آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/24 الساعة 10:38 (مكة المكرمة) الموافق 1437/3/14 هـ
الدولة والخلافة

رقم العدد : 30

تاريخ العدد : أغسطس/آب 2014

-1/16-

حرية الكلمة في معادلة الديمقراطية

  محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

في الأزمات السياسية الكبرى والحروب الدامية  تكتسي الصحافة الحرة والباحثة عن الحقيقة، والحقيقة فقط ، ثوب القداسة، وتمارس سلطتها الحقيقية على باقي السلطات. لكنها تتحول إلى هدف للقوى الباطشة بالإنسان والإنسانية، والتي تعمل في الظلام وتخشى ضوء الكاميرا الذي يفضح جرائمها.

 

في حرب غزة الأخيرة كما في سابقاتها عام 2012 و2008 يتأذى الاحتلال الإسرائيلي من كاميرا الجزيرة وغيرها من الفضائيات المخلصة لا المهنة دون غيرها من فضائيات. الكاميرا المفتوحة على مدار الساعة. الكاميرا التي يحملها الصحفي بين أنقاض بيوت غزة المقصوفة وفي مستشفياتها ومقابرها. وينقل بها أصوات الثكالى وصرخات الأطفال.

 

في هذه الأجواء  تتأذى "الدولة المتحضرة" من مصداقية الجزيرة وسعة انتشارها، وقدرتها على فضح جرائم جيشها في غزة، فتطلق النار بشكل متعمد على مكتب الجزيرة في غزة،  ويهدد وزير خارجيتها بغلق مكاتب الجزيرة، باعتبارها بوقا لمنظمات "إرهابية". وهو المسوغ الذي اتكأت عليه أنظمة شقيقة في قمع كلمة الجزيرة وكتم صوتها.

 

هو المنطق ذاته، الذي يخشى فيه مرتكب الجريمة من شهود العيان، الشهود ذوو العيون والآذان الصادقة، مهنيا وحضاريا. ولا يختلف في هذا السياق نظام ديكتاتوري عسكري أو نظام يدعي الديمقراطية ويبشر العالم بها.

 

فإسرائيل التي تدعي -ويروج لها الغرب على- أنها واحة الديمقراطية في صحراء الديكتاتورية العربية، تضيق بحرية الكلمة، والإعلام المهني الذي لا يزيف الواقع، حتى لا يزيف وعي المشاهد. تماما كما ضاق بها نظام عسكري انقلابي قدم دماء آلاف المدنيين السلميين مهرا لزواجه بالسلطة، وتأذى من نقل جريمته للعالم لحظة بلحظة.

 

وقبلهما وقعت كاهنة الديمقراطية وراعيتها، التي صدعت رؤوس العالم برسالة حرية الكلمة المقدسة، في ذات الخطيئة عندما قصفت مكاتب الجزيرة في كابل، وفي العراق، وهمت بقصفها في الدوحة يوما، وأغلقت مكاتب واعتقلت مراسلين ومصورين، بالمنطق ذاته والمسوغات نفسها.

 

هي معادلة بسيطة ومعقدة في الوقت ذاته، الديمقراطية توجب حرية الكلمة وللصحافة سلطة مقدسة فيها، لكنها أول ما تضحي بها هذه المنظومة، عندما تسير في غير طريقها، وتفضح جرائمها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/16-

ملف العدد

ملف العدد

 

كان ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام علامة فارقة في مسار الحراك العربي في الهلال الخصيب، في أزمتي العراق وسوريا، نظرا لطبيعة التنظيم المتشددة، والغموض الذي يكتنفه من حيث الممارسات والارتباطات وأهدافه.

 

إلا أن إعلان هذا التنظيم عن قيام الخلافة الإسلامية وتعيين أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، كانت ذروة الصدمة التي شكلها هذا التنظيم للمنطقة.

 

وهذا ما استدعى تخصيص ملف في هذا العدد من مجلة الجزيرة يغوص في الأبعاد الفكرية والسياسية لتنظيم الدولة الإسلامية ومولوده الجديد، الخلافة الإسلامية.

 

وفي هذا الملف يضعنا تقرير في رحلة تاريخية من تنظيم القاعدة وتفريخه لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي أفرز بدوره الخلافة والخليفة، ويطلعنا تقرير آخر على تفاعلات إعلان الخلافة في وسط التيار السلفي الجهادي في الأردن، أحد أكثر الساحات نشاطا لهذا التيار. ورسالة من منظره أبو محمد المقدسي يفند فيها فكرة إعلان الخلافة وطريقتها التي جاء بها تنظيم الدولة.

 

وللوقوف على قناعات وفلسفة تنظيم الدولة في خطوة إعلان الخلافة وتعيين الخليفة، فقد تمكنت مجلة الجزيرة من مقابلة أحد رموز هذا التنظيم، وهو أبو ذر العراقي والي الرقة والميادين، التي يحكمها هذا التنظيم، ليتمكن القارئ بنفسه من الحكم على فكر وقناعات هذا التنظيم.

 

وفي مقال فكري تاريخي يبحر مقال في مفهوم الدولة والخلافة في الفكر الإسلامي، وصلاحية التطبيق الحرفي لما كان عليه الحال في الدولة الإسلامية في وقتنا الحاضر. ويعبر حزب التحرير الإسلامي الذي يعرف بأنه بني على فكرة إعادة الخلافة الإسلامية عن قناعاته ونقده لطريقة تنظيم الدولة الإسلامية في إعلان الخلافة.

 

وفي قراءة تداعيات إعلان الخلافة في العراق والشام على التنظيمات الجهادية في المغرب الإسلامي يطلعنا مقال آخر على تفاعل هذه التنظيمات مع إعلان الخلافة، وعلاقتها بالتنظيم الأم -تنظيم القاعدة- ويتناول مقال آخر الانعكاسات السياسية لإعلان الخلافة على المنطقة العربية، ولا سيما في العراق والشام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/16-

قصة "الخلافة".. من "القاعدة" مرورا "بالدولة"

قصة "الخلافة".. من "القاعدة" مرورا "بالدولة"

 

محمد النجار- عمّان 

 

شكل الإعلان عن قيام "دولة الخلافة الإسلامية" مطلع شهر رمضان المنصرم، نهاية لحقبة تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي بسط نفوذه "افتراضيا" تارة على العراق، وأخرى على سوريا "الشام"، عوضا عن أنها أكدت على "الطلاق البائن" بين هذا المشروع وتنظيم القاعدة الذي بات اليوم الحلقة الأضعف في معادلة التيار السلفي الجهادي الذي بات يميل غالبية منتسبيه للمشروع الجديد "الخلافة".

 

وجاء مشروع "دولة الخلافة" الوليد ليشكل ذروة الانقسام في مشروع تنظيم القاعدة الذي ظهر لأول مرة مع تنظيم "التوحيد والجهاد" الذي أعلنه أبو مصعب الزرقاوي في العراق عام 2004 -بعد أقل من عام على الاحتلال الأميركي للعراق- وهو الانقسام الذي تمكن أمير تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن -اغتالته القوات الأميركية عام 2012 في باكستان- من إيجاد الحلول للتخفيف منه، لكنه ما لبث أن انفجر في مراحل تالية.

 

فبعد مراسلات طويلة أعلن الزرقاوي -اغالته القوات الأميركية في العراق عام 2006- مبايعته بن لادن وانضمام تنظيمه للقاعدة وأطلق عليه "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، ليصبح واحدا من أقوى فروع القاعدة الضاربة في المنطقة، وأوقع خسائر فادحة في قوات الاحتلال الأميركي، وحلفائه ولا سيما من القوى الشيعية التي ظل استهدافها محط خلاف بين الزرقاوي من جهة وبن لادن ومنظري السلفية الجهادية من ناحية أخرى.

 

وتمكن الزرقاوي في السنوات الذهبية لتنظيمه -ما بين 2004 و2006- من توحيد قوى مختلفة إلى جانب تنظيمه فيما عرف بعد ذلك بمجلس شورى المجاهدين، وبات أبرز أيدي القاعدة التي ضربت في أنحاء العراق، وتعداه حتى ضرب التنظيم خارجه وخاصة في عمان التي هزتها ثلاثة تفجيرات أوقعت العشرات من الضحايا نهاية عام 2005.

 

زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري (الأوروبية)

ما بعد الزرقاوي

وعلى الرغم من الضربة الكبيرة التي تلقاها "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" باغتيال الزرقاوي عام 2006، وتعيين "أبو حمزة المهاجر" خليفة له، إلا أنه واصل نهجه المتمرد على تنظيم القاعدة، حيث أعلن في ذروة الهجوم عليه وقتاله من "الصحوات" في العراق نهاية ذلك العام قيام "الدولة الإسلامية في العراق" بزعامة أبو عمر البغدادي، وأخيرا أبو بكر البغدادي -بعد مقتل سلفه- في وقت مر بها التنظيم بواحدة من أضعف حالاته.

 

غير أن "تنظيم الدولة" -الاسم المختصر له بعد ذلك- مر بسنوات عجاف، حتى أن البعض راهن على اضمحلاله نظرا لعلاقته المضطربة بالقاعدة تارة، وعدم قدرته على إعادة بناء قدراته تارة أخرى، لكنه تمكن من البقاء أمام حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في العراق، واتساع رقعة الخلافات وشعور العرب السنة بالتهميش، حتى جاءت الثورة في سوريا عام 2011 لتبث فيه الحياة من جديد.

 

استفاد التنظيم كثيرا من استخدام نظام الرئيس السوري بشار الأسد السلاح ضد الثورة الشعبية على حكمه، ليوجه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق أحد قياداته البارزة وهو "أبو محمد الجولاني" لتشكيل جبهة لنصرة الشعب السوري، ظهرت لأول مرة في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2011.

 

تحولت جبهة النصرة مع الوقت لأبرز ذراع ضارب ضد نظام بشار الأسد في سوريا، وبرزت كواحدة من القوى السورية المحلية أكثر من كونها فرعا لتنظيم عالمي كالقاعدة، وفي ذروة تقدمها في المعارك ضد نظام الأسد وسيطرتها مع فصائل باتت حليفة لها على الأرض على مناطق واسعة من سوريا عاد "تنظيم الدولة" إلى الواجهة مرة أخرى.

 

علم تنظيم الدولة الإسلامية في أحد شوارع مدينة معان جنوب الأردن (أسوشيتدبرس)

طلاق الدولة والنصرة

في أبريل/نيسان 2013 دخلت العلاقة بين "الدولة" و"النصرة" المرحلة الأهم التي قادت لتطورات كبرى لاحقة، فقد أعلن أمير "دولة العراق" أبو بكر البغدادي عن ضم جبهة النصرة لدولته وتغيير اسمها إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

 

لكن أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني رفض هذه الدعوة بشكل ضمني عندما أعلن بيعته لأمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وبعد جدل طويل حسم الأخير الأمر بدعوة "تنظيم الدولة" للخروج من سوريا والعودة للعراق وترك أمر "الجهاد" في الشام لجبهة النصرة.

 

غير أن أبو بكر البغدادي أعلن رفضه دعوة الظواهري، بل وتحلل من بيعة تنظيمه القديمة في زمن الزرقاوي لتنظيم القاعدة، مما أدى لانقسام جبهة النصرة، بين من ظل تحت لواء الجولاني، ومن انحاز لدولة البغدادي.

 

لتبدأ مرحلة من الرسائل المتبادلة انقسم فيها التيار السلفي الجهادي في بلاد الشام خاصة وفي العالم عموما بين تأييد الظواهري وبالتالي الانحياز لجبهة النصرة، وبين تأييد "الدولة" وبالتالي التحلل من التبعية التاريخية للقاعدة.

 

مرت العلاقة بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة بمرحلة من اللا حرب واللا سلم، حيث اشترك الطرفان في معارك ضد النظام السوري تارة -أشهرها معركة مطار منغ في ريف حلب- والتنافس على الأسبقية في خدمة الجمهور تارة أخرى، كما ظهر في السيطرة على مدينة الرقة التي انحاز أميرها لتنظيم الدولة، وغيرها من الأوجه.

 

غير أن هذه العلاقة عرفت المواجهة المسلحة بين الطرفين شيئا فشيئا عندما اندلعت مواجهات عنيفة بين "الدولة" وتنظيمات سورية إسلامية وغير إسلامية في نهاية عام 2013 ومطلع عام 2014، انتهت الغلبة في معظمها لخصوم "الدولة" التي جرى طردها من معظم مناطق محافظات حلب ودير الزور ومناطق أخرى خاصة في الشمال السوري.

 

ودخلت جبهة النصرة في المواجهة مع "الدولة" بالتدريج، إلى أن اندلعت معارك طاحنة بين الطرفين وخاصة في محافظات حلب ودير الزور والرقة قتل فيها العشرات من المقاتلين الذين قاتلوا جنبا إلى جنب قبل أشهر قليلة.

 

خارطة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (الجزيرة)

حياة جديدة بالعراق

وفيما كان المراقبون يلحظون تلاشي تنظيم الدولة على الأرض في سوريا شيئا فشيئا، ولا سيما مع الهجوم الكاسح عليه من قبل أبرز منظري التيار السلفي الجهادي التاريخيين وخاصة أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، جاءت الأوضاع في العراق هذه المرة لتخدم تنظيم الدولة.

 

فقد أدى انفجار الأوضاع الأمنية في العراق، واندلاع مواجهات مسلحة بين العشائر العراقية وتنظيم الدولة من جهة، والقوات العراقية من جهة أخرى، لسيطرة الثوار والدولة على مساحات واسعة من محافظات العراق السنية، توجت بسيطرة التنظيم ومجموعات الثوار على الموصل، وإعلانه فتح الحدود بين العراق وسوريا.

 

ومطلع شهر رمضان المنصرم أعلن تنظيم الدولة عن المرحلة الرابعة من مراحل تطوره بإعلانه قيام دولة الخلافة الإسلامية وإعلان أبو بكر البغدادي "خليفة للمسلمين"، ودعوة الفصائل المجاهدة في كل مكان والمسلمين لبيعة "الخليفة".

 

وبالرغم من رفض قيادات التيار السلفي الجهادي لهذه الدعوة بل واعتبار أبو محمد المقدسي أنها "مؤامرة شنيعة على التيار السلفي الجهادي"، فإن الواقع على الأرض الذي يؤكده متخصصون وباحثون يفيد بأن غالبية أبناء التيار في بلاد الشام خصوصا انحازوا للبغدادي وبالتالي أعلنوا معه الطلاق البائن مع "القاعدة" ومع التيار الذي ولدت من رحمه "السلفية الجهادية".

 

على الأرض عادت قوة تنظيم الدولة في سوريا تظهر مجددا مستفيدة من السلاح الكبير والنوعي الذي غنمته من الجيش العراقي، حيث أعادت السيطرة على محافظة دير الزور وإخراج جبهة النصرة منها، كما بدأت بالزحف على مناطق في حلب، واشتعلت بينها وبين فصائل معارضة معارك في غوطة دمشق ومناطق أخرى، وسط توقعات أن تعود الدولة كلاعب أبرز على الساحة السورية كما هي اليوم على الساحة العراقية.

