آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
العضوية
حسابي
تعديل
خروج
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:40 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/13 هـ
-1/16-

حرية انتهاك الحرية

محمد المختار الخليل
  مدير تحرير موقع الجزيرة نت

بين حرية التعبير وانتهاك حقوق الآخرين بالتعدي على مقدساتهم حدّ سيف، عبّرت عنه صحيفة "شارلي إيبدو" باعتدائها على الدين الإسلامي ورسوله الكريم، وهو ما استفزّ مشاعر المسلمين في بقاع الأرض، وتسبب في حادثة أدانها المسلمون قبل غيرهم، دون أن يدين "هذا الغير" أسباب الحادثة.

 

لا أحد يقرّ الرد على الاعتداءات اللفظية والصورية بالسلاح والقتل، فهذا يتعارض مع معادلة العين بالعين والسن بالسن، رغم أن البادي أظلم، لكنْ على مَن يستفزّ مشاعر مليار ونصف المليار أن يتوقع ردود فعل عنيفة من نفر قليل من المسلمين.

 

وفي الشطر الآخر من المعادلة، على الليبرالية الغربية أن تراجع حريتها المطلقة دون عقال، لأنها ستتعدى حتما على حريات ومقدسات آخرين، فلكل مجتمع وأصحاب معتقد ثقافةٌ ومقدسات تتباين مع غيرها.

 

ففي الغرب، فرضت الصهيونية خطوطا حمراء على المجتمعات الغربية، تقف ليبراليتها على حدودها ولا تجرؤ على تعديها، وفي مقدمتها إسرائيل والسامية والمحرقة النازية. تنتفض أوروبا وقضاؤها وأحزابها للتصدي لمن يمس هذا المقدس.

 

فهل سمحت "شارلي إيبدو" أو غيرها من وسائل الإعلام الليبرالي الغربي بنشر مقال أو تقرير يمس المقدس الصهيوني أو شكك في المحرقة النازية؟ من منطلق حرية التعبير عن الرأي والقناعات السياسية.

 

الحرية قيمة مقدسة لدى المجموع الإنساني، الحرية في المعتقد والتعبير عن الرأي والاختيار، وقد قررها الإسلام قبل المجتمع الغربي ومؤسساته في ميثاق حقوق الإنسان.  

 

الصحافة، التي هي الساحة الأوسع لممارسة حرية التعبير، وضعت قواعد ومواثيق شرف تضبط هذه الحرية، عرفتها معظم مؤسسات الإعلام العالمية، وتعمل على الالتزام بها، والخروج عن هذه الضوابط يعد خرقا للميثاق المهني المكتوب والمتعارف عليه. فالحرية لا تبقى حرية إن انتهكت حرية الآخرين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

 

تتميز السنغال في أقصى الغرب الأفريقي باستقرارها السياسي في قارة تموج بالعنف بوصفه وسيلة لتداول السلطة، فضلا عن التغلب الطائفي والعرقي في المجتمعات الأفريقية، فكيف يتجانس التنوع السنغالي في العاصمة داكار؟

 

وإلى جانب هذه الميزة السياسية، كانت السنغال بوابة الإسلام إلى الغرب الأفريقي، وفيها ينطبع المجتمع السنغالي -ذو الأغلبية المسلمة- بالطرق الصوفية نمطا للتدين، إلا أنها صوفية تنشط في السياسة كما في الاقتصاد، وتؤثر في حياة المجتمع.

 

ويحكي لنا أحد تقارير ملف السنغال الذي أعده مراسل الجزيرة نت أحمد الأمين قصة مسجد لم يكتمل بناؤه، ويُعرف بالمسجد الذي لم يكتمل.. وفي التقرير بقية القصة.

 

وتحفظ الذاكرة السنغالية واحدة من أبشع صور استعباد البشر للبشر، فمن جزيرة غوري القريبة من العاصمة داكار، كانت أفواج الأفريقيين تُشحن كالسلع على السفن باتجاه المجتمع (المتحضر) في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

الذكريات الإنسانية المؤلمة تجتذب الكثير من السياح للوقوف على آثار جرح الإنسانية الغائر، وكيف يعكس السنغاليون تلك المشاعر على لوحات وفنون أفريقية لافتة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

السنغال.. بوابة أفريقيا

السنغال.. بوابة أفريقيا

 

قرابة 13 مليون نسمة، ينتمون لقبائل "وولف" و"فولبي" و"سرير" و"غول" و"مادينغا" و"سوننكى"، يتعايشون على مساحة تقدر بحوالي 197 ألف كم، يعتمدون في اقتصادهم على الزراعة بدرجة كبيرة، وبعض الموارد الطبيعية، لغتهم الرسمية هي الفرنسية، ويتكلمون عدة لهجات أفريقية.

 

تلك هي السنغال الواقعة في الجزء الغربي من القارة الأفريقية، يحدها من الغرب المحيط الأطلسي، ومن الشمال موريتانيا، ومن الشرق مالي، ومن الجنوب غينيا وغينيا بيساو، وتحيط السنغال بجمهورية غامبيا بشكل كلي تقريبا، فيما عدا إطلالة صغيرة للأخيرة على المحيط الأطلسي.

 

الطابق العلوي لبيت العبيد حيث كان السادة يستمتمتعون على وقع أنات العبيد في الطابق الأرضي (الجزيرة)

وتجري ثلاثة أنهار رئيسية بالأراضي السنغالية هي نهر السنغال في الشمال، ونهر غامبيا في الجنوب، ونهر كازامانس في الجنوب الغربي، وتتميز تضاريسها بانتشار السهول والجبال، وتقع أعلى قمة جبلية فيها على سفوح جبال "نيبن دياكا" ويبلغ ارتفاعها أكثر من 580 مترا عن سطح البحر.

 

وتعتبر السنغال إحدى بوابات دخول الإسلام للقارة الأفريقية، حيث دخلها مبكرا وترسخ فيها في القرن الحادي عشر الميلادي حسب أكثر الدراسات المتخصصة، وتبلغ نسبة المسلمين اليوم فيها أكثر من تسعين بالمائة، تلتزم أغلبيتهم تعاليم الطرق الصوفية، ويحكمهم المذهب المالكي.

 

تعرضت شواطئها وبعض مناطقها (جزيرة غوري) للاحتلال الأوروبي منذ القرن الخامس عشر الميلادي، واحتلتها فرنسا كليا بعد حروب عديدة، وأصبحت مدينة داكار عاصمة أفريقيا الغربية الفرنسية سنة 1902.

 

أغلال وسلاسل كانت تستخدم قيودا للعبيد (الجزيرة)

استقلت السنغال عن فرنسا في الرابع من أبريل/نيسان 1960، ويقوم نظامها السياسي على التعددية الحزبية، ويحكمها نظام دستوري شبه رئاسي، وينتخب رئيس الجمهورية لخمس سنوات، ويعين رئيس الوزراء، ويمارس المجلس الوطني (البرلمان) المنتخب الرقابة على العمل الحكومي.

 

وتعتبر السنغال اليوم نموذجا للاستقرار السياسي في القارة الأفريقية، إذ لم تشهد انقلابا عسكريا واحدا منذ استقلالها، وتعاقب على حكمها حتى الآن أربعة رؤساء، تناوبوا على السلطة بشكل سلمي في تجربة متفردة في أفريقيا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

واحة الاستقرار في صحراء الانقلابات

واحة الاستقرار في صحراء الانقلابات

 

إنهم أربعة تتزين شوارع دكار بصورهم في المناسبات الدولية، أحدهم تخلى عن السلطة بإرادته، وتركها اثنان بإرادة الجماهير، والرابع وصل إليها بأصوات الناخبين. إنها التجربة السنغالية التي قدمت نموذجا متفردا في القارة الأفريقية، فيه يودّع القادم سلفه ويهنئ المنصرف خلفه، فيتغير الحاكم لتبقى السنغال.

 

في هذا البلد المحكوم بالتجانس والتعايش، كان التناوب السلمي على السلطة أحد الثوابت منذ استقلاله عن فرنسا عام 1960، وميزته الخاصة في قارة ظلت كراسي الحكم فيها حكرا على أصحاب الرتب والنياشين العسكرية أكثر من نصف قرن من الزمن.

 

فقد تعاقب على السلطة في السنغال منذ استقلاله أربعة رؤساء هم سينغور الذي حكم البلاد منذ الاستقلال حتى عام 1980 حين تخلى عن السلطة بمحض إرادته ليخلفه عبدو ضيوف، الذي استمر رئيسا حتى عام 2000 يوم هزم في الانتخابات أمام عبد الله واد، الذي فشل في الانتخابات عام 2012 أمام الرئيس الحالي ماكي صال.

 

صورة الرؤساء الأربعة تنتشر في شوارع السنغال دون عنف (الجزيرة)

السنغاليون البسطاء والمثقفون مزهوون بهذه التجربة التي جعلت من بلدهم "واحة للديمقراطية" في بحر من الاضطرابات والانقلابات الدموية والبيضاء، ويعتبرون أن ذلك لم يأت صدفة ولا منة من طرف خارجي، وإنما نتيجة وعي المواطن السنغالي ونضجه.

 

ويؤكد المحللون والناشطون السياسيون أن هنالك جملة من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية تضافرت لاستحداث هذه التجربة، ويقول رئيس منتدى المجتمع المدني السنغالي محمدو امبودج أن تنوع المجتمع السنغالي وثقافته الدينية وتطور الوعي في صفوف طبقته المتعلمة، كلها أمور مكنته من تحقيق التناوب السلمي على السلطة.

 

ويضيف امبودج في حديث للجزيرة نت أن "المقومات الذاتية لعبت الدور الأكبر في نجاح التجربة السياسية في هذا البلد، فبحكم انتشار الوعي المدني استطاع الشعب السنغالي التلاقي حول المشترك، لإدراكه أن مصيره مرهون ببناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة الحقة، وحين أدرك ذلك رسخ تجربته ودافع عنها".

 

مدرسة ويليام بونتي (الجزيرة)

ويؤكد أن "المجتمع المدني المنظم لعب أدوارا أساسية من خلال التوعية والمراقبة، كما أن المؤسسة الدينية التقليدية ممثلة في المشيخات الصوفية لعبت دورا أساسيا في الاستقرار، من خلال توجيهاتها لمريديها ومنهجها في التربية الرافض لأي عنف ضد السلطة أو المجتمع".

 

وبخصوص دور الجيش، اعتبر رئيس منتدى المجتمع المدني أن "المؤسسة العسكرية السنغالية تتميز بنوع من المهنية والحرص على عدم الانغماس في السياسة"، مضيفا أن "أحد العوامل التي عززت  التجربة هو حياد المؤسسة العسكرية بالسنغال، التي ظلت تمارس وظائفها الدستورية واستطاعت أن تنأى بنفسها عن السجال السياسي".

 

وإضافة إلى هذه العوامل، يرصد صيدو غي الوزير المدير المساعد لديوان رئيس الجمهورية أن "هنالك ثلاثة عوامل موضوعية وراء الاستقرار السياسي في السنغال، أولها تجربة السنغاليين الطويلة مع الانتخابات وعلاقتهم مع صناديق الاقتراع التي بدأت في عهد الاستعمار الفرنسي.

