارس الفقه الإسلامي أن المسلم لا يُكفَّر إلا إذا أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو تصرف بطريقة لا تحتمل تفسيراً إلا الكفر. وقد جعل هذا مساحة التسامح والاختلاف بين المسلمين ومذاهبهم واسعة جداً، وتدخل في مسائل العقائد والعبادات والمعاملات.

 

في التجربة التاريخية

يقع كثيرون ضحية كتابات المستشرقين ومن تبنى أفكارهم من مؤرخي العرب والمسلمين المعاصرين في تشويه صورة التاريخ الإسلامي للمنطقة، وفي تصويره باعتباره تاريخ حروب ونزاعات وصراعات عرقية وطائفية، لأن هؤلاء يتعمدون التركيز على التاريخ السياسي، وعلى صراع البيوتات الحاكمة، ويبحثون عن مواطن الخلاف فيضخمونها وينفخون في نارها.

 

ولسنا ننكر الاختلافات والصراعات فهذا أمر طبيعي في حركة التاريخ وفي سنة التداول والتدافع بين الناس، ولكننا نضع ألف علامة استفهام: لم لا يُذكر التاريخ الحضاري للمنطقة؟ ولم لا يُركَّز على جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عندما كانت حضارتنا الإسلامية تقود البشرية لمئات السنين، وعندما كانت معظم مناطقنا تنعم بالاستقرار والتسامح الديني ورغد العيش، مقارنة بأوروبا التي كانت تتخبط في الصراعات الدينية الدموية؟

 

إن أطول فترة استقرار شهدتها أوروبا في تاريخها هي تلك التي تلت الحرب العالمية الثانية، وإن كل من قُتل على خلفيات طائفية ومذهبية في حروب المسلمين لبعضهم -أو في مناطقهم- طوال تاريخهم (نحو 1400 عام) يقل بكثير عن عدد من قُتل من الأوروبيين بأيدي الأوروبيين في الحرب العالمية الأولى وحدها، أو في الحرب العالمية الثانية وحدها!!

وبشكل عام، عانى العرب والمسلمون من حالات عدم استقرار وحروب في فترات وجغرافيات محدودة، وارتبط ذلك على الغالب بالصراع السياسي وبصعود الدول أو سقوطها. غير أن الدول التي حكمت في مناطق العرب والمسلمين على مدار التاريخ كانت بشكل عام تترك للناس حياتهم الشخصية والدينية والمذهبية، ما داموا لا ينازعونها السلطة.

 

المظالم التاريخية ترسم علاقات المسلمين بعد قرون من وقوعها (اسوشيتدبرس)

أمة لا طائفة

ولأن غالبية البيوتات الحاكمة وغالبية المسلمين الساحقة كانت تنتمي إلى "أهل السنة"، فلم يكن لدى هؤلاء تعصّب طائفي ولا شعور بأنهم كيان طائفي، بقدر ما كان شعورهم بأنهم "الأمة"، وأنهم البحر الذي يسع الجميع. ولو كان لهؤلاء تعصب طائفي أو سلكوا مسالك محاكم التفتيش في إسبانيا لتمّ اجتثاث معظم الفرق والطوائف الأخرى منذ أمد بعيد.

 

وبشكل عام، فإن مدرسة "أهل السنة" كانت تتشدد كثيراً في التكفير وفي إراقة الدماء، وتضع لذلك شروطاً قاسية، ولذلك كان خيار التسامح الديني والتعايش والدعوة بالحسنى هو الأصل، وهو الغالب على مسار التاريخ الإسلامي. وعلماء السنّة بشكل عام -بمن فيهم ابن تيمية- لم يُكفروا الشيعية الاثني عشرية، وإن كانوا كفروا فرقاً صغيرة باطنية منحرفة، فقد اكتفوا من هذه الفرق بالظاهر الثابت عنها وأوكلوا السرائر إلى الله سبحانه، ولم تقم دول الإسلام وجيوشها بمحاربة تلك الفرق أو استئصالها أو إكراهها على أمور دينية.

 

يذكر الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه "من روائع حضارتنا" نماذج للتسامح الديني، فينقل عن خلف بن المثنى نموذجاً للحلقات العلمية الشعبية التي كانت تُعقد في القرن الثاني الهجري، إذ يقول خلف: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس، لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني)، والحميري الشاعر (وهو شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي)، وسفيان بن مجاشع (وهو خارجي صُفري)، وبشار بن برد (وهو شعوبي خليع ماجن)، وحماد عجرد (وهو زنديق شعوبي)، وابن رأس الجالوت (وهو يهودي)، وابن نظير المتكلم (وهو نصراني)، وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي)، وابن سنان الحراني (وهو صابئي).. كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار.

 

وفي بعض فترات التاريخ الاستثنائية عانى المسلمون من اضطهاد طائفي ديني كما حدث لأهل شمال أفريقيا تحت حكم الدولة الفاطمية التي تبنت المذهب الإسماعيلي، وكما حدث للسنة في إيران عندما تبنت الدولة الصفوية المذهب الشيعي الاثني عشري، وأكرهت الناس على التشيّع.

 

وعندما سيطرت الدولة العثمانية على العراق في النصف الأول من القرن السادس عشر كان معظم جنوب العراق ما يزال سنياً، وتحوَّل هذا الجنوب إلى أغلبية شيعية في الفترة 1750-1900  تقريباً، وكان ما يزال تحت سيطرة الدولة العثمانية، وهي دولة سنية تبنت المذهب الحنفي.

 

حاول الاستعمار الغربي الذي سيطر على بلدان المسلمين الضَّرب على المشاعر الطائفية والمذهبية والعرقية، مستخدماً قاعدة "فرّق تسد". كما أنه رغم دعاويه العلمانية وفّر الغطاء والحماية لحملات التنصير كما في أفريقيا والقارة الهندية وإندونيسيا. فمثلاً قسّم الاستعمار الفرنسي سوريا تقسيماً طائفياً (دمشق، حلب، الدروز، العلويون، لبنان الكبير)، وحاول الفرنسيون بسط حمايتهم ورعايتهم للمسيحيين، وغذوا التعصب والمخاوف الطائفية. ولم يختلف البريطانيون والإيطاليون والهولنديون عن الفرنسيين كثيراً في سياساتهم.

 

رجال دين لبنانيين من مختلف الطوائف ييحييون في بيروت الذكرى الـ 38 للحرب الأهلية التي اندلعت في 1975 وانتهت عام 1990(الأوروبية)

حركات الاستقلال الوطني

وأخذت حركات الاستقلال في العالم العربي والإسلامي شكلاً وطنياً يجمع كافة مكونات الأمة ضد الاستعمار، ولم تأخذ شكلاً طائفياً، وكان يسع الجميع المشاركة فيها، بل وفي قيادتها دونما حساسيات، كما في قيادة سلطان الأطرش (درزي) للثورة السورية ضد الفرنسيين.

 

وقدم المسلمون والمسيحيون في الثورة الفلسطينية ضد البريطانيين وضد المشروع الصهيوني نماذج متميزة في المقاومة والوحدة الوطنية. كما أن الحركات النهضوية والإصلاحية والثورية الإسلامية لم تأخذ شكلاً طائفياً ولا متعصباً ولا تكفيرياً. ثم إن أهل المنطقة العربية الذين تنتمي أغلبيتهم الساحقة للمذهب السني، لم ينظروا بحساسية أو عداء إلى العديد من رواد الفكر القومي العربي الذين انتموا لطوائف أخرى أمثال ميشال عفلق وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق، وغيرهم.

 

وعلى ذلك، فإن البيئة العربية والإسلامية شكلت حاضنة تسامح وأمان وتعايش مشترك على مدى قرون طويلة لجميع الطوائف والأديان، وأيّ تجاوزات لذلك كانت تأخذ شكل الاستثناء المؤقت والمحدود.

 

بروز الصراع الطائفي

في السنوات الماضية ظهرت تيارات متعصبة وتكفيرية وبرزت مظاهر طائفية في المنطقة، وكان من أبرز أسباب ظهورها:

 

- دعم الاستعمار الغربي أقليات معينة وكرّس لديها المخاوف من الأغلبية المسلمة، مما دفع بعض زعماء وتيارات هذه الأقليات للاحتماء بالمستعمر، أو طلب ضمانات ومزايا خاصة بهم تضمن وضعهم الطائفي.

 

- سعت بعض القيادات والاتجاهات في الأقليات الطائفية إلى تنظيم تكتلات لحماية مصالحها، فمثلاً اخترق منتمون للطائفة العلوية الجيش السوري وحزب البعث، وسيطروا بعد ذلك من خلالهما على الدولة في سوريا.

 

وقد أشعر ذلك جمهوراً عريضاً من السوريين بأنه يتم تهميشه على أسس طائفية، مع انعدام فرصهم في التغيير الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة. وقد نتج عن هذا ردود أفعال أخذت طابعاً طائفياً ومتعصباً.

 

- تميزت الكثير من الأنظمة العربية التي نشأت بعد الاستقلال عن الاستعمار، بتبني القومية العربية وأيدولوجيات علمانية، ونحت منحىً استبدادياً وفاسداً. وحاربت في الوقت ذاته التيارات الإسلامية المعتدلة وقمعتها وطاردتها، ومنعتها من حرية العمل. وقد أوجد ذلك فراغاً في الساحة الإسلامية، كما أوجد شعوراً بالقهر والظلم وانسداد الأفق السياسي لدى الكثيرين، مما ساعد على ظهور اتجاهات متطرفة لم تأخذ حظها من العلم الشرعي، ولا الخبرة السياسية، ولا التفاعل مع حركة الحياة.

 

ومع غياب الترشيد والتوجيه عنها، ومع إصرار الأنظمة على التعامل الأمني والعسكري معها، انغلقت هذه الاتجاهات على نفسها وأخذت طابعاً ثورياً غير منضبط بضوابط الشرعية والفقهية التي وضعها علماء المسلمين، فتساهل بعضها في التكفير وفي إراقة الدماء.

 

- أثار السلوك الغربي الأميركي في دعم الكيان الإسرائيلي واحتلاله لفلسطين وطرده لشعبها غضب قطاعات واسعة من العرب والمسلمين الذين فسر الكثير منهم الأمر وفقاً لخلفيات دينية وحضارية. وأسهم في تكريس هذه المشاعر والقناعات، الاحتلالُ الأميركي لأفغانستان والعراق، وما عاناه المسلمون في البوسنة والشيشان وميانمار (بورما) وكشمير وجنوب الفلبين، وغيرها.

 

- أثار نجاح الثورة الإسلامية في إيران مخاوف عدد من الأنظمة العربية والغربية، كما أثار مخاوف وقلق بعض قطاعات المسلمين السنّة. وفي الوقت الذي عملت فيه أنظمة عربية على زيادة التعصب الطائفي تجاه إيران، هروباً من استحقاقات الإصلاح الداخلي أو من مواجهة العدو الصهيوني، فقد ارتاحت الأنظمة الغربية لتأجيج المشاعر الطائفية بين المسلمين لإشغال الناس عن قضاياهم الكبرى في التغيير والإصلاح والنهضة وفي تحرير فلسطين.

 

ومن جهة أخرى، فإن السلوك الإيراني في العراق وسوريا واليمن لم يكن مفهوماً لدى قطاعات كبيرة من المسلمين وتحديداً السنّة، وأُعطيت له تفسيرات ذات طبيعة طائفية استعْدَت الكثيرين تجاه الشيعة. كما أن السلوك الطائفي للحكومات التي توالت على حكم العراق بعد الاحتلال الأميركي، زاد من تأجيج هذه المشاعر. كما وُجدت بؤر أخرى للصراع أخذت تفسيراً طائفياً كما في البحرين وشرق السعودية وباكستان، وغيرها.

 

استحضار ذكرى مقتل الإمام الحسين بعد قرون يشحذ سلاح الفرق بين أبناء الأمة  (غيتي)

نحو مخرج مناسب

التعصب الطائفي والمذهبي لا يقتصر على المسلمين ومناطقهم، بل هناك تعصب منتشر في العالم قد يكون مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً أو هندوسياً. وهناك أنظمة عالمية لا تسلم سياساتها من خلفيات دينية وثقافية تتسبب في تأجيج الصراعات.

 

والنزاع الطائفي قد يجر المنطقة إلى حالة من التمزق والصراعات والتفكيك، لا يستفيد منها سوى أعداء الأمة. وهذا النوع من الصراعات هو صراعٌ أعمى ومدمر للجميع، وحتى لتلك الأنظمة التي تلعب اللعبة الطائفية أو تسلك مسلكاً طائفياً.

 

وتكمن أولى خطوات العلاج في احترام إرادة شعوب المنطقة وحقها في تقرير النظام السياسي الذي تريده، وفي منع التدخل الخارجي، وفي إتاحة البيئة الإيجابية الحرة للتيارات الإسلامية المعتدلة للعمل، والكف عن محاولات تهميشها واستئصالها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/15-

تسلط الطائفة وصراع الطوائف.. قراءة نفسية

تسلط الطائفة وصراع الطوائف.. قراءة نفسية

د. أحمد محمد عبد الله
أستاذ الطب النفسي -جامعة الزقازيق

منذ عدة أعوام كنتُ أحاضر في ملتقى شبابي يجمع  نصارى عربا من مختلف الطوائف المسيحية في البلدان العربية، وأسهبت وصديقي الدكتور القس إكرام لمعي في نقد التعصب، وتشريح جذوره، والتحذير من آثاره. وربما نجد العشرات -بل المئات وربما الآلاف- من اللقاءات المشابهة في عالمنا العربي وحول العالم كله، فلماذا رغم كل هذه النوايا الطيبة والخطابات المتسامحة تزداد حدة الاستقطابات والصراعات الطائفية والمذهبية، وخاصة في عالم ثالث يحتاج إلى حشد كل الجهود لمصلحة الإنسان، والمستقبل؟

 

د. موسى الحسيني يقدم للطائفية تعريفا سنعتمده إجرائيا بتصرف -ما لم نجد أفضل منه-  حيث يقول: الطائفية ببساطة هي ميل فردي أو جماعي لتفضيل (موقف معين من التدين) أو تفسير محدد، أو مدرسة فقهية محددة لدين أو مذهب على غيره من الأديان أو المذاهب أو التفسيرات (أو المواقف).