 

لكن السؤال الأهم برأي مراقبين، ما هي الجبهة التالية لتنظيم بات يكبر؟ وبات حلم "الدولة" بالنسبة له واقعا، مع سيطرته على مناطق شاسعة ومقدرات تمكنه من البقاء على قيد الحياة طويلا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/16-

جهاديو الأردن.. انحياز لـ"الخلافة" وعزل للشيوخ

جهاديو الأردن.. انحياز لـ"الخلافة" وعزل للشيوخ

 

محمد النجار- عمّان

 

في الجمعة الأولى من شهر رمضان الفائت، تفاجأت مدينة معان الأردنية (250 كيلومترا جنوب عمان) بمظاهرة شارك فيها العشرات من أتباع التيار السلفي الجهادي، ورُفعت فيها رايات "دولة الخلافة" التي أعلنت قبل أيام من المسيرة، وهتفت المسيرة للخلافة، وأعلن مشاركون فيها مبايعتهم لأبو بكر البغدادي "خليفة للمسلمين".

 

للوهلة الأولى بدا المشهد غير منفصل عن سياق الجولة الحالية من التوتر بين معان والسلطات الأردنية، لكن التمعن فيه وتحليله والبحث في خلفياته أظهر أنه يعبر عن حالة انقسام للتيار في أهم حواضنه في المملكة الأردنية، حيث انحازت نسبة كبيرة فيها لـ"تنظيم الدولة"، ثم لـ"دولة الخلافة".

 

بينما بدا أن قادة التيار في معان -خاصة محمد الشلبي "أبو سياف"- باتوا مع نسبة قليلة ترفض الدولة والخلافة وتنحاز للتيار السلفي الجهادي الذي يعبر عنه عالميا تنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري.

 

التظاهرة -ومن قبلها إعلان الخلافة- كانت أحد أهم مظاهر الأزمة التي يعيشها التيار السلفي الجهادي الأردني، والذي تبرز أهميته في كونه أحد أهم أفرع التيار العالمي وخاصة في بلاد الشام، وهو اليوم من أكبر المساهمين في مشروع "الجهاد" في سوريا ضمن جبهة النصرة وتنظيم الدولة.

 

كما جاءت بعد أسبوعين فقط من خروج منظر التيار السلفي الجهادي أبو محمد المقدسي من سجن أردني بعد ثلاث سنوات قضاها فيه، حيث كان للرجل رسائل ومواقف انحازت لجبهة النصرة وبالتالي القاعدة، وهاجمت بضراوة تنظيم الدولة، واستمر الرجل في هجومه بعد خروجه من السجن، حيث أصدر بعد إعلان الخلافة رسالتين شكلتا إعلانا لرفض مشروعها، بل ووصفه بـ"المؤامرة" على التيار السلفي الجهادي.

 

مظهر آخر من مظاهر الخلاف المحتدم داخل التيار ظهر في رسائل تهديد وصلت للدكتور إياد القنيبي -أستاذ جامعي قريب من التيار السلفي الجهادي هاجم مرارا تنظيم الدولة وانحاز لجبهة النصرة- والتي وصلت حد التهديد بالقتل، وترجمت نهاية يونيو/حزيران الماضي باعتداء جسدي تعرض له القنيبي.

 

أبو قتادة الفلسطيني في محكمة أمن الدولة الأردنية في العاصمة عمان (أسوشيتيدبرس)

وقبل القنيبي بشهرين، تعرض الدكتور أيمن البلوي، قريب من التيار السلفي الجهادي وشقيق همام البلوي الذي نفذ عملية خوست ضد قاعدة للمخابرات الأميركية قتل فيها سبعة ضباط أميركيين وضابط أردني عام 2008.

 

وكانت أوجه الخلاف داخل التيار السلفي الجهادي الأردني -الذي يقدر عدد أعضائه بأكثر من خمسة آلاف- قد ظلت في إطار الرسائل والمواقف، وظل التيار الأردني منحازا تماما لجبهة النصرة في سوريا التي يقاتل نحو 1200 أردني في صفوفها.

 

لكن الزلزال الأخير الذي تمثل بإعلان "الخلافة" بعد سيطرة تنظيم الدولة على مناطق واسعة من العراق ثم التقدم في سوريا على حساب النصرة قد قلب الأمور رأسا على عقب.

 

وبينما كان تصنيف باحثين أن التيار في المناطق الشرق أردنية ينحاز لتنظيم الدولة، وفي المناطق ذات الأصول الفلسطينية ينحاز لجبهة النصرة، كانت الوقائع التي عاشتها الجزيرة نت وأكدها قادة في التيار وعناصر فيه وباحثون ومراقبون تؤكد أن الخارطة تغيرت لصالح تنظيم الدولة ومسماه الجديد "الخلافة".

 

في جلسة استضاف خلالها أحد شبان التيار في مدينة السلط الأردنية مراسل الجزيرة نت مع مجموعة من شبان التيار-شرط عدم نقل أسمائهم- كانت الصورة واضحة في انقلاب هؤلاء الذين قاتل أحدهم في صفوف جبهة النصرة في سوريا لصالح أبو بكر البغدادي ودولة الخلافة.

 

المقاتل السابق في سوريا قال "قاتلت في جبهة النصرة، وعدت للأردن بعد إصابتي، لو كنت في سوريا اليوم لالتحقت بصفوف دولة الخلافة".

 

وأردف "مشروعنا كتيار سلفي جهادي وتنظيم القاعدة اكتمل اليوم بإعلان دولة الخلافة، لنبدأ بعدها مشروعنا الذي يحتاج منا لرص الصفوف، ما حاجتنا لبقاء التيار والتنظيم، نحن اليوم لدينا دولة وخليفة باتت في أعناقنا له بيعة. الرافضون للالتحاق بالدولة هم الذين تربينا على أيديهم على أن مشروعنا سيكتمل بالصورة الحالية اليوم".

 

أبو محمد المقدسي منظر السلفية الجهادية في الأردن (الجزيرة)

كان النقاش محتدما بين الشبان الذين تنوعت ثقافتهم بين الدراسة الجامعية الأولى والثانوية العامة، لكن القاسم المشترك بينهم هو رفضهم هجوم منظري التيار السلفي الجهادي أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني على تنظيم الدولة ومن بعده "دولة الخلافة"، لدرجة أن البعض ذهب لاتهام شيخي التيار البارزين بـ"عقد صفقات مع النظام الأردني للحرب على الخلافة"، على حد وصفه.

 

في جلسة أخرى في مخيم للاجئين الفلسطينيين قريب من العاصمة عمان، بدت الصورة هناك مطابقة للجلسة التي سبقتها، شبان من أصول فلسطينية- اثنان منهم قاتلو في صفوف جبهة النصرة بسوريا، وأغلبهم ممن قضوا سنوات طويلة في السجون الأردنية- أكدوا أنهم اليوم منحازون تماما لدولة الخلافة، لكن حدة هجومهم على منظري التيار المقدسي والبغدادي كانت أقل.

 

وبينما أكد شيوخ التيار الرافضين لدولة الخلافة أنهم يفضلون عدم الحديث للإعلام، إلا أن الجزيرة نت استمعت منهم لتأكيدات تفيد بأنهم يعرفون أن "الكثير من شباب التيار أخذهم بريق اسم الخلافة ووهم اسم الدولة".

 

أحد هؤلاء تحدث عن أن نسبة ما يقترب من 60% من أبناء التيار باتوا اليوم منحازين لـ "البغدادي ودولة الخلافة"، غير أنه اعتبر أن الأمر يحتاج لـ "صبر وتروٍّ وحوارات واتضاح الحقائق على الأرض، ليعرف هؤلاء حقائق المخاطر التي تحيق بالمشروع الجهادي نتيجة الإعلان المتسرع للخلافة ودولتها وتخبط تنظيم الدولة طوال السنوات الماضية".

 

في هذا السياق، يرى الصحفي المتخصص في قضايا التيار السلفي الجهادي وائل البتيري أن "تحول أكثر مناصري السلفية الجهادية في الأردن إلى تأييد تنظيم الدولة" يتنامى شيئاً فشيئاً.

 

من مسيرة بمدينة معان قبل أكثر من شهر إبان الأزمة الأخيرة بين المدينة وأجهزة الأمن (الجزيرة)

ويرجع البتيري ذلك إلى "وجود شخصيات قيادية عسكرية دغدغت عواطفهم وحماستهم، وأشعرتهم بتلبية طموحاتهم بإقامة الخلافة، الأمر الذي جعل دور الشخصيات الشرعية المؤثرة في التيار ثانوياً، خصوصاً مع تزايد إنجازات وتمدد تنظيم الدولة على أرض الواقع، الأمر الذي جعلهم يشعرون بالانتشاء وتحقيق الحلم الذي طالما راودهم بإقامة كيان يحكم بالشريعة".

 

وأردف البتيري أن ما تعرض له أبناء هذا التيار في السنوات السابقة من مضايقات أمنية، وأحكام قاسية بالسجن، "جعلتهم يرون في تنظيم الدولة ملجأ شرعياً يدفع عنهم وينتقم لهم ويشعرهم بكيانهم".

 

ويلفت الصحفي المتخصص في شؤون التيار إلى أن الشخصيتين الرئيسيتين اللتين عارضتا تنظيم الدولة، وهما أبو محمد المقدسي وأبو قتادة "تعرضا لحملة تشويه من قبل أنصار الدولة الإسلامية نجحت في التقليل من مكانتهما وتأثيرهما على شباب التيار، وتمثلت هذه الحملة في اتهامهما بعدم معرفة الواقع تارة، والقعود عن الجهاد تارة أخرى، والاتفاق مع الدولة الأردنية على إسقاط مشروع الدولة الإسلامية تارة ثالثة".

 

ويخلص للقول إن هذه التحولات أضعفت التيار المعتدل في السلفية الجهادية، وقللت من مكانة المقدسي بالذات، وأبقت تقديره في الغالب محصوراً لدى الجيل الأول من رموز هذا التيار، بالإضافة إلى عدد قليل من شباب الصف الثاني والثالث.

 

ظهرت نتيجة هذه التحولات في إطلاق مؤيدي "الدولة الإسلامية" عبارات التهديد والوعيد تجاه مخالفيهم، وترجمت هذه التهديدات بالاعتداء على الدكتور أيمن البلوي، والدكتور إياد قنيبي، الأمر الذي ينذر بأن يصيب الاعتداء القادم أبو محمد المقدسي ذاته.

 

في المقابل، سينال التيار المناهض لتنظيم الدولة قسطاً من الحرية، ربما تؤخر اعتقال المقدسي من قبل السلطات الأردنية لمدة أطول من المعتاد، إذ إن التضييق على هذا التيار من قبل السلطات سيحول حتى قياداته إلى "دواعش" جدد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/16-

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا

 

الكاتب : الشيخ أبو محمد المقدسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..

 

فإن الخلافة والإمامة من المناصب المهمة والعظيمة الشأن عند أهل الإسلام التي لا زال يتطلع المخلصون من أهل الإسلام إلى إعادتها وإقامتها، وبلغ التطلع بهم إلى أن شط قوم منهم لاستعجالهم بالخلافة وتنصيب الخليفة، فجعلوا الإمام القوام على أهل الإسلام شخصاً لا سلطة له ولا سلطان قد أوى إلى لندن ودعوا الناس إلى بيعته وأثَموا من لم يبايعه .. وآخرون اختصروا الأمر بادعاء المهدية في بعضهم، وهذه لا شك صورة من صور البحث عن خليفة راشد يسلم له الناس قيادهم ..

 

وهذه المحاولات وأمثالها كانت ولا زالت تأتي مقحمة لشخص ما؛ لا مكان له على أرض الواقع بين عموم المسلمين وإنما هو مسمى ومنتخب من جماعته ومجموعته ولا اختيار له من أهل الحل والعقد الفعليين في الأمة وهم علمائها الربانيين؛ كانت دوما تؤول إلى زوال واضمحلال دون أن يصيب المسلمين شيء من الإحباط أو التشويه لهذا المنصب العظيم في صدورهم ..

 

أما أن تأتي جماعة يغلب عليها الخطاب المغالي، والنهج الإقصائي الإستئصالي لكل مخالف، وعدم الإعتبار لعلماء الأمة وكبرائها، وتدعي رغبتها بتحكيم الشرع على الأمة ولما تقبل هي بالتحاكم إليه في الخصومات والدماء والأموال مع الآخرين ! ثم تتغلب على بعض النواحي من ديار المسلمين، وقبل أن تستتب لها الأمور ويجتمع عليها الناس والعلماء الفضلاء حتى في تلك البلاد تعلن وجوب بيعة خليفتها الذي سمته على المسلمين في كافة أنحاء العالم ووجوب هجرة المسلمين إليه وإثم من لم يفعل ذلك .. حتى برزت عندنا الحاجة إلى فتاوى كنحو فتوى الإمام مالك في بطلان طلاق المكره وبيعته، فقد وردت إلي أسئلة من نساء خيرهن أزواجهن بين بيعة هذا الخليفة أو الطلاق، فقلت بايعن إن كنتن تكرهن الطلاق، وهذه بيعة مستكره غير ملزمة، فمعلوم كلام الإمام أحمد في حد الإكراه للمرأة من قبل زوجها بأنه يصح لو هددها زوجها بالطلاق .. وإنما أفرز مثل هذه الأسئلة والفتاوى تعنت المتعنتين وتضييقهم على المسلمين وترهيبهم بسيف التأثيم والتكفير وزادوا مع النساء التهديد بالتطليق ..

 

والأخطر عندي من هذا الطلاق؛ وهو ما دعاني لكتابة هذه الكلمات ما رتبوه من الطلاق بين أفراد المجاهدين وجماعاتهم وقياداتهم وما سينشروه من بلبلة للصفوف وزعزعة للبنيان حين قال ناطقهم الرسمي : ( ورسالة إلى الفصائل والجماعات على وجه الأرض كافّة، المجاهدين، والعاملين لنصرة دين الله، والرافعين الشعارات الإسلامية، فإلى القادة والأمراء نقول: اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في جهادكم، ...إننا والله لا نجد لكم عذرًا شرعيًّا في التخلّف عن نصرة هذه الدولة ) وقال : ( وأما أنتم يا جنود الفصائل والتنظيمات؛ فاعلموا أنه بعد هذا التمكين وقيام الخلافة: بطلت شرعية جماعاتكم وتنظيماتكم، ولا يحل لأحد منكم يؤمن بالله: أن يبيت ولا يدين بالولاء للخليفة ) اهـ.

 

فتأمل كيف يبطلون جهاد المجاهدين ويحرضون الأتباع على المتبوعين والطلبة على الشيوخ .. أي مؤامرة هذه لشق صف المجاهدين وتقويض صفوفهم وتوهين بنيانهم ..

 

فنقول لإخواننا الدعاة والمجاهدين في شتى أنحاء المعمورة استمعوا لقول الله وندائه واضربوا بما خالفه عرض الحائط ..