 

محمدو مبودج البعد الروحي للمسلمين السنغاليين لعب دورا في استقرار البلد (الجزيرة)

وثانيها تراث السنغاليين وثقافتهم المدنية والدينية ودور مشايخ التصوف في تكريس الاستقرار ورفض العنف. وثالثها قدرة الطبقة السياسية على الحوار واستعدادها له، والعمل على تحسين شروط المشاركة السياسية بطريقة تدريجية واعية".

 

ويقول صيدو غي في حديث للجزيرة نت إن "المسار الديمقراطي في السنغال ظل محكوما بسيطرة مطلقة للحزب الحاكم أكثر من خمس وثلاثين عاما، لكن ارتفاع مستوى الوعي في صفوف المجتمع وخاصة فئة الشباب أضعف هذه السيطرة في الانتخابات المحلية عام 1996 ثم في الانتخابات البرلمانية 1998".

 

ويضيف أن المعارضة استطاعت استثمار هذا التصدع خلال الانتخابات الرئاسية عام 2000 فحققت الفوز بتحالف قوى التغيير مجتمعة، وكانت تلك المحطة الأهم في تاريخ التحول السياسي السنغالي، حيث حدث فعلا التناوب على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، و"تكرّس الأمر في انتخابات 2012".

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

دكار.. مدينة التنوع المتجانس

دكار.. مدينة التنوع المتجانس

 

حين تحلق بك الطائرة فوق مطار سينغور الدولي يواجهك "تمثال الألفية" منتصبا فوق تلة يحدق في المحيط، وتتراءى لك دكار مجموعة من المقاطع والمربعات محاطة بشكل شبه كامل بالبحر، تمد ذراعاها كأنما تريد أن تسبح لتتمدد أكثر داخله أو تتخلص من حصاره.

 

تخرج من المطار فتتلقفك دكار وأهلها، يحيط بك الباعة وأصحاب الخدمات، كل يعرض ما لديه، فتغرق في بحر من العروض، وفي أولى خطواتك خارج بوابة المطار يستقبلك المصلى ملاصقا لمحل بيع الخمور، كأنما تريد هذه المدينة لفت اتنباهك إلى إحدى ثنائياتها العديدة ومتناقضاتها الكثيرة.

 

بين المدينة والمطار يأخذك طريق الكورنيش على شاطئ المحيط الأطلسي، فيريك من دكار معالمها الحديثة حيث تمثال الألفية والأحياء الراقية الحالمة، وحيث تنتشر أماكن الترفيه والرياضة على الشاطئ، الذي يستقطب سكان دكار ويستهوي الشباب السنغالي المولع بممارسة الرياضة.

 

جزيرة غوري القريبة من العاصمة السنغالية داكار (الجزيرة)

لكن هذا المشهد يخفي "دكارا" أخرى مختلفة تماما، فما إن تتجاوز نفق "سومبي جون" حتى تجد نفسك في مدينة أفريقية تعج بالحركة والألوان، يقبل سكانها على الحياة بشكل ملفت، فيمحو المشهد صورة دكار الكورنيش.

 

يلفت انتباهك وأنت تتوغل داخل المدينة ولع سكانها بالفن التشكيلي، فأرصفة الشوارع معارض مفتوحة للوحات ومنحوتات ذات مسحة أفريقية لا تخطئها العين، ولا يكاد يخلو حي من أحيائها من معرض أو مرسم أو ورشة نحت.

 

وفي قلب المدينة حيث دكار التلة (Dakar Plateau) وسوق "صانداقا" تتزاحم المشاهد، وتتداخل الأصوات، وتكشف دكار عن أسرارها وثنائياتها، تجد المسجد والكنيسة، والإمام والراهب، ويعرض عليك البائع المتجول السبحة المرصعة والسلسلة المذهبة التي يتدلى منها الصليب.

 

تمثال حرية العبيد في جزيرة غوري (الجزيرة)

تنتشر المساجد بالمدينة وتتعدد الكنائس فيها، فتمتلئ المساجد أوقات الصلاة، وتجد الكنائس من يستمع لعظاتها وتراتيلها، دون أن يكون لذلك أي أثر على العلاقات بين السنغاليين البسطاء، بل ربما بين القادة الروحيين أنفسهم، فيعيش الزائر عالما من التنوع والتجانس.

 

وتبدو دكار في مشهدها العام مدينة أفريقية بمسحة أوروبية، فيها تلتقي آخر صيحات الموضة الباريسية بالثوب الأفريقي الفضفاض المزركش، وتحكمها ثنائية الدين والدنيا المجسدة في التمسك بالأصالة والانفتاح على الحداثة، والانتماء الصوفي والنظرة العلمانية.

 

ثنائيات دكار -ومن ورائها السنغال عموما- تبدو كثيرة، لكن أكثرها لفتا للانتباه هذا التنوع المحكوم بالتجانس، وتلك المسحة الروحانية التي تصبغ سلوك المجتمع فتتسع مساحة التلاقي والتسامح داخل كل فرد فيه.

 

آمادو بائع متجول في أسواق داكار (الجزيرة)

ويبدو الأمر طبيعيا في نظر السنغاليين الذين يعتبرون ذلك أحد مكامن القوة والثراء في بلدهم، ويرجعه رئيس رابطة الأئمة والدعاة أحمد دام أنجاي إلى ما يسميها "سعة الصدر واستيعاب الآخر التي هي إحدى مميزات الإسلام في السنغال".

 

ويضيف أنجاي في حديث للجزيرة نت أن "الإسلام في السنغال له حضور كبير في حياة الفرد والمجتمع، لكنه بالنسبة لغالبيتنا علاقة بين العبد وربه، والسنغال مجتمع يضم الكثير من المكونات، لكل منها خصوصياته الثقافية والدينية، وما يجمعها هو الانتماء للسنغال الوطن، لذلك فقد تجاوزوا ما يفرقهم وتمسكوا بما يجمعهم".

 

أما الشاب أمادو الذي يعمل بائعا متجولا فيقول إن "البضاعة لا علاقة لها بالمعتقد، فهي مجرد مواد أعرضها، ومن أجل الكسب يجب أن تتنوع بتنوع الزبائن، وأنا أبيع للسنغاليين وللأجانب الذين قد يكونون من غير المسلمين ويرغبون في اقتناء مصنوعات محلية تحمل رمزية دينية، وهذا لا يضرني في شيء"

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

المسجد الذي لم يكتمل

المسجد الذي لم يكتمل

 

أطلقوا عليه "المسجد الذي لم يكتمل" (Mosqué Innachevée) وتركوا إحدى مآذنه ناقصة تخليدا لقصته التي كانت إحدى أولى مواجهات "الحركة الإصلاحية" مع نظام الرئيس الأول للسنغال سينغور بعد أن حاول منع بناء المسجد.

 

المسجد يقع في حي "باتريى" قرب المطار حيث تقع معسكرات الجنود الأميركيين خلال الحرب العالمية الثانية، وحيث يسكن اليوم أطر ومسؤولو وكالة أمن الملاحة الجوية في فرنسا وأفريقيا، وقد بدأت فكرة إنشائه على يد مجموعة من السنغاليين العاملين في مجال الطيران وأمن الملاحة الجوية.

 

ويقول مهندس الطيران وإمام المسجد أمباي أنيانغ (عضو في البرلمان ورئيس حزب حركة الإصلاح للتنمية الاجتماعية) إن مجموعة من الكوادر السنغاليين سكنت هذا الحي بحكم وظائفها، فكانت تؤدي الفرائض جماعة وتنظم بعض الدروس والمحاضرات في هذا المكان، فاستقطب ذلك زملاء لهم في قطاعات حكومية أخرى، فقرروا بناء المسجد وشرعوا فيه.

 

ويضيف أمباي في حديث للجزيرة نت أنه "بعد أن بدأ البناء مرّ الرئيس سينغور بالمنطقة وهو عائد من إحدى رحلاته إلى فرنسا فلاحظ وجود الأساسات فاستفسر عن الأمر وأُخبر أنه مسجد فأصدر أوامره بهدمه ومنع بنائه، فتحركنا باتجاه الزعامات الروحية ومشايخ الطرق الصوفية ووجدنا منهم المساعدة والتأييد، مما اضطر سينغور للرضوخ بعد سنتين من الجهود المتواصلة".

 

مئذنة المسجد تركت على هذا الحال تخليدا لقصة بنائه (الجزيرة)

المساجد في السنغال لها رمزيتها، وتاريخها جزء من تاريخ الدين الإسلامي في هذا البلد، الذي دخله الإسلام في مرحلة مبكرة (القرن الثاني الهجري حسب بعض الدراسات)، لكنه لم يبرز كقوة مؤثرة إلا في القرن العاشر عندما قامت "مملكة التكرور" التي استفادت من وجود المرابطين حينئذ.

 

ومنذ ذلك التاريخ عرف الإسلام مدا وجزرا في السنغال إلى أن فرض سيطرته شبه الكاملة بإقامة عدد من الإمارات والدول الإسلامية، من أهمها دولة الأئمة في بلاد "بُنْدُ" شرقي السنغال، ثم دولة الأئمة (1776-1891) في بلاد "فوتَا تورُ" شمالي السنغال، وفقا دراسة أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة دكار محمد سعيد باه.

 

ورغم ظهور المساجد في السنغال منذ ما قبل الاستعمار، فإن "المسجد الذي لم يكتمل" شكل فتحا في مجال انتشار المساجد في العاصمة السنغالية دكار، لتصبح اليوم جزءا من المشهد العام في كل أحيائها، خاصة الأحياء الراقية التي تقول رابطة الأئمة والدعاة إن سينغور كان حريصا على أن تظل خالية من أي مظهر ديني.

 

المسلمون في السنغال يقبلون على المساجد للصلاة وتعلم أمور دينهم (الجزيرة)

ويؤكد العارفون بالشأن المحلي أن انتشار المساجد عرف تطورا مذهلا في العقود الثلاثة الأخيرة بالتزامن مع ما يسميه الإمام أمباي أنيانغ "الصحوة الإسلامية التي عرفتها البلاد، ثم اتساع هامش الحريات العامة في السنغال منذ عام 2000".

 

ويعتبر رئيس رابطة الأئمة والدعاة في السنغال أحمد دام أنجاي أن "المساجد عرفت انتشارا كبيرا في  السنغال، فما من قرية أو حي في مدينة من هذا البلد إلا وتتعدد المساجد فيه، مما يجعل إعطاء أرقام عن أعدادها شبه مستحيل، كما أنها أصبحت نقطة إشعاع معرفي، حيث تنظم فيها المحاضرات والدروس التي تتناول قضايا تهم المسلم في أمور دينه وشؤون حياته".

 

ويقول أنجاي في حديث للجزيرة نت إن "هذه المساجد شيدت وجهزت إما بتعاون بين سكان الأحياء، وإما من خلال الطرق الصوفية التي تبني مساجدها بمجهود مشايخها ومريديهم، وإما عبر المنظمات الخيرية غير الحكومية، أما الحكومات السنغالية فلا أعرف أنها عملت على بناء مسجد في هذا البلد، إلا المسجد الجامع بدكار الذي بنته المملكة المغربية في إطار التعاون بين البلدين".