 

هذا الميل يأخذ -متأثرا بظروف اقتصادية أو سياسية أو ثقافية- صفة تعصبية تتداخل مع مفهوم بناء/تقدير/اعتبار الذات في الميل إلى تفضيل أبناء نفس الموقف أو المذهب أو الدين أو المدرسة التفسيرية على غيرهم. وتتصاعد هذه الميول أحيانا إلى حد تتخذ فيه أشكالا عدوانية تجاه المواقف أو المذاهب أو الأديان الأخرى، أو على الأقل ميل إلى النبذ والرفض والخوف والتخويف وحتى العزلة عن الآخرين.

 

أي أن الطائفية هي نتاج تفاعل عوامل سياسية واقتصادية ونفسية واجتماعية ذات مساس مباشر بحياة الفرد اليومية، امتزجت مع تهديدات حقيقية أو متوهمة للهوية الثقافية للمجتمع/الجماعة، لتشكل توجهات تعصبية نحو الآخرين الذين يختلف معهم الطائفي في الموقف من الدين أو تفسير الشريعة أو رواية التاريخ الرمزي أو الطقوس والمعتقدات الدينية.

 

والطائفية المتفاعلة حاليا في عالمنا العربي حملت تدريجيا (ربما في ما بعد نهايات الحرب العالمية الثانية) نوعا من تسييس الهوية الدينية/الثقافية وتحويلها إلى أداة حشد وتجييش في معارك السلطة والسياسة والسعي إلى الإنصاف والنفوذ والثروة كبديل أكثر قبولا أحيانا، وكوحدة للحشد الجماعي متاحة وفعالة أكثر من الطبقة أو القبيلة أو الحزب السياسي أو الجمعية الأهلية، أو غير ذلك من الصيغ التقليدية أو الحديثة، بما لا ينفي أن نفس الطائفية قد تستخدم هذه اللافتة أو ذاك القناع لتتجمل حين يراد للجوهر الطائفي أن يتوارى.

 

طفلة عراقية مسيحية في قداس بالكنيسة..جيل جديد يرث أعباء الطائفية (غيتي)

ويأتي تصرفنا بالتوسع في تعريف الطائفية ليشمل أصحاب التعصب لموقف معين من التدين أو أحد تفسيرات الدين، ليساعدنا في رؤية أوضح لجماعات تصف نفسها بالعلمانية ثم تكشف الأحداث تباعا عن طابعها الطائفي طبقا لتعريفنا هذا.

 

الملفت لدينا تاريخيا أن النتائج كانت مدهشة، حيث جربنا صيغة الدولة السلالية (حكم العائلات)، كما جربنا دولة النخب (عسكرية أو حزبية شمولية)، فوجدنا أن كلا المسارين قد أدى إلى إنعاش الطائفية. وكرست خبرات صيغة الدولة السلالية إعادة إنتاج الانقسام والاحتراب الطائفي بديلا عن ممارسة تنافس سياسي حقيقي بين كيانات تتنوع على أساس فكري أو اختيارات فلسفية أو تنموية مع تعثر التحديث الجوهري، وغلبة الاقتصاد الريعي وتصاعد التحدي الثقافي في التوازن بين الأصيل و المستورد.

 

أما خبرات دولة النخب العسكرية والحزبية الشمولية فأنتجت نوعا من إنعاش الهويات الطائفية حين فزع الناس إليها هربا من القهر أو بحثا عن انتماء جامع ناجع يكون ملاذا آمنا من الشعور بالإحباط والهزائم المتوالية، والفشل المتزايد في التحديث أو في تحقيق الرفاه أو العدالة الاجتماعية ودولة القانون أو ديمقراطية حقيقية ولو جزئيا.

 

في الحالتين تحولت الهوية الطائفية من مجرد انتماء فكري/ديني أو ثقافة تتواصل مع المختلف عنها في سياق توافقي، إلى أيدولوجية صراع في بيئة قهر وخوف وضغوط داخلية وخارجية. بل وتحولت الطائفة إلى مدخل لضمان الحصول على وظيفة ووجاهة علاقات اجتماعية وإلى خاطبة للزواج وإلى عصبة دعم في المعارك اليومية، فحلت ليس فقط محل الدولة الغائبة أو المنسحبة أو العدائية، ولا فقط محل الجماعة الفكرية أو التنظيمات التعاونية التشاركية، ولا الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية، ولكن محل المجتمع نفسه ذي النسيج الواحد (المفترض) الضام لتنويعات وأطياف.

 

في عالمنا العربي الآن، لسنا بصدد أنسجة مجتمعية تمزقها الطائفية، بل بصدد طوائف تتكتل وتعيد إنتاج نفسها في أشكال وعبوات خادعة، بينما لا فارق -من حيث إن الجوهر طائفي-  بين نخبة تحكم أو مجموعات تسعى للحكم، فالفروق فقط في التفاصيل والحواشي.

 

التفجيرات المتوالية في لبنان لأسباب طائفية تعمق الجرح بين الطرفين وتصعب جسر الفجوة (غيتي)

وهذه الطائفية والطوائف الناشطة المتعاركة تقوم بعمليات تعزز من فرصها للسيطرة والبقاء، أذكر منها:

- إشاعة قراءة محددة لتاريخ العلاقات بين الطوائف، تقتصر على أمثلة الصدام ومعالجة الخلافات بإراقة الدماء وتكريس الجهل والتجاهل المتبادل، مما يشيع نوعا من العداء والخوف.

 

- محاولة السيطرة على ما يتصف بكونه الدولة/السلطة أو بقاياها أو أجهزتها وشبكاتها ومساحات نفوذها ما أمكن.

 

- تضخيم قدرات كل طائفة ومؤسساتها بحيث تستطيع اجتذاب أتباع أكثر، وإشباع احتياجات أبنائها للتأكيد على فاعلية وقدرات الطائفة في مقابل عجز الوحدات الأخرى.

 

- الدخول في معارك متوالية تحت الراية الطائفية لتعزيز المظلومية، وتجديد تاريخ الدم، والتأكيد أن القوة لا التفاهم هي صيغة الحصول على الحقوق.

 

- إحكام السيطرة النفسية الكاملة على الأتباع بحيث لا يفكرون في الخروج أو النقد الجذري أو الأخذ بمسؤولية التحرر الفردي أو الرأي الحر المستقل، وحيث التخويف من الآخرين ومن أن الكل يلجأ إلى ركن الطائفة الشديد، ويطلب دعمها في الحياة اليومية، وفي معارك النفوذ والسيطرة وإدارة الاختلافات بالقوة ولا شيء غير القوة.

 

عند ياسين الحاج صالح تقوم "صناعة" الطائفة على محورين: أحدهما يركز على  تقليص وحذف الفوارق والتنافرات الموجودة أو المحتملة ضمن كل جماعة مذهبية لتكوين ذات طائفية واعية بتفردها، بينما يركز المحور الآخر على محو التماثلات والتشابكات المحتملة مع الطوائف الأخرى، مع رفع الفوارق والاختلافات مع هذه الطوائف إلى مرتبة مطلقة، واحتمال اختراع تاريخ أصيل وعريق للاختلافات دون التماثلات.

 

وتتوسل العمليتان كلتاهما وسائل إدراكية مثل: الإشاعة والاختلاق والمبالغة و والأسطرة، والهدف هو صنع جماعة متخيلة كلية التماثل الذاتي، وكلية الاختلاف عن غيرها. والجماعة الطائفية متخيلة -بهذا المعنى- لأن الفوارق داخل كل طائفة لا تزول واقعيا ولا يرتفع التماثل مع غيرها كليا، لكن الهوية الطائفية ووعي الهوية الطائفية لا يتحققان دون تخيل ذلك.

 

أما الدكتور عامر صالح فيلتقط بعض الملامح النفسية فيما يسميه قراءة مغايرة لاستغلال الإسلام السياسي الشيعي -في العراق حاليا- لقصة الإمام الحسين، ومنها

 

تشديد قبضة الشعور المستمر بالذنب تجاه الحسين عبر تكريس المشاعر التي تعكس بأننا استمرار لهؤلاء الذين تركوا الحسين بمفرده دون نصرة بيد الظالمين.

 

- تكريس الحزن والكرب والمعاناة في حياة الناس اليومية، وممارسة سلوكيات التكفير عبر التعزيز المستمر لطقوس مؤلمة وحزينة تجلد الذات جلدا مبرحا، أكثر مما تيسّر حياة الناس وتبعث فيهم الفرح والبهجة بمشروع الحسين الكبير.

 

الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك، أو تواطؤوا فيه أو سكتوا عنه, وهي آلية تزرع العدوان تجاه الذات، وتهدد التوازن النفسي للإنسان وتسهل الإقدام على مختلف الأعمال المذلة .

 

والمدمرة للكيان الشخصي والذاتي وتبخسه وتحط منه. وهو ميكانزم أساسي في سيكولوجيا الإنسان المقهور، وخاصة في بيئة الفقر والتخلف الاجتماعي وانتشار الأمية، إلى جانب توجيه هذه العدوانية تجاه الآخرين المغايرين، وخاصة عندما نضعهم بصفة مرتكبي جريمة قتل الحسين اليوم،بغض النظر عن الزمان والمكان الذي جرت فيه الأحداث الحقيقية.

 

 زرع الخوف من الآخر والتشكيك فيه واعتباره قابلاللغدر في أي لحظة، وهي حالات تصل إلى حد بارانويا الاضطهاد, وتكريس سلوك أخذ الحيطة والحذر. ويترتب على ذلك الكثير من الدوافع في امتلاك السلاح وحيازته على نطاق واسع وبعشوائية، استجابة لمشاعر الإحساس بالظلم والاضطهاد والعزلة لحماية الذات من عدو وهمي.

 

يقابله في الطرف الآخر الصراعالمكثف للانتساب إلى أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات، وامتلاك ناصية القوة في الوزارات ذات العلاقة استجابة للشعور بالتهديد من عدو قد يهجم في لحظة ما.

 

الكنيسة القبطية دخلت في صراع طويل مع أجهزة الأمن المصرية على مدى عقود (غيتي)

هي الجاهلية إذن، عصبية عمياء تنقل الطائفي من العقلانية إلى الهوى فيخلط بين المظلوم والظالم، وتعطل مسيرة أي أمة ناهضة وهي تعيد إنتاج مشكلاتها مرة بعد مرات، وتلغي الحس النقدي للذات والأفكار والخبرات، ويعتبر الناس فيها الاعتراف بالحق خطيئة، والاعتذار عن الخطأ فضيحة، واصطياد الغير شجاعة وذكاء بالحق أو بالباطل، وإصدار الأحكام يتم بمرجعية غير أخلاقية وبلا منهجية علمية ولا عقلانية ولا قانونية، وإنما استنادا إلى الانتماء فقط مع أو ضد.

 

ترويض الناس طائفيا يتم عبر تعويدهم لذة وسحر السهولة الكامنة في الامتثال والخضوع وتجريب جاذبية الحماس الجماعي الأجوف الرنان، وبريق الظهور بمظهر الولاء للأهل والعشيرة والجماعة/الطائفة، والقبول بتلك الراحة المرتبطة بطمأنينة الأجوبة الجاهزة السهلة، واليقين الراسخ في حكمة وحماية وصواب الاختيارات المتداولة ضمن الطائفة ومواقفها ومقولاتها وأساطيرها عن نفسها وغيرها، ومن يقبل بهذا التسليم يفقد ضمنا قدرته على تشغيل عقله الناقد.

 

علم النفس التحليلي يطرح رؤية يتصور الطائفي فيها طفلا يحن إلى رحم أمه/طائفته  باستمرار، بحيث يخشى إن خرج عن حمايتها/طاعتها أن يتعرض للخوف والعري والعطش، لذا فهو يعود مسرعا إلى الحضن الحميم لا يتصور لنفسه وجودا آمنا خارجه، وهو يتشبث بعصبية الولاء والحماية والرحم الآمن للطائفة/الأم، وهو خائف بشكل شرس، لذا يستسلم للطائفية ملاذا وحيدا يحميه من قسوة المحيط الممتلئ بالتهديدات.

 

ما لم نفلح إذن في أن نجد لأنفسنا -نحن بني كوكب واحد، أو وطن واحد- حضنًا مشتركا عادلا ودافئا دون تمييز، ستظل الطائفة هي الحضن البديل الجاهز، ولو كانت تملؤه الأشواك.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/15-

د.عبدالله النفيسي: إيران دولة فارسية توسعية وخطر على التشيع

د.عبدالله النفيسي: إيران دولة فارسية توسعية وخطر على التشيع


حاوره يوسف علاونة-الكويت

 

عند الحديث عن الصراع الطائفي والمذهبي، والتوتر بين المنطقة العربية وجارتها الشرقية إيران، يحضر د. عبد الله النفيسي المفكر الكويتي وأستاذ العلوم السياسية والمهتم بالشؤون الإيرانية، والحاصل على شهادة الدكتوراه  في "الدور السياسي للمذهب الشيعي في العراق" في ستينيات القرن الماضي.

 

وفي خضم الحديث عن مخاطر تفشي الصراع الطائفي في المنطقة، يجدر الاستماع إلى أحد المحذرين من مخاطر استغلال البعد المذهبي في تأجيج الصراعات السياسية لتحقيق مصالح سياسية وقومية بحتة. ليس من باب التحريض بل من منطلق عرض قراءة للمسألة الطائفية بعيدا عن النظريات المثالية.