 

قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم )) وقال تعالى : (( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا )).

 

فالتفوا حول قياداتكم ورؤوسكم وكبرائكم ولا تستخفنكم دعوات المشرذمين لصفوف المسلمين الذين يرون أن لا حق اليوم إلا معهم وكل من ليس معهم فقد صيروه عدوا .. حتى استعملوا ولا زالوا يستعملون - لا أدري عن عمد أم من حماقة أم استغفال - في تحقيق أركان مؤامرة شنيعة على هذا التيار المبارك خاصة وعلى أهل الإسلام عامة .. متلبسين بلباس المشروع الإسلامي الأصيل! ولذلك اغترت بهم طائفة من أبناء هذه الأمة، لا أشك في إخلاص كثير منهم وعاطفتهم الإسلامية، لكن أشك برجاحة عقولهم ودقة فهمهم وعلمهم .. فالعاقل لا يخفى عليه أنه بسبب تعنت قيادات هذا التنظيم وسطحيتها وتعجلها وقصر نظرها ورفضها الاستهداء بهدي علمائها الذين تربوا على كتاباتهم ولا زالوا يدرسونها؛ وربما بسبب اختراقهم من المنحرفين والغلاة أو غيرهم نفذت ولا زالت تنفذ مؤامرة على هذا التيار بشعب متعددة منها :

 

- تصفية المخالفين لهم من قدماء المجاهدين وخيارهم ممن يعول عليهم في قطف ثمار الجهاد في سوريا لتبقى الساحة يعيث فيها المتعنتون والجهال أوالحمقى والمغفلون .

 

خلا لك الجو فبيضي وأصفري star.gif ونقري ما شئت أن تُنقّري

 

- إسقاط رموز التيار الجهادي وعلمائهم كونهم لم ينساقوا مع اختيارات هذا التنظيم ولا أيدوا تعنته وتجاوزاته وشذوذاته .

 

- حرف بوصلة التيار وتشتيت دائرة صراعه مع الطواغيت وتحويل البندقية من صدور أعداء الأمة إلى صدور أبنائها من خلاصة المجاهدين أو من عموم المسلمين بدعاوى ومعاذير وتعميمات مختلفة لا يُسلم لهم بها .

 

- تشتيت الناس وصرفهم عن المشروع الإسلامي وحرق أي حاضنة شعبية محتملة وصد أي أنصار من عموم الأمة عن هذا التيار بسبب سوء الممارسة والتطبيق على أرض الواقع وسوء التعامل مع الناس على مختلف طبقاتهم وأديانهم .

 

- تشويه مشروع الخلافة والدولة الإسلامية في صدور الناس بممارساتهم وتعنتاتهم وغلوهم وسفكهم للدماء مما قد يصد الناس عن هذا المشروع مدة من الزمان بعد فشل تجربتهم المحوطة بالسلبيات والتجاوزات والمخالفات .

 

- وزادوا بإعلانهم الأخير المذكور أعلاه: العمل على شرذمة صفوف العاملين لهذا الدين وشق صفوف المجاهدين وإبطال جماعاتهم العاملة لدين الله وتأليب أتباعها على أمرائهم وطلابها على مشايخهم!

 

فهل رأيتم أشأم من هذه الثمرات على هذا التيار وعلى أبنائه بدعوى بناء الخلافة !؟ وهل بناء الخلافة في بقعة من الأرض يستلزم هدم الدعوة والجهاد في سائر البقاع بتشتيت وشرذمة جماعات المجاهدين وتأليبهم على مشايخهم في شتى الميادين !؟

 

إنها مؤامرة أخرى على هذا التيار المبارك وجماعاته المخلصة؛ ملخصها : إما أن تكونوا معنا وإما أن نبث الفرقة في صفوفكم؛ ونعمل على تشتيت صفكم؛ وهي طريقة يستعملها الفوضويون في بلادنا حين يفرضون أنفسهم على الآخرين في اللعب فتجد أحدهم يقول : ( لعّييب أو خرّيب )؛ يعني إما أن يفرض نفسه ويقبل لاعبا أساسيا أو أنه سيخرّب اللعبة؛ هذه الأخلاق تليق بأولاد الشوارع لكنها لا تليق بتاتا بمن ينتسب إلى الدعوة والجهاد ..فكيف إذا كان الخيار الذي يفرضه هؤلاء بين أن يترأسوا هم اللعبة ويوجهونها بحسب هواهم وجهالاتهم وتعنتاتهم؛ أو يخربونها ويفسدونها !؟؟ أو بمعنى آخر : هم أو الطوفان .

 

والحقيقة أن هذا هو أخطر ما في إعلانهم الأخير؛ فإني كما قلت سابقا؛ لا يضيرني أعلنوا الخلافة في الشام أو في العراق أو في لندن !! ولكن الذي يضيرني ما سيرتبه وقد رتبه هؤلاء من آثار ومآلات على هذا الإعلان ؟؟

 

فلسنا أعداء للخلافة بل نحن من خواص أنصارها ودعاتها والعاملين لإقامتها والساعين لإرجاعها؛ ولكن الخلافة مشروعة لحفظ بيضة المسلمين ولم شعثهم لا لشرذمتهم وتشتيت صفوفهم؛ وكذلك الإمام فهو كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ( .. جنة يقاتل من ورائه ويتقى به) رواه مسلم، فهو جنة ووقاية للمسلمين من كل شر لا داعية للشر مستجلبا له.. والخلافة يجب أن تكون ملاذا وأمنا لكل مسلم .. لا تهديدا ووعيدا وتخويفا وفلقا للرؤوس ..

 

لقد أبطلوا بيعتهم الأولى لقيادتهم وتمردوا على أمرائهم، وتطاولوا على كبرائهم حين أعلنوا الدولة الأولى، وحين أعلنوا الثانية سفكوا الدم الحرام ورفضوا التحاكم للشرع، ولذلك حق لنا أن نتساءل ماذا عساهم يفعلون بعد إعلان الخلافة ؟؟

 

إن أخطر ما فعلوه حتى الآن الدعوة إلى شرذمة المسلمين والعمل على شق صفوف جماعاتهم المجاهدة والدعوية بعدما شقوا عموم المسلمين بين من هو معهم ومن هو ضدهم ولم يرحموا ضعفهم ولم يعذروا من اصطف مع غيرهم من الجماعات في سوريا بل كل من خالفهم فإما غادر ناقض لبيعتهم أو سلولي أو سروري أو صحواتي أو يساند الصحوات أو يحب الصحوات أو يتصور ويتمشى ويسير مع الصحوات وهكذا .. وهم على شفا أن يقتلوا من لم يبايع، ونسب إليهم التهديد بسبي نساء المخالفين !! وهذا لم يثبت بعد عندنا ولو ثبت لكان لنا معهم فيه حكاية أي حكاية ونحن نعيذ نساء المسلمين بالله من شر كل باغ وطاغ.

 

وهم يعلمون اليوم حين يدعون إلى حل الجماعات لبيعتهم والهجرة إليهم؛ أن في أكثر الجماعات سطحيون؛ وأكثر السماعين لهم من هذا الصنف ومن صنف الغلاة أيضا .. والذين يغلب حماسهم وشدتهم حكمتهم وحلمهم وتبصرهم، ويفوق جهلهم علمهم؛ وهم يبنون آمالهم ويديرون وقود معاركهم على هؤلاء لانفضاض الحكماء والعلماء وأولي الألباب عنهم ..

 

ومن ثم فحقيقة دعوتهم لنقض بيعة الجماعات تفتيت للتيار الجهادي وشرذمة لجماعاته وشق لصفه وهذا ما يجعلنا نتطلع إلى ما وراء الأكمة ولا نأخذ مسلكهم بسذاجة العوام وسطحيتهم .. فقد صار حالهم من قبل إعلان الخلافة: إما معنا أو ضدنا؛ فكيف سيصير بعدها ..؟

 

إن الخلافة يجب أن تكون ملاذا للمسلمين وجنتهم المفقودة التي يبحثون عنها فلا تجعلوها نارا عليهم ولا تزيدوا إحباطاتهم ..

 

وهي حلم المسلمين الذي يسعون لتحقيقه فلا تشوهوا هذا الحلم الجميل بطلقاتكم التي تفلق رؤوس المخالفين وتخرج ما فيها !! بل حققوه إن شئتم بالرحمة للمسلمين ونصرة المستضعفين فإنكم مرتحلون كما ارتحل غيركم فأبقوا الذكر الحسن لا التشويه، وساهموا في البناء الذي ستقوم عليه أركان الخلافة الإسلامية الراشدة لا الباغية الظالمة والمتعنتة، وساهموا في لم شمل أهل الإسلام وجماعاتهم لا في شرذمتهم؛ وساهموا في نصرة المستضعفين ورفع الآصار عنهم لا في زيادتها؛ وساهموا في حقن دماء المسلمين لا في إسالتها ..

 

روى الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة مرفوعا : ( .. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يفي لذي عهدة عهده فليس مني ولست منه )

 

قال الخليفة سليمان بن عبد الملك للتابعي سلمة بن دينار المدني الزاهد: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه ؟ قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : بل نصيحة تلقيها إلي .

 

قال : إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت !

 

قال أبو حازم: كذبت إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق ليبيننه .

أي والله : ارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم ..

وإذا أنبت المهيمن للنمل star.gif جناحا أطارها للتردي

ولكل امرئ للناس حد star.gif وهلاك الفتى جواز الحد

 

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: .(... وإنما الإمام جُنّة؛ يُقاتل مِن ورائه ويُتّقى به) رواه البخاري.

 

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا زال إمام المسلمين بل إمام الدنيا ولم تكن إمامته لتفرق المسلمين وتشرذمهم بل كانت توحدهم؛ ولم تكن لتفلق رؤوس المعصومين بالرصاص أو تشطرها بالسيوف لتستخرج ما فيها، بل لتحفظ تلك الرؤوس وما فيها وتطورها وتنميها وترتقي بها إلى معالي الأمور وتترفع بها عن سفسافها، حتى إن الجماعات المقاتلة التي لم تسمح لها الظروف ببيعته صلى الله عليه وسلم والدخول تحت ولايته السياسية كتجمع أبي بصير في زمن صلح الحديبية، وكذا العاملون ضد الأسود العنسي بعد انقلابه على عامل النبي صلى الله عليه وسلم في اليمن، ما دعي أحد من هؤلاء إلى إبطال جهاده والهجرة القصرية وترك ميدان عمله وجهاده؛ ولا أثموا أو هددوا أو شرذموا أو حلت جماعاتهم بل بقيت عاملة حتى تيسر لها النصر أو اللحوق بدار الإسلام .

 

وكذلك هو الشأن في أزمنة الخلافة لم تكن الخلافة قط منصبا يعمل على إبطال جهاد المجاهدين أو شرذمتهم أو دعوتهم للانقلاب على مشايخهم ورؤوسهم وعلمائهم في البلاد التي خرجت أو انشقت عن الخلافة؛ بل كان أمثال هؤلاء العلماء يدعون إلى الثبات على نهجهم ويدعمون من قبل الخلافة ويراسلون ولا يطلب منهم ترك ساحات جهادهم وحل جماعاتهم ولا يؤثم من لم يفعل ذلك، والتاريخ قد مجد وسجل ثبات طوائف من أهل الإسلام برؤوس وعلماء في بلاد انفصلت عن الخلافة وخرجت عن حكمها وبيعتها ودخلت تحت حكم العبيديين أو التتار أو الصليبيين ..

 

ولذلك فنحن نحذر عامة المسلمين وخاصتهم من الاستجابة لدعوات شق الصفوف وزعزعة البنيان وشرذمة المجاهدين وندعوهم بأن لا يتضرروا بالترهيب الفكري أو المعنوي أو الحسي الذي يبثه دعاة التشرذم وأن يبقوا على العهد ثابتين وحول قياداتهم ملتفين ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله ..

 

وأختم بهذه التنبيهات :

 - يقول إمام الحرمين في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم: ( فإذا شغر الزمان عن إمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية فالأمور موكولة إلى العلماء وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع القضايا والولايات عن رأيهم فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل وصار علماء البلاد ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم وإن كثر العلماء في ناحية فالمتبع أعلمهم)اهـ وهذا أضعف ما عند المعلنين عن الخلافة اليوم فإنه لم يؤيدهم على ما هم عليه ولم يوثقهم أو ينحاز إليهم عالم واحد من العلماء الربانيين الذين ينتسبون إليهم عقيدة ومنهجا ومرجعية وفكرا .. فليفكر اللبيب في هذا وليتدبره العاقل جيدا؛ لماذا فقد هؤلاء القوم ثقة العلماء الذين تعلموا على رسائلهم ودرسوا كتاباتهم؛ حتى تخلوا عنهم ولم يؤازرهم منهم أحد ؟!! وهم علماء لا تأخذهم في الله لومة لائم .. فلا بد من جواب .

 

- إن الخلافة لا تتحقق بالدعوى والتسمية ولا بالنية والأمنية بل بالتطبيق على أرض الواقع؛ وعندما سمى عمر أبا بكر خليفة لم يصر خليفة بمجرد هذه التسمية؛ بل لم يصر خليفة فعليا إلا بعد أن بايعه جمهور الصحابة واستتب له الأمر بينهم دون منازع ..فكل أمير لا تدين له جماعة المسلمين وخواص أهل العلم من العلماء الربانيين بالولاء فهو أمير جماعة أو أمير إمارته وليس بأمير للمؤمنين عامة أو خليفة للمسلمين كلهم ولا يصح تأثيم من لم يبايعه أو يهاجر إليه، وإن عزوف خواص أهل العلم الثقات عن تأييد مثل هذا المسمى الموسوم بالخلافة من غير رهبة ولا رغبة ليدل على أنه وجماعته ليست محل ثقتهم في الدين والدنيا .

 

- لا بد أن يقال بأنه لو لم يوجد غير هذه الجماعة في الساحة؛ لدفع هؤلاء العلماء علمُهم إلى تأييد أميرها لأنهم مطالبون بتأمير الأمثل، فلا شك أن هؤلاء أمثل من الطواغيت والحكام المرتدين؛ أما والساحة تمتلئ بالجماعات المقاتلة المنافسة التي يوازي بعضها هذه الجماعة بالقوة و يساميها بالعدد ويفضلها في النهج والقيادة ..فلا يجب تقديم المفضول على الفاضل ..