 

الوزير مدير ديوان الرئيس علمانية الدولة لا تعني مواجهة الإسلام (الجزيرة)

ويضيف أن "مساعدات الدولة للأئمة تتمثل أساسا في تقديم تذاكر للحج، ومبالغ مالية في مناسبتي عيدي الفطر والأضحى".

 

لكن صيدو غي المدير المساعد لديوان الرئيس السنغالي يؤكد أن "الدولة تقدم الكثير من الدعم للمساجد وشيوخ الطرق الصوفية، سواء تمثل ذلك في التسهيلات الإدارية أو في المساعدات المادية والمعنوية، أو دعم المواسم التي تنظمها هذه الطرق".

 

ويقول غي في حديث للجزيرة نت "إننا دولة علمانية، لكن ذلك لا يعني موقفا سلبيا من المسلمين أو العمل الإسلامي، فالشعب السنغالي يبلغ عدد المسلمين فيه أكثر من 90%، والإسلام مكون أساسي للشخصية في هذا البلد".

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

الصوفية السنغالية قيادة روحية وزعامة سياسية

الصوفية السنغالية قيادة روحية وزعامة سياسية

 

بسطوا رداء أبيض وتحلقوا حوله، يتصدرهم شيخ سبعيني يبدو عليه الوقار، بدؤوا يذكرون الله ويرددون الابتهالات الدينية جماعيا، أنهوا "الوظيفة" فطووا الرداء بسكينة وقربوه إلى الشيخ، ثم شرعوا في "أذكار الجمعة" واستمروا في ذلك حتى حانت صلاة المغرب، صلوها جماعة ثم تفرقوا.

 

من شرق السنغال إلى غربه، وفي كل مناطقه وجهاته، يتكرر هذا المشهد عصر كل جمعة عند أتباع الطريقة التجانية، أكبر الطرق الصوفية بالسنغال، يشارك فيه الرجال والنساء، وبسطاء الناس وعلية القوم، والساسة والمثقفون، في هذا البلد المسكون بالصوفية فكريا وسياسيا واجتماعيا.

 

في الشارع وأيضا بالمسجد، وفي البيت والمكتب، تبدو السبحة حاضرة تماما حضور الأوراد والأذكار ذات المرجعية الصوفية. وعلى جدران البيوت وواجهات وسائل النقل تطالعك صور الزعامات الروحية، وتقرأ الأدعية المستخلصة من مؤلفات وتعاليم مشايخ الطرق وقياداتها.

 

حلقة ذكر صوفية على الطريقة التجانية في السنغال (الجزيرة)

ورغم أن المشهد الصوفي في السنغال متعدد وذو مرجعيات مختلفة، فإن الطريقتين التجانية (نسبة إلى الشيخ أحمد التجاني الجزائري المولد دفين فاس بالمغرب) و"المريدية" (أسسها الشيخ أحمد بمبا مبكا دفين مدينة طوبا السنغالية) هما الطريقتان الأكثر حضورا وتأثيرا في هذا البلد، الذي يبدو التصوف فيه رديفا للإسلام.

 

فمسلمو السنغال الذين يمثلون أكثر من 90% من السكان يتبعون الطرق الصوفية، ويملك المشايخ تأثيرا قويا لا يقتصر على العامة والبسطاء، وإنما يمتد إلى أعلى هرم السلطة، وطبقة المثقفين الفرانكوفونيين ورجال الأعمال.

 

ويعتبر الباحث السنغالي ورئيس تحرير مجلة المسار -التي تصدرها وزارة الإعلام- منصور سيسى أن "التصوف يشكل المرجعية المركزية للمسلمين السنغاليين قديما وحديثا، وهو الناظم الأساسي للمجتمع السنغالي بمختلف خلفياته الثقافية".

 

ويقول في حديث للجزيرة نت إن "دور التصوف لا يقتصر على الجانب الروحي والتربية، وإنما يتجاوز ذلك إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، فمشايخ التصوف هم مرجعية مريديهم وأتباعهم في شتى مناحي الحياة، كما أن لهؤلاء المشايخ تأثيرا كبيرا في الشأن العام وسياسة البلاد".

 

حلقة ذكر صوفية لأتباع الطريقة التجانية في السنغال (رويترز)

ويؤكد منصور -وهو مدير الإعلام العربي بالوزارة- أن التصوف "لعب دورا أساسيا في نشر اللغة العربية بالسنغال والبلدان الأفريقية، حيث شكلت الطرق الصوفية الوعاء الحامل لهذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، فارتبطت في أذهان الناس بدينهم وأقبلوا على تعلمها وتعليمها".

 

ويرصد أستاذ التربية والفكر الإسلامي بجامعة دكار محمد سعيد باه تأثيرات قوية اجتماعية واقتصادية للطرق الصوفية في السنغال، ودورا قويا في الشأن السياسي.

 

ويعرض ذلك في حديث للجزيرة نت، فيبرز أنه على المستوى الاجتماعي يعتبر "التيار الصوفي قوي التأثير، الأمر الذي يتجلى في تحكّم القيادات الصوفية في أدق تفاصيل حياة أتباعهم، وحتى في الطريقة التي يمارس بها المريد حياته المهنية".

 

وعلى المستوى السياسي، يقول سعيد باه إن التيار الصوفي السنغالي انخرط مبكرا في العمل السياسي ومرت علاقاته بالسلطة بمراحل متباينة، وقد لعبت بعض القيادات الصوفية دورا مهما في مقاومة الاحتلال الفرنسي، ولما استقلت البلاد سارع البعض إلى الانغماس في معترك الحياة السياسية.

 

بائع صور لقيادات الطرق الصوفية بالقرب من الجامع الكبير في مدينة توبا وسط السنغال (غيتي)

وإلى جانب التأثير الاجتماعي والدور السياسي، تشير دراسات عديدة إلى أن الطرق الصوفية لها أذرع اقتصادية قوية في السنغال، فزعامات هذا التيار من كبار ملاك الأراضي، مما جعل الطريقة "المريدية" -مثلا- تتمتع بقدر كبير من السيطرة على زراعة الفول السوداني، في حين ظل التجانيون لفترة طويلة يهيمنون على وظائف الدولة قبل أن تشرع المريدية في مزاحمتهم بقوة.

 

ورغم أن هذه الطرق لا تزال تتمتع بنفوذ واضح وقوي، فإنها بدأت تواجه بعض التحديات الذاتية، لعل أهمها بروز قيادات وأجيال شابة من داخل أسر القيادة الروحية التي يزداد عدد أفرادها يوما بعد يوم، مما يهدد بصراعات داخل التيار الصوفي الواحد، وهو أمر يؤكد العارفون بالشأن المحلي أنه بات مشهودا ومكشوفا.

 

وهنالك تحد آخر يتمثل في أن التحول الفكري الذي يشهده التيار الصوفي أوجد قيادات شابة أكثر وعيا وحداثية من الزعامات التقليدية لهذه الطرق، ويصاحب ذلك وعي إسلامي إصلاحي يبدو أكثر حركية، لا يزال يساير هذه الطرق وينمي المشترك معها، لكنه ربما يشكل للكثيرين بديلا عنها مستقبلا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

جزيرة غوري.. جرح الإنسانية الغائر

جزيرة غوري..  جرح الإنسانية الغائر

 

من بعيد تبدو جزيرة غوري لناظرها خالا على صفحة وجه، أو بصمة في سجل اعترافات، أو أثر جرح غائرا اندمل بعد أن نزف طويلا.. وربما هي كل ذلك.

 

فهذا المرتفع الجميل النائم في أحضان المحيط الأطلسي قرب العاصمة السنغالية دكار عرف بأنه بوابة المعاناة، وشهد أبشع أنواع استغلال الإنسان، وهدر كرامته وانتهاك حقوقه، وظل لقرون عديدة أكبر مركز لتجارة الرقيق.

 

على مدى خمس وثلاثين دقيقة تتهادى بك السفينة من ميناء دكار في اتجاه غوري، فتستدعي ذاكرتك رغما عنك ما سمعتَهُ أو قرأتَهُ عن الجزيرة عن تاريخها المظلم، وعن معالمها التي يحكي كل واحد منها فصلا أو فصولا من الظلم والقهر والاستعباد.

بهذه الأغلال امتهنت كرامة الكثيرين (الجزيرة)

 

تشعر بالرهبة وأنت تنزل من السفينة على أديم هذه الجزيرة، لتبدأ رحلتك إلى تاريخها مجسدا في المباني وحكاياتها، والرسوم بإيحاءاتها، والمنحوتات التي تجسد برمزيتها آلام "جزيرة العبيد" وتطلعهم للحرية، أو تحكي قصص من مروا من هنا وغادروا في رحلة اللاعودة.

 

الجزيرة -التي تبلغ مساحتها 17 هكتارا- شكلت منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر الميلادي أكبر مركز لتجارة الرقيق ونقل العبيد إلى أوروبا وأميركا، وتوالى على احتلالها في الفترة ما بين عام 1444 و 1960 للميلاد البرتغاليون والهولنديون والبريطانيون والفرنسيون، قبل أن تعود إلى السنغال بعد استقلاله.

 

بصمات المستعمرين لا تزال مجسدة حتى في ألوان المباني، حيث تتميز الدور والبيوت التي بناها الهولنديون باللون الأحمر، في حين تتميز الحقبة البرتغالية باللون الأبيض، أما المباني الفرنسية والبريطانية فهي مصبوغة بالأصفر.

 

متحف التاريخ في غوري  (الجزيرة)

أحاديث وقصص الجزيرة باتت محفورة في ذاكرة سكانها، الذين يحفظ كل واحد منهم أسفارا من الآلام والمآسي ومعاناة العبيد، انتقلت إليه عبر الأجيال، وباتت جزءا من معارفه.

 

إمام مسجد غوري محمد جاه شيخ قارب الثمانين من العمر، لم يشهد مآسي الجزيرة لكنه سمع الكثير منها منذ كان طفلا، يقول إنه "لا يمكن أن تجد اليوم بين الأحياء من عاشوا تلك الأحداث، ومن الصعب كذلك أن تجد أشخاصا التقوا من عاصروها، لكن كل سكان هذه الجزيرة يحفظون الكثير من الحكايات المؤلمة التي تناقلوها أبا عن جد".

 

ويضيف محمد جاه في حديث للجزيرة نت أن "كل بيت في الجزيرة يشكل شاهدا على تلك المآسي التي عاشتها، ويمكنك أن تتعرف على تفاصيل ما جرى حتى من الأطفال، فالكل هنا يعرف أنه خلال أربعة قرون امتُهِنَتْ كرامة الإنسان في هذه البقعة وتمت مقايضته بالبضائع، واختطف الأطفال من أحضان أمهاتهم، ومزقت السياط جلود الآباء أمام أبنائهم".

 

معالم الجزيرة -كما يقول محمد جاه- كلها شواهد على تاريخ مظلم، لكن أكثرها شهرة هو بيت العبيد الذي بني عام 1780, ويضم طابقه الأرضي عنابر لاحتجاز الرقيق من الجنسين، أحدها للرجال وآخر للنساء، وواحد للفتيات، وعنبر للأطفال الحديثي الولادة، إضافة إلى قاعة لوزن الأشخاص، وقبو لتعذيب المتمردين يقل ارتفاع سقفه عن متر واحد.