 

الجزيرة التقت د. عبد الله النفيسي في الكويت، وحاورته في مختلف أبعاد المسألة الإيرانية، وتخوف منطقة الخليج من توسع نفوذ الجمهورية الإسلامية على حسابها. وهذا نص الحوار:

 

في المسألة الإيرانية التي تقلق منطقة الخليج وكثيرا من الدول العربية، ما الذي يريد الإيرانيون أن يصلوا إليه بالتحديد؟

 

المجموعة الحاكمة في إيران مجموعة براغماتية، وقد تكون في معظمها فارسية، لكنها براغماتية لا تستبعد العرب مثلا، مثل شامخاني كوزير للدفاع، فهو من أصل عربي، أو أن يكون المرشد علي خامنئي نفسه أذريا، لكن المجموعة الحاكمة المهيمنة على القرار والتي تحدد القرار في طهران هي فارسية، وهي لا تنظر للصراع مع العرب على أنه صراع عربي فارسي فقط، أو صراع سني شيعي فقط، بل هي ترتدي كل القمصان في هذا الصراع كي تصل إلى ما تريده من نتائج.

 

وهناك مثل فرنسي يقول toutes les saisons (قميص لكل الفصول)، وهم في طهران يرتدون قميصا لكل الفصول، لكي يتواءموا مع متطلبات هدفهم، فالصراع ليس عربيا فارسيا فقط أو سنيا شيعيا، بل هو خليط من كل هذا في سبيل الوصول لنفوذ قوي في الجزيرة العربية.

 

والدولة الإيرانية، تستهدف في سياستها الخارجية ثلاثة أهداف:

الأول: استقرار النظام وأن يستمر قويا قادرا على التأثير والفعل داخليا وخارجيا، أن يكون قادرا على الحياة السياسية.

 

الثاني: بما أن إيران دولة مصدرة للنفط ودخلها الأساسي من النفط فمن مصلحة إيران الحفاظ على استقرار سوق النفط، ولذلك فإن التهديد بأنهم قد يغلقون مضيق هرمز هو كلام في كلام، للاستهلاك المحلي، فبينما متاح لغيرهم استخدام منافذ غير هرمز، فإنه عمليا لا يوجد منفذ لتصدير النفط الإيراني غير هرمز.

 

الثالث: استثمار فوائض النفط واستحداث التنمية المستدامة في إيران، وقد زرت إيران قبل الثورة وبعدها، فمنذ عام 1975 وأنا أزور إيران، فقد كنت في ذلك الوقت رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت، وكان رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة طهران هو الدكتور حميد عنايت، وقد نسقت معه لنكون مدرسة فكرية جديدة هدفها التعايش بين ضفتي الخليج.

 

أيام مطامع الشاه؟

 

نعم في ذلك الوقت، وقد طرحت أن الاستمرار بما هو قائم ستكون نتائجه كارثية، فتذرع بأننا لسنا أصحاب قرار، فقلت بأن أثرنا على الحكومات كبير، وبهذا الفهم واظبت على زيارة طهران بانتظام من 1975 وحتى 2007 عندما تم تهديدي بالقتل.

 

هاشمي رفسنجاني من رموز ودهاة الثورة الإيرانية (غيتي)

ممن كان التهديد بالقتل؟

 

من منظمات ثورية كثيرة، منها منظمة 15 خورداد، وهي منظمة خاضعة للمرشد مباشرة، ولم يشملني الأمر وحدي فقط، بل شمل مفكرين كثيرين أشاوس من العراق وغيره.

 

ومن خلال زياراتي الكثيرة وتواصلي مع رموز النظام الإيراني كافة، وجدت أن الجماعة يشملهم خيط واحد وهو احتقار العرب، ليس عداوة العرب فقط بل احتقارهم. أحدهم قال لي: أنتم جثث تنتظر من يدفنها، وبالأخص هذا الساحل الغربي من الخليج. وهذه النزعة قوية جدا في النظام، وأحيانا تدخل ضمن مفهوم الصراع العربي الفارسي، وأحيانا ضمن صراع السنة والشيعة، لكن في المحصلة النهائية هي ما يسيطر على نظرتهم للعرب.

 

وبالنسبة للإيرانيين فإن العرب ليسوا فاتحين بل غزاة، وعندما نتكلم عن الفتح الإسلامي يضحكون، ويتساءلون: وهل تسمي هذا فتحا؟! إننا نسميه غزوا عربيا، ومثلما تقولون الغزو العراقي فنحن نسمي سعد بن أبي وقاص غازيا.

 

وقد قلت لهم بزيارتي الأخيرة التي جرى تهديدي فيها، بمحاضرة في (دفتر مطالعاتي سياسي بين المللي) وهو تابع لوزارة الخارجية، إنكم تكذبون علينا، وتقولون إسلام وأخوة إسلامية، ولكن من تحت الطاولة لكم أجندة أخرى.

 

لا بد هنا عند عرضي لأهداف الدولة الإيرانية أن أشير لمطالبتهم الدائمة للغرب بأن يكون لهم دور يناسب حجم إيران، وروحاني عندما كان رئيسا للجنة الشؤون الخارجية، قال لنا عام 1992 خلال زيارة قمنا بها كوفد برلماني إلى طهران "أنتم شظايا متناثرة على ساحل الخليج وليس من المعقول أن نتعامل معكم بندية بل عليكم أن تجلوا إيران لكننا لا نستطيع معاملتكم بهذه الندية لأنكم لستم أندادا لنا، ولأن لنا دورا لا بد أن نؤديه بالعالم، وإن لنا أذرعا قادرة على أداء هذا الدور".

 

هل كان يقصد بلدان الخليج أم العالم العربي عموما؟

 

كان يقصد بلدان الخليج. وكان يقول أيضا بالتبعية التاريخية لساحل الخليج الغربي لإيران، وإن تبعيتكم في نهاية المطاف هي لإيران.

 

هل تستطيع من زياراتك الكثيرة لإيران أن تلقي الضوء على أثر تنمية أحدثها النظام في البلد؟

 

زرت الريف الإيراني والمدن كلها من قزوين إلى شيراز، ووجدت تقدما كبيرا في مجالات البنية التحتية والتعليم والطبابة، والكهرباء والثورة أنجزت تنمية كبيرة، مما يشي بوجود عزم كبير على النمو، وبعد وفاة الخميني أمسك بالسلطة رفسنجاني، وهو رجل أعتبره بسمارك وكيسنجر إيران، وهو رجل يميل إلى البدانة ولكنه داهية من دهاة الفرس، ويستطيع مخاطبة كل العقول، ولكن مشكلته أن له يدا كبيرة في التجارة، فأحيانا يغلب مصالحه على المصالح العامة، فهذه جعلته محط أنظار اليسار، ولكن كإدارة سياسية فهو كان عبقريا وحقق منجزات كبيرة، إلا أن حرب ثماني سنوات مع العراق أفرزت مجموعة متطرفة تجاه العرب، وهي مجموعة من تلامذة بهشتي ومطهري وطالقاني، وتمددوا إلى الحرس الثوري والمراكز المهمة، وهؤلاء لهم موقف فارسي مسبق من العرب.

 

هل تعلم من أخبرني بذلك؟ إنه موسى الصدر رئيس أو مؤسس حركة المحرومين الشيعية في لبنان (أمل). كنت في رحلة طويلة معه في سيارته من بيروت إلى النبطية، وهذا الكلام قبل الثورة بأربع سنوات. أخبرني الصدر بأن هناك مجموعة من آيات الله لهم موقف متطرف جدا من العرب، وقال يجب أن تحذروهم. وأتذكر أنه ذكر أسماء منها محمود طالقاني ومطهري وبهشتي. وقال بالحرف "أنا مغضوب علي من هؤلاء، وأنا أخشى على سلامتي"، وأضاف "أنا أخاف على سلامتي من طرفين. من ياسر عرفات، ومن هؤلاء المتطرفين الشيعة".

 

لذلك لدي قناعة بأن من خطف موسى الصدر وقتله هي إيران وليس معمر القذافي، فالقذافي كان ممرا أو محطة.

 

نتحدث الآن دكتور عن الحالة الإيرانية عبر اتهامات التدخل في دول عربية، واستغلال الأحوال الطائفية؟

 

عندما تلتقي بالمسؤولين الإيرانيين فإنك لا تلمس لديهم اهتماما بموضوع التشيع إطلاقا. لكن ماذا يقولون؟ يقولون بأن التشيع بالنسبة لنا هو حصان طروادة، لأنهم لو قالوا نحن فرس لانسدت أمامهم العروبة كليا، لكننا مذهب من مذاهب الإسلام، ونحن إخوانكم في الدين، فيكون ذلك أسهل وسيلة لاختراق العرب. يقولون نحن حكمنا في مصر لقرون.

 

هل ترى أن الغرب المهيمن على المنطقة يقوم بتصعيد الصراع العربي الفارسي أو الشيعي السني ليصبح له الأولوية على الصراع العربي الإسرائيلي؟

 

بالضبط، الآن جل ما يتمناه المخطط الفكري الإستراتيجي الأميركي، ممثلا بهنري كيسنجر، وتريتا بارتي وفي إسرائيل آفي شليم، هؤلاء يؤمنون بتحويل إيران إلى حليف إستراتيجي، وهم يرون أن لديهم أسلحة كثيرة تقود إلى هذا، ومن ذلك هذا الكلام الطويل عن السلاح النووي، فهو مجرد قنطرة لتحويل إيران إلى حليف وليس ضبط سلاحها النووي، فهم قادرون على محوه من الوجود، لكن الغرض غير هذا.

 

يقول كيسنجر وتريتا بارسي وآفي شليم ودان رافيف في إسرائيل كي تكون هناك إسرائيل أخرى، شرقية تكسر ظهر الجزيرة العربية فنحن لا نحتاج لأن نفعل شيئا من هذا. ولتقم إيران وليس نحن بالعمل القذر The dirty work.

 

ولذلك تلاحظ أن الولايات المتحدة كانت في السابق تقف موقفا متشددا وفوريا عند أي تحرك إيراني، بل تقوم القيامة بسبب أي محاولة للاعتداء على طرف من أطراف مجلس التعاون الخليجي، وكانت لها ذريعتها الجاهزة، (وهي) كون الخليج مصدر الطاقة، ومنطقة مصالح حيوية تمس الأمن القومي للولايات المتحدة، لكن هذا ما عاد موجودا ولا معمولا به الآن.

 

الآن البطاط زعيم حزب الله العراقي، وهو مليشيا إيرانية بكل معنى الكلمة، يطلق الصواريخ على أراضي المملكة العربية السعودية، ويتحرش ويهدد ويتوعد، بينما واشنطن لا تنبس ببنت شفة.

 

أقصد أنه لم يصدر عن الغرب أي احتجاج. بالجهة الأخرى يقصف الحوثيون القرى السنية، وجرحاهم.. جرحى الحوثيين يعالجون في المستوصف السعودي.. وجرحى السنة لا أحد يقربهم.

 

الحضور الإيراني المذهبي في العراق يزيد من تخوف المنطقة من التوجهات الإيرانية  (أسوشيتدبرس)

هل هو تفاهم سعودي إيراني لدعم الحوثيين ضمن مسألة الصراع في اليمن؟

 

لا أدري، لكن الموضوع أكبر من بلدان المنطقة والسعودية، الآن مرحلة إيران، ومسموح لها أن تفعل ما تشاء في سورية والعراق. فإيران التي تقاتل في سورية وليس بشار الأسد، وهي تفعل ما تشاء في لبنان. إنها تمضي عبر طوق يمتد من الشمال، عبر العراق وسورية ولبنان، وجنوبا حيث الحوثيون، وشرقا حيث البحرين.

 

وقد قال لي مسؤول كبير في البحرين، مسؤول كبير لا أستطيع أن أسميه، قال لي "عبد الله، نحن نخاف الأميركان الآن أكثر من الإيرانيين. فسألته لماذا؟! فقال لأن المظاهرات عندما كانت في دوار اللؤلؤة ورفعوا شعارات وصور الخميني وخامنئي والسيستاني، انسحب الأسطول الأميركي في قاعدة الجفير إلى مضيق هرمز وتركوا البحرين، مع أنهم حسب الاتفاقية يتعهدون بحماية البحرين، وعندما قلنا لهم هذا قالوا بأن ما يجري مسألة داخلية لا علاقة لهم بها. بينما الحقيقة أنه اعتداء إيراني، ذلك أن من يقودون المظاهرات يرفعون صورا إيرانية وليس أي مرجع عربي. فخلص إلى أن البحرين تشعر بالخوف وتطالب بالوحدة من هذا الباب.

 

السؤال هنا أنك ترى أنه ما من رد مناسب ومكافئ من الجانب الخليجي؟

 

أبدا، وبول بريمر الذي حكم العراق بعد احتلاله، قالها بكل صراحة "نحن من الآن (2003) وصاعدا، سنتعامل مع الشيعة ولن نتعامل مع السنة"، فقيل له لماذا فقال "لأن الشيعة لديهم عنوان والسنة ليس لديهم عنوان مماثل، ففي النجف هناك رجل نقصده وهو علي السيستاني".

 

ربما كان يقصد الحالة العراقية وليس المنطقة برمتها؟

 

لا.. هو قال ذلك كمفهوم إستراتيجي.

 

ولكن بالنتيجة لا وجه للمقارنة، فالشيعة أقلية صغيرة من بين العالم الإسلامي ووجودها السكاني يذكر فقط في إيران ونتف من المحيط المجاور لإيران؟

 

نعم، هم يقولون بأنهم 8% من المسلمين، أي أن السنة 92%.

 

هذا يطرح السؤال.. كيف يركن الأميركان لإستراتيجية تستعدي 92% في مقابل 8% من مكون عالمي مهم؟

 

الأميركان لا يرون الطرف السني، وموضوع القاعدة زلزل تفكيرهم، والمنظور الأميركي للصراع في سورية ينطلق من عقدة القاعدة، ولذلك يجب أن يبقى الأسد، وأيضا موضوع الحوثيين مرتبط بهاجس القاعدة.

 

هل المنطقة مضطرة للتفاهم مع إيران؟

 

ليست مضطرة للتفاهم، لكنها مضطرة للتغاضي عن دور وتمدد إيران. وفرق كبير بين التفاهم مع طرف، أو أن تغض الطرف عن أعماله. ومثلا فإن ما يقوم به الحوثيون في جنوب المملكة خطير جدا، والسنة يخرجون من هناك.