 

- أخيرا نحن لا نرضى لأنفسنا أن نبقى لا شغل لنا إلا الكلام في جماعة الدولة، ولا نحب أن يفرح أعداؤنا بكلامنا حين نتكلم، أو تذهب بهم الظنون إلى أننا نصطف في صفوفهم التي حقيقتها أنها ليست ضد جماعة الدولة بل ضد مشروع الدولة والخلافة الإسلامية الحقيقي، فلا نحب أن يفرح هؤلاء بما نكتب، فليس لأجلهم نكتب ومعاذ الله أن يوجد اتفاق أو مشروع تبادل مصالح مشتركة بيننا؛ وإنما هذا الذي نقوله ونكتبه يوجبه علينا ما حملناه من أمانة العلم والتبليغ وقول كلمة الحق ونصرة أهله وجماعاته، ثم بعد ذلك لا يهمنا من أعجبه كلامنا ومن سخطه، ومن طابت به نفسه ومن شرق به حلقه، ولو كنا نبحث عن رضا الناس عنا ونراعي التقديم والتصدير والتبجيل فيما نكتب أو نقول، لركبنا موجة الدولة فلطاروا بنا كل مطير ولرفعونا فوق الأكتاف بل فوق السحاب، ولكنا قدمنا على ذلك نصرة الحق وآثرنا ركوب موجته مهما كانت صعبة وشاقة ولن نتخلى عنها أو نتركها ولو جعلونا تحت التراب أو فلقوا رؤوسنا بالرصاص واستخرجوا ما فيها !!..

 

ولكن المعضلة أن جماعة الدولة ورؤوسها وناطقها يطلعون علينا كل يوم بما يضطرنا للرد عليهم ولولا ذلك لاكتفينا بالبيان وتأكيده، فالحرب ليست معلنة على جماعة الدولة من طرفي أنا على الأقل؛ وإنما هو الحق أنصره وأدلي به عند الحاجة إلى ذلك، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه؛ وهم من يحوجنا إلى ذلك في كل مرة فلا يسعنا السكوت .

 

اللهم إنا نسألك الهدى والسداد والثبات وحسن الختام وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..

 

وكتب أبو محمد المقدسي
13 رمضان 1435هـ

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/16-

والي الرقة والميادين في الخلافة الإسلامية: القاعدة تمويلها إيراني

والي الرقة والميادين في الخلافة الإسلامية: القاعدة تمويلها إيراني

 

الجزيرة نت - خاص

 

في سياق تناول هذا الملف لظاهرة الدولة الإسلامية في العراق والشام، وإعلانها إقامة الخلافة وتعيين أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، ودعوة المسلمين لمبايعته، تمكنت الجزيرة نت من إجراء مقابلة عبر الهاتف مع أحد قيادات هذا التنظيم، وهو والي الرقة والميادين في سوريا أبو ذر العراقي.

 

وقد من خلال هذه المقابلة الوقوف على فكر وقناعات رموز الخلافة الجديدة، وفلسفتهم في إعلان الخلافة، إلا أن الأجوبة جاءت بالبساطة التي يلمسها القارئ في هذا الحوار.

 

من يتابع مسار المعارك التي خضتموها على الأرض السورية يلحظ أن غالبية معارككم إن لم يكن كلها كانت مع فصائل الثورة السورية، ولم تخوضوا معارك جدية مع نظام بشار الأسد. هل ينطبق على ذلك مبدأ أن مقاتلة العدو الأقرب أولى من العدو الأبعد، حتى تكون المعركة الفاصلة على أرضية صحيحة؟

 

إن لم نكن نحن معنيين بتطهير الأراضي الشامية، فالأولى أن توجهوا هذا السؤال للفصائل، التي تعتقدون أنها هي التي قامت بهذا التحرير؟

 

تتهمون تنظيم القاعدة بأن تمويله إيراني، في حين يعتقد كثير من المراقبين بأنكم أداة إيرانية، ولذلك لم تخوضوا معارك مع نظام بشار الأسد، وأن انهيار الجيش العراقي أمام هجماتكم إنما كانت مسرحية لتسليحكم بأسلحة الجيش العراقي وتعزيز قوتكم العسكرية، التي ستستخدمونها لاحقا في معارك مع الفصائل السنية المسلحة وثوار العشائر نيابة عن المالكي وإيران؟

 

نحن لا نتهم أحدا، بل نكشف الحقائق المخفية، ولسنا الأداة التي يمكنكم تحليلها بحسب الأولويات الإيرانية أو الأميركية كمصالح بالمنطقة، خطنا معلن وأدواتنا مكشوفة، ونتعامل وفق أطرنا الشرعية التي أمرنا الله بها، ولا نرضى أن نكون مطية لأحد.

 

لحظة تفجير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لحسينية سعد بن عقيل للشيعة في تلعفر (أسوشيتدبرس)

 

في مسألة التمويل، يعد تنظيم الدولة الإسلامية من أقوى التنظيمات في سوريا والعراق تسليحا وإمكانات لوجستية، وعشرات الآلاف من المقاتلين، وهذا كله يحتاج إلى تمويل ضخم، وإذا كان معلوما مصادر تمويل الفصائل المقاتلة الأخرى، فما الجهة التي تمولكم؟ رغم أن المعلن أنكم تعادون كل الأنظمة العربية والغربية. وبالطبع فإن ما تغنمونه من المعارك لا يسد جزءا يسيرا من إمكانياتكم العسكرية واللوجستية.

 

ن أخبرتمونا عن جهة تمويلكم، فسنخبركم بتمويلنا. وعموما نقص عليكم حديثاً نبوياً شريفاً يقصر مسافات المعرفة لكم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".

 

هل ترون أن الأرضية الدينية والسياسية في المناطق التي تسيطرون عليها عسكريا مهيأة لإعلان الخلافة الإسلامية؟ وهل الخلافة بمفهومها الديني والسياسي تعني إدارة بضع قرى أو مدن بقوة السلاح؟

 

نحن لا نريد إنشاء خلافة، بل إعادة الخلافة فهي ليست وليده اللحظة.

 

ما الفروق الفكرية والتطبيقية بينكم وبين تنظيم القاعدة، وأنتم خرجتم من تحت عباءة القاعدة؟

 

نفس العقيدة، واختلافنا كان لأسباب سبق أن ذكرناها كمصادر التمويل والولاء، فالقاعدة تعمل بتمويل إيراني بحت، ولنا أدلتنا الدامغة في هذا الأمر.

 

ألا ترون أن مسألة تطبيق الشريعة لا تنحصر بإقامة الحدود الشرعية التي تعد حيزا صغيرا من تطبيق الشريعة، التي تتطلب توفير أرضية من العدل وتأمين احتياجات المواطنين الضرورية والحاجية، حتى يمكن تطبيق الشريعة عليهم. فكيف يمكن تطبيق الحدود على أناس جائعين وخائفين ولا تتوفر لديهم أساسيات الحياة؟

 

ولكم في رسول الله أسوة حسنة.

 

عناصر من أنصار الإسلام يبايعون تنظيم الدولة الإسلامية بعد تعيين أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين (رويترز)

 

ألا ترون أن تولي كل مجموعة مسلحة إقامة دولة إسلامية أو الخلافة الإسلامية وفقا لرؤيتها وبقوة السلاح سيخلق مئات الدول الإسلامية فضلا عن الدماء التي ستسفك في سبيل انتصار هذا الفصيل أو ذاك لإقامة دولته.

 

ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

 

أنتم متهمون باستغلال ضعف الناس في المدن السنية وظلم الحكومة لهم من أجل ضمهم إلى صفوفكم، وقبل ذلك الاستعانة بهم لبسط  نفوذكم، ما ردكم؟

 

إننا أمة أعزنا الله بالإسلام، ما أن تركنا ضعفنا وكنا شتاتا. ولم نقم باستغلال أي كان في المدن التي تم تطهيرها.

 

يشاع بأنكم تقتصون من الذين يخالفونكم الرأي، وإن كانوا من الأهالي المسالمين الذين تسيطرون على مدنهم... ألا ترون أن التشدد بداية غير صحيحة، خاصة أنكم أعلنتم الخلافة الاسلامية؟

 

يقول الله تعالى "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"، فنحن أناس نطبق شريعة الله بالأحكام التي ثبتت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة. ونحن نوالي من والى الله ورسوله ونبرأ ممن خالف كتاب الله وسنة رسوله، وليس لنا في الأمر رأي.

وأنتم ترون أن ما يحصل من لم شتات المسلمين لجعلهم صفا واحدا تشدد، على العكس هو توحيد الصفوف من أجل مقارعة صفوف الكفر المتمثلة بالروافض، الذين عاثوا في الأرض الفساد، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا واحدا.

 

أحد عناصر الدولة الإسلامية في العراق يتحدث إلى الأهالي في مدينة الفلوجة عقب إعلان الخلافة الإسلامية (أسوشيتدبرس)

 

يتبين لنا كمتابعين أن الجهات المسلحة التي شاركت في السيطرة على مدن في مناطق من سوريا والعراق وصل الاختلاف بينها إلى حد العداء، وهم لم يكن بمقدورهم السيطرة على هذه المدن لولا اجتماعهم واتفاقهم على رأي واحد، ما رأيكم بما يقوله محللون بأن تنظيم الدولة الإسلامية استغلت الجهات المسلحة الأخرى وسيلة للوصول إلى غاياتها؟

 

هذا الكلام غير صحيح، بل الذي يعيق فتح البلاد هي هذه الفصائل، التي لها أجندات خارجية إقليمية تخدم أحزاب الشيطان والنصيرية.

 

أثبتم أنكم بلا علاقات مع السياسيين حتى السياسيين السنة، ما مدى خلافاتكم مع الأطراف السياسية العراقية؟ وهل لديكم علاقات طبيعية مع سياسيين عراقيين؟

 

نحن ننظر إلى السياسة القائمة على أنها (كفر)، لأنها تحكم بغير كتاب الله وسنة نبيه، وهذا خلافنا الجوهري معهم، وليس لنا أي علاقات مع أي سياسي سواء كان سنيا أو رافضيا.

 

كيف تنظرون لإيران، وهل تعتقدون أنكم ستتمكنون من دحرها من العراق بعد أن تمكنت منه بنفوذها، وقد نجحت في خلق حالة الصراع في الساحة العراقية؟

 

اعلم أخي أن الله ناصر عباده ومتم نوره ولو كره الكافرون، وإستراتيجيتنا العسكرية هي البوصلة والفيصل، وأن إيران ليس اليوم بل من مئات السنين تعمل على إنكاس راية الإسلام في كل ربوع المعمورة.

 

يتساءل الشارع العربي مستغربا، إذا كان لتنظيم الدولة الإسلامية هذه القوة، فلماذا لا يوجه قوته لقتال العدو الصهيوني الذي يحتل أرضا مقدسة بدل خوضه حروبا في بلاد المسلمين؟

 

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فنحن نعمل جاهدين على توحيد صفوف المسلمين بتحكيم شرع الله في أرضه من أجل طرد اليهود من أرض القدس، أي أننا بحاجه لرص الصف المؤمن لنتمكن من مقارعة صفوف الكفر والردة وأذنابهم أينما حلوا وليس في القدس فقط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/16-

عن الخلافة وسلطة الأمة.. عود على بدء

عن الخلافة وسلطة الأمة.. عود على بدء

 

د. عبد الوهاب الأفندي
منسق برنامج الإسلام والديمقراطية في مركز دراسة الديمقراطية
جامعة ويستمنستر- بريطانيا

 

هناك ما يشبه الإجماع بين حركات الإحياء الإسلامي على ضرورة إقامة الخلافة كهدف أسمى في إطار مهمة إحياء الإسلام واستعادة سلطانه.



ومعروف أن أولى الحركات الإسلامية -وهي حركة الإخوان المسلمين- نشأت مباشرة بعد إعلان تركيا إلغاء الخلافة عام 1924، وهو إعلان شكل صدمة للرأي العام الإسلامي، بسبب تغييب سلطة رآها كثيرون المرجعية الرسمية للمسلمين.



 وقد ظهر التمسك بالخلافة في قيام حركات شعبية، مثل حركة الخلافة التي نشأت في الهند عقب الحرب العالمية الأولى، وتحركات أخرى مثل مؤتمرات مكة (1926) والقدس (1931) الرامية إلى استعادة صولجانها.

 

وقد كانت مفارقة أن قطاعاً واسعاً من الشيعة -وهم لا يؤمنون بالخلافة بمفهومها السني- دعموا مشاريع استعادة الخلافة، كما حدث عندما أفتى بعض مراجع العراق بدعم السلطنة العثمانية.


وعندما بعثت حركة الخلافة وفداً إلى تركيا لإقناع كمال أتاتورك بالحفاظ على الخلافة، أبدى الزعيم التركي استغرابه (وهو يرى الوفد يقوده رجلان من الشيعة، اثنى عشري وإسماعيلي) من مطالبة هؤلاء بالحفاظ على مؤسسة لا يؤمنون بها أصلاً.



 فكانت إجابة الرجلين أن الأمر يتعلق بالدفاع عن الإسلام ورموزه أمام هجمة استعمارية خارجية، وليس هذا هو وقت الخلافات، وإنما الأولوية هي للحفاظ على رموز الوحدة.

 

ويعيد هذا إلى الأذهان أن غياب الخلافة هو وضع غير مسبوق في تاريخ الإسلام، رغم إجماع المسلمين على أن الخلافة الحقيقية اختفت بعد مقتل الإمام علي، آخر الخلفاء الراشدين.

مرقد الإمامين الهادي والعسكري في سامراء الذي يتهم تنظيم الدولة بالعمل على هدمه (الأوروبية)



وقد قبل العلماء ما عرف في ما بعد بإمارة التغلب باعتبارها أهون الشرين، انطلاقاً من رؤيتهم لأهمية مؤسسة الحكم للحفاظ على الكيان الإسلامي، فدور مؤسسة الخلافة لم يكن فقط الدفاع عن الأمة ضد العدوان الخارجي، وإنما أيضاً ضبط الأمن وتطبيق الشرع. وهكذا رأى علماء مثل الغزالي أن غياب السلطة يهدد بهدم البنية القانونية لكيان الأمة.


وقد استمر هذا الاعتقاد رغم أن الخلافة فقدت سلطتها الحقيقية بعد أن فقدت سندها الأخلاقي، وذلك بعد قيام دكتاتوريات عسكرية تستخدم الخليفة كمجرد واجهة، كما حدث منذ عهد البويهيين والسلاجقة ابتداءً من مطلع القرن الرابع الهجري.



وقد ظهرت أهمية هذه النظرة من أن هؤلاء المتغلبين لم يجرؤوا على إلغاء الخلافة أو إعلان أنفسهم خلفاء، وإنما كانوا يتسترون دائماً وراء خليفة من نسل العباس.

 

وقد اندثرت الخلافة حتى بهذا المعنى بعد الاجتياح المغولي لبغداد عام 1258 الميلادي، قبل أن يتم إحياؤها نظرياً بعد أن أحال الخليفة الصوري المتبقي من نسل بني العباس سلطته إلى السلطان سليم الأول عقب فتح الأخير مصر عام 1517 الميلادي.



ولكن سلاطنة بني عثمان لم يجرؤوا على ادعاء الخلافة رغم ذلك بسبب الاشتراط الفقهي المعروف لأن تكون الإمامة في قريش. وبقي الأمر كذلك حتى حاول السلطان عبد الحميد إحياء الخلافة في نهاية القرن الـ19، واستخدمها انقلابيو تركيا الفتاة في الحرب العالمية الأولى كأداة دعاية لحكمهم.