 

إطلالة بيت العبيد على المحيط (الجزيرة)

 داخل المبنى تحس بأنات العبيد وآهاتهم، يقشعر جسدك حين تعرف أنه في هذه الأقبية الضيقة المظلمة المليئة بالحرارة والرطوبة كان الناس يتكدسون بعضهم فوق بعض، يكفي الواحد منهم نعيما أن يجلس القرفصاء مسندا ظهره إلى الحائط، في حين يستمتع السادة بالطبيعة الحالمة من شرفات الطابق العلوي للبيت.

 

مرارات تاريخ الجزيرة لا تمنع مفوض بيت العبيد إيلو كولي من سردها، فقد باتت جزءا من يومياته، يبدأ القصة من المدخل حيث بيت الوزن: "هنا كان الرجال يوزنون، وحين ينقص وزن أحدهم عن ستين كيلوغراما يفرض على البائع تسمينه حتى يكون صالحا للبيع".

 

ويتنقل كولي بين مكونات البيت واصفا طريقة تجميع الناس وعزل بعضهم عن بعض، "هنا (يشير إلى عنابر ضيقة) كان الرجال يحشرون بعضهم فوق بعض، النساء يفصلن عن أطفالهن الرضع، وتعزل الفتيات لأن أثمانهن أغلى".

 

وفي قبو ضيق منخفض السقف، ينحني كولي ويقول "هنا يسجن من يرفضون الرضوخ لقرارات السادة، ويخضعون لأصناف شتى من التعذيب، وقد فارق الكثيرون منهم الحياة بسبب التعذيب"، وتصل التراجيديا قمتها حين يصل كولي إلى بوابة اللاعودة المطلة على المحيط، قائلا "من هذا الباب خرج أكثر من خمسة ملايين إنسان في رحلتهم الأبدية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

غوري.. قسوة التاريخ وجمال الطبيعة

غوري.. قسوة التاريخ وجمال الطبيعة

 

"جزيرة غوري" اسم انغرسَ عميقا في التاريخ الإنساني رمزا للقهر والظلم والاستعباد، وشكل أكبر مركز لتجارة الرقيق عبر العالم، فتحول إلى جزء من التراث العالمي والإرث الإنساني المشترك، لكن إحدى المفارقات الكبرى هي التناقض الصارخ بين طبيعة هذه الجزيرة الأخاذة وتاريخها المظلم.

 

وربما إحدى مفارقاتها الغريبة الأخرى أن قسوة تاريخها ومراراته جعلتها مأوى لأفئدة مئات الآلاف من السياح القادمين من مختلف أنحاء العالم، يتمتعون بطبيعتها الجميلة، وزيارة معالمها التاريخية العديدة، مثل بيت العبيد، والمسجد الذي بُنِي عام 1890، ومدرسة وليام بونتي التي خرّجت العديد من القادة الأفارقة،  والمتحف الذي يضم مجسدات بالنص والصورة لتاريخ غوري.

 

ساعة وصول السفينة إلى المرسى في غوري واحدة من أهم اللحظات في حياة سكان الجزيرة، فعلى متن رحلاتها اليومية الأربعة عشرة من ميناء دكار يفد مئات السياح المتلهفين لمعرفة المزيد عن التاريخ وقراءته على الطبيعة، وربما تَلَمُّسِ تفاصيله التي لا تزال معالمها قائمة حتى اليوم.

 

مصوغات وهدايا محليةالصنع في جزيرة غوري (الجزيرة)

يستقبلهم "تمثال حرية العبيد" فيتجمعون حول ذلك الرجل الأفريقي الذي تتدلى من ذراعيه بقايا قيده المكسر، وقد اشْرَأَبَّتْ عنقه كأنما يستنشق أريج الحرية، تعانقه فتاة أفريقية، وقد انتصبا على طبل، في إشارة رمزية إلى أن الطبل كان حين يقرع يتوافد الناس إليه فيتم القبض عليهم لتبدأ رحلة استرقاقهم.

 

في الجزيرة يجد السياح الكثير مما يبحثون عنه، فيتعرفون على تاريخها المجسد في معروضات بيت العبيد وفي معالمها الأثرية، ويقبلون على شراء المصوغات والمنتجات اليدوية المحلية التي تملأ المحلات، والشوارع والأزقة.

 

وتقول الشابة كومبا حاميدو -التي تعرض بعض الكتب في غوري- إن السياح يقبلون أكثر على شراء المنتوجات الحرفية اليدوية، وتستهويهم الكتب التي تتضمن شهادات توثق أحداثا شهدتها الجزيرة، أو تتعلق بتاريخها.

 

جدارية في متحف غوري تجسد معاملة العبيد (الجزيرة)

وتضيف في حديث للجزيرة نت أن "الأوروبيين هم الأكثر اهتماما بهذا الجانب، وهم يشكلون نسبة عالية بين من يزورون الجزيرة، وغالبا ما يكون لديهم تطلع لمشاهدة أماكن معينة ترتبط في أذهانهم بحكايات سمعوها، أو أحداث قرؤوا عنها".

 

لكن مفوض دار العبيد إيلو كولي يقول إن "اهتمامات من يزورون الجزيرة متنوعة، فبعضهم يهتم بالمكان لأن هذه الصفحة من حياة الإنسانية أصبحت جزءا من المناهج التربوية في بعض البلدان، وبعض الزائرين يبحث عن جذوره هنا، وبعض آخر يأتي في إطار الدراسة والبحث العلمي".

 

إقبال السياح على الجزيرة أنعش الفن فيها وأغرى بعض فنانيها بالاشتغال بالرسم، وتقديم رؤاه الفنية لهذا التاريخ في لوحات وجداريات تقدم لك الماضي مجسما، أو تحيلك إلى تفاصيله من خلال الألوان، فكادت شوارعها الضيقة تتحول إلى معرض مفتوح للفنون الجميلة.

 

أحد مباني غوري على شكل سفينة (الجزيرة)

اللوحات -في معظمها- تبدو متأثرة بماضي الجزيرة، وذلك لا يعتبر غريبا في نظر الرسام غورغي أمدو الذي يقول "إننا نسامح ولكننا لا ننسى، وإذا كنا استطعنا الخروج من الماضي، فإن هذا التاريخ يبقى متجذرا في وجداننا".

 

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن "هنالك مبررا آخر لوجود لوحات كثيرة تعبر عن جزء من ماضي الجزيرة أو ترتبط بتاريخها، فالسياح الأجانب الذين يأتون إلى هنا يرغبون في تذكارات لها علاقة بالمكان، ومن ثم فهم يقبلون على ذلك اللون من الأعمال".

 

غورغي الخمسيني -الذي لم يدرس الفن في المعاهد والكليات- يمارس الرسم بالرمل، ويستخدم في تلوين لوحاته أنواعا من الرمل من مناطق في مالي وموريتانيا وبلده السنغال وغينيا ومناطق عدة أخرى، كأنما يستحضر معاناة كل الأفارقة في هذه الجزيرة.  

 

يغص مرسمه بلوحات متنوعة، لكن أشهرها وأكثرها استقطابا للسياح -حسبما يقول- "تلك المرتبطة بماضي الجزيرة، وخاصة بيت العبيد وبوابة اللاعودة، وفي أحيان كثيرة نرسم لوحات حسب طلب الزبون".

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

خارج الملف السنغالي، نعيش مع إبداعات الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وكيف تستخدم "الكبسولة" لتواصل الأسرى مع مجتمعهم خارج الأسوار، لأغراض تنظيمية ونضالية سجلها التاريخ الفلسطيني.

 

وفي إبداع آخر من قطاع غزة، نتعرف على فن "الغرافيتي" الذي تتنوع أغراضه بين السياسي والفصائلي وتمجيد الشهداء والتفاعل مع المحيط العربي، حيث يعبر الفنانون المحاصرون من خلاله عن وجدانهم بألوان ثورية.

 

ومن موسكو، يطلعنا تقرير على قصة شاهدها الملايين لسفينة كانت أعجوبة زمانها، ويستعرض بعض مقتنيات ومعالم سفينة "تيتانيك" التي غرقت في التاريخ.

 

ومن أعماق المحيط الأطلسي، ينقلنا تقرير إلى أفريقيا ويعرفنا على طقوس الزواج في المجتمع النوبي في كينيا، وكيف تتمسك الأقلية النوبية بتقاليدها العريقة في الزواج الغني بالألوان.

 

ومن أسواق برلين الأوروبية، يسلط تقرير الضوء على بقعة "إسطنبولية" خالصة، تُعرف بسوق الأتراك، وتلقى إقبالا كبيرا من المواطنين الألمان وذوي الأصول التركية، في استعراض أسبوعي للثقافة التركية في ألمانيا.

 

أما من تركيا، فنتعرف على شعب الإيغور القادم من تركستان الشرقية المعروفة اليوم بإقليم تشنغيانغ الصيني، وقد فرّ بعض الإيغور إلى أشقائهم الأتراك هربا من القمع الصيني لكل ما هو مسلم وله علاقة بالدين.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

الكبسولة.. شريان حياة للأسرى الفلسطينيين

الكبسولة.. شريان حياة للأسرى الفلسطينيين

 

عوض الرجوب -الخليل  

 

شكلت السجون الإسرائيلية والاعتقال والأحكام العالية، تحديا جديا أمام الفلسطينيين في مقاومتهم للاحتلال منذ البداية، لكنهم مع ذلك وظفوا سنوات سجنهم لخدمة قضيتهم بشتى الطرق ومنها الرسائل الصغيرة أو "الكبسولة" كما هو متعارف عليه فلسطينيا.

 

وترتبط الكبسولة (تشبيها بكبسولة الدواء نظرا لصغر حجمها) ارتباطا وثيقا بتجربة الأسرى الفلسطينيين كأداة مقاومة وتواصل مبتكرة منذ عام 1967، حافظ من خلالها الأسرى الفلسطينيون على التواصل فيما بينهم ومع الخارج.

 

والكبسولة بتعريف مبسط هي وسيلة اتصال ورسالة مكتوبة بخط صغير جدا على ورق دقيق وشفاف، يتم لفها حتى تصبح بحجم حبة الدواء ومن ثم يحكم إغلاقها بالبلاستيك وتناقلها إما عن طريق الفم أو عن طريق البلع لتجاوز إجراءات التفتيش العاري الدقيقة.

 

ويحتفظ مركز أبو جهاد التابع لجامعة القدس، بأرشيف من عشرات الكبسولات التي هربت من السجون لأهداف مختلفة، وتتواصل المساعي والجهود لتنظيمها وأرشفتها إلكترونيا بما يخدم الدارسين والباحثين والحركة الوطنية الفلسطينية عموما.

 

مجموعة سائل خرجن من السجون الإسرائيلية على شكل كبوسلات (الجزيرة)

 

ويقول مدير المركز فهد الحاج، إن الكبسولة استخدمت قديما ولا تزال تستخدم حتى اليوم لعدة أغراض بينها التواصل بين الأسرى أنفسهم داخل السجون لترتيب الإضرابات أو القضايا المتعلقة بحياة الاعتقال أو التنظيمات.