 

هل يمكن أن يؤدي التفاهم الغربي مع إيران إلى عقلنة سياستها في المنطقة؟

 

هناك اتجاه إيراني يتحدث بهذا المنطق، ومن أبرز الوجوه مشائي مدير مكتب أحمدي نجاد الرئيس السابق وصهره، فقد قال في محاضرة عامة في طهران (إنه) يرفض الانشغال بلبنان وغزة وحماس والصراع العربي الإسرائيلي، وقد أثار ذلك جدلا واسعا في مجلس الشورى حيث (كان) هناك من دعا لاعتقاله، وضمن النقاشات قيل كلام مهم بأن السياسات الحالية هي تكتيكية لكن مستقبل إيران بالتعاون مع الغرب.

 

هل أفهم أن العداء الإيراني لإسرائيل غير حقيقي أو غير جدي؟

 

لا يوجد عداء، هو عداء إعلامي دعائي ومجرد غطاء. اقرأ تريتا بارسي واعرف كم من وفد إيراني ذهب لإسرائيل، والعكس صحيح أيضا، وقد تفاوضوا على أمور كثيرة منها صناعة الأسلحة.

 

والمسألة النووية؟

 

إسرائيل تستغل هذا الموضوع، وتنال مساعدات عبر ابتزاز الغرب بالتهديدات الإيرانية. إسرائيل تعرف من أين تَأكل الكتف، وإسرائيل لديها 250 رأسا نوويا.

 

هل الحالة الطائفية الإيرانية هي ما يستدعي موجات المنظمات السنية المتطرفة؟

 

نعم لأن ما ترتكبه إيران هو مجازر وأفعال مشينة، ولذلك ترى أحمد الأسير في لبنان يقولها صراحة، هم هكذا ونحن هكذا. هذا رد فعل طبيعي.

 

موسى الصدر أخبرني شخصيا بأنه لا حياة لنا إلا في وسطنا العربي. أتعلم ماذا قال أيضا؟ قال ردا على تساؤلي إن كانوا أذرعا لإيران: هل تعلم يا عبد الله أن إيران تشكل خطرا على التشيع وعلى الشيعة؟ قلت له لماذا؟ قال لأن إيران لا تؤمن بالتشيع أساسا، بل تستثمر ذلك لتحقيق غاياتها القومية.

 

وأنا أسترجع هذا الكلام أتساءل كيف كانت إيران تسرب السلاح لأبي مصعب الزرقاوي في العراق؟ وهو فرع من فروع القاعدة.

 

لماذا فعلت إيران ذلك كي يثخن الزرقاوي في الشيعة؟ السبب أنه في عام 2005 وصل إياد علاوي لرئاسة الوزراء في العراق، وفي تلك السنة ضرب الفلوجة، واطمأن الشيعة إلى أنهم في السلطة واستطاعوا ضرب منطقة سنية خالصة.

 

وإياد علاوي قومي عربي، ولذلك فإنه لم يعد في حاجة لإيران. هنا قالت إيران سنريكم حاجتكم لنا، فسلطت على الشيعة الزرقاوي، وحدثت مذبحة الجسر (جسر مود) التي مات بها 1500 شخص، وعبر مشاهد عجيبة توقظ كل شعور طائفي. وحدثت تفجيرات المرقدين في سامراء.

 

هل تعتقد أن إيران مسؤولة عن اغتيال محمد باقر الحكيم؟

 

نعم أعتقد ذلك، عام 2002 كنت في طهران، وكنت أنزل في فندق آزادي، عندما طلبت الغداء ليردني اتصال من السيد محمد باقر الحكيم، ذكرني بأيامنا في النجف ودعاني لتناول الغداء عنده، وأرسل من يأخذني من الفندق، إلى فيلا قديمة في شارع فردوسي جنوب طهران يحيط به رجال الحرس الثوري. صرف الحكيم الحرس وأنا أعرف العائلة وأعرف أباهم وكان (محمد وعبد العزيز الحكيم) شابين مثلي يحملان ملفاتي.

 

قال لي يا "أبونجم" يجب أن أصارحك بشيء: "يابا الجماعة العجم يكرهون العرب"، وهنا شعرت بخوف أنه يستدرجني للكلام، وهممت بالمغادرة، لكنه طمأنني وأكد أنه يعني ما يقول، إن الإيرانيين يضطهدونه. قال: نحن نتعرض يوميا للاضطهاد من الحكومة الإيرانية، ولأننا عرب، يقيدون حركتنا في كل شيء. وضرب العديد من الأمثلة.

 

قلت له إن الحل بعودتكم إلى النجف، فقال سنعود قريبا، وقريبا جدا، فسألته: هل لديك أخبار مؤكدة؟ قال: نعم أخبار مؤكدة، فسألته عن موعد ذلك تقريبا فقال في غضون سنة أو أقل. وهنا سألته عن أول خطوة سيخطوها فقال: سنرحل السيستاني إلى طهران، وإعادة تعريب المرجعية الشيعية.

 

أنا أعتقد أن هذا الكلام التقط، وأنه مع إشارات أخرى كان السبب في قتل محمد باقر الحكيم. ولا أعتقد أن من اغتاله القاعدة فهي شماعة تعلق عليها أشياء كثيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/15-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وإلى جانب الملف الرئيسي، تتناول المجلة عددا من القضايا السياسية والإنسانية عبر تقارير المراسلين. ففي الشأن السوري الساخن دائما، تتناول ملف الجيش السوري الحر عبر مقابلة مع نائب رئيس الجيش، ومقال وجداني لكاتب من سكان مخيم اليرموك الذي يرزح تحت حصار قوات النظام الذي يقتل أبناء المخيم بالقصف والجوع معا. كما تعرض ألبوما لصور من معاناة المخيم.

 

وفي الشأن الفلسطيني يعرض تقرير حالة إحدى الأسيرات الفلسطينيات التي تتعرض للاعتقال المتكرر بعد الإفراج عنها في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة. وعلى الجانب الإسرائيلي تنشط فنانة إسرائيلية في نشر الوعي بين أبناء شعبها بخطر النكبة الفلسطينية التي تشبهها بالمحرقة النازية ضد اليهود. وفي بعد فلسطيني آخر، تعرّف المجلة بنجم كروي فلسطيني صاعد في بريطانيا يتوقع له أن يكون أحد أبرز نجوم كرة القدم في أوروبا.

 

ومن مصر تعيش المجلة مع مصابي الانقلاب العسكري الذين لا يزالون يحملون في أجسادهم رصاص الجيش والشرطة والبلطجية، كذكرى من النظام الجديد. وعلى حدود اليمن والسعودية نتعرّف على المهربين الصغار الذين يستغلهم المجتمع سواء للحاجة أو طمعا في الثراء السريع، ونعايش معاناتهم في رحلتهم الخطيرة لكسب لقمة العيش.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/15-

المهربون الصغار عبر الحدود في اليمن

المهربون الصغار عبر الحدود في اليمن

 

سمير حسن - حرض

 

من أجل توفير لقمة العيش له ولعائلته يناطح الطفل اليمني عمر محمد أصبغ واقعا مؤلما، واحد من مئات الأطفال اليمنيين الذين يخوضون رحلة يومية محفوفة بالمخاطر مع تجارة التهريب التي أصبحت من أشد المخاطر التي تواجه الطفولة في اليمن.

 

عمر البالغ 14 عاماً يعيش مع أسرته المكونة من 11 شخصاً -هو أكبرهم من الذكور- في إحدى المناطق المحاذية لمدينة حرض في محافظة حجة شمال غرب اليمن على الحدود مع المملكة العربية السعودية حيث تنشط تجارة التهريب.

 

اختراق الحدود

يبدو عمر وعليه ملامح الثقة بالنفس رغم شدة الإرهاق والتعب الذي يكسو وجهه، وهو يتحدث للجزيرة نت عن "صفقات" يبرمها مع تجار التهريب يتولى هو بموجبها القيام بحمل عشر حزم من القات على ظهره والعبور بها ليلاً عبر حفر ونفق صغير تحت الأسلاك الشائكة الحدودية واجتيازها إلى الأراضي السعودية.

 

وتنتهي الصفقة باختراق الحدود وتسليم ما لديه لأحد المهربين السعوديين في الجانب الآخر من الحدود ، قبل أن يعود إلى أسرته وقد جلب في تلك الليلة المشبعة بالمخاطرة مبلغا من المال قد لا يستطع والده جنيه في شهر داخل البلاد، حيث يتقاضى الطفل نظير العملية الواحدة ما يقارب عشرين ألف ريال أي ما يعادل نحو مائة دولار.

 

يقول عمر إنه في كل عملية اختراق للحدود يقوم بها يمشي على قدميه نحو ساعتين من آخر نقطة عبور في الحدود اليمنية بغية الوصول إلى منطقة "المبخرة" وهي بلدة سعودية صغيرة تبعد نحو ثلاثة كيلو مترات عن الحدود اليمنية.

 

تجري عملية تجهيز نبتت القات المراد تهريبها بأكياس على شكل حزم داخل اكواخ في مدينة حرض الحدودية (الجزيرة)

وبين أنه بدأ العمل في التهريب منذ عامين بهدف مساعدة أسرته بعد أن تم اعتقال والده -الذي كان يعمل هو الآخر في التهريب- من قبل حرس الحدود السعودي قبل ثلاث سنوات حيث تمت محاكمته والحكم عليه بالسجن.

 

وبالرغم من أنه يدرك جيداً خطورة هذا العمل على حياته، يري عمر أنه لا سبيل أمامه سوى مواصلة العمل في التهريب لتوفير لقمة العيش له ولأسرته، في ظل غياب فرص العمل باليمن.

 

ويضيف "نحن نخاطر بحياتنا في كل عملية عبور للحدود، وقبل أشهر نجوت من الموت بأعجوبة بعد أن تعرضت لإطلاق نار، وهناك أناس أعرفهم منهم أطفال قتلوا، وبعضهم أصيب برصاص حرس الحدود أثناء عمليات التهريب.

 

تفاقم الظاهرة

ويعاني اليمن من ظاهرة تهريب آلاف الأطفال اليمنيين إلى المملكة عن طريق المعابر الحدودية سنوياً والتي تفاقمت في الآونة الأخيرة، حيث يقدر عددهم بحوالي خمسة آلاف إلى ثمانية آلاف طفل في العام الواحد، وفق إحصائيات حصلت عليها الجزيرة نت من منظمات حقوقية عاملة في مدينة حرض الحدودية.

 

وتشير تلك البيانات إلى أن نسبة من يعملون من الأطفال في تهريب القات والممنوعات حوالي 80%، بينما يعمل من يتم تهريبهم من الأطفال إلى داخل السعودية في التسول والأعمال الأخرى 20%.

 

وتتركز مناطق التهريب في القرى القريبة من الشريط الحدودي بين اليمن والسعودية، وتعج بلدة حرض الواقعة على الشريط الحدودي مع السعودية بمئات الأطفال القادمين للعمل في التهريب من محافظات حجة وصعدة والمحويت والحديدة، وهي أكثر المناطق فقرا في اليمن.

 

تعج مدينة حرض اليمنية الواقعة على الشريط الحدودي مع السعودية بمئات الأطفال الذين يعملون في التهريب (الجزيرة)

يقول علي شار الذي يعمل في تهريب القات من اليمن إلى السعودية منذ نحو عشرين عاما "إن ظاهرة عمل الأطفال في التهريب تعد من المشاكل القديمة التي تفاقمت مؤخراً بسبب تفشي الفقر. ويضيف "معظم هؤلاء الأطفال يدفع بهم أقاربهم للعمل مع المهربين لمساعدة أسرهم في نفقات المعيشة".

 

وقال للجزيرة نت "التهريب أصبح مصدر ثراء للمهربين الكبار خصوصاً الذين يقومون بتجارة تهريب المخدرات والسلاح، وهؤلاء يقومون أحيانا باستغلال الأطفال، أما نحن فنطاق عملنا في تهريب القات، ومن يعمل معنا في هذا المجال يكون بناء على رغبة أقاربه".

 

وأضاف "هناك استغلال مادي يتعرض له هؤلاء الأطفال، إضافة للخطر على حياتهم، وكل ما يتقاضاه الطفل في كل عملية تهريب لا يتعدى في أحسن الأحوال ما بين خمسين ومائة دولار".

 

مؤشرات نجاح

وكانت الحكومة اليمنية أعلنت مؤخراً عن إقامة مركز الإيواء المؤقت للأطفال المهربين في حرض، غير أن القائمين عليه يشكون من ندرة الموارد، وعدم تمكن المركز من الحد من هذه الظاهرة مقارنة بالكم الهائل من الأطفال الذين يهربون بشكل يومي.

 

ويقوم هذا المركز باستقطاب الأطفال المهربين إلى السعودية وإيوائهم وتوفير الحماية الكاملة لهم، ويتم استدعاء أولياء أمورهم وتوعيتهم بمخاطر التهريب للأطفال، وبعد ذلك يتم الإفراج عن الطفل برفقة ولي أمره.

 

ووفق مدير مركز الحماية الاجتماعية المؤقتة للطفولة في حرض للجزيرة نت، فإن عدد من يتم استقبالهم سنوياً بالمركز يصل إلى خمسمائة طفل سنوياً، 90% منهم لم يكملوا تعليمهم، وهناك بعض مؤشرات للنجاح رغم كل الصعوبات.

 

وأوضح نبيل شائف أن الإجراءات المتخذة للحد من الظاهرة تجري على جانبين، احتضان مؤقت للأطفال المعاد ترحيلهم ممن يدخلون الأراضي السعودية للعمل أو التسول، أو الأطفال الذين يجري اعتقالهم بالتنسيق مع الجهات الأمنية اليمنية من أجل إحباط عملية تهريبهم.

 

منعت الجزيرة نت من دخول مركز الأيواء الحكومي بحرض ومقابلة الاطفال بحجة عدم وجود ترخيص رسمي (الجزيرة)

اتجار بالبشر

من جهته، أكد رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة أحمد القرشي غياب الإجراءات الحقيقية التي يمكن الاعتماد عليها للحد من هذه المشكلة. واعتبر أن "مركز الإيواء اليمني لا يعالج سوى مشاكل من يتم اعتقالهم بينما الكثير منهم يجتازون الاعتقال".