 

وقد التف خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة حول هذه الإشكالات الواضحة في تاريخ وواقع مؤسسة الخلافة بتبني الدعوة المعهودة لاستعادة الخلافة الراشدة في عهدها الأول، وذلك على سنة معظم الحركات الإصلاحية والثورية في التاريخ الإسلامي، بما في ذلك الثورة العباسية وكثير من "الحركات المهدوية".



إلا أن بعض الحركات -مثل حزب التحرير الذي جعل إحياء الخلافة برنامجه الأوحد- تقتبس من كل التاريخ الإسلامي اللاحق، وخاصة التاريخ العباسي، مؤسسات ترى أنها من صلب الخلافة.



ويؤرخ هذا الحزب لسقوط الخلافة بقرار أتاتورك الذي بموجبه تم إلغاؤها عام 1924، رغم أن المؤسسة التي ألغاها أتاتورك كانت جهازاً تابعاً لدولته، أنشأه هو نفسه قبل ذلك بعامين وعين شاغله.

 

مهما يكن، فإن الوعي بهذه الإشكالات قاد إلى الحديث عن فكرة "الدولة الإسلامية" كبديل. وكان رشيد رضا من أوائل من استخدم المصطلح، مستلهماً نموذج الثورة الإيرانية الأولى عام 1905-1906، ودستورها الذي خول لجنة من العلماء مراجعة أي قوانين يصدرها البرلمان للتأكد من مطابقتها الشريعة الإسلامية.

بلدوزر يهدم مزار أحمد الرفاعي في تلعفر ضمن عشرة مزارات هدمها تنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق (أسوشيتدبرس)


 وقد طور أبو الأعلى المودودي في باكستان كذلك هذا المفهوم تحت مسمى "الديمقراطية الإلهية"، وقوامها حاكم ينتخبه الشعب، مع التزام الناخبين والحاكم معاً بالشريعة الإسلامية كمرجعية، وطور حزب التحرير فكرة مماثلة.



ولكن الإشكال في النموذجين هو أن الخليفة أو الأمير هو أيضاً المرجعية في تحديد حكم الشرع، مما يجعل فكرة إلزامه بالشرع إشكالية، لأنه قد يرفض أي فهم للشرع يخالف فهمه.

 

وقد ظهرت هذه الإشكالية بجلاء في إيران بعد أن طور آية الله الخميني فكرة ولاية الفقية كبديل (مؤقت) لفكرتي الخلافة والإمامة. وبحسب هذه النظرية، فإن الولاية تؤول لشخص تتوفر فيه شروط العلم الديني والورع والشجاعة، يتم انتخابه من قبل الشعب، ولكنه يبقى في السلطة مدى الحياة، ويكون له "فيتو" على كل المؤسسات الأخرى، بما فيها البرلمان المنتخب من الشعب.



وقد ظهرت إشكالية هذا الوضع عندما وقع خلاف عام 1987 بين الحكومة ومجلس الخبراء بشأن مصادرة أرض للصالح العام، حيث أفتى مجلس الخبراء بمخالفة هذا للشرع. وقد وافق الخميني المجلس على مخالفة القرار للشرع، ولكنه أفتى بجواز مخالفة الشرع إذا كان ذلك في مصلحة الدولة الإسلامية، لأن وجود الدولة الإسلامية هو أساس حكم الشرع، فإذا تعرضت للتهديد جازت مخالفة الشرع للمحافظة على الدولة.



وقد جاء في خطابه الشهير الذي وجهه إلى رئيس الجمهورية وقتها علي خامنئي في مطلع عام 1988 أنه يجوز لحاكم الدولة الإسلامية أن يمنع الصلاة والحج ويهدم المساجد إذا كانت مصلحة الدولة الإسلامية تقتضي ذلك.

 

وقد طور الخميني في ما بعد نظرية "ولاية الفقيه المطلقة"، وهي تعطي الولي/الفقيه ليس فقط سلطة تحديد حكم الشرع بدون الرجوع إلى سلطة أخرى، بل كذلك حق تحديد متى يلتزم بالشرع ومتى يرفض ذلك، وبهذا تصبح سلطة الفقيه فوق سلطة الشرع.



ويعيدنا هذا إلى إشكالات عصر ما بعد الخلافة الراشدة نفسها، لأن أساس الاعتراض على ممارسات تلك الحقبة كان ضد تخويل مدعي الخلافة لأنفسهم سلطة تحدي إرادة الأمة ومقتضى الشرع معاً.



ولعل الملفت هو أن كل محاولات العودة إلى نموذج الخلافة الراشدة انتهت إلى نفس النتيجة. فالثورة العباسية جاءت تحت شعار استعادة الخلافة الراشدة، انتهت إلى ممارسات لا تختلف عن النهج الأموي في السلطة الفردية والنظام الوراثي.



وبنفس القدر، فإن القوى الشيعية التي انشقت عن المعسكر الهاشمي الذي قاد الثورة العباسية، لجأت بدورها إلى نفس الممارسات في الدول التي أنشأتها، بدءاً بالدولة البويهية والدولة الحمدانية والدولة الزيدية في اليمن ومعاقل الإسماعيليين في إيران، وأخيراً الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا.

 

في العصر الحديث كذلك، اصطدمت مساعي إحياء الدولة الإسلامية في السعودية وأفغانستان وإيران والسودان بنفس الجدار، حيث نجدها أقرب إلى النموذج الأموي من نموذج الخلافة الراشدة.



وهذه إشكالية تستدعي إعادة تفكير عميق ومنهجي في الفهم السائد للخلافة. فهناك نظرة تقرب من الخرافة ترى في الخلافة عصا سحرية يمكن بمجرد إعلانها في بقعة ما أن تعيد مجد الإسلام الغابر وسيرة الخلفاء الراشدين، وهي النظرة التبسيطية التي تتبناها جماعات مثل حزب التحرير، وتجسدها حالياً القاعدة وفروعها ممثلة في الدولة الإسلامية في العراق والشام. فعند هؤلاء أن مجرد تنصيب شخص يسمى خليفة تعني تغييراً جذرياً في أوضاع المسلمين والعالم.

 

أحد عناصر الدولة الإسلامية يتحدث إلى المواطنين في مدينة الفلوجة العراقية بعد إعلان الخلافة الإسلامية (أسوشيتدبرس)

وتؤكد ردود فعل الحركات الإسلامية أن إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تنصيب خليفة في مناطق سيطرته، عمق هذه الأزمة الفكرية. ذلك أن هذه الردود لم تتطرق إلى إشكالية فكرة الخلافة نفسها، وإنما ركزت على تفاصيل، مثل الحديث عن عدم إحكام سيطرة التنظيم الكاملة على أراضي دولته، أو عدم أهلية قياداته للخلافة، أو عدم صحة بيعته، إلخ.



وبحسب هذه الأقوال، فإن الإشكال ينتهي لو أعلن زعيم دولة قائمة نفسه خليفة، وبايعه أهل الحل والعقد في ذلك البلد. عندها، بحسب حزب التحرير وآخرين، يحق لهذا الخليفة أن يشن الحرب على من يخالفه داخلياً، ثم يباشر "فتح" بقية الدول المسلمة وإخضاعها لسلطانه.

 

إن الإشكالية ليست إذن في منهج التنظيم في إقامة الخلافة، بل في فكرة الخلافة نفسها. فكم من حركة في التاريخ الإسلامي، ابتداءً من عبد الله ابن الزبير، والحركات الفاطمية والمرابطين والموحدين، والثورة العباسية، كلها بدأت من ثورة في بقعة أو مدينة ثم مدت سلطانها إلى بقاع أخرى.



وفي العصر الحديث، اتبعت الثورات الأميركية والجزائرية وغيرها نفس النهج، حيث بدأت كحركة مسلحة، ثم سنت دساتير وأعلنت حكومات مؤقتة، إلخ. وبالفعل لو كانت كل دول العالم الإسلامي فاسدة وخاضعة لسلطان الأجانب، فما الذي يمنع أن تقتطع منها بالقوة أقاليم يقام عليها حكم الله فتكون نموذجاً يحتذى به؟

 

ولكن الإشكالية أعمق من ذلك، كما تكشف حقيقة أن كل الثورات الإسلامية انتهت بإقامة أنظمة استبدادية لا تحترم الشريعة كما لا تحترم رأي الأمة. ويعود هذا إلى صعوبة إعادة استنساخ دولة المدينة، ليس فقط لأن ذلك النموذج كان مثالياً أكثر من اللازم، بل لأن النموذج أسيء فهمه باستمرار.


فنموذج الخلافة كان في هيكله مبسطاً أكثر من اللازم، ولم يكن يصلح إلا لإدارة الدولة-المدينة، ولهذا انهار عندما توسعت الإمبراطورية، لأنه لم يكن يمتلك الآليات القادرة على إدارتها. وعليه، فإن النموذج الذي أطلقنا عليه في كتابنا "لمن تقوم الدولة الإسلامية، 2010- نموذج دمشق" (نسبة إلى أسلوب معاوية في إدارة بلاد الشام حتى قبل أن يتصدى للخلافة)، هو النموذج الذي ساد، لأنه كان البديل الواقعي الوحيد المتاح وقتها.

 

وإذا كان من الصعب على مسلمي ما قبل الحداثة أن يتخيلوا بدائل أخرى، فإن تجربة الحداثة وتطور أنظمة الحكم الديمقراطي تفتح الباب لاجتهادات جديدة في تفهم القيم التي قامت عليها الخلافة، والتفكير في آليات جديدة لإدارة شؤون الأمة.



على سبيل المثال، نجد الخليفة عمر اجتهد في تجنيب الأمة الصراع بعد مقتله عندما عين مجلساً من سبعة أشخاص لتعيين خليفته. لكن ماذا لو أن الفكرة تطورت إلى مجلس دائم يمثل أهل الرأي في المدينة، ثم أضيفت إليه في ما بعد شخصيات تمثل أهل الأقاليم؟ أما كان ذلك يكون كافياً لتجنيب الأمة الفتنة الكبرى وما تبعها من فتن؟

 

فليس المهم اليوم أن نعود إلى التاريخ ومؤلفات عصر الانحطاط الإسلامي في الأحكام السلطانية وغيرها من المصنفات التي تعكس إشكالات عصرها ومحدودية فهم مؤلفيها، للبحث عن حلول لمشاكل العصر.


ولكن المطلوب هو إعادة قراءة التاريخ في ضوء تجارب الإنسانية المتاحة في المجال السياسي، حيث ندرك عندها أن مؤسسة الخلافة كانت في وقتها فكرة عبقرية وحدت القيادة الدينية والسياسية في الأمة الإسلامية الوليدة، وضربت مثالاً متقدماً في تجرد القيادة لخدمة الأمة، ولكن تلك المؤسسة اعتمدت أكثر من اللازم على مثالية وتجرد الحاكم الفرد، وهي في الغالب الاستثناء.



في المقابل، نجد المؤسسات الديمقراطية الحديثة تفترض في الحاكم -بالعكس- القابلية للانحراف، ولهذا ترصد من بين يديه ومن خلفه مؤسسات رقابة من برلمان وقضاء وإعلام حر ومؤسسات مدنية، وغيرها، تراقبه وتردعه، ثم تخلعه وتحاكمه لو تجاوز.

 

فليست الأمة بحاجة إلى انتظار خليفة أو إمام غائب، أو مهدي منتظر، لأن أي خليفة قادم لن يكون أفضل من البغدادي ومن سبقوه من المغتصبين، ولكن الأمة تحتاج إلى مؤسسات حكم متطورة تجبر الحاكم على أن يكون صالحاً رغم أنفه.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/16-

تداعيات "الخلافة" على "جهاديي" المغرب العربي

تداعيات "الخلافة" على "جهاديي" المغرب العربي

 

محمد محمود أبو المعالي
كاتب متخصص في قضايا الجماعات المسلحة في الساحل والصحراء

 

شكل إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن الانتقال من مرحلة التنظيم إلى مرحلة دولة الخلافة الإسلامية، وتنصيب زعيمه "أبو بكر البغدادي" خليفة للمسلمين، خطوة متقدمة نحو نقطة اللا عودة في العلاقة المتأزمة بين التنظيم وقيادة القاعدة الأم في أفغانستان بزعامة الدكتور أيمن الظواهري.

 

كما شكل منعطفا حاسما في مسيرة الحركة الجهادية العالمية، وزاد الشرخ اتساعا بين دعاة مواصلة الجهاد إلى أن تتوفر ظروف إقامة الخلافة تدريجيا، مع استمرار السعي نحو مقومات التمكين وأسباب السيطرة، وبين دعاة تشكيلها فورا وفرض حالة الأمر الواقع، والدفاع عن الخلافة كحقيقة قائمة لا كغاية منشودة.

 

ولأن إقامة دولة الخلافة الإسلامية هي الهدف المنشود لدى الحركات الإسلامية عموما والجهادية منها خصوصا، فقد كان الإعلان عن إقامتها في العراق والشام مثار اهتمام كبير من طرف أبناء الحركات السلفية الجهادية ومؤيديها.

 

ولم تسلم أي مجموعة جهادية عبر العالم من دعوات وأصوات ترتفع داخلها مطالبة بتأييد قرار إعلان الخلافة ومبايعة البغدادي خليفة للمسلمين، بل سارع العشرات من أتباع تلك التنظيمات إلى إعلان ولائهم وبيعتهم للبغدادي، فاسخين بذلك عقد البيعة بينهم وبين أمراء تنظيماتهم الذين أحجم معظمهم حتى الآن عن مبايعة البغدادي.

 

وفي منطقة المغرب العربي والصحراء الكبرى حيث تنتشر الحركات السلفية الجهادية المسلحة في عدة بلدان وتحت أسماء شتى، كان لإعلان الخلافة الإسلامية تأثيره الكبير على تلك الجماعات، التي بدأت بوادر انشقاقات داخلها تلوح في الأفق، والضغوط تتراكم على قادتها لتغيير موقفهم من الولاء للقاعدة ومبايعة "الخلافة".

 

ومن أبرز التنظيمات السلفية الجهادية في تلك المنطقة، تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بقيادة عبد الملك دوركدال، ويعتبر هذا التنظيم امتدادا للجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، ومن قبلها الجماعة الإسلامية المقاتلة في الجزائر، ويملك تجربة في العمل القتالي ناهزت 22 عاما، وينشط في الجزائر وشمال مالي، وله امتدادات في تونس، وهو الأقدم بين التنظيمات الجهادية في المنطقة والأرسخ قدما.

 

ثم "جماعة المرابطون"، وهي تنظيم منبثق عن اتحاد تنظيمين كانا ينشطان في الصحراء الكبرى في شمال مالي، هما "جماعة الملثمون"، و"جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، ومن أبرز قادته المختار بلمختار وأحمد ولد العامر، الملقب أحمد التلمسي، وحماد ولد محمد الخير.

 

وكذلك تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا بزعامة محمد الزهاوي. وتنظيم أنصار الشريعة في تونس بزعامة سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض".