 

وأضاف أن الأسرى استخدموا الكبسولات للتواصل مع عائلاتهم وذويهم ومحاميهم، ومع المنظمات الحقوقية والدولية، وللتواصل بين الأسرى وتنظيماتهم أو مجموعاتهم التنظيمية، ولأغراض تتعلق بالمقاومة وتنظيم العمليات وغيرها.

 

وعن تهريب الكبسولة، يقول مدير المركز، وهو أسير سابق أمضى في سجون الاحتلال عشرة أعوام، إن الأسرى كانوا قديما يضعونها في أفواههم وينقلونها لأمهاتهم من خلال شبك الزيارة.

 

ومع وضع الحواجز بين الأسرى وذويهم، أوضح أن الطريقة التي حافظت على استمراريتها هي ابتلاع الكبسولة من قبل الأسير في يوم الإفراج عنه واستخراجها عند العودة إلى المنزل، ومن ثم تنظيفها وإيصالها إلى الهدف.

 

مجموعة سائل خرجن من السجون الإسرائيلية على شكل كبوسلات (الجزيرة)

وأشار الحاج الذي شرح للجزيرة نت عمليا كيفية عمل الكبسولة، إلى تمكنه من تأليف كتابه "فرسان الانتفاضة يتحدثون من خلف القضبان" من خلال تهريب قرابة خمسين كبسولة بطرق مختلفة.

 

وخلص إلى وصف الكبسولة في حياة المعتقل السياسي بأنها "شريان حياة" أبقت الحركة الأسيرة على اتصال فيما بينهم ومع الخارج بنسب نجاح عالية.

 

من جهته يوضح مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى فؤاد الخفش أن الكبسولة كانت تشكل في مراحل معينة العمود الفقري التي تبنى عليها التنظيمات وعناصرها، حيث كانت تشكل أداة التواصل الوحيدة بين القيادة والعناصر وبين العناصر أنفسهم.

 

وقال إن أفراد التنظيمات بين السجون كانوا يتواصلون حصرا عن طريق الكبسولة في غياب وسائل الاتصال والتواصل الأخرى، مشيرا إلى تكبد الأسرى عقوبات شديدة نظير الحفاظ عليها أو بسبب ابتلاعها.

 

ويضيف الخفش أن دور الكبسولة تراجع، لكنه موجود، موضحا أن التنظيمات لم تعد تعمد على القيادات داخل السجون فقط،  وأن بعض وسائل الاتصال البديلة كالهواتف المهربة تساعد الأسرى.

 

فهد أبو الحاج مدير مركز أبو جهاد-جامعة القدس (الجزيرة)

 

بدوره يقول الخبير بقضايا الأسرى والأسير السابق عبد الناصر فروانة إن الكبسولة حافظت على وجودها، وإن كان بشكل أقل مركزية من السابق، مضيفا أنها أداة ابتكرها الأسرى وتناقلوها لعدة أغراض بينها تبادل المعارف والخبرات ونقل التعليمات والمعلومات بين قيادات الحركة الأسيرة.

 

وقال إن كثيرا من الكتب والإرشادات نقلت بواسطة الكبسولة داخل السجون وخارجها، فغيرت حياة الأسرى وأقلقت السجان الذي أدرك خطورتها وتأثيرها ولاحق الأسرى بالتفتيش العاري لحملهم على عدم نقلها من سجن لآخر أو إلى الخارج.

 

وخلص إلى أن الكبسولة تجاوزت كأداة سرية وغير المعلنة كل المعيقات والعقبات والأسلاك والجدران وكان لها الكلمة الحاسمة في إعلان وتعليق الكثير من الإضرابات التي خاضتها الحركة الأسيرة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

"غرافيتي غزة".. فن البسطاء بألوان ثورية

"غرافيتي غزة".. فن البسطاء بألوان ثورية

 

أيمن الجرجاوي-غزة

 

يتزين جدار أثري وسط مدينة غزة بحروف كلمة "فلسطين" مرسومة باللغة الإنجليزية (Palestine)، وإلى جوارها فلسطينية محجّبة كتفًا بكتف مع رجل متّشح بالكوفية، وفي اليمين تضرب أشجار الزيتون جذورها في الأرض، ويرفرف بصدر الجدار علم الدولة في سماء قبة الصخرة المشرفة والكنيسة.

الألوان الفاقعة التي لُوّنت بها اللوحة الفنية، وأسلوب الرسم والكتابة، تُحتّم على المارين في الشارع النظر إليها، ولا سيما أنها أمر غير مألوف كثيرا لدى الفلسطينيين في قطاع غزة، بعدما اعتادوا رؤية الجدران مزدحمة بتهاني الزواج، أو الحج، أو الشعارات الحزبية، ونعي الشهداء.

 

وفن الكتابة على الجدران أو "الغرافيتي" هو تصميم الرسومات أو الأحرف على الجدران، وتغيير الملامح العامة لها باستخدام بخاخ الدهان أو غيره، وترجع أصوله إلى الحضارات العتيقة كقدماء المصريين، والإغريق، والرومان، لكن نشأته الحديثة كانت في ستينيات القرن الماضي في نيويورك الأميركية.

 

الفلسطينيون في القطاع بدؤوا الكتابة والرسم على الجدران مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وذلك لإيصال رسائل سياسية وثورية، وتعرض بعضهم للقتل والاعتقال على يد الاحتلال الإسرائيلي، لأن الأخير اعتبر ذلك تحديًا لسلطته، وتجاوزا لسيطرته على وسائل الاتصال.

 

بلال التلاوي رسام غرافيتي كلمة بلبل (الجزيرة)

بعد قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 إلى الأراضي المحتلة، تحوّلت الكتابة على الجدران والرسم إلى مصدر رزق لبعض الرسامين في المناسبات والأفراح، قبل أن تصبح قبل سنوات قليلة فنا قائما بمعناه الحقيقي، ولكن مع إضفاء النكهة الفلسطينية عليه.

 

ويقول الفنان الفلسطيني بلال الجعبير-صاحب غرافيتي (Palestine) بالاشتراك مع الفنان الفلسطيني المقيم بمصر إبراهيم عويلي- إن فن الرسم على الجدران تعبير عن واقع المجتمع بطريقة ملفتة، ويعد نوعا من أنواع الحرية والتعبير عن الرأي، في ظل واقع سياسي صعب وحصار مستمر.

 

لم يكن الجعبير يمارس "الغرافيتي" بوصفه فنا في البداية، لكن الجدران كانت بالنسبة له مكانا مناسبا لإيصال الأفكار التي تراوده إلى المجتمع، ومع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى عام 2000) قدّم بعض الرسومات التي تعبر عن واقع الانتفاضة، وكانت أيضا أعمالا جزئية مبسطة.

 

مع مرور الزمن، اكتسب الفنان الفلسطيني خبرة التعامل مع الألوان والمساحات، وساعدته في ذلك دراسته "الفنون الجميلة" في الجامعة، وعمله في مجال الإنتاج الإعلامي، فتوسعت مداركه، حتى أصبح يجيد رسم الأفكار كاملة بمدلولات معينة.

 

رسالة محبة وسلام من غزة المحاصرة الى كل العالم (الجزيرة)

كان الجعبير (31 عامًا) أول من أضفى العناصر الفلسطينية على فن "الغرافيتي"- وفق ما قاله لمجلة الجزيرة- فأدخل رسومات المسجد الأقصى، والكنائس، والكوفية، وشجرة الزيتون، وبعض الزخارف الشرقية على رسوماته.

 

ويهدف رسّامو "فن البسطاء" في غزة إلى إيصال رسائلهم إلى طبقات المجتمع كافة، من خلال رسوماتهم الواسعة على الجدران، "فمَن من الفلسطينيين لا يمشي في الشوارع يوميا؟"، يتساءل الجعبير.

 

ويبدو واقع "الغرافيتي" جيدًا في القطاع إذا ما قورن بعدد متقنيه، إذ تتوزع عشرات اللوحات الفنية على الجدران، في وقت لا يتجاوز عدد متقنيه أصابع اليدين، واشترك عدد من الفنانين العرب في رسم جداريات مع فنانين داخل غزة.

 

"نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا"، هذا عنوان رسم "غرافيتي" رسمه فنانون فلسطينيون وعرب في غزة عام 2012، للتعبير عن الصداقة الفنية، بمشاركة الجعبير، وعويلي، والفنانة المصرية هالة الشاروني، والتونسية هيفاء تكوتي.

 

بعض اللوحات الفنية الواسعة تأخذ تسع ساعات من العمل، وتبلغ كلفتها نحو مائة دولار أميركي، بينما لا تأخذ اللوحات الساخرة البسيطة أكثر من نصف ساعة من الرسم -وفق الجعبير- الذي سجّل باسمه أكثر من ألف رسمة على الجدران.

 

من عمل بلال التلاوي (الجزيرة)

فن "الغرافيتي" اتخذ طابعا ثوريا في غزة، وحمل رسائل قوية ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكنه لم يغفل الواقع الاجتماعي والداخل الفلسطيني، فعالج بعض المشكلات برسومات ساخرة، وتطرّق أيضًا إلى الأحداث الرياضية العالمية.

 

رسومات الفنان الفلسطيني بلال التلاوي جذبت العيون إلى جدران لم تنظر إليها من قبل، فلوحة "نحن نحب الجزائر" التي خطّها بألوان براقة على أحد الجدران إبان مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2014 لاقت استحسانا واسعا في القطاع.

 

ورغم أن التلاوي بدأ ممارسة الفن منذ نحو عامين فقط، معتمدًا على موهبته في الرسم، فإنه استطاع رسم عشرات اللوحات المميزة في مجالات عديدة، ويوضح في حديث لمجلة الجزيرة أن "الغرافيتي" أتاح له إيصال رسالته لعامة الشعب الفلسطيني.

 

استطاع الفنان الفلسطيني تطوير موهبته وتعلم أساليب جديدة من خلال مشاهدته أعمال بعض الفنانين الغربيين على شبكة الإنترنت، ويقول إنه يلحظ تطورا في أدائه كلما رسم لوحة جديدة.

 

غرافيتي لنجم برشلونة الأرجنتيني ليونيل ميسي (الجزيرة)

وإلى جانب لوحة "دعم الجزائر"، رسم التلاوي جدارية ضمّت أبرز لاعبي كأس العالم 2014 في رسالة محبة وسلام من غزة إلى العالم، كما خطّ جدارية باسم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي وصورته، وبرزت ألوانه الفاقعة في رسم كلمة "غزة" (Gaza) وكلمة "حظًا سعيدًا" (Good Luck).

 

ويجد التلاوي من الجدران مكانا جيدا للتعبير عن أفكاره، وإبراز واقع مجتمعه، ويتوقع خلال الأعوام المقبلة ازدهار فن "الغرافيتي" في غزة وانتشاره على نطاق أوسع، وبأنماط جديدة يبدعها الفلسطينيون.