 

وقال الناشط الحقوقي في حديث للجزيرة نت إن "ظاهرة تهريب الأطفال في اليمن تعد جزءا من أشكال الاتجار بالبشر،  وما يحصل من قبل الحكومة والمنظمات من معالجات بسيطة جداً، وتفتقر إلى وجود برامج حقيقية من شأنها معالجة الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة".

 

وأضاف  القرشي "كثير من الأطفال الذين يجري تهريبهم إلى السعودية للتسول أو لاستغلالهم في أعمال أخرى يتعرض بعضهم للعنف  الجنسي، ولدينا معلومات بذلك وإن كان لا يتم الإبلاغ رسميا عن هذه الحالات لاعتبارات اجتماعية في اليمن".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/15-

دارنـــا المنكوبة.. ذكريات حارة الفدائية بمخيم اليرموك

دارنـــا المنكوبة.. ذكريات حارة الفدائية بمخيم اليرموك

علي بدوان
كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك

 

نحنُ من أقدم العائلات الفلسطينية اللاجئة التي أسست مخيم اليرموك، بل من العائلات الأُولى محدودة العدد التي وضعت اللبنات الأُولى لمخيم اليرموك صيف العام 1954 ولحارة الفدائية وامتدادها، عندما بدأت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا بتوزيع الأراضي على العائلات اللاجئة الفلسطينية بواقع (48) مترا مربعا للعائلة الواحدة، وهو ما أطلق عليه مسمى نُمرة (حصة) للعائلة الواحدة، لَكنَ نصيبنا كان نمرتين واحدة لعائلتنا وواحدة لعمتي العزباء (فاطمة) التي ما لبثت أن تزوجت وسافرت إلى الأردن ومنحتنا نمرتها.

 

كنا من العائلات الأُولى في مخيم اليرموك حين لم يكن يتجاوز عدد سكانه عشرين عائلة لاجئة فلسطينية صغيرة العدد، ساقتنا الأقدارمن مدينة حيفا من وادي النسناس -حيث جذورنا ما زالت حية بأهلنا وعائلتنا هناك، في وطن النكبة السليب الذي داسته أقدام الفاشية الصهيونية- إلى الشام بلد اللجوء الشقيق، وإلى مخيم اليرموك الذي دمرته أو كادت تدمره الحرب الطاحنة.

 

تَشَظّت عائلتنا، فبقي (90%) منها زيتوناً وزعتراً مغروساً على أرض فلسطين السليبة، في قلب مدينة حيفا وفي حي وادي النسناس لجهة والدتي (عائلة عابدي) وتوزعت عائلة والدي على امتداد الضفة الغربية في منطقتي نابلس وطولكرم.

 

رحلة المآسي في التراجيديا الفلسطينية، جعلتنا الآن العائلة المنكوبة بعد النكبة الأولى في مخيم اليرموك، كغيرها من مئات العائلات من مربع المخيم الأول، عندما جرى نهبُ بنايتنا التي كان يقطنها إخوتي وعوائلهم. فقد نُهب كل شيء فيها ولم يتبق حتى دفتر أو كتاب أو برغي أو سلك أو شريط ونحن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

 

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، وكما يقولون مع الموت غصة وعشرين غصة، ففي مشهد المُستنقع البشع وفي سياق التطاحن الدموي، نُسفت البناية (وأقصد بنايتنا) بأكملها ومعها عدد من الأبنية المجاورة، منها بناء عائلة دمشقية (عائلة الأكتع) وبناء عزت قادرية من أبناء بلدة شفا عمرو الفلسطينية وغيرها، كما دُمر ونُسف قبلها الكثير من الأبنية على تخوم المُربع ذاته، وفي مناطق شارع الثلاثين (شارع الشهيد عدنان غانم) الموازي والقريب من حارة الفدائية في بداياته.

 

أطفال يمثلون حال اليرموك وموت أهله جوعا وقتلا (اسوشيتيدبرس)

في دراما المشهد المأساوي، ضاعت كتبي، ضاعت مئات السيديهات وآلاف الصور والوثائق، وطارت معها مئات التسجيلات والمقابلات مع رعيلٍ كامل من المناضلين الفلسطينيين منهم على سبيل المثال وليس الحصر مقابلات مُسجلة مع الراحل أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، أجريت عام 1979 قبيل وفاته بوقت قصير، عندما كنت طالباً جامعياً في سنواتي الأولى.

 

ودمُرت مجلدات فلسطين الثورة التي كنت أحتفظ بها منذ صدورها وغيرها من المطبوعات الفلسطينية، وضاعت معها مجلدات مجلة فتح وأعدادها الأولى منذ العام 1965، ومئات الملصقات القديمة ومنها المُلصقات بقلم الفحم، والصادرة في سنوات الكفاح الفلسطيني المعاصر خصوصاً سنوات البدايات الأولى سنوات الجمر الفلسطيني، ومنها صور قوافل الشهداء الأولى وملصقاتهم، وضاع معها تاريخ شخصي ووطني، ملىء ومُتخم بوثائق فلسطينية تكاد توازي موجودات كل ما هو مُكتنز لدى الجهات الفلسطينية العاملة في المضمار الثقافي والتوثيقي والمعرفي.

 

فقد كانت مكتبتي مرجعا لكل فصيل من فصائل العمل الوطني من أقصاها لأقصاها كان يريد الحصول على مطبوعة ما كانت قد صدرت عنه في سنوات غابرة. فأجرم المعتدون على المخيم  وفعلوا بنا وبمخيمنا أكثر مما فعله هولاكو والمغول عند غزو بغداد.

 

بنايتنا، بيتنا، في حارة الفدائية وامتدادها، حارة المخيم الأولى، حارة القادمين من فلسطين من الجليل وحيفا وصفد عام النكبة الذين خالطهم الدمشقيون بين بيوت الحارة، دمشقيو حي الميدان، ودمشقيو حي الشاغور.

 

حارة الفدائية، في مخيم اليرموك، أقدم حاراته وأروعها، نُكِبت وتُنتَكب في لعبة دموية مؤسفة ومؤلمة، بعد أن كانت وما زالت منارة في مسار الثورة والكفاح الفلسطيني، فهي اسمٌ على مُسمى.

 

حارة الفدائية، مدخل مخيم اليرموك، حارة فدائيي القوافل الأولى من حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حارة الكتيبة (68) أو كتيبة الفدائيين أو كتيبة الاستطلاع الخارجي، التي سقط العديد من أعضائها شهداء على أرض الجليل شمال فلسطين منذ بدايات النكبة، حارة الشهيد سبع السباعي من بلدة ترشيحا قضاء عكا، حارة الشهيد علي الخربوش ابن عرابة البطوف في الجليل الفلسطيني، كما هي حارة الشهيد مفلح السالم ومفلح ياسين من صفورية قضاء الناصرة، كما هي حارة الشهيد حسين شحرور من علماء قضاء صفد، وأبو فالح من الشجرة قضاء طبرية، ولطفي قادرية من شفا عمرو، ومحمد فارس من الشجرة، وناصر الكبرا من صفد، وحارة الشهيد الرائد عمر جربوني بطل التصدي لقوات الغزو الصهيوني في مثلث خلدة في ضواحي بيروت الجنوبية صيف العام 1982 ....إلخ.

 

حارة الفدائية، منها خَرَجَ أصغر فدائيي فلسطين عمراً عام 1965 محمد يعقوب من طيرة حيفا، وسمير حبيشي من عكا، اللذان خاضا معارك الثورة الفلسطينية بمحطاتها المختلفة منذ انطلاقتها المعاصرة، وطالما صرخ ياسر عرفات باسمهما في مؤتمر حركة فتح العام الخامس في تونس عام 1989.

 

أحد الأطفال يعاني من نقص التغذية جراء حصار مخيم اليرموك (أسوشيتد برس)

حارة الفدائية هي الحارة الأُولى التي وضعت على أرضها اللبنات الأولى لمخيم اليرموك ومداميك بيوته البسيطة منتصف العام 1954 عندما قَطَنَها عدة مئات من اللاجئين الفلسطينيين من ساكني المساجد والجوامع في حي الميدان الدمشقي ومعه حي الشاغور.

 

حارة الفدائية كانت البداية لنهوض مخيم اليرموك الذي شَهِدَ بعد ذلك قفزة عمرانية بدأت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. كما هي الحارة الأولى التي صنعت المثوى الأول والمقبرة الأولى لشهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة في مخيم اليرموك، عندما بدأت تتوالى عمليات الاستشهاد.

 

حارة الفدائية، وموضع بنايتنا التي دُمرت، زارها مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني (يرحمه الله) عام 1955، وأطلق من بين بيوتها المتواضعة في حينها اسم اليرموك على هذا التجمع الفلسطيني ليصبح هذا التجمع هو مخيم اليرموك، منبت الأبطال والفدائيين، التربة الخصبة التي اندلعت منها إرهاصات وشرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة.

 

قدمت حارة الفدائية عشرات الشباب من أبنائها في معمعان العملية الكفاحية الوطنية الفلسطينية خلال العقود الماضية من عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة، في كل ساحات العمل الوطني وعلى أرض فلسطين من الساحة الأردنية، إلى الجولان السوري، إلى الداخل الفلسطيني، إلى حصار بيروت، إلى معارك الدفاع عن الثورة والمنظمة والمقاومة في حرب المخيمات، التي شنت عام 1985 ضد شعبنا وأهلنا في لبنان، والتي كان فيها فلسطينيو سوريا وشبابهم في مقدمة المدافعين عنها، وقد سقط منهم غالبية شهداء ما بات يعرف بحرب المخيمات في لبنان.

 

حارة الفدائية، وامتدادها ساحة (الريجه) إلى شارع اليرموك، وإلى غربها شارع الناصرة، ناصرة الجليل والمسيح، أو ما يسمى بشارع راما وفي سوق السيراميك هي أيضاً منطقة تطاحن دموي على جسد الفلسطينيين.

 

حارة الفدائية مطوقة بين شارعي الناصرة (راما) واليرموك، وشارع الثلاثين وبساتين سبق أن أكلنا من ثمارها وغَرسِها من شجر التوت الشامي والمشمش والجوز والدراق والتفاح، بساتين عائلة (أبو علي القاروط) الدمشقية التي أَحبّت وعشقت الفلسطينيين أكثر من عِشقِها للدمشقيين. وهي تغلي الآن في أتون اللهب ومِرجل الأزمات.

 

حارة الفدائية ذاكرة فلسطين، وتنوع أهاليها من منابتهم الفلسطينية من حيفا، عكا، طبريا، الناصرة، يافا، صفد، الطنطورة، الطيرة، عرابة البطوف، علما، الرأس الأحمر، صفورية، ترشيحا، أبو سنان، لوبية، الشجرة، وشفا عمرو، كفر كنّا ...

 

حارة الفدائية، ذكريات الطفولة والفتوة والشباب، في مخيم عظيم هو مخيم اليرموك، ذكريات الدراسة بين بساتين الشاغور، بساتين عائلة القاروط المجاروة لها، هو هو، مخيم اليرموك عنوان حق العودة، عنوان الطريق إلى يافا وحيفا وصفد وعكا وطبريا واللد والرملة، إلى الوطن السليب هناك... وعنوان الصراع المستمر مع المشروع الصهيوني.

 

نقول وفي صرخة حق، ومحبة، وتآخٍ حقيقي ومتين، ودون أحقاد، ودون خلفيات، ولكل الأطراف: ارحموا شعبنا، اتركوه في مصائبه، وعودوا للغة المنطق، لغة إعمال العقل والتمعن بما يجري ومآلات ذلك في المستقبل القريب، واخرجوا جميعاً من مخيم اليرموك، وأعيدوا له الأمن والاطمئنان كما كان ملاذاً آمناً وباحة حرية وتنفس للجميع، ففي مخيم اليرموك يستوي الجميع بالأمن والاستقرار، والمعيار هو هو، ذاته لنا كفلسطينيين، بوصلة وبندقية تتجه نحو فلسطين.

 

دمار واسع في حارة الفدائية التي تقع في مداخل مخيم اليرموك الرئيسية (ناشطون)

إن حارة الفدائية ومربع مخيم اليرموك الأول والممتد من بداياته على شارع اليرموك وتحديداً من حارة الفدائية وجوارها المحيط، وخلف مشفى الرحمة وصولاً لساحة الريجة ومنطقة المحكمة، بحاجة لإعادة إعمار جديدة في المرحلة التالية، وبحاجة ليد الجميع من أجل مساعدة سكانه وقاطنيه بكل السبل والوسائل الممكنة، فهم شُهود النكبة والعلامة الفارقة التي تؤشر لفلسطين وحق العودة.

 

تركوك يا يرموك ويا شعبي من فلسطينيي سوريا، فأنا لا أبكي ولا أندب بيتاً ومنزلاً، ولا خسارة كبيرة قصمت ظهر أسرتي وعوائل إخوتي، ودمرت مشوارا طويلا من العناء والكد والتعب، وذهبت بذكرياتي، وبكل حبة عرق سالت على جبيني وجبين إخوتي في بناء منزلنا الذي حفرنا طريقنا من أجل إنجازه بأظفارنا على الصخر الصلد والقاسي، لكني أحترق وأذوب ألماً، على بكاء والدتي التي شهدت نكبات وعاشت وقائع فصول مآسي شعبنا منذ عام 1948 وقد تجاوزت عامها التسعين وهي ترى بيتها ودارها تُنسف في اليرموك بعد أن شاهدت وأبصرت اقتلاعها وزوجها وأولادها الثلاثة حينها من وادي النسناس في حيفا داخل عمق الوطن السليب في فلسطين.

 

التحية لمربع مخيم اليرموك من حارة الفدائية إلى ساحة الريجة وإلى آخر متر من أرض مخيم اليرموك الذي اصطبغ بالدم الأحمر القاني، بدماء زهرات الشباب والشابات وحتى دماء كهول وأطفال اليرموك، واصطبغ بلون فلسطين، ولنَشُدَ سواعدنا من أجل إعادة الحياة لهذا التجمع ودرء مخاطر تفكيكه، وتفكيك وإلغاء رمزيته.