 

عبد المالك درودكال المدعوأبو مصعب عبد الودود أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (أسوشيتيد برس)

قاعدة المغرب

أما تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي -أقدم التنظيمات الجهادية في شمال أفريقيا والمغرب العربي- فكانت قيادته بزاعمة عبد الملك دوركدال المكنى أبو مصعب عبد الودود قد أعلنت منذ عام 2007 بيعتها للقاعدة الأم بزعامة أسامة بن لادن، ومن بعده أيمن الظواهري.

 

إلا أنه مع اندلاع القتال بين مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصر في سوريا قبل أشهر، وإعلان زعيم القاعدة أيمن الظواهري دعمه لجبهة النصرة في تلك المواجهة، شهدت القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي أول حالة تذمر داخلي بسبب الموقف من تلك الأحداث.

 

وذلك حين أعلن أمير منطقة الوسط في التنظيم "أبو صهيب أسامة"، وأعضاء مجلس شورى المنطقة التابعة له عن دعمهم لتنظيم الدولة الإسلامية في صراعها مع باقي الجماعات المسلحة في سوريا. ووصف البيان الصادر عنهم هذا القتال بأنه مكيدة ومؤامرة للقضاء على الجهاد، وليس فتنة بين الفصائل المجاهدة، كما يقول بعض الجهاديين.

 

 وقد شكل هذا الموقف أول خروج علني لعناصر من قاعدة المغرب الإسلامي على موقف القاعدة الأم وأميرها الظواهري، لكن بعد أيام من صدور بيان منطقة الوسط، وعشية سيطرة مسلحي الدولة الإسلامية على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا خصوصا الموصل وتكريت، أصدرت قيادة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بيانا حاولت فيه أن تمسك العصا من الوسط، وترد ضمنيا على بيان منطقة الوسط التي انحازت لموقف الدولة الإسلامية.

 

فباركت قيادة قاعدة المغرب الإسلامي لتنظيم الدولة انتصاراته في العراق والشام، ودعته إلى اغتنام الفرصة للمصالحة مع باقي الحركات الجهادية الأخرى خصوصا جبهة النصرة في سوريا، وطالبته باغتنام فرصة الانتصارات "للألفة والاجتماع وتناسي ما مضى من التصادم والنزاع، وفتح صفحة جديدة مع إخوانهم، ليكونوا صفا واحدا".

 

لكن البيان حرص على توضيح موقف قيادة قاعدة المغرب الإسلامي المتمسكة ببيعتها -حتى الآن- لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، حيث وصفه البيان بالقول "شيخنا وأميرنا الشيخ الدكتور أيمن الظواهري".

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فمباشرة بعد إعلان الناطق باسم الدولة الإسلامية "أبو محمد العدناني" عن إقامة الخلافة الإسلامية وتنصيب البغدادي خليفة للمسلمين، سارع مجلس شورى منطقة الوسط في قاعدة المغرب الإسلامي إلى مبايعة البغدادي وإعلان الولاء له ودعوة سائر التنظيمات والحركات الجهادية بأمرائها وعناصرها إلى بيعته.

 

جاء ذلك في بيان صوتي قرأه قاضي المنطقة ورئيس لجنتها الشرعية "أبو عبد الله عثمان العصامي"، وهو ما يعني تلقائيا فسخ البيعة التي كانت قائمة بينهم وبين أمير التنظيم عبد الملك دوركدال ومن ثم الظواهري، والانتقال من مرحلة بيعة إمارة التنظيم والحرب إلى إمارة الدولة والخلافة.

 

وتأتي هذه البيعة في وقت أعلن فيه تنظيم الدولة الإسلامية على لسان الناطق باسمه "أبو محمد العدناني" عن "بطلان شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات في المناطق التي يمتد إليها سلطان أمير المؤمنين ويصلها جنده".

 

يحيى أبو الهمام الملقب بأمير الصحراء في تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي (الجزيرة)

وهو ما يعني تلقائيا حل تنظيم القاعدة -حسب موقف الدولة الإسلامية- باعتبار أن "الخليفة" بات يمتلك جنودا في المنطقة ويمتد سلطانه إليها، وهو ما سينطبق لاحقا على سائر الجماعات الجهادية في المنطقة.

 

وقد تزامن موقف قيادة المنطقة الوسط في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي مع دعوات كثيرة بين عناصر التنظيم ومؤيديه عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمنتديات الجهادية تطالب بحسم الأمر ومبايعة البغدادي خليفة للمسلمين.

 

وتتحدث المعلومات الواردة من الصحراء الكبرى عن موجة رأي عام داخل صفوف عناصر إمارة الصحراء -أكبر مناطق التنظيم من حيث العدد والعدة ومساحة التحرك- تدفع باتجاه إعلان البيعة للبغدادي والولاء له، والمفاصلة مع القاعدة والظواهري.

 

لكن المشاورات والاتصالات لا تزال تجري بين قيادة الإمارة التي يتزعمها الجزائري يحيى أبو الهمام، وقيادة التنظيم في الجزائر في محاولة للتوصل إلى موقف موحد من البيعة، وهو موقف لا يزال زعيم التنظيم "دوركدال" يحجم عنه حتى الآن متمسكا ببيعته للظواهري.

 

وإن كانت مؤشرات عديدة تؤكد أن الرأي الأرجح لدى غالبية قيادة التنظيم هو مبايعة البغدادي خليفة للمسلمين، والانتقال من مرحلة إمارة الحرب من أجل إقامة الخلافة، إلى مرحلة إقامتها فعلا ومبايعة خليفتها.

 

غير أن أصواتا داخل التنظيم لا تزال تنادي بضرورة التأني وعدم التسرع في اتخاذ القرار، والاحتفاظ بالولاء والبيعة لأيمن الظواهري نظرا لاعتبارات عديدة منها سابقة البيعة له، وسابقته في "ساحات الجهاد".

 

وينتظر أن تكشف الأيام القليلة القادمة عن موقف التنظيم، الذي يرجح العارفون بكواليس صناعة القرار فيه أن تعلن قيادته -تحت وطأة إلحاح عناصره وقادته الميدانيين وتلويحهم بالانشقاق- البيعة للبغدادي وفك الارتباط مع الظواهري، وربما تغيير اسم التنظيم من "القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي"، إلى "ولاية المغرب الإسلامي في دولة الخلافة"، مع الاحتفاظ بالتقدير والمكانة المعنوية للظواهري ورموز القاعدة.

 

أما إن أصر "دوركدال" على التمسك بالظواهري أميرا له، ورفض مبايعة البغدادي، فإنه سيواجه انشقاقات كبيرة قد يكون موقف قيادة منطقة الوسط في التنظيم أولها، لكنه لن يكون بكل تأكيد آخرها.

 

مواطنون ماليون يطالبون بالتدخل الدولي لحمايتهم من مسلحي تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي (أسوشيتدبرس)

في شمال مالي

 أما التنظيم الثاني في المنطقة المتوقع أن يتأثر بتداعيات إعلان الخلافة الإسلامية فهو تنظيم "جماعة المرابطون"، المؤلف من تحالف بين جماعة "الملثمون" بقيادة المختار بلمختار و"جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" بقيادة أحمد ولد العامر وحماد ولد محمد الخير.

 

ولن يكون هذا التنظيم بمعزل عن الهزات الداخلية، حيث لا يستبعد أن يلجأ بلمختار إلى محاولة كبح جماح المندفعين نحو بيعة البغدادي والتمسك ببيعة الظواهري ولو لبعض الوقت، في حين سبق للقيادي في التنظيم حماد ولد محمد الخير أن أعلن قبل فترة تأييده لتنظيم الدولة الإسلامية في صراعها مع الفصائل الأخرى في سوريا، عبر تسريب لتسجيل يحمل عنوان "النصرة الأزوادية، للدولة الإسلامية".

 

كما لا يستبعد أن يكون باقي القادة في التنظيم من مصريين وليبيين وأزواديين، مؤثرين في تلك النقاشات وحاسمين في اتخاذ الموقف، ويواجه تنظيم "المرابطون" سيناريو مماثلا لما يواجهه تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي من الحشر في الزاوية بين خيارين إما بيعة البغدادي وفك الارتباط بالقاعدة والظواهري، أو مواجهة الانشقاقات الداخلية.

 

ثالث التنظيمات الجهادية في المنطقة هي جماعة أنصار الدين في أزواد بقيادة إياد أغ غالي، وهي حركة جهادية محلية في شمال مالي، تحالفت مع القاعدة والتنظيمات الجهادية ضد الماليين والفرنسيين، لكنها ظلت متمسكة بمحليتها.

 

ولا يتوقع أن تسارع إلى بيعة دولة الخلافة، بل إن مرد تأسيسها وكل أنشطتها تقتصر على الشأن المحلي والقتال في مالي، بغية "إقامة الشريعة الإسلامية على الأراضي المالية"، وبالتالي يمكن القول إنها غير معنية بما يحصل من شد وجذب في أوساط المجموعات الجهادية حول مسألة البيعة والخلافة، أو على الأقل لا يشكل أولية بالنسبة لها.

 

مجموعة من مقاتلي أنصار الدين في تمبكتو شمال مالي عندما كان تنظيم القاعدة يسيطر عليها (أسوشيتدبرس)

"أنصار الشريعة"

وفي تونس تنشط جماعة "أنصار الشريعة" بقيادة سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض التونسي" وقد أعلن الناطق باسمها "سيف الدين الرايس" عن بيعة التنظيم للبغدادي خليفة للمسلمين، وذلك في كلمة ألقاها قبل أيام أمام جموع المصلين في المسجد الجامع بالقيروان، وهي بيعة ينتظر الكثيرون تأكيدها من زعيم التنظيم "أبو عياض" لتكون نهائية.

 

أما جماعة "أنصار الشريعة" في ليبيا بقيادة محمد الزهاوي فتبدو مشغولة بمواجهتها مع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في شرقي ليبيا، لكن عشرات من نشطائها وعددا من قادتها عبروا عن إعجابهم بتنظيم الدولة الإسلامية.

 

وبدأت الدعوات داخل التنظيم ترتفع مطالبة بمبايعة البغدادي واعتبار التخلف عن بيعته إثما عظيما وشقا لصفوف المسلمين، ولن يكون تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا بمنأى عن التجاذبات الحادة بشأن الموقف من "خلافة البغدادي" وتهديد كابوس الانشقاقات على خلفية الموقف من البيعة، بين مؤيد ومعارض لها.

 

وإلى أن تحسم سائر التنظيمات الجهادية في المغرب العربي والصحراء الكبرى موقفها، يبقى من شبه المؤكد أن هجرة واسعة ستعرفها أوساط هذه التنظيمات، إذ يتوقع أن يحاول الكثير من الشباب المنخرطين فيها الالتحاق بمناطق سيطرة "دولة الخلافة" لمؤازرتها والقتال تحت رايتها.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/16-

آلية تنصيب الخليفة.. قراءة حزب التحرير

آلية تنصيب الخليفة.. قراءة حزب التحرير

 

ممدوح أبو سوا قطيشات
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الأردن

 

دولة الخلافة هي الكيان السياسي التنفيذي لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها ولحمل دعوته ورسالته إلى العالم بالدعوة والجهاد، وهي الطريقة الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أنظمته وأحكامه العامة في الحياة والمجتمع، وهي قوام وجود الإسلام في الحياة، لذلك هي دائمة وليست مؤقتة.

 

والخليفة هو رأس هذا الكيان، وهو الذي ينوب عن الأمة في الحكم والسلطان وفي تنفيذ الشرع، وذلك لأن الإسلام قد جعل الحكم والسلطان للأمة، تختار من يقوم به بالنيابة عنها.

 

وبما أن الخليفة ينصبه المسلمون نائبا عن الأمة في الحكم والسلطان وفي تنفيذ أحكام الشرع فإنه لا يكون خليفة إلا إذا بايعته الأمة، فببيعتها له بالخلافة جعلته نائبا عنها، وانعقاد الخلافة له بهذه البيعة أعطاه السلطان، وأوجب على الأمة طاعته. 

 

ولا يكون من يلي أمر المسلمين خليفة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد في الأمة، بيعة يتحقق فيها رضا المسلمين بأي أمارة من أمارات التحقق لتصبح بيعة شرعية، سواء كانت هذه الأمارة أن يكون المبايعون أكثر أهل الحل والعقد، أو أكثر الممثلين للمسلمين، أو بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أم مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة، أم بأي وسيلة من الوسائل ما دام متوفرا لهم التمكين التام من إبداء رأيهم.

 

وقد قال عمر رضي الله عنه في خطبته المشهورة والصحابة شهود: "وَإِنَّهُ لَا خِلَافَةَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، لَا يُؤَمَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا"، وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معنى اختيار الخليفة ومن له السلطان، لأن النبي ﷺ قد جعل اختيار الخليفة حقا للمسلمين فقال ﷺ "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". وقال "من بايَعَ إماماً فأعطاهُ صَفقَة يدِهِ وثمرةَ قَلْبِه، فليطِعْهُ ما استطاعَ، فإن جاء آخرُ يُنازِعهُ فاضرِبوا رقبةَ الآخرِ". فجعل الخلافة تثبت بالبيعة وجعل البيعة للمسلمين عامة، فلا خلافة من غير بيعة يتحقق بها رضا المسلمين أصحاب السلطان.

 

هذا بخصوص تنصيب الخليفة، أما بخصوص قيام كيان الخلافة فقد حدد الشرع الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة كيانا.

 

أبو بكر البغدادي في خطبة الجمعة التي ظهر فيها لأول مرة في المسجد الجامع بالموصل (أسوشيتدبرس)

فقد سار الرسول ﷺ منذ بدء الدعوة إلى الإسلام، وحتى هجرته إلى المدينة المنورة، على نهج محدد وطريقة ثابتة، وهي ظاهرة وواضحة في سيرته العطرة حيث يظهر فيها قيامه ﷺ بمجموعة أعمال كان بها قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.

 

فكان ﷺ يطلب النصرة من أصحاب القوة والمنعة الذين يشكلون مقومات دولة حسب واقع المنطقة حولهم، ولذلك كان الرسول ﷺ يعمد إلى القبائل القوية فيدعوها إلى الإسلام ويطلب نصرتها، كما فعل ﷺ بطلب نصرة ثقيف وبني عامر وبني شيبان والأنصار في المدينة.

 

وكان يستوثق من واقع من يطلب منهم النصرة من حيث القوة والمنعة والاستعداد للقيام بأعباء الدولة، وأما القبائل الصغيرة فيكتفي ﷺ بدعوتها للإسلام. واستمر ﷺ في هذا الأمر رغم الصعوبات والمشاق التي كان يلاقيها، وتكرار الأمر الذي فيه مشقة يدل شرعاً على أنه فرض كما في الأصول.