 

ولا توجد جهة راعية لأعمال فناني "الغرافيتي" في غزة، ويقتصر الأمر على مجموعات فنية مهتمة بالفن، لكن المصورة والكاتبة السويدية المهتمة بالشأن الفلسطيني ميا غروندال تابعت تطور الفن بغزة على مدار ثماني سنوات، عبر كتاب أصدرته عام 2010 باللغتين الإنجليزية والسويدية.

 

وتقول غروندال في كتابها "غزة غرافيتي.. رسائل الحب والسياسية"، إن الفلسطينيين ابتدعوا هذه الظاهرة كقناة تخاطب وحيدة (بجانب المنشورات السرية)، وكانت بمثابة "باروميتر" للوضع السياسي في غزة.

 

وتضيف -في كتابها الذي ضم 149 صورة- "فالقضية الأكثر سخونة هي التي تطغى على جدران المنازل والمحال التجارية. وهنا تبرز المنافسة بين الفصائل في مَن الأكثر فصاحة في التعبير أو الأكثر جمالا في الكتابة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

"تيتانيك" التي غرقت في التاريخ

"تيتانيك" التي غرقت في التاريخ

 

أشرف رشيد - موسكو

 

"تيتانيك" السفينة الأشهر، صنعت بأيدي أمهر المصممين والمهندسين لتكون متميزة في كل شيء، في صناعتها وحجمها وفخامتها، ثم جاءت الكارثة التي تعرضت لها لتجعلها رمزا للمأساوية.

 

بعد أكثر من مائة عام على غرقها ها هي تيتانيك من جديد، تدعو الراغبين في التعرف على قصتها من خلال أختها السفينة التوأم "أتلانتيك" في معرض فريد من نوعه أقيم في موسكو.

    

معدو المعرض حرصوا على أن يضم أكبر قدر ممكن من القطع والتفاصيل الحقيقية التي أخذت من أختها التوأم سفينة أتلانتيك فيما ترقد تيتانيك على عمق حوالي أربعة آلاف متر في قاع المحيط الأطلسي.

 

تقول الزائرة أولغا بوتشكوفا إن أول ما يلفت النظر عندما تبدأ رحلة التعرف على تيتانيك هو الحرص على أن يكون كل شيء كما كان آنذاك، حتى رائحة البحر ونسيم الهواء من شرفة السفينة وصوت المراجل التي تحرق وقود الفحم الحجري، حتى أن الزائر يكاد يعايش جميع الأحداث واللحظات التاريخية في هذه الرحلة المصيرية.


تقول المرشدة الثقافية للمعرض مارغاريتا كورنييفا وهي تتحدث عن بناء سفينة تيتانيك إن حملة إعلامية واسعة سبقت بناءها، وقد رصدت للمشروع ميزانية ضخمة بلغت آنذاك سبعة ملايين ونصف المليون دولار، في حين تقدر كلفة بناء سفينة مماثلة في الوقت الراهن بأربعمائة مليون دولار.

 

صورة لمجسم سفينة تيتانيك (الجزيرة)

وتعتقد أن السفينة اجتمعت فيها ثلاث مزايا، وهي الجحم الكبير، فعندما اكتمل بناؤها في عام 1912 أصبحت في ذلك الحين أكبر جسم متحرك صنعه الإنسان في العالم، وقد بلغ طولها 269 مترا، وارتفاعها 182 مترا وهو ما يعادل مبنى مكونا من 11 طابقا، وكانت تزن 46 ألف طن.

 

والميزة الثانية تمثلت في الاعتقاد أنها غير قابلة للغرق، ذلك أنها صممت تصميما فريدا جمع كل الاحتياطات اللازمة لإبقائها عائمة، بناء على حسابات علمية دقيقة، أما ميزتها الثالثة فهي فخامتها البالغة.  


وتوضح كورنييفا أن تيتانيك فاقت السفن الأخرى في مستوى الفخامة والرفاهية، فهي أشبه بقصر عائم، وقد بدا ذلك واضحا من خلال احتوائها على كل وسائل الترفيه التي كانت متوفرة آنذاك من أحواض للسباحة وصالات رياضية وحمام تركي وملعب إسكواش وغيرها من وسائل الترفيه، كما كانت تحتوي على مكتبة كبيرة تضم مجموعة نادرة من الكتب، أما غرف الدرجة الأولى فقد زينت بالخشب المزخرف وقطع الأثاث الفاخر والسجاد.

 

في تيتانيك كانت تصدر صحيفة داخلية خاصة بها "أتلانتيك ديلي بوليتين" تتضمن إضافة إلى الأخبار والدعاية أسعار البورصة ونتائج سباقات الخيول وأخبار الشائعات الخاصة بالمشاهير، ومعلومات عن قائمة الطعام اليومية التي تقدم على السفينة.

 

احتوت تيتانيك على خمسة مطابخ يعمل فيها ستون طباخا ومساعدا، فقد كان هناك طباخون متخصصون بالحساء وآخرون بالأطباق الساخنة والمعجنات والحلويات والسلطات، حتى قائمة الطعام اليومية كانت تراعي تقديم وجبات خاصة للملتزمين دينيا من ركاب السفينة اليهود الذين كان عدد منهم على ظهرها، وقد بلغ سعر تذكرة السفر في الدرجة الأولى على متن تيتانيك 4350 دولارا، وهو ما يكافئ خمسين ألف دولار في الوقت الراهن.

طاقم سفينة تيتانيك (الجزيرة)


كانت تيتانيك تعتزم القيام برحلة تمتد لستة أيام تبدأ من ميناء "كوين ستون" بجنوب بريطانيا وتنتهي في ميناء نيويورك مع التوقف في شوربيرغ بفرنسا وميناء كوينز تاون بإيرلندا، وكان إبحارها في حضور حشود جماهيرية اجتمعت لمشاهدة أول رحلة لها، وودعت بمعزوفات موسيقية وهتافات من المودعين والمسافرين والمتفرجين.

 

انطلقت السفينة في رحلتها يوم 10 أبريل/نيسان 1912وأبحرت خمسة أيام قبل أن تغرق في مياه المحيط الأطلسي، وذلك قبل ساعات من موعدها المقرر للوصول إلى وجهتها الأخيرة بعد ظهر يوم 15 أبريل/نيسان عام 1912.

 

من المواقف اللافتة خلال مراسم الافتتاح أن إحدى الأميرات سألت وهي تستمع إلى شرح المهندس الألماني الذي صمم السفينة وهو يصف إجراءات الأمان، قائلة: هل من الممكن لهذه السفينة أن تغرق؟ فأجابها "إن الله لا يستطيع أن يغرقها". لكن مشيئة الله غالبة.


أكثر من فرضية تفسر وقوع الحادث، لكن التفسير الأكثر رواجا يرجح غرق السفينة بسبب ارتطامها بجبل من الجليد، مما أدى إلى حدوث فجوة في جسمها ومن ثم انشطارها وغرقها، وقد كان إجمالي عدد الركاب والطاقم في رحلة المغادرة من ميناء كوينز تاون بإيرلندا 2238 شخصا لم ينج منهم سوى 715، فيما غرق الباقون.

 

السلم الرئيسي المؤدي الى غرف الدرجة الاولى (الجزيرة)

في بداية الأمر لم يصدق أغلبية المسافرين أن تيتانيك تغرق، رافضين مغادرتها، لذلك كان عدد الركاب في سفينة الإنقاذ الأولى 19 على الرغم من أنها تتسع لـ65 شخصا.

 

عندما غرقت "تيتانيك" كانت درجة حرارة المياه درجتين مئويتين تحت الصفر، ومن ارتدوا سترات النجاة لم يستطيعوا تحمل البرد، وقضى معظمهم من البرد أو بنوبات قلبية.

 

بعد الحادث تحول تحدي المهندس الألماني القدرة الإلهية إلى مادة للسخرية على صفحات الجرائد الأولى، فمن بين العناوين التي نشرتها الصحف البريطانية "السفينة التي لا تغرق ترقد في قاع المحيط"، و"سفينة الأثرياء تغوص بهم في قاع المحيط". 

 

وبعد انتشار خبر غرق السفينة شهدت لندن ضجة كبرى، وخرجت تظاهرات ضخمة تندد بالمسؤولين عن هذه الكارثة، وتطالب بإجراءات أمن حاسمة. وقد ألقت حادثة تيتانيك الضوء على قوانين السلامة البحرية وأفضت التحريات إلى الخروج بتوصيات صدرت على إثرها المعاهدة الدولية التي وحدت كل نظم وقوانين السلامة البحرية. 

التحميل قبل انطلاق الرحلة الأولى والأخيرة لتيتانيك (الجزيرة)


نجمة الأفلام الصامتة الممثلة دوروثي جبسون ذات الـ28 عاما كانت من بين المسافرين على متن السفينة، وقد قدر لها أن تكون من الناجين، وبعد الحادثة شاركت في تصوير فيلم "الناجون من تيتانيك" عرض بعد شهر من الكارثة، وقد حرصت على ارتداء الثوب ذاته الذي كانت ترتديه ليلة وقوع الكارثة.

 

عندما بدأت السفينة بالغرق كان لاعب التنس الشهير نوريس وليامز ووالده على ظهرها فلم يأخذا الإنذار بالغرق على محمل من الجد وقررا النزول للأسفل لتجنب البرد القارس، واختارا الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، لممارسة الرياضة وتحمية جسميهما.

 

خبر غرق تيتانيك أصاب العالم بالصدمة، وقد شكلت هذه الحادثة مصدر إلهام للكتاب ومنتجي الأفلام ومؤلفي الأغاني، فكان من الإسهامات التي صدرت في العالم العربي أبيات شعرية كتبها الشاعر القروي سماها "تيتانيك" قال في بعض أبياتها:

 

عزوا الجبال وأنذروا الأطوادا       أن الشواهق ينخفضن وهادا
جبلان يصطدمان من أنباكم          أن الجليد يحطم الفولاذا
لا تستخفوا بالضعيف وحاذروا      لا زمنا يصير الماء فيه جمادا
فهوى إلى الأعماق يلبس لجها     كفنا ويفترش القرار وسادا
تيتانيك سيدة البحار وطالما          كان القضاء مهددا من سادا

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

الزواج النوبي في كينيا.. غني بالتقاليد والألوان

الزواج النوبي في كينيا.. غني بالتقاليد والألوان

عارف الصاوي - نيروبي

 

 في حي "كيبرا" بقلب نيروبي، تستعد إيستار حسن وأقاربها ليوم الزفاف، الذي يعد في ثقافة النوبيين اليوم الأهم في حياة الفتاة. والزواج -وفقا لتقاليد راسخة- ليس أمرا يسيرا، فبالإضافة إلى التكاليف الباهظة لثلاث ليال هي أيام الزواج ، يستنفر الشباب والفتيات مبكرا لإعداد كل ما يلزم لزواج مناسب وفقا للعادات والتقاليد.

 

وللزواج النوبي عادات وتقاليد لا يجوز التغاضي عنها لأي سبب من الأسباب، فمهما كانت الظروف المادية والمعيشية متواضعة يتمسك النوبيون بتلك العادات، ويبتكرون طرقا ووسائل أخرى للحفاظ عليها من الاندثار.