 

التحية لمخيم اليرموك أول الرصاص، أول الثورة الفلسطينية المعاصرة، أول مثوى للشهداء وثاني مثوى للشهداء، مثوى شهداء الجولان والأردن والعرقوب وكل موقع روته دماء أبناء فلسطين، محمد حشمة، أبو علي المدني، ممدوح صيدم، وائل زعيتر، عطاف سرحان، أبو خلدون التعامرة، محمد صافي شما، عبد الحميد أبو سرور، صالح أبو عفار، خالد كوسا، إسماعيل صيام، عبد الكريم الكرمي، هنريك جي، زهير محسن، سعد صايل، طلعت يعقوب، خليل الوزير، محمد عباس، فتحي الشقاقي، جهاد جبريل، فهد عواد، نمر صالح، أبو الوليد الرومي، وقوافل الأُلوف المؤلفة... مخيم المُعسكر الأول، البندقية الأولى، القنبلة الأولى، القلب النابض الأول، مخيم الشهيد فتح الأول أحمد موسى الدلكي من قرية ناصر الدين قضاء طبرية، شهيد جيش التحرير الفلسطيني الأول، شهيد قوات التحرير الشعبية الأول، شهيد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الأول خالد أبو عيشة، شهيد القيادة العامة الأول خالد الأمين من يافة الناصرة، شهيد جبهة التحرير العربية الأول نصر الغوري من غور الحولة، شهيد الصاعقة الأول، شهيد جبهة التحرير الفلسطينية الأول.... مخيم الاستشهادي الأول في المسيرة الفلسطينية المعاصرة ابن مدينة يافا الشهيد منير المغربي قائد عملية الخالصة (كريات شمونة).

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/15-

مصابو الانقلاب.. الرصاصة لا تزال في جسدي

مصابو الانقلاب.. الرصاصة لا تزال في جسدي

 

محمد إمام-القاهرة

 

بعد ستة أشهر من الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي, واستخدام الأمن للرصاص الحي والخرطوش في فض اعتصام أنصاره بمحيط مسجد ميدان رابعة العدوية, والميادين والساحات المحيطة بهما, لا يزال عدد من المصابين يحملون في أجسادهم بعض الرصاص الحي, أو طلقات خرطوش.

 

ويؤكد المصابون أن الأطباء قرروا ترك رصاص وخرطوش بداخل أجسادهم, خوفًا من مضاعفات التدخل الجراحي, ما قد يؤدي إلى الإصابة بشلل نصفي أو تام.

 

وشددوا في حديثهم للجزيرة نت على أنهم لن يتوقفوا عن الخروج والمشاركة في الفعاليات المعارضة للانقلاب العسكري، مهما كانت الظروف, وأنهم لن يفرّطوا في حقوقهم وحقوق من قتلوا.

 

وكانت عملية فض اعتصامي رابعة ونهضة مصر, الرافضين للانقلاب العسكري الذي جرى في الثالث من يوليو/تموز الماضي, أسفرت عن سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل وسبعة آلاف جريح، وفق تقدير "التحالف الوطني لدعم الشرعية", بينما ذكرت وزارة الصحة أن حصيلة الضحايا بلغت 525 قتيلا، إضافة لأكثر من 3500 مصاب.

 

رصاصة بالنخاع

ويقول محمد صلاح مرعي (34 سنة) تاجر يسكن بمنطقة المرج بالقاهرة إنه أصيب في أحداث رمسيس الثانية التي وقعت يوم الجمعة التالية لفض اعتصام رابعة.

 

وروى للجزيرة نت تفاصيل إصابته, فقال "تلقيت رصاصتين في ذراعي اليمنى, إحداهما رصاصة متفجرة أدّت إلى قطع شرايين وأعصاب الذراع, وتفتت عظمتي الساعد تمامًا، ورصاصة أخرى دخلت بين فقرتي العنق, وتوقفت قبيل النخاع الشوكي مباشرة؛ وكنت بفضل الله الحالة الوحيدة من ضمن خمس حالات مشابهة لم تصب بالشلل".

 

وأضاف محمد "نقلني بعض الشباب بعد إصابتي مباشرة إلى مسجد الفتح, فوضعوا لي محاليل وضمدوا جراحي, وهم لا يعرفون ما الذي أصابني, ثم أخذني أحدهم إلى مستشفى المنيرة الذي طلب مني الذهاب إلى مستشفى قصر العيني".

 

وتابع "كان قد وصل إليّ أخي سعيد وسامي وابنا سعيد, ولدى تحركنا من المنيرة للذهاب إلى قصر العيني, قابلنا كمين أمام مركز شرطة قصر النيل, فأوقفنا واعتقل أخويّ, وابنيْ سعيد, وصديقا لي كان معي, وتركوني ملقى مع ثلاثة مصابين آخرين, أنزف من عنقي لأكثر من ساعة ونصف الساعة".

 

وأوضح أن الأطباء رفضوا إزالة الرصاصة من عموده الفقري, خوفًا من تحريكها أو قطع أية أعصاب أو التأثير على النخاع نفسه, وهو ما قد يهدده بالشلل, لذا قرروا أن يكمل حياته وهي في عنقه, كما أظهرت أشعة مقطعية على المخ وجود خرطوش على الجدار الخارجي للجمجمة, ورفض الأطباء إزالته أيضًا, خوفًا من مضاعفات العملية.

 

وأشار محمد إلى أنه أجرى 15  عملية جراحية من يوم 16 أغسطس/آب الماضي حتى الآن, تم فيها عمل رقعة جلدية من جلد الفخذ، وعمل رقعة عظمية من عظام الحوض، كما سيتم إجراء عملية أخرى لعمل رقعة عصبية للذراع.

 

وحول تأثير الإصابة على حياة محمد, قال إنه منذ إصابته لا يستطيع الحركة إلا بمساعدة الآخرين, إذ أنّ أيّ حركة مفاجئة أو غير مناسبة قد تسبب له مضاعفات خطيرة, سواء في العمليات التي أجراها بذراعه, أو الرصاصة المستقرة بعموده الفقري.

 

وأصبح محمد عاجزًا عن ممارسة عمله, الذي كان يتطلب منه الحركة والتنقل بين العملاء, خاصة مع اعتقال أخويه وابنيْ أخيه, وهم شركاؤه في نفس العمل.

 

محمد صلاح مرعي - مكان رصاصة العنق (الجزيرة)

الإصابة فخر

وأوضح أنس عبد المجيد عمران (29 سنة) صيدلي يسكن بقرية ناهيا بالجيزة أنه أصيب في فض رابعة, وجاءت الإصابة برصاص حي بين عظمة الفخذ والحوض.

 

يقول للجزيرة نت "كان علي الاختيار بين إزالة الرصاصة أو بقائها, فاخترت بقاءها لأن إزالتها كانت ستؤثر على حركتي".

 

وتابع أنس "استقرار الرصاصة في جسدي ﻻ يمثل مشكلة بقدر ما تمثله إزالتها, لأنها حينها ستؤثر على الحركة, إذ سيتسبب ذلك غالبًا بقطع في الأوتار والعضلات".

 

وأشار إلى أن مكان الرصاصة يؤلمه عندما يقوم بمجهود شاق. وعن شعوره وهو مضطر للتعايش مع رصاصة بجسمه, قال "أشعر بالفخر لأني أصبت بالرصاصة وأنا أدافع عن وطني وحقي وديني, وأتمنى من الله أن تكون سببًا في دخولي الجنة"

 

وحول موقفه من الانقلاب بعد إصابته واستمرار وجود رصاصة بداخله كانت ستودي بحياته, قال "لن أتراجع عن موقفي, بل لقد زادتني الإصابة إصرارًا على الصمود في وجه اﻻنقلابيين".

 

وبين أنه مستمر في موقفه وخروجه في المظاهرات والاحتجاجات المناهضة لنظام الانقلاب "حتى ينحدر الانقلابيون ويسقطوا, وتعود الشرعية, ويحاكَم القتلة" مشيرًا إلى أنه وغيره الكثيرين وهبوا أنفسهم لله, ولن يتراجعوا.. "ومكملين".

 

لا تراجع

وقال عبده محمد حسن (٢٥ سنة) يقيم بالمنصورية بمحافظة الجيزة إنه يفتخر بإصابته, وإنه كان يتمنى الشهادة, لذا فهو يشارك في كل المسيرات التي تخرج في قريته وفي المحافظة.

 

وأضاف عبده -الذي يدير مؤسسته الخاصة للمعدات الثقيلة- أنه أصيب في أحداث مدينة الإنتاج الإعلامي التي وقعت مطلع أغسطس/آب وقبل فض رابعة مباشرة, بخرطوش استقر في كتفه اليمنى, ورفض الأطباء إزالته.

 

وقال للجزيرة نت إن الخرطوش الذي أصيب به "عبارة عن كرات حديدية حادة الأطراف, أميركية الصنع, تبلغ حجم الواحدة ستة ملليمترات". وبين أن الطبيب رفض إزالة الخرطوش من الكتف, لصعوبة إخراجه دون حدوث قطع في الأوردة والشرايين.

 

وتابع عبده  "أشعر بالخرطوش دائماً ويؤلمني أثناء الحركة, ولكن لم أتركه إلا بعد أن أكد لي الطبيب أن تركه أفضل من إزالته. وأوضح أن إصابته وما جرى له ولغيره تجعله يصر على موقفه, مضيفًا "لا تراجع ولا استسلام إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/15-

النكبة لا تبعد عن المحرقة

النكبة لا تبعد عن المحرقة

 

وديع عواودة- يافا

 

لم تقبل إسرائيل يوما الربط بين المحرقة والنكبة وذلك في محاولة لاحتكار الوجع الإنساني وصيانة لبوس الضحية.

 

لكن الفنانة الإسرائيلية دفورا موراج (65 عاما) لا تأبه بذلك وتقارن في معرض رسوماتها الحالي في تل أبيب (وقلت لابنتك) بين المحرقة والنكبة مشددة على أن الوجع الإنساني واحد.

 

موراج ابنة عائلة يهودية هاجرت من بولندا إلى فلسطين عام 48، تنشط لنشر الوعي لدى الإسرائيليين بأهمية احترام الآخر والتعرف عليه، من خلال رسم لوحات تشكيلية يدخل في معظمها عنصر البيت.

 

وتعتقد أن تغيير زاوية النظر للآخر يساعد في رؤية الواقع بطريقة مغايرة، تقرب الناس من بعضهم البعض، وتعتبر أن الفن خير وسيلة لذلك.

 

موراج الناشطة في بناء علاقات تواصل بين عائلات ثكلى من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني تشدد على حيوية رؤية الواقع بعيون إنسانية أولا. وتقول "أضع نفسي كأم مكان الأم الفلسطينية في جنين التي يقتل أو يعتقل ابنها على يد الاحتلال".

رسالة موراج أن تنقل معاناة الفلسطينيين بخطاب المحرقة التي يفهمها اليهود والغرب (الجزيرة)

زاوية نظر أخرى

وبشأن دوافعها في أعمالها الفنية الاستثنائية تنبه الفنانة الإسرائيلية إلى أنها لا تؤيد عودة كل اللاجئين الفلسطينيين، لكنها تدعو الإسرائيليين لفهم واحترام شعب آخر كان هنا، وتم تدمير بلداته في النكبة.

 

وتتابع "لم تبلغ مأساة الفلسطينيين حد إبادة شعب لكن الألم هو الألم، وينبغي رؤية الآخر والتقرب منه، وألا نكون متعالين متعجرفين كما نحن الإسرائيليين اليوم".

 

وتوضح أن مقارنتها بين المحرقة والنكبة في أعمالها الفنية تستفز الإسرائيليين، وتقول إنها غيرّت زاوية النظر للواقع وللآخر، خاصة الفلسطيني، عقب جدل سياسي بينها وبين مصور من غزة التقته في باريس قبل عقد، ومن وقتها تنظر للصراع من زاوية نظر مختلفة.

 

وبهذه النظرة إلى الآخر، قامت بإنجاز فيلم قصير عن والدتها جينا كوبالسكي (92 عاما) وهي مهاجرة نجت من النازية وخسرت كل أملاكها في بولندا، لكنها رفضت الاستيطان في بيت فلسطيني بيافا هجّر أهله في النكبة 1948.

 

في الفيلم تستعيد كوبالسكي تجربتها القاسية مع النازيين في سياق تبرير رفضها استلام بيت فلسطيني مهجر في يافا فتقول لابنتها "كنا مجموعة نساء عاريات، حلقوا شعر رؤوسنا، ولم نعد نبكي حينها بعدما جفت مآقينا".

 

وتضيف "لم نعرف ما هي المحرقة، يدخلونك بها ولا تعلمين إلى أين أنت ذاهبة. كانوا يقولون لنا هل ترون؟ هناك مدخنة يخرج منها دخان، أنتم بانتظار الدخول إلى هناك".

 

ومن بولندا انتقلت لفلسطين عام 48  وتستذكر كيف تم إنزال المهاجرين الجدد في ميناء حيفا قبل نقلهم لمخيم مؤقت في مستوطنة "برديس كاتس" قضاء حيفا.

 

مفتاح البيت

وتعيد بلهجة تفضح شعورا بالأسى "صرنا نبيت داخل خيم وكان شتاء قاسيا عام 49، وكانت أمطار غزيرة جدا قد بللت ثيابنا وكنا نبكي دوما".

 

بعد الاحتجاج بادرت الوكالة اليهودية لنقل المهاجرين من المخيم إلى يافا وأعطوا  لكوبالسكي مفتاح بيت حجري محاط بجدار مجاور للميناء على شاطئ البحر المتوسط.

 

ويؤدي الفيلم رسالته عندما تقول "فتحنا الباب ودخلنا المنزل فاسودت الدنيا بعيوننا. كان البيت جميلا لكننا لم ندخله، ففي الساحة كانت طاولة مستديرة وعليها أطباق. شاهدنا أيضا قبوا بجانب البيت فانتابني شعور بالخوف".