 

وهكذا استمر رسول الله ﷺ في طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، فقبيلة تدمي قدميه، وقبيلة تصده، وقبيلة تشترط عليه ﷺ، ومع ذلك يستمر الرسول ﷺ ثابتاً على ما أوحى الله إليه دون أن يغير تلك الطريقة إلى طريقة أخرى. كأن يأمر أصحابه بقتال أهل مكة، أو قتال بعض القبائل ليقيم الدولة بين ظهرانيهم، أو قهر ضعاف القبائل ليقيم فيهم سلطانه، رغم أن صحابته كانوا أبطالاً لا يخشون إلا الله.

 

ولكنه ﷺ لم يأمرهم بذلك، بل استمر في طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لأخذ السلطان بالرضا والاختيار ممن يملك السلطان حتى يسَّر الله سبحانه الأنصار إليه فبايعوه بيعة العقبة الثانية، بعد أن كان مصعب -رضي الله عنه- قد نجح في مهمته التي كلفه بها رسول الله - ﷺ في المدينة المنورة.

 

فبالإضافة إلى توفيق الله سبحانه له برجال من أهل القوة ينصرونه، فإنه -رضي الله عنه- قد أدخل بإذن الله الإسلامَ إلى بيوت المدينة، وأوجد فيها رأياً عاماً للإسلام، فتعانق الرأيُ العام مع بيعة الأنصار، ومن ثم أقام الرسول ﷺ الدولة في المدينة ببيعةٍ نقية صافية، واستقبال حار لرسول الله ﷺ من أهل المدينة المنورة.

 

ومما يدل أوضح دليل على هذا المعنى قوله ﷺ للأنصار "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم" وقال للنقباء "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء"، فلم تكن البيعة التي أخذها النبي ﷺ من الأنصار بيعة من فئة تملك قوة وتستطيع أن تقهر الناس، وإنما هي بيعة ممن يمثلون قبائلهم تمثيلا حقيقيا، فكانت البيعة عن رضا من أهل المدينة بكفالة هؤلاء النفر.

 

هذه هي الطريقة الشرعية لإقامة الدولة، والأصل أن تُتَّبع، فالأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، فالمسلم إذا أراد معرفة كيف يصلي فإنه يدرس أدلة الصلاة، وإذا أراد أن يجاهد يدرس أدلة الجهاد، وإذا أراد أن يقيم الدولة، فعليه أن يدرس أدلة قيامها من فعل رسول الله ﷺ.

 

ولم يرد عن رسول الله ﷺ طريقة لإقامة الدولة إلا المبينة في سيرته ﷺ، وفيها دعوة أهل القوة والمنعة الذين يشكلون مقومات دولة حسب واقع المنطقة حولهم، دعوتهم إلى الإسلام وطلب نصرتهم وبيعتهم بالرضا والاختيار بعد أن يكون قد أوجد عندهم وفي منطقتهم رأياً عاماً منبثقاً عن وعي عام.

 

راية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (أسوشيتيدبرس)

وهكذا فإن الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة محددة في الإسلام تحديداً بيِّنا، وهذا ما لم يلتزم به تنظيم الدولة وكانوا بعيدين عن اتباعه، أما الأمور التي يجب أن تتوفر في القطر أو الإقليم الذي يريد أهله مبايعة خليفة فهي أربعة:

 

أولا: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطانا ذاتيا يستند إلى المسلمين وحدهم لا إلى دولة كافرة أو نفوذ كفر. وهذا يعني بالضرورة أن يكون لذلك القطر سلطان لا أن يكونوا لا يملكون سلطانا أصلا، أو سلطانهم منقوص.

 

ثانيا: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوة المسلمين باعتبارها قوة إسلامية بحتة.

 

ثالثا: أن يبدأ حالا بمباشرة تطبيق الإسلام كاملا، تطبيقا انقلابيا شاملا، وأن يكون متلبسا بحمل الدعوة الإسلامية.

 

رابعا: أن يكون الخليفة المبايع مستكملا شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفيا شروط الأفضلية، لأن العبرة بشروط الانعقاد والتي هي:

 

1- أن يكون مسلما، فلا تصح الخلافة لكافر مطلقا، لأن الله تعالى يقول "ولن بجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا".

 

2- أن يكون ذكرا، فلا يجوز أن يكون الخليفة أنثى فقد قال رسول الله ﷺ "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".

 

3- أن يكون بالغا، فلا بجوز أن يكون صبيا فقد قال رسول الله ﷺ "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ".

 

4- أن يكون عاقلا، فلا يصح أن يكون مجنونا لقول رسول الله ﷺ "رفع القلم عن ثلاث"، وعد منهم "المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق".

 

5- أن يكون عدلا، فلا يصح أن يكون فاسقا، والعدالة شرط لازم لانعقاد الخلافة ولاستمرارها لقوله تعالى "وأشهدوا ذوي عدل منكم".

 

6-  أن يكون حرا.

 

7- أن يكون قادرا من أهل الكفاية على القيام بأعباء الخلافة، لأن ذلك من مقتضى البيعة.

 

أما قواعد الحكم في الإسلام التي لا يوجد الحكم إلا بها، وإذا ذهب شيء منها ذهب الحكم الإسلامي أي سلطان الإسلام فهي: 

 

1- السيادة للشرع لا للأمة لقوله تعالى "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، فالخليفة يبايع من الأمة على كتاب الله وسنة رسوله لينفذ كتاب الله وسنة رسوله أي لينفذ الشرع لا لينفذ ما يريده الناس.

 

2- السلطان للأمة، وذلك أن جعل الشرع تنصب الخليفة من قبل الأمة، ومن جعل الخليفة لا يأخذ السلطان إلا بالبيعة. عن عبادة بن الصامت قال "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره"، وقول رسول الله ﷺ  "من بايع إماما .. فليطعه".

 

3- تنصيب خليفة واحد فرض. قال رسول الله ﷺ "من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".  وقوله "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".

 

4- حق تبني الأحكام للخليفة وحده، وذلك بإجماع الصحابة الذي أخذت منه القواعد الشرعية المشهورة (أمر الإمام نافذ) (أمر الإمام يرفع الخلاف).

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/16-

التداعيات السياسية لإعلان "الخلافة"

التداعيات السياسية لإعلان "الخلافة"

 

د. صادق الموصللي
كاتب وناشط سوري

 

يأتي إعلان تنظيم الدولة في العراق عن قيام الخلافة ليخلق أزمة كبيرة للمسلمين في الغرب خاصة وفي العالم عامة، ليس لأن الأمر في حد ذاته مرفوض بل لأن مقدمات هذا الأمر ليست هي التي تمهد بعقلانية وإنسانية لقبول مثل هذا الطرح من قِبَل المسلمين قبْل غيرهم.

 

ذلك أن فكرة إرساء مبادئ دولة إسلامية حقاً في إحدى الدول القائمة حاليا كانت دائماً مطلبا لإثبات سماحة الإسلام وحسن تعامله مع الآخر ورعايته للضعيف والمظلوم والوقوف إلى جانبه، فكيف يمكن اليوم قبول أن القائمين على هذه الدولة أناس غير معروفين للمسلمين ولم يرد ذكرهم إلا مرتبطا بقطع الرؤوس والأيدي وصلب البشر على مداخل المدن في سوريا؟

 

وكان الأمر في الماضي مقتصرا على جماعة أو حتى عدة جماعات ممن لها خط يمكن تصنيفه بالمتطرف، ولم يكن مرتبطا ببقعة جغرافية معينة كما هو الآن، ولم يكن سهلا على الغرب أو حتى الحكومات العربية أن يقاتلوا هؤلاء أو يحددوا هويتهم أو مكانهم، أما الآن فقد اختلف الأمر.

 

كنا في الماضي نتحدث مع الغربيين وغيرهم من العلمانيين العرب ويتم النقاش عن الإسلام كدين في روحه وعباداته بالإضافة إلى ما يسمى الإسلام السياسي، وكانت اتهامات بعض المستشرقين و"المستغربين" والمعادين للإسلام والمسلمين تجد صدى كلما قامت تلك المجموعات المقاتلة ذات الصبغة الإسلامية بعمل ما من اختطاف أو قتل أو رجم أو قطع رأس.

 

كان دفاعنا في أغلب الأحيان أننا لا يمكن أن نجعل الإسلام كدين مسؤولا عن تجاوزات وأخطاء شنيعة يرتكبها بعض المسلمين أو ممن ينتسبون إلى الإسلام، بالإضافة إلى أن معظم الدول الإسلامية لا تطبق الشرع إلا مجتزأ وبالتالي يتم تقديم صورة مشوهة عن الإسلام.

 

علم تنظيم الدولة الإسلامية مرفوعا في مسجد النوري الكبير في الموصل بعد سيطرة التنظيم عليها (أسوشيتدبرس)

من تنظيم لدولة إسلامية

أما الآن فأصبح هناك وجه واضح لما يسمى "دولة إسلامية" وأصبح من السهل جداً ليس فقط الاستهداف الميداني المباشر لهذه الدولة والقائمين عليها بل أصبح من الممكن ضرب مفهوم قيام الدولة الإسلامية عند عامة المسلمين وهذا هو الأخطر.

 

فكل ما سيحدث في هذا المكان سيتم استثماره لمهاجمة الإسلام والمسلمين في كل مكان وليس الغرب فقط، أضف إلى ذلك إمكانية تجميع كل من ينتمي إلى الفكر الجهادي وفكر تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، وغيرها في مكان جغرافي واحد لاصطيادهم واحدا تلو الآخر، ومن ثمة قد يصل الأمر -كما يتم الحشد الإعلامي له الآن- إلى وجوب التدخل ميدانيا على الأرض لتحرير الناس من ظلم الدولة الإسلامية المزعومة.

 

ومن المعلوم أن هذا التنظيم مخترق، ولم يستفد أحد منه كما استفاد أعداء الحراك الشعبي مثل النظام السوري والعراقي والدولي الذي لا مصلحة له في حرية شعوب هذه المنطقة.

 

وللأسف، فإن الكثير من المسلمين ممن عانوا ويعانون من ظلم دولهم الحالية ومعاملتهم غير الإنسانية، سيجد هؤلاء المسلمون في دولة الخلافة منفسا يعبّرون فيه عن غضبهم واحتجاجهم على أوضاعهم، وقد يلتحقون بتلك الدولة في العراق والشام.

 

متظاهرون في الموصل يرفعون رايات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تأييدا له بعد سيطرته على المدينة (أسوشيتدبرس)

أميركا وإدارة الأزمة

في السنوات الثلاث الماضية كانت أميركا ومن معها تدير معركة ضرب الحراك الشعبي النقي وبالأخص في سوريا، حتى لا يتحول إلى حاضنة فعلية ونقية لفكر إسلامي وسطي، يترتب عليه حكم مدني يمكن أن يصل إلى مستوى متقدم في وقت قصير، ربما أسوة بتركيا التي بدا الكثيرون من الشعوب العربية يرون فيها نموذجا ناجحا للحكم المدني الرشيد.

 

تُواصل أميركا إدارة الأزمة اليوم في المنطقة وفقا لقناعتها وشركائها بأن حرية هذه الشعوب شر مستطير لا يمكن إلا كبته وضربه من داخله، لذلك نراها تعمل الآن من خلال خبرائها على تحجيم التقدم على الأرض لثوار العراق ولكنها تعمل على تضخيم وجود تنظيم الدولة الإسلامية بين الثوار إعلاميا.

 

وعندما نعلم أن النظام السوري لم يقصف "تنظيم الدولة" في المنطقة الشرقية من سوريا إلا مرة واحدة خلال السنوات الماضية، فلا يمكن وصف ذلك إلا بتوافق المصالح المشتركة لأطراف عدة تتناقض ظاهريا ولكنها تتفق في الهدف.

 

وها هي أميركا ترسل أكثر من 300 خبير عسكري أميركي لتقييم الأوضاع في العراق والتعامل بالطريقة الأمثل حتى لا يتقدم طرف على طرف، ومقدمة هذا الأمر هو تنسيق إيراني أميركي للحفاظ على مناطق النفوذ وضرب أي حراك قد يهدد هذه المناطق في مهده.

 

وهي بذلك تحقق عدة مصالح، فالدول العربية تأمل أن تتخلص من العناصر الجهادية على أرضها، بتوجههم إلى الدولة الجديدة المعلنة في العراق. أما إيران فهي تثبّت بذلك نفوذها في سوريا وتحافظ على النظام السوري، ولو في أماكن جغرافية معينة.

 

والأكراد من جانبهم يكسبون معركة السيطرة على كركوك الغنية بالنفط، والمالكي يبقى في مكانه تحت ذات الحجة التي سكتت بها أميركا عن بشار الأسد، ولا ننسى المعارضة السورية التي طلب منها كيري المساهمة في قتال عناصر تنظيم الدولة.

 

أما الأخطر فهو إعطاء التطرف وجها يبرر العالم من خلاله مستقبلا أي تدخل قد يحصل على المستوى الدولي أو حتى على مستوى الحريات الشخصية في الدول العربية وغيرها.

 

مقاتلون من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في استعراض عسكري في مدينة الرقة السورية (أسوشيتدبرس)

الرابح الأكبر

من وجهة نظر أخرى، يرفض البعض وجود مؤامرة أو حساب مصالح من قبل أميركا وحلفائها فيما حصل في العراق بحجة أن حجم التقدم وسرعة انهيار الجيش تهدد وحدة العراق، والسؤال هنا لماذا تكون وحدة العراق أمرا يهم أميركا لتحافظ عليه؟

 

فتقسيم العراق على النحو الطائفي الحاصل الآن هو في مصلحة القوى الدولية المهيمنة على المشهد حاليا، خاصة بعد الاتفاق الإيراني الأميركي وتراجع أميركا بذلك عن التزاماتها مع حلفائها التقليديين.

 

والحق أنه لا يمكن أن نقول إن أميركا بعيدة عن ما يحصل لأنها الرابح الأكبر في سيناريو تقسيم العراق، خاصة بعد أن استتب الوضع لصالح إيران، فهي على صلة جيدة مع أكراد العراق، وتركيا تبقى حليفا لم يتغير حتى اللحظة بتمتعها بالبراغماتية اللازمة، أما دول الخليج فلا بديل لها عن التعامل مع أميركا حتى الآن.

 

وفيما يخص سوريا، يبقى التقسيم الكامل حلا مستبعدا في ظل الوضع الحالي لأن نتيجة هذا السيناريو هي إنتاج دولة في الوسط غير قابلة للسيطرة إلى جانب كيان علوي وربما آخر درزي.

 

أما ما يخص منطقة الشمال السوري فالعمل جار من قبل أطراف عدة لتحديد هذه المنطقة، كأنها الإقليم الغربي لكردستان. أما الخاسر الأكبر في هذه المعادلة فهم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، فحسب تصور البغدادي هو المكلف شرعا الآن، وعلى المسلمين كافة مبايعته.

 

من المؤكد أن عددا من الأطراف الدولية والإقليمية تلعب دورها، ضمن منظومة يرى بعضهم أنها مدروسة، إلا أن هذه الحسابات كلها مرهونة بمدى تجاوب شعوب المنطقة مع مخرجات الأحداث الحالية.