 

إيستار من الجيل الخامس من النوبيين، وعمرها لا يتجاوز ٢٦ عاماً، ومع ذلك تدرك جيداً أن ليلة زفافها ستأخذ أهميتها من أنها ليلة "زواج نوبي بامتياز"، وشاركت بنفسها في ترتيبات الأسرة للتحضير لهذه الليلة على مدى شهرين تقريباً.

 

تقول إيستار للجزيرة نت "أعلم أنها ليلة مهمة لي ولأسرتي، ولذلك يتطلب الأمر التحضير الدقيق والتخطيط لكل شيء".

 

وعلمت الجزيرة نت أن النساء النوبيات لديهن أزياء خاصة لكل ليلة من ليالي الزواج، مثل الذي يسمى "القربابة"، ويكون بألوان مختلفة لكل ليلة من ليالي الزواج، حيث تبدأ الاحتفالات بيوم الحناء، وهو يوم تقضي فيه الفتيات ساعات في رسم الحناء، وغالبا ما يكون ذلك في صالونات خاصة.

 

أزياء النساء النوبيات في حفل الزفاف (الجزيرة)

وتقول هانم عبد العزيز -إحدى قريبات العروس- للجزيرة نت "كل نساء العائلة ملزمات بتحمل تكاليف الملابس والحناء، إضافة إلى مساهمتهن مادياً في إعداد مستلزمات العروس من ملابس وحناء ومكياج أيضا.

 

الرجال والنساء من عائلة العروس يحضرون اجتماعات تعقد خصيصا لترتيبات الزواج، وفي هذه الاجتماعات يتم تشكيل لجان مختلفة، لكل لجنة مسؤولية محددة، وتعد بذلك تقريرا مفصلا كل أسبوع.

 

ويقول علي مانا -أحد المسؤولين عن التحضير لزواج إيستار- "لكي نحافظ على هذه العادات يلزمنا أن ندفع لذلك، وأن نتحمل تكاليف الأمر كعائلة".

 

ويضيف جمعة خميس (٦٧ عاما) "نحن هنا في كينيا منذ وقت طويل، ونتمسك بهذه العادات حتى لا تندثر مع الزمن، ونحمد الله أننا استطعنا طوال هذه السنين أن نجعل أحفادنا فخورين بعاداتهم وتقاليدهم".

 

ويظهر هذا الاهتمام واضحا في التحضير لهذا الزواج، ففي آخر اجتماع قبل ليلة الزفاف بيوم واحد حضرت الجزيرة نت الاجتماع الأخير، الذي عُرضت فيه الترتيبات الأخيرة؛ فالنساء أكملن إعداد الملابس الخاصة، ملابس بلون واحد لوالدة العروس وأخواتها وقريباتها المقربات، ولون آخر للفتيات في سن العروس من أخواتها وقريباتها وصديقاتها المقربات.

 

بهجة أهالي العريس وأقاربه ف الزواج النوبي (الجزيرة)

أما الرجال، فكل واحد منهم يظهر بما يمثل التزامه بالعادات والتقاليد في ليلة الزواج أو "حفل الدلوكة" كما يسمى، لكنهم ملزمون بالحضور بالزي التقليدي في المسجد يوم عقد النكاح، وهو زي الجلابية والطاقية أو العمامة أو الطربوش، في حين تنحصر ليلة الحناء على الزوج وأصدقائه وأهل العروسين.

                                                         

"حفل الدلوكة" طقس جاء به النوبيون من السودان مبكرا أثناء الحرب العالمية الأولى. وبحسب دراسات كثيرة، فإن النوبيين جاؤوا في تلك الفترة كمحاربين ضمن الجيش البريطاني واستقروا في أوغندا وكينيا.

 

وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية، ذهبوا وحاربوا في الصومال ومدغشقر وبورما ومناطق أخرى، ولم يتمكنوا من العودة إلى السودان بعد ذلك، وبقي جزء منهم في كينيا وآخرون في أوغندا، لكن الثابت أنهم استقروا منذ ١٩١٧ في منطقة "كيبرا" في قلب العاصمة نيروبي.

 

جمعة خميس -هو جد العروس إيستار- يقول إن جده من الحوازمة في السودان، وبعض أسرته في أمدرمان. ويتذكر كيف احتفظوا بهذه الهوية في جغرافية مختلفة، وضمن جيران مختلفين، وكان عليهم أن يستمروا في الإيقاع ذاته الذي عرفوه وهم صغار.

 

وفي المدرسة المجاورة، نُصبت الخيام وتوافد الرجال النساء والأطفال والشباب، كل مجموعة من النساء ترتدي لونا مختلفا، فشكّل ذلك لوحة فنية بديعة، أهل العريس من النساء بزي ألوانه مختلفة، وصديقات العروس وقريباتها بلون، ووالدة العروس وشقيقاتها وصديقاتها بلون آخر.

 

الفتيات يرتدين الثياب متعددة الألوان في العرس النوبي (الجزيرة)

وفي وسط الساحة، جلست فرقة من خمسة من عازفي الطبول، هي ما يسمونها "الدلوكة" مع فرقة راقصة من أربع نساء وثلاثة رجال، وشكّل الجميع دائرة للرقص على أنغام "الدلوكة". في مكان بعيد عن ساحة الرقص كانت العروس مع صديقاتها، تظهر بزي يسمى عند النوبيين "القرقابة"، وهو عبارة عن زينة و"إكسسوارات" وألوان خاصة بالعروس في ليلة زفافها.

 

وبينما تنتظر إيستار زوجها ليأخذها إلى ساحة الرقص، تقضي ساعات في أخذ الصور التذكارية مع الصديقات والأقارب. كل شيء يتحول في الساحة إلى طاقة من الرقص، ويزداد إيقاع الطبول بمجرد دخول العروسين إلى الساحة.

 

للزواج النوبي معالم مهمة؛ أولها إظهار الالتزام بالإسلام والتمسك بالعادات، ومنها امتداد العادات السودانية، وعبر خمسة أجيال من النوبيين الذين يعيشون في كينيا، ظلوا متمسكين بهوية ثقافية يفتخرون بها، وهم في الوقت ذاته يواجهون صعوبات وتحديات ويخوضون نضالا مستمراً من أجل التمسك بحقوقهم كمواطنين كينيين.

 

وبحكم التعايش مع المجتمع الكيني، تزوج النوبيون من قبائل كينية يتشاركون معها الأرض، وهو ما أدى إلى التلاقح الثقافي، فحسن ميانزا متزوج من قبيلة الكيكيو في كينيا، ويقول إنه تزوج وفقا لعادات النوبة، وأقام حفلا آخر وفق عادات الكيكيو.

 

ويقول حسن "أنا ملتزم بكل الهويات التي تشكلني وتشكل عائلتي؛ فأبي من قبيلة اللو وأمي من النوبة، والآن لدي ابنة نصفها من الكيكيو ونصفها الآخر يجمع بين النوبة واللو".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

"سوق الأتراك" بقعة إسطنبولية بقلب برلين

"سوق الأتراك" بقعة إسطنبولية بقلب برلين
 
 خالد شمت - برلين

 

بصوت جهوري ينادي عثمان أوغلو "رخيص رخيص رخيص" و "أفضل طماطم في برلين"، ساعيا للفت أنظار المارة لبضاعته المعروضة في "سوق الأتراك" بقلب العاصمة الألمانية.

 

ويرد بائع مجاور على عثمان مناديا "لا أحد لديه باذنجان أفضل مما عندي"، وعلى غير بعيد من الاثنين يعلن أرغون وزوجته حلية عن اسماكهما الطازجة "الواردة من بحار تركيا الأربعة"، ويبدي جانبا من المارة تجاوبا مع أصوات باعة السوق التركي، ويمضي آخرون بطريقهم بحثا عما يحتاجونه من بضائع معروضة في 150 متجرا تتراص بالسوق  المصنف كثاني أكبر اسواق برلين الشعبية.

 

وتضم معروضات هذا السوق البرليني الشعبي إضافة للخضروات والفاكهة والأسماك أنواعا لا حصر لها من التوابل والمخبوزات، وسبعين نوعا من الأجبان، إلى جانب اللحوم و العسل و النقانق المدخنة والمخلالات والمكسرات والزهور والنباتات والأقمشة والملابس والحقائب والأحذية.

 

ويقول بائعو "سوق الأتراك" إنه ليس هناك شيء "غير موجود" بسوقهم الذي تباع فيه البضائع بأثمان زهيدة، تقل بكثير عن أسعار متاجر برلين، و يفخر عثمان أوغلو صاحب أطول متجر بالسوق بمنح مشتري خضرواته وفاكهته وصفات لصناعة وجبات وأطعمة تركية لذيدة.

 

الأتراك دخلوا السوق بائعين في ستينات القرن الماضي (الجزيرة)

وأشار عثمان -للجزيرة نت- إلى أن السوق الذي يعمل به منذ أكثر من ثلاثين عاما يتميز بأشياء عديدة لا توجد بمتاجر مماثلة ببرلين، من أهمها الفصال بين البائع والمشتري.

 

ويقع "سوق الأتراك" على ضفاف مجرى مائي يفصل أشهر حيين شعبيين برلينين، هما كرويتسبيرغ الذي يٌطلق عليه إسطنبول الصغري بسبب كثافته السكانية التركية المرتفعة، وحي نوي كولن المسمي بحي العرب، لأنه يضم عدد كبيرا من المتاجر والمطاعم والمقاهي العربية.

 

وتأسس السوق التركي عام 1881 بخمسين متجرا زاد عددهم عام 1930 إلى 700 تناقصوا بحقبة السبعينات بمواجهة انتشار مجمعات التسوق والمتاجر الكبرى، وفي الستينات حمل السوق أسمه الحالي، بعد أن توافد عليه الأتراك من الجيل الأول للهجرة التركية للعمل كبائعين لدي التجار الألمان، قبل تحولهم لامتلاك متاجرهم الخاصة.

 

ويمثل الأتراك حاليا أكثرية البائعين بالسوق الذي يقام أسبوعيا يومي الجمعة والثلاثاء، محافظا على زبائن يترددون عليه يزيدون عن مليون شخص سنويا، رغم مواجهة متاجره منافسة قوية من متاجر تركية وعربية تنتشر بالأحياء المختلفة للعاصمة الألمانية.

 

لأدوات الحياكة مكانها الخاص بالسوق (الجزيرة)

وقالت نوران البائعة الأربعينية  للجزيرة نت، إنها بدأت وهي تلميذة بالمدرسة المتوسطة بالثمانينيات  العمل في السوق كمساعدة لأخيها، وأشارت إلى أن ابنتها التي أنهت دراسة الاقتصاد بالجامعة، وأبنها طالب الثانوي، رفضا مساعدتها بعد توليها مسئولية المتجر لرغبتهما بالتركيز على دراستهما.

 

ولفتت البائعة التركية إلى أن عملها يتعدي البيع والشراء للدخول أحيانا بنقاشات مع زبائنها حول الإندماج والإسلام.

 

ويؤمن فؤاد عتيق تاجر الفواكه المجففة على حديث مواطنته مشيرا إلى أن السوق يتحول إلى نقطة جذب للصحفيين الألمان، بمجرد تجدد النقاشات المستمرة حول المسلمين والاندماج. وأشار إلى أن هذا سبب له وكثير من زملائه حساسية من الصحافة والتصوير.