 

وتوضح أنها تألمت عندما أدركت أن ما يصيب الفلسطينيين هو ذاته ما أصاب اليهود في أوروبا، وذكرتها منازل يافا المهجرة ببيتها في بولندا الذي اضطرت لتركه.

 

وتكمل روايتها التاريخية "عندما دخل الألمان ألقوا بنا في الغيتو، وهنا بالضبط شاهدنا ذات الوضع ولم يكن باستطاعتنا البقاء. رفضت أن أفعل بفلسطينية ما فعله النازيون بي. ذهبت وأعدت المفتاح وعدنا لمخيم مؤقت آخر أفضل حالا من الأول".

 

وتقول د. كتسيعا علون -منظمة المعرض- إن الأم في الفيلم تمسك بالتاريخ الشخصي الخاص بها وبتاريخ اليهود كافتهم.

 

النازية والصهيونية

بكلمات قليلة تعبر كوبالسكي عن القشعريرة التي انتابتها حينما شعرت أنها كناجية من النازية تدفع من قبل الصهيونية نحو بناء ذاتها على خرائب الآخرين، فينتفض ضميرها الإنساني.

 

وتتابع "في الفيلم القصير بوسعك أن تستشعر معاناة من اضطروا للفرار من ديارهم دون أن تتاح لهم فرصة توضيب ملابسهم". وهذا ما ينعكس في واحدة من رسومات المعرض التي تظهر فيها طاولة طعام فارغة دون أشخاص يبعثون بها الحياة.

 

في واحدة من رسوماتها الزيتية الضخمة تستوحي موراج من صورة صحفية يظهر جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح، وهو يقتحم بفظاظة بيتا فلسطينيا ويستقر في مطبخه وشرفته، لمراقبة شباب يلقون بالحجارة نحو دورية الاحتلال.

 

ويهيمن مشهد البيت الفارغ في رسوماتها الضخمة في الإشارة لمنازل المهجرين الفلسطينيين، وهي تجمع بين مشاهد معسكرات النازية وبين واقع الاحتلال في توليفة مشحونة بمعنى رمزي سياسي واضح.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/15-

منى قعدان.. أسيرة الاعتقال المتكرر

منى قعدان.. أسيرة الاعتقال المتكرر

 

عاطف دغلس- نابلس 

 

لم تكد الأسيرة الفلسطينية منى قعدان (42 عاما) ترى النور وتتنفس نسيم الحرية حتى أعادت إسرائيل اعتقالها للمرة الخامسة على التوالي قبل ثلاثة عشر شهرا، بُعيّد الإفراج عنها من سجون الاحتلال ضمن صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار) بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) قبل أكثر من عامين.

 

وتحت طائلة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي وتهم أخرى "تضر بأمن إسرائيل" يواصل الاحتلال اعتقال منى -من بلدة عرابة جنوب جنين شمال الضفة الغربية- ويخضعها لتحقيقات قاسية، أدت لخوضها إضرابا عن الطعام أحيانا.

 

 ويقول طارق -شقيق منى- للجزيرة نت ابتدأ مسلسل الاعتقال بحق منى عام 1999، حيث قادها التحقيق القاسي للإضراب عن الطعام 32 يوما، ما دفع الاحتلال للإفراج عنها، لتكون ثاني أسيرة بعد الأسيرة عطاف عليان تضرب عن الطعام لهذه المدة.

 

منى قعدان اعتقلت هي واشقائها الثلاثة وامها توفيت وهي بداخل المعتقل (الجزيرة)

تلويع وانتقام

ويدل اعتقال منى الأخير في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 على استهداف الاحتلال لها، خاصة وأنه لا يقوم على ما استجد من اتهامات "ملفقة" فقط، وإنما يعني "إعادة تثبيت الحكم السابق عليها الذي لم تكمله نتيجة الإفراج ضمن الصفقة" يضيف شقيقها.

 

ويشير طارق إلى أن منى تحاكم لدى الاحتلال على قيادتها جمعية خيرية مرخصة بعملها من الاحتلال نفسه، ترعى 1200 يتيم من أبناء الشهداء وغيرهم، مؤكدا أنه لم يصدر حكما بحقها حتى الآن، "بينما تطالب المخابرات الإسرائيلية بحبسها أربع سنوات".

 

ولم تكن منى وحدها من تجرع مرارة الاعتقال بين عائلتها، إذ اعتقل أشقاؤها الثلاثة طارق ومحمود ومعاوية لمرات عديدة.

 

وحتى بعد الإفراج عنهم مارس الاحتلال ضغوطه عليهم، حيث لاحقهم بلقمة عيشهم، وحرمهم من التنقل والسفر، ومنعهم وأزواجهم وأولادهم وحتى شقيقاتهم من زيارة منى. 

 

ويصف محمود قعدان -الشقيق الأكبر لمنى- أو "أم النور" كما يطلقون عليها ليلة الاعتقال "بالسوداء"، ويقول إن عشرات الجنود اقتحموا المنزل منتصف الليل، ومكثوا فيه أكثر من ثلاث ساعات، ليس بهدف تفتيش طوابقه الثلاثة وقلبها رأسا على عقب، بل "بالتحقيق الميداني" للضغط عليها أمام عائلتها.

 

ثم اقتيدت منى لمعسكر الجلمة شمال فلسطين المحتلة لاستكمال التحقيقات، على غير عادة الاحتلال الذي يأخذ الأسيرات لسجن هشارون ويحقق معهن هناك.

 

الاحتلال يتهم الاسيرة منى قعدان بالضلوع باعمال ارهابية (الجزيرة)

تحدّي الاحتلال

لكنّ أم النور سخّرت الاعتقال لغير ما أراده الاحتلال، فعقدت قرانها من داخل المعتقل على الأسير إبراهيم اغبارية من فلسطين المحتلة عام 1948 وهو أحد قدامى الأسرى.

 

وتوصف الآن بأنها أم للأسيرات، حيث تقوم على رعايتهن وتحفيظهن القرآن وتلبية احتياجاتهن، فقد توفيت والدتها وهي داخل الأسر.

 

وحتى حلمها بالزواج يعاقبها الاحتلال عليه، تقول الأسيرة المحررة ميسر عطياني، حيث يبذل كل جهده لتنال منى حكما عاليا يصعب معه انتظار زوجها لها الذي من المتوقع أن يُطلق سراحه في مارس/آذار القادم ضمن المرحلة الرابعة من الإفراج عن الأسرى القدامى الـ 104  وفق اتفاقها مع السلطة.

 

وتضيف عطياني -التي أفرج عنها من وقت قريب- للجزيرة نت أن النيابة والمخابرات الإسرائيلية تضغطان على منى بكل قوتهما لزعزعة زواجها من إبراهيم الذي انتظرته 11 عاما.

 

وتقول إن أسلوب "الضغط النفسي" هذا، بات الأكثر استخداما لسلطات السجون على الأسيرة منى، بعدما فشلت كل محاولاتها للنيل من عزيمتها ودماثة خلقها وصبرها وخدمتها للأسيرات.

 

وتشير إلى أن سلطات الاحتلال تمارس على أم النور كبقية الأسيرات "سادية" مطلقة، خلال التحقيق معها بشتمها بكلمات نابية، وباقتيادها للمحكمة "التي تأجلت بحقها عشر مرات" مكبلة واحتجازها لساعات بالعزل الانفرادي قُبيل المحاكمة.

 

وتقبع في سجون الاحتلال خمسة عشر أسيرة، تعد الأسيرة نوال السعدي (52 عاما) من مدينة جنين أكبرهن، وكلهن يتعرضن لانتهاكات خطيرة من سلطات السجون.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/15-

"شام" الفلسطيني .."مارادونا العرب" في لندن

"شام" الفلسطيني .."مارادونا العرب" في لندن

 

محمد أمين-لندن

 

كحال العديد من عواصم الغرب، تلمع في لندن العديد من قصص النجاح العربية لنجوم لمعت أسماؤها في الغرب بعد أن عاشت سنوات طويلة مدفونة في بلدانها الأصلية. شام، الفتى الفلسطيني من قرية بتّير ذي الستة عشر ربيعا، يقول للجزيرة نت إن انتقال عائلته للإقامة في لندن حوَّل مسار حياته وقرّبه أميالا من حلمه.

 

الفتى عاشق كرة القدم الذي غادر الأردن مع عائلته قبل ثلاث سنوات، وجد في الأندية الإنجليزية ما كان يحلم به، فقد فتحت إنجلترا ملاعبها وأنديتها له إلى أن أصبح يقود الفرق الإنجليزية المحلية لتصدر الدوريات، وبات معروفا كهدّاف محترف تتسابق الأندية لضمه.

 

بعض العرب هنا يصف شام بـ"مارادونا العرب"، ويتوقع له الاحتراف والنجومية. أما هو فيقول إنه سيرفع علم فلسطين في كأس العالم، بعدما يدخل التصفيات العالمية هدافا في أشهر الأندية العالمية.

 

شام أثناء إحدى الحصص التدريبية (الجزيرة)

طفولة كروية

يبدأ شام سرد قصته مع الكرة بتذكر أن والدته دوما كانت تقول إنه في طفولته كان مولعا بمشاهدة مباريات كرة القدم منذ سني عمره الأولى. ويقول إنه منذ عمر العامين كانت الكرة تشغله، إلى أن بدأ اللعب في "الحارة" مع أبناء الجيران، وانتهى مع الناشئين في فريق الفيصلي الأردني المحلي.

 

عندما يقارن شام بين بريطانيا والدول العربية يقول متحسرا إنه وجد في لندن ما لم يجده هناك من الفرص. فالاهتمام الحقيقي والتدريب، وفتح كل الأندية والملاعب أمامه بالمجان أمور جعلت منه لاعبا آخر أكثر احترافا ووعيا.

 

ويضيف أن "الأندية الرياضية مفتوحة ومجانية هنا، والملاعب بعشب طبيعي وتحاكي الملاعب العالمية". والأهم أيضا هو "روح التشجيع والاحتضان" التي وجدها، فلا أحد يضحك عندما يحدثه شام عن "حلمه باللعب في مانشستر ستي أو ريال مدريد أو برشلونة"، بل يتحدثون معه بجدية عن أن هذا متاح بالتدريب والجد، ويزدادون تقديرا له كلما تحدث عن أحلامه الكبيرة.

 

صناعة المحترفين

بدأ شام رحلته اللندنية في فريق غرين سليتك (GREEN CELITC) وهو الفريق المحلي حيث يقيم، ويقول إنه ذهب برفقة والده إلى نادي أرسنال أقرب إستاد لبيته، وسأل عن كيفية التسجيل فعلم أن عليه التسجيل في الفريق المحلي في مكان إقامته، وأن يلعب هناك ويتدرج ومن ثم تأتي مدارس الأندية الشهيرة لتبحث عن المتفوقين في الأندية المحلية وتعرض عيهم الالتحاق بها، وليس العكس.

 

في ناديه المحلي سرعان ما بدأ شام باللعب، فاستطاع أن يتفوق ويصبح أفضل لاعب في الفريق وحصل على لقب هداف "قرين فورد". ويقول شام إن  تشجيع مدربه له، والروح الرياضية العالية التي يمتاز بها كل اللاعبين جعلته يتحرر من ذاته ويشعر أنه إنجليزي، فلا تفريق ولا تمييز، لا شيء سوى التنافس الشريف وتبادل الخبرات.

 

المدرب واللاعبون ساعدوا الفتى الفلسطيني كما يقول، وشعر أن الجميع يريدون أن ينقلوا له الخبرة الإنجليزية، وأن يدعموه بعد أن لاحظوا تفوقه. وأخذ شام فرصة اللعب في الدوريات المحلية، واكتسب كما يقول خبرة اللعب الإنجليزي سريعا، بفضل هذه الروح التي يصفها بالرائعة.

 

ويبدي شام إعجابه بالدوريات المحلية ويقول "كأنك في كأس العالم"، ويعتقد أن توفير الإمكانات للتدريب العملي، واللعب في الملاعب المكسوة بالعشب الطبيعي والمفتوحة والمجهزة يعطيك انطباعا أنك في تصفيات حقيقية. كما أن "الإستادات" والأندية المجانية والتدرب ثلاث مرات في الأسبوع يصقل المهارات.

 

ويضيف شام، ينتقل اللاعب في بريطانيا من مرحلة الدوريات المحلية إلى مرحلة أعلى تتميز بحكام أكثر مهارة ومدربين أفضل، وفي هذه المرحلة تجري تصفيات للمهاجمين استطاع شام أن يعبر فيها ربع النهائي على مستوى المملكة المتحدة.

 

شام أثناء إحدى المباريات (الجزيرة)

التوجه للاحتراف

مفارقات كثيرة يلمسها شام عندما يحاول أن يجري مقارنات، فالرياضة هنا تقترن بالدراسة، فهو قد اتجه لكلية همرسمث لدراسة العلوم الرياضية التي بدورها عرضت عليه إجراء الاختبار الرياضي الذي يؤهله للعب مع فريق "كيو بي آر" الذي يعتبر من ينجح به ويلعب معه واحدا من المرشحين للاحتراف في الأندية الإنجليزية الشهيرة، فشام اليوم يدرس ويلعب وينتظر الاحتراف ويحلم بالالتحاق ببرشلونة، وأن يرفع علم فلسطين في كل أنحاء العالم.

 

يتفق والدا شام على دعم ابنهما في توجهه الرياضي، ويقول جهاد أبو فلاح والد شام إن الفكرة العربية التقليدية عن الرياضة واحترافها غير صحيحة، فالآباء في العالم العربي يرون أن من يدرس الرياضة هو الضعيف علميا، وأن العمل بها ما هو إلا مضيعة للوقت ولا مردود ماديا له، لأنها ليست عملا. أما هو فيرى عكس ذلك تماما، ويعتقد أن الرياضة هواية وفن، وأنه يدعم شام ويتواصل مع مدربيه ويحترم خياره ورغبته.