 

وأرى أن الشعوب لن تبقى على حالها متفرجة بل سيكون هناك حراك أكبر من أن تستوعبه القوى الرئيسية في المنطقة، ولكن العامل الأساسي حتى اللحظة هو وعي هذه الشعوب بالمتغيرات الحاصلة، ونتائجها المستقبلية، فلا نقول إلا "إن غداً لناظره قريب".

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/16-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وخارج الملف تتناول مجموعة من التقارير قضايا إنسانية وقصصا إخبارية، فيطل علينا تقرير من الدوحة، لنعيش مع الأيتام خدمات خمس نجوم في دارهم "دريمة" التي توليها قطر اهتماما خاصا، وتوفر لنزلائها رفاهية استثنائية، نظرا لحالتهم الاستثنائية.

 

ومن تركيا يستعرض تقرير إنجازات حزب العدالة والتنمية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والبنية التحتية، التي مكنته على مدى 12 عاما من الحكم دون منافسة حقيقية. مع اقتراب أول انتخابات رئاسية مباشرة في تركيا.

 

ونتعرف على الأهمية التاريخية لجامع عقبة بن نافع في تونس، ودوره الاجتماعي والتربوي والتعليمي، ونفض غبار الدكتاتورية من عهد بورقيبة وإلى سقوط نظام بن علي بالثورة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/16-

دريمة.. خدمة خمسة نجوم للأيتام

دريمة.. خدمة خمسة نجوم للأيتام
سيد أحمد الخضر-الدوحة

 

تزدحم غرفة إبراهيم بالألعاب الحديثة والأجهزة اللوحية، وينتقل إلى مدرسته الراقية صباحا في سيارة أنيقة تعيده إلى فيلا فخمة بعد الظهر، على أن تقلّه أخرى إلى النادي الرياضي في المساء.

 

وللحفاظ على صحته وضمان تنشئته وفق أسس سليمة وازدهار مستقبله، يحيط به جيش من أخصائيي التغذية والمدرسين والممرضات والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ومحفظي القرآن الكريم.

 

يوميات محمد المرفهة والمضبوطة بدقة، تحيل إلى واقع أبناء الطبقات الميسورة، لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، إذ لا يمت هذا الطفل بصلة نسب إلى أي من سكان المعمورة، لأن قصة حياته كتبت بمداد مجهول.

 

ومثل محمد يعيش العشرات من مجهولي الأبوين في حضن المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام ومن في حكمهم (دريمة)، حيث يسبغ عليهم القانون الحماية ويحيطهم المجتمع بالعطف والحنان.

 

أمير قطر الشيخ تميم والأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة خلال استقبال اطفال دريمة (الجزيرة)

رعاية وترفيه

تضم المؤسسة دارا لحضانة الأطفال الأقل من خمس سنوات، وثانية للبنين الذين تجاوزت أعمارهم ست سنوات، وثالثة تحتضن البنات من عمر ست سنوات حتى سن الزواج.

 

كما تمتلك دريمة دار ضيافة خارجية تضم الذكور الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة ولم يكن لهم نصيب في العيش ضمن الأسر.

 

يحظى نزلاء المؤسسة بخدمات نموذجية، إذ تتوفر لهم مطاعم راقية ومكتبات ثرية وقاعات لأجهزة الحاسوب وأندية رياضية وبرك سباحة وصالات ألعاب.

 

وتقدم المؤسسة الواقعة في وسط الدوحة خدماتها من منطلق إنساني لكل من يعيش على أرض قطر، دون النظر إلى جنسيته أو دينه أو عرقه.

 

أما الذين تشملهم هذه الرعاية فهم: مجهولو الأبوين، ومجهولو الأب فقط، والأطفال الذين توفي آباؤهم، وضحايا التصدع الأسري، وهم الذين يثبت البحث الاجتماعي استحالة عيشهم بين عوائلهم كالمشردين وأبناء السجناء والمرضى العقليين.

دريمة تضم العديد من الفلل الفاخرة لإيواء الأيتام (الجزيرة)

 

حماية قانونية

لكن الهشاشة الناتجة عن الجهالة جعلت القانون يولي عناية خاصة لمجهولي الأبوين تبدأ من اللحظة التي يعثر عليهم فيها حتى إكمال دراستهم الجامعية وحصولهم على منصب عمل.

 

المادة الثامنة من قانون تنظيم قيد المواليد والوفيات تسبغ على مجهولي الأبوين الجنسية القطرية، وتقضي بمنحهم أسماء عائلية وهمية، بينما تنظم مواد أخرى طرق رعايتهم والشروط الواجب توافرها في الأسر الراغبة في حضانتهم.

 

المدير العام لمؤسسة دريمة خالد كمال يتنقل بين الفلل ليطمئن على من يعتبرهم أبناءه، فيداعب هذا الطفل ويلعب الشطرنج مع ذلك ويخرج مع آخر لاحتساء القهوة أو تناول العشاء في المنتجعات والمطاعم الفاخرة.

 

في لقاء مع الجزيرة نت، تحدث كمال عن خدمات خمس نجوم تقدمها دريمة لنزلائها، تبدأ بالتعليم في المدارس الحديثة والإقامة في الفلل الراقية، ولا تنتهي بالرحلات السياحية إلى ماليزيا وتركيا.

 

مكتبة في دار الأيتام تغني الأطفال بما يحتاجونه من المعرفة (الجزيرة)

اهتمام رسمي

وإلى جانب الرعاية الفائقة، نبه كمال إلى أن الأيتام ومن في حكمهم يحظون باهتمام كبير من قيادة البلد، فأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يستقبل أطفال نادي أصدقاء دريمة في قصره أيام الأعياد ويشاركهم الاحتفال باليوم الرياضي.

 

وبداخل الفلل توجد صور للأمير والأمير الوالد والشيخة موزا وسط أطفال المؤسسة، كما يحرص العديد من المسؤولين على زيارتها والاطمئنان على نزلائها.

 

الأيتام في قطر لا ينزوون في ركن قصي ولا يعيشون حياتهم داخل أسوار الكتمان، إنما تنفتح دريمة على كافة شرائح المجتمع وتقيم احتفالات ومهرجانات تحضرها شركات النفط والبنوك وأعضاء السلك الدبلوماسي والمسؤولون الرسميون.

 

الشيخ تميم شارك الأيتام الاحتفال باليوم الرياضي الأخيرة الذي تقيمه قطر سنويا (الجزيرة)

 

دمج مجتمعي

أما نادي دريمة فهو مرفق ترفيهي ينتسب له الكثير من أبناء المسؤولين السامين والموظفين حيث يقيمون صداقات مع الأيتام ويمارسون معهم الرياضة والأنشطة المختلفة بهدف دمجهم في المجتمع.

 

نشاطات النادي المفتوحة للأطفال العاديين تتناغم مع فلسفة دريمة التي يقول كمال إنها تحرص على إبعاد الوصمة والتمييز عن الأيتام حتى لا يشعروا بالحرج وهم يتفاعلون مع المجتمع في مختلف مناحي الحياة.

 

هذا الحرص على تفادي الوصمة والتمييز منع المؤسسة من وضع شعارها على السيارات التي تنقل الأطفال إلى المدارس، كما لا توجد أي إشارة في ملفاتهم الدراسية وبياناتهم الشخصية إلى كونهم أيتاما أو مجهولي الأبوين.

 

عيادة مصغرة للعناية بالنزلاء على مدار الساعة (الجزيرة)

تغطية النفقات

ويوضح كمال أن الدولة تغطي 90% من نفقات دريمة التي يعمل بها كادر مؤهل للعناية بالأيتام، بينما تسدد بقية التكاليف من هبات وتبرعات الشركات والأفراد.

 

ويضيف أن العناية الفائقة التي تمنحها المؤسسة للأيتام جعلتها محط اهتمام الكثير من نظيراتها في العالم، خصوصا من الدول العربية.

 

ويحرص كمال على التنبيه إلى أن الأسر القطرية تتنافس على الظفر بتربية مجهولي الأبوين، مما يجعل لجنة مكونة من قاض وممثلين من جهات أخرى تدرس ملفات المتقدمين للحضانة للمفاضلة بينها وفق معايير موضوعية تصب في مصلحة الطفل.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/16-

العدالة والتنمية التركي.. تراكم الإنجاز

العدالة والتنمية التركي.. تراكم الإنجاز

خليل مبروك -إسطنبول

 

 دخلت تركيا القرن الواحد والعشرين بوصفها دولة نامية، لكنها بعد 12 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية الذي بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 باتت تتطلع إلى مكان بين الدول العشر الأقوى عالمياً، بخطة طموحة تحمل اسم رؤية 2023.

 

وتعتمد تركيا في خطتها على ذراعي الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، اللذين نقلا الدولة من عهد الانقلابات وتدخل الجيش في الحكم، إلى القوة الاقتصادية السابعة عشرة في العالم، وفق تصنيفات البنك الدولي.

 

ويدخل حزب العدالة والتنمية انتخابات الرئاسة القادمة يوم 10 أغسطس/آب الجاري مستندا إلى كم كبير من الإنجازات السياسية والاقتصادية، وواثقا من رصيده الشعبي بفضل إنجازاته على الأرض، كما فعل في كل الانتخابات السابقة وآخرها قبل أشهر في الانتخابات البلدية.

 

مداخل إلكترونية للمسافرين في قطار مرماراي مشروع العصر التركي (الجزيرة)

النمو الاقتصادي

فقد نجحت الحكومات التركية الثلاث الماضية في ضبط الموازنة وتسجيل نسبة نمو تجاوزت 8% خلال عشر سنوات، في حين توقع البنك المركزي التركي أن يصل النمو خلال هذا العام 2014 إلى 4%. كما تجاوز معدل دخل الفرد عام 2013 حاجز 10.5 آلاف دولار، وفق ما أعلنه وزير المالية التركي محمد شيمشك في أغسطس/آب الماضي، بعدما كان يبلغ 3500 دولار عام 2002.

 

وانخفض معدل التضخم من 55% عام 2002 إلى 10% خلال العام 2013، كما ارتفعت نسبة النمو من سالب 9.5% إلى 9.9%، بحسب الإحصاءات الرسمية التركية.

 

ووفق خبراء الاقتصاد، بنت تركيا نهضتها الاقتصادية على رفع مستوى الصادرات وجلب الاستثمارات الضخمة للبلاد، فضلاً عن السياحة التي حققت أرقاماً قياسيةً خلال السنوات الـ12 الماضية.

 

فبحسب جمعية المصدرين الأتراك بلغت قيمة الصادرات السلعية التركية 152.5 مليار دولار عام 2012، أي أنها تضاعفت بنحو 423% عما كانت عليه عام 2002، حيث بلغت الصادرات وقتها 36 مليار دولار، وفق ما أعلنه في السابق معهد الدولة التركي للإحصاء.

 

وانعكس الانتعاش التجاري على موجودات الخزانة العامة التركية، وشجع الحكومة على دعم أسعار السلع الرئيسية للمستهلكين، وإقامة مشاريع محلية لتنمية دخل المواطن كمشاريع تحديث البنى السكنية في إسطنبول.

 

صورة نشرتها الحكومة التركية عن العمل في نفق أوراسيا (الجزيرة)

المشاريع العملاقة

وأنهى أردوغان دورته الحكومية الثالثة بتدشين مجموعة من المشاريع العملاقة في مدينة إسطنبول، من شأنها كما يقول غزوان المصري نائب رئيس المنتدى الدولي لرجال الأعمال أن تحوّل المدينة التركية إلى أهم وجهة للمستثمرين من حول العالم.

 

ويركز حزب العدالة والتنمية الذي يعرف في تركيا باسم "آك بارتي" كثيراً على هذه المشاريع، وأهمها قطار مرمراي الذي يربط قارتي آسيا وأوروبا ويمر بنفقٍ تحت قاع بحر مرمرة، وشقيقه نفق أوراسيا للسيارات الذي يمر بموازاته، وقد أعلنت الحكومة في يوليو/تموز 2014 عن اكتمال 10% من مراحل إنشائه، والقناة البحرية الصناعية الموازية لمضيق البسفور، ومطار إسطنبول الثالث الذي سيكون بعد افتتاحه عام 2017 أكبر مطار في العالم.

 

وبحسب المصري فإن هذه المشاريع الكبرى ستعزز المركز المالي التركي، وتساهم في استقطاب المراكز التجارية والشركات العملاقة وحركة المسافرين والسياح من خلال توفير خدمات النقل والإقامة لرجال الأعمال والمستثمرين والسياح على حد سواء.

 

قطار مرماراي أحد أبرز إنجازات الحكومة التركية (الجزيرة)

هاجس مدنية الدولة

وعلى مدار 12 عاماً مضت، بقي الحفاظ على المدنية وحماية الديمقراطية واحداً من أهم التحديات التي واجهت حزب العدالة والتنمية، سيما مع توالي محاولات العسكر للإطاحة بحكومته عبر انقلابات عسكرية.

 

عمل حزب أردوغان على الحد من صلاحيات الجنرالات وحجم تدخل الجيش في الحياة السياسية تدريجياً، ولم يتهاون مع المحاولات الانقلابية فلاحق المنخرطين فيها قضائياً، وكانت الضربة الكبرى لخصومه عام 2008 بإصدار قرارات حكم بالسجن لفترات طويلة على أكثر من 300 ضابط أدانتهم المحكمة بالاشتراك في مؤامرة للإطاحة بالحكومة، وعرفت القضية باسم شبكة آرغينيكون.

 

وإلى جانب إبعاد قبضة الجيش عن الحكم، عمل الحزب على التخلص من وصاية التحالفات السياسية للأحزاب على رئاسة الدولة عبر مجموعة من التعديلات الدستورية، فنجح عام 2007 في سن تشريع بعد الاستفتاء عليه، يتم بموجبه انتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من قبل الشعب.

 

منح التشريع الجديد الذي سيبدأ العمل بمقتضاه في انتخابات 10 أغسطس/آب المقبل سلطة أوسع لرؤساء الجمهورية الأتراك، لكنه حدد فرصة أي مرشح لحكم البلاد بمرتين فقط لمدة عشر سنوات.

 

وفي العام 2010، صوت الأتراك لصالح تعديلات دستورية تنص على تضييق مهمة القضاء العسكري وتأسيس هيئة إشراف عامة على التنظيمات المتعلقة ببنية المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة ووكلاء النيابة.

 

وقال المحلل السياسي محمد زاهد غول إن انتخاب الرئيس التركي مباشرة من خلال الشعب سيساهم في التخلص من وصاية الأحزاب التي كانت تتوافق برلمانياً على اختيار الرئيس وفق حساباتها حتى لو لم يكن من الأغلبية، وسيمنح الرئيس المقبل صلاحيات أوسع في حكم البلاد.

 

وأوضح غول أن الرئيس الذي سيحكم من أنقرة سيأتي باختيار 26 مليون تركي يمثلون الأغلبية المطلقة من بين الناخبين الأتراك البالغ عددهم 52 مليونا، وهو ما سيجعله أقدر