 

ولفت عتيق - الذي يعد من أقدم التجار بالسوق التركي-  إلى تحول ملحوظ شهده السوق مؤخرا هو اهتمام تجاره بفئة جديدة من الزبائن تزايد إقبالها عليه، من أصحاب الدخول المرتفعة الباحثين عن التنوع، إضافة لاهتمامهم بالزبائن التقليدين المهتمين بالأسعار الرخيصة والكم الكبير.

 

بائعو السوق يقولون أنه لا يوجد شئ غير موجود بالسوق. (الجزيرة)

وتشيرالإحصائيات إلى أن الأتراك والألمان والعرب هم أكثرية المترددين على السوق الذي تحول بالسنوات الأخيرة لمعلم سياحي برليني ، ينتمي زائريه إلى 180 جنسية.

 

وتختلف أسباب زيارة زبائن السوق له بين زبون وآخر، فأم مصطفي العربية المقيمة ببرلين تحرص على شراء احتياجاتها الغذائية الأسبوعية من سوق الأتراك بسبب رخص أسعارها ، وأوضحت أن سعر كيلو البرتقال أو الموز أو التفاح علي سبيل المثال لا يتجاوز يورو مقابل الضعف أو أكثر بالمتاجر العادية.

 

وبنفس السياق قال شتيفان الطالب الجامعي أنه يفضل الحضور للسوق مساء الثلاثاء والجمعة لشراء الخضروات والفاكهة، التي تكون زهيدة السعر لرغبة التجار بعدم العودة بها بنهاية اليوم، وأشار إلى أنه بكل مرة كان يشتري فيها كيلو من الفاكهة يحصل من التاجر على نصف كيلو أو كيلو هدية.

 

مقلد لجحا يقدم هدايا لأطفال أتراك بعد الجمعة بالسوق. (الجزيرة)

وذكرت كاترينا الباحثة الأكاديمية أن المعروضات العربية والتركية وروائح البهار والبخور والأطعمة الشهية تجعل للسوق التركي روحا غير موجودة في 250 سوقا شعبيا تتوزع على أحياء برلين المختلفة ، وقالت للجزيرة نت أنها حريصة على زيارة السوق أسبوعيا لاستنشاق روائح الشرق وتناول البوريك وفطائر الجبنة والسبانخ والبطاطس التركية التي تقدمها مطاعم السوق الجاذبة لزائرين كثر.

 

وأشار راينر بريسكا المسئول الإداري للسوق التركي إلى أن التنوع الثقافي الموجود بالسوق بضائع وبائعين وزبائن أضفى عليه جاذبية، جعلت شركات سياحية تضعه ضمن برامج رحلاتها الداخلية والخارجية.

 

ونوه بريسكا لتحول السوق بالعقود الأربعة الأخيرة إلى مركز لأتراك ألمانيا المقدرين بنحو 2.5 مليون نسمة ويمثلون أكبر وجود للأتراك خارج بلادهم، وأشار إلى تزايد الإقبال صيفا على السوق بسبب الفعاليات الموسيقية والغنائية التي تقام بمقدمته .

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

"الإيغور" في تركيا.. هوية تفر من التنين

"الإيغور" في تركيا.. هوية تفر من التنين

 

خليل مبروك - إسطنبول

 

بين وطن حبيس في "جوف التنين" وشمس لا تبتسم لأرض الغربة، يتقاسم الإيغوريون الأحزان والآمال معاً، فهناك في شمال غرب الصين هجروا الخوف حين ودعوا الأهل والعشيرة والديار، وهنا في تركيا ذاقوا مرارة الغربة في حضن الأمن والسلام.

 

يحمل شعب تركستان الشرقية (الإيغور) الذي استقر في تركيا رؤية بتحرير أرضه من الاحتلال الصيني، ويؤمن بعدالة قضيته التي يشبِّهها كثيرا بقضية فلسطين، أما رسالته فهي الحفاظ على هوية الآباء والأجداد بما فيها من تراث وتقاليد تمثل للإيغور كنزا لا يقدر بثمن.

 

بدأت هجرات شعب تركستان الشرقية هربا من بطش العملاق الصيني ونظامه الشيوعي منذ خمسينات القرن الماضي، فجابت أفواج النازحين منهم أرجاء البلاد القريبة متنقلين في موجات متعاقبة بين أفغانستان وباكستان وكشمير، لكن جالية كبيرة منهم استقرت في تركيا.

 

الشباب الإيغوري في أحد فعالياتهم الوطنية يرفعون علم تركستان الشرقية (الجزيرة)

ووفقا لإعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل بضعة شهور، فإن تعداد الإيغور في تركيا يبلغ 300 ألف نسمة أكثرهم تجار وموظفون، ويتركزون في عاصمة البلاد أنقرة وكبرى مدنها إسطنبول ومدينة قيصري.

 

وتنشط بضع جمعيات ومؤسسات إيغورية في تركيا في العمل لحماية الهوية التركستانية لغة وثقافة وعلوما وتاريخا، ومن بين تلك المؤسسات جمعية معارف تركستان الشرقية التي تتواصل مع الإيغور منذ تأسيسها عام 2006 كي تبقي قضيتهم حية في قلوبهم وإن رحلوا عن بلادهم.

 

فهذا رئيس الجمعية هداية الله بن حمد الله أوغزهان الذي يقيم في تركيا منذ 13 عاماً ما زال يحمل في مخيلته الكثير من الحكايات والصور عن طبيعة الحياة في تركستان "المحتلة"، ويقول للجزيرة نت أن الإيغوريين في تركيا يجتهدون ليحافظوا على هذا التراث في سلوكهم فتجمعهم مناسبات الفرح والحزن على السواء.

 

ندوة حول واقع الإيغور بتركيا (الجزيرة)

فرضت رياح الغربة على تراث الإيغوريين هواها وعصفت بشعورهم الثقافي الذي بات مختلفا عما كان عليه في أرض الوطن، حتى قال أوغزهان أن "الفرح والترح في الغربة سواء".

 

ويستخرج الناشط التركستاني من ذاكرته بعض قصص التراث في بلاده ومنها مراسيم الزواج الذي يبدأ بتوجه إمام جامع الحي مع المصلين بعد صلاة الفجر لتناول الطعام في بيت العروس، فيتناول الرجال طعامهم بالآلاف ثم ينصرفون، لتحضر النسوة ويتناولن طعامهن.

 

يتوجه العريس بعد ذلك مع أصدقائه إلى بيت العروس بعد صلاة الظهر فتكرمهم العائلة بالطعام على وقع الموسيقى الإيغورية، ويمضي العريس عدة ساعات في بيت أنسبائه ويغادر صحبه لتحل مكانهم النساء مرة أخرى، ثم يأتي الرجال مجددا لزفة العروسين إلى بيت الزوجية بالتكبيرات والتهليل.

 

أطفال الإيغور في فعاليات وطنية بتركيا (الجزيرة)

ويحيي الإيغور في تركيا كثيرا من المناسبات كالأعياد الدينية والأيام الوطنية المرتبطة بتاريخ كردستان مثل يوم تأسيس الجمهورية الإسلامية في تركستان الشرقية الذي يحتفل به في 12 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام.

 

كما يحرص شباب الإيغور ونشطاؤهم على المشاركة في الملتقى الأخوي العالمي لأبناء تركستان الشرقية الذي يجمع النخب والمثقفين في أيام ثقافية وعلمية تتخللها الندوات والورش والعروض الفنية ومعارض التراث، وقد أقيمت نسخته الخامسة بمدينة إسطنبول العام الماضي.

 

ويبين أوغزهان أن الإيغور مرتاحون في تركيا "التي يرحب شعبها بكل المظلومين من العالم الإسلامي، ويقول:"نحن بالذات أصولنا تركية وعلاقاتنا منذ قرون، فالشعب معنا والحكومة أيضا، لذلك لا نجد صعوبة في العيش والحصول على الإقامات".

 

لكن المسؤول التركستاني يتمنى أن تساند تركيا قضية شعبه كما تساند القضايا الأخرى، قائلاً: "نحن مظلومون ويجب أن تلقى الصين موقفا قويا من تركيا كطرف يساند تركستان".

 

أطفال الإيغور بزيهم التقليدي في إحدى المناسبات الخاصة بالجالية بتركيا (الجزيرة)

 

وفيما ينشط قسم من الإيغوريين في الدفاع عن قضيتهم من أرض الغربة، يفضل آخرون اللواذ بالصمت دفعا للأذى الذي قد يطالهم أو أقاربهم في البلاد على يد الحكومة الصينية، ومن بينهم أيوب الذي رفض أن يفصح عن اسمه الكامل أو القبول بتصويره.

 

سألته الجزيرة نت عن الذي يخشاه وهو في تركيا، فقال أن اليد الصينية الطويلة تلاحق الإيغور وتتجسس عليهم في كل مكان، وتوقع العقوبات الشديدة بمن يتحدث عن انتهاكاتها، مؤكدا أن العقوبات يمكن أن تنال أهالي الناشطين وأقاربهم إن لم تصل إليهم هم.

 

ولا زالت مأساة مذابح الإيغور في أورومتشي عام 2009 عالقة في أذهان أبناء تركستان الذين يؤكدون أن التعسف والحكم الظالم على يد الصينيين يتضمن العديد من الصور كالاعتقالات القاسية والسجن لفترات طويلة والتعذيب الذي لا يرحم.

 

كما تمنع الصين أبناء الإيغور من تعلم لغتهم الأم أو دراسة العلوم الإسلامية وحتى تلاوة القرآن الكريم، وفرضت حظرا على ارتداء الحجاب وصيام رمضان وغير ذلك من الشعائر، بحسب ما يؤكد النشطاء الإيغور.

 

أطفال الإيغور يرفعون علمهم الخاص بتركستان الشرقية في إحدى فعالياتهم بتركيا (الجزيرة)

ووفقا لأيوب، فإن الصين تتعامل مع الشعب الإيغوري كشعب تحت الاحتلال، فتمارس الانتقام من أبنائه الذين يبلغ تعدادهم قرابة الــ 40 مليون نسمة بصور عديدة، موضحا أن لهذا السلوك خلفية دينية محضة وبعد قومي، يتمثل بالرد على نجاح الإيغور بتأسيس جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية مرتين عامي 1933 و1944 وفي ذات الميعاد (12 نوفمبر/تشرين ثاني).

 

ويعتب أيوب على الأمة الإسلامية التي لا تناصر شعبه في وجه ما يتعرض له ويقول: "تركستان الشرقية جزء من جسد الأمة، هي فلسطين وفلسطين هي تركستان، وإسرائيل هي الصين والصين هي إسرائيل، نحن لدينا قضية احتلال وشعب مسلم يريد الحرية".

 

ويضيف: "يجب أن يفهم العرب والمسلمون الذين لا يعرفون الصين على حقيقتها أن تركستان الشرقية ليس فيها مدرسة يتعلم فيها الطفل المسلم القرآن، ومع ذلك وبعد 65 سنة الناس ما زالت مرتبطة بدينها وتتعلمه رغم الضغط الكبير".

السابق

السابق

التالي

السابق

شارك برأيك