 

أما والدته عفاف فتقول هي أيضا إن فكرة الإبداع والموهبة هي الأساس، وإنها يدعمان ما يريده شام، ويفخران به، وينتظران اليوم الذي يرونه فيه لاعبا شهيرا وبطلا عالميا، ليكون فعلا "مارادونا العرب".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/15-

العقيد الكردي: "الحر" الحلقة الأضعف بالثورة السورية

العقيد الكردي: "الحر" الحلقة الأضعف بالثورة السورية

 

خاص - مجلة الجزيرة

 

تمر الثورة السورية بمرحلة حرجة سياسيا وعسكريا،  فالحراك السياسي على صعيد طرفي الصراع والقوى الدولية من أجل تسوية سياسية بمؤتمر جنيف 2، وتحقيق النظام شبه استقرار عسكري على الأرض، في ظل معارك تنشب بين الحين والآخر بين الفصائل المسلحة المعارضة للنظام.

 

في هذه الأجواء تلتقي مجلة الجزيرة العقيد مالك الكردي نائب قائد الجيش السوري الحر، للوقوف على مواقف وقراءات "الحر" لمختلف التطورات والقضايا المتعلقة بالثورة السورية.

 

وهذا نص الحوار:

 

 

كيف تنظرون إلى المعارك الجارية على الساحة السورية بين تنظيم "دولة الإسلام في العراق والشام" والفصائل المناوئة لها؟

 

- يؤسفنا ما يجري الآن، وكنا قد حذرنا مرارا من دخول عناصر من خارج الوطن، تحمل أيديولوجيا غريبة عن سوريا، وهو ما أدى إلى التصادم.

 

إن فكرة إقامة دولة تعود إلى ما قبل التاريخ مستحيلة في الواقع السوري، عناصر تنظيم" دولة الإسلام في العراق والشام" تمادت في غيها، وتصرفت أحيانا بشكل غير مقبول للمجتمع السوري الثوري، خاصة أعمال القتل غير المبرر دون محاكمات عادلة.

 

كما أن واقع الحال لا يسمح بإقامة هذه الأحكام في المرحلة الراهنة، ويجب معالجة الأخطاء التي تقع في الثورات باحتوائها وليس بالتصادم معها، "الدولة الإسلامية" تقول إنها تحاول تطبيق الشريعة الإسلامية ولكنها تبتعد عن الشريعة تماما.

 

تمكن النظام من اختراق أغلب الفصائل المقاتلة، لكنه تغلغل بشكل كبير في "الدولة الإسلامية" ووصلت عناصره إلى قياداتها معتمدة على ارتداء الأقنعة التي يرتديها أفراد التنظيم، الأمر الذي فرض على الكتائب المسلحة، العمل على لجم تصرفات هذا التنظيم.

 

في تقديركم هل ستتمكن الكتائب من القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية"؟

 

-من الصعب التكهن بإمكانية القضاء عليه، لأن الدعم الذي يقدم له أكبر مما يقدم للفصائل مجتمعة، إضافة إلى أن عناصره أكثر تدريبا ومراسا، والهدف الآن يتركز على تنقيته من العناصر الفاسدة وإعادته إلى صفوف الثورة للعمل على تحقيق هدفنا المحدد وهو إسقاط النظام.

 

كيف تقيم وضع الثورة السورية الآن، وما مصيرها؟

 

-الثورة في منعطف صعب جدا، ولكن لم تصل إلى حد المأزق، نأمل تجاوزه بوقت قريب إن شاء الله.

 

العقيد مالك الكردي متحدثا لمجلة الجزيرة (الجزيرة)

ورقة المساعدات

قررت الولايات المتحدة وقف مساعداتها غير الفتاكة، التي كانت تقدمها للمعارضة والشعب السوري، هل لهذا القرار تأثير عليكم، أم أن المساعدات أصلا لم تكن تغني أو تسمن من جوع؟  

 

 -قرار وقف المساعدات الأميركية للشعب السوري يأتي ليزيد من معاناته، ويضغط على المعارضة السياسية لجرها للقبول بمقررات تفرض عليها في جنيف 2.

 

الشعب هو الذي يعاني من تلك القرارات المرتجلة، أميركا قدمت بعض المساعدات الغذائية، وأعطت الضوء الأخضر لدول أخرى لتحذو حذوها وتبادر لتقديم مساعدات مشابهة.

 

قرار وقف المساعدات اليوم يأتي ليصب الزيت على نار معاناة السوريين، فقد يدفع دولا أخرى للقيام بذات الخطوة فتوقف مساعداتها للشعب السوري، في هذه الأجواء من الشتاء القارس وحاجة الشعب للأدوية والتجهيزات الطبية والأغذية ووقود التدفئة.

 

 كيف تنظرون إلى مؤتمر جنيف2، وهل ستشاركون فيه؟

 

 -نعتقد أن مؤتمر جنيف 2  لن يقدم الكثير للشعب السوري، حيث سيحافظ على بنية النظام وأركانه، ربما يثمر فقط عن إزاحة شخص بشار الأسد، لكن هذا يعني إبقاء قوى القتل والقمع، والقيادات التي أمرت الجيش وقوات الأمن بارتكاب جرائم القتل والمجازر بحق الشعب السوري.

 

هذا مؤسف جدا، ويأتي في إطار الضغوط الدولية الشديدة التي تمارس على الشعب السوري، والقوى السياسية المعارضة.

 

لم نتبلغ حتى الآن الدعوة -من أية جهة كانت- لحضور المؤتمر، أو حتى تمثيل حضورنا في جنيف، كما لم يتم إطلاعنا على الأفكار التي طرحت، والنقاشات التي دارت وتدور حول المؤتمر.

 

محتجون أمام مقر للدولة الإسلامية في حلب على قتال الدولة لفصائل المعارضة المسلحة (غيتي)

الحر" الحلقة الأضعف"

 

في الشأن الداخلي، هل يخسر الجيش الحر السيطرة على الأرض مؤخرا لمصلحة الجبهة الإسلامية؟

 

- نعم، تتوسع كافة المجموعات التي يمكن وصفها بالإسلامية، لأن الجيش السوري الحر بات الحلقة الأضعف في الثورة السورية، بسبب ضعف الإمكانات المقدمة له، حيث تحولت طرق الدعم إلى الفصائل التي تحمل شعارات إسلامية أو إلى التنظيمات الإسلامية.

 

الجيش السوري الحر يحرم اليوم من الحصة الكبرى من الإمداد والدعم منذ أكثر من عام مما أضعفه، وجعل المجموعات الإسلامية أقوى.

 

كيف تقيّمون علاقة الجيش الحر بالمجموعات الإسلامية؟

 

-نعمل دائما على التنسيق مع كل الفصائل العاملة على الساحة السورية على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، لأن هدف الجيش الحر هو العمل على إسقاط النظام، وبالتالي العمل مع كل الفصائل التي تناصب العداء لهذا النظام.

 

إستراتيجيتنا تقوم على التنسيق والتفاهم مع تلك الجماعات للتوصل إلى حلول حول المسائل الخلافية.

 

لماذا تنشغلون بمعارك جانبية بأكثر من موقع مع فصائل إسلامية، بينما النظام يحقق تقدما وانتصارات واضحة على أكثر من جبهة على الأرض؟

 

-للأسف تنشغل بعض الجماعات الإسلامية بفكرة إقامة الدولة بشكل عام في هذه المرحلة، في حين نحن نركز على إسقاط النظام أولا، وبعد ذلك يمكن أن نهتم بموضوع شكل الدولة، وسنترك للشعب السوري تقرير الشكل الذي يريده للدولة القادمة.

 

تحصل تجاوزات أحيانا من كتائب الجيش السوري الحر والفصائل الإسلامية على الساحة الثورية، هذه الأحداث أو المخالفات أو التجاوزات تحصل في أي مجتمع ثوري، وتحصل بعض الأمور السلبية وتتم معالجتها بطريقة منظمة، بالاحتواء ومن ثم الالتفاف حول المشكلة وحلها.

 

لكن للأسف، بعض التنظيمات تعمد مباشرة إلى العمل المسلح في التعامل مع هذه الخلافات، وهذا يسبب الاقتتال بين الفصائل، الأمر الذي يعطي النظام فرصة كبيرة للتقدم على الجبهات بينما الفصائل تتقاتل فيما بينها.

 

ضحايا عملية إعدام لأسرى من مقاتلي المعارضة قتلوا في منطقة خاضعة للدولة الإسلامية في العراق والشام (غيتي)

نُحرر ويسيطرون

 

هل صحيح أن الجيش الحر هو الذي يحرر الأرض لتأتي الفصائل الإسلامية وتحكمها؟

 

-حتى منتصف عام 2012  كانت قوى الجيش السوري الحر بمختلف فصائلها تحرر الأرض، معظم المناطق المحررة اليوم من إنجازاته، وتأتي بعض التنظيمات والفصائل ذات الصبغة الإسلامية وتسيطر على تلك المناطق المحررة وخاصة المعابر الحدودية وحقول النفط والمواقع الاقتصادية المهمة.

 

بينما تقوم سياسة الجيش السوري الحر على أن هذه المرافق ملكية عامة يجب عدم المساس بها، لأن هدفنا الأساس هو إسقاط النظام، وتلك المرافق الاقتصادية يجب أن تبقى بعيدة عن السيطرة والعبث.

 

استغلت الجماعات الإسلامية هذه المسألة وسيطرت على تلك المرافق، في حين تشارك بفعالية محدودة في قتال النظام، وكان يجب عليها أن تضع ثقلها الأساس مع الجيش السوري الحر لمقاومة النظام في ساحات القتال على مختلف الجبهات.

 

وماذا عن علاقتكم كجيش حر باللواء سليم إدريس وقيادة الأركان؟ هل هناك تنسيق بينكم أم أن الخلاف أيضا سيد الموقف؟

 

-عندما تم اتفاق أنطاليا، كان هناك هدف أساسي تمثل بإبعاد قيادات الجيش الحر عن الاتفاق ولم نحضر المؤتمر، وآثرنا عدم القيام بأي عمل من شأنه إجهاض مؤتمر أنطاليا، لأن هدفنا في النهاية هو إسقاط النظام، وكل تشكيل يمكّن السوريين من إسقاط النظام فلا بأس به.

 

حاولنا مرارا الاتصال مع الأركان والائتلاف وما زلنا نتقدم إليهم من أجل الوصول إلى صيغة تمكننا من إنشاء جيش منظم يضم القوى الثورية، ولكن حتى اللحظة لم نتوصل إلى أية خطوة مهمة، يستمعون لنا لكن لا يوجد أي اتصال من طرفهم حتى الآن.

 

 تجري بيننا وبين الحكومة المؤقتة اتصالات مباشرة، لاسيما مع وزير الدفاع السيد أسعد مصطفى، من أجل إيجاد صيغة لتنظيم جيش يضم في صفوفه كافة العسكريين وكافة الفصائل.

 

مقاتلو الجيش السوري الحر في استراحة لتنظيف أسلحتهم وتعبئتها بالذخيرة (أسوشيتدبرس)

مشروع جديد

 

إلى أين وصل الجيش السوري الحر؟ وهل لديكم مشروع لإعادة هيكلته والنهوض به من جديد؟

 

-بالتأكيد، إننا بصدد إنشاء جيش منظم، وفق إستراتيجيات الجيوش الحديثة في كل دول العالم، وأن يخضع هذا الجيش للتراتبية العسكرية، ويعمل وفق أسس مهنية وعملية، وفي الوقت نفسه يستوعب القوى الثورية في الجيش الشعبي المنظم، تحت ظل القيادة العسكرية الموحدة لهذا الجيش.

 

ما العلاقة التي تربطكم بتكتل جبهة ثوار سوريا الذي تم تشكيله في إدلب مؤخرا؟ أم أن التشكيل يتبع اسميا فقط للجيش الحر؟

 

-كما هو معلوم، جبهة ثوار سوريا وجبهة أحرار سوريا تشكيلان للجيش السوري الحر، ويتبعان لقيادة الأركان.

 

لا شك، أننا مع أي تجمع يعطي قوة للثورة السورية، وهذا ما نسعى إليه بشكل عام، من أجل دمج القوى والكتائب الصغيرة في إطار موحد وكذلك بقية الفصائل، وهذا هدف الجيش السوري الحر والثورة السورية، ونحن نبارك مثل هذه الخطوات، ونرجو أن تكون عونا لجهود توحيد الحراك الثوري في سوريا.

 

وماذا عن طبيعة علاقتكم  بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة؟

 

-هناك تواصل مستمر بين قيادة الجيش السوري الحر والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والقوى الثورية المختلفة، ونطمح أن نتجاوز هذه العلاقة وتصبح علاقة عضوية، ولكن ما زالت حتى الآن لا تتجاوز مرحلة التواصل.

 

على الأرض

 

إلى أين تتجه الأمور على الأرض في الداخل السوري؟

 

-لا أخفي، نحن قلقون مما يجري في الداخل السوري، بسبب التجاوزات والتجاذبات التي تحصل بين مختلف الفصائل، وكل ذلك بتأثير من دول إقليمية مختلفة وقوى دولية، وفي الوقت ذاته نحن متفائلون بالعنصر الثوري الذي أصر على مواصلة النضال حتى إسقاط النظام مهما ارتفع الثمن.

 

التضحيات أصبحت كبيرة جدا، ويبدو أن النظام الدولي قد تخلى عن الشعب السوري، بل هو قد تخلى عنه منذ بداية الثورة السورية،  فجرائم النظام مستمرة،  وكانت المجزرة الكيميائية الرهيبة في غوطة دمشق أكثرها بشاعة.

 

طبيعة هذه المجزرة ولّدت لدينا ولدى الشعب السوري أملا في إمكانية تحرك المجتمع الدولي لإنقاذ الشعب السوري، لكن دون جدوى.

 

يبقى الشعب السوري عنوان أي عمل ومصدر الإلهام لكل الثوار، وهو مُصر على إسقاط هذا النظام بأي ثمن، لأن حجم الدماء والمجازر المروعة التي ارتكبها هذا النظام وحجم الخسائر الكبير لا يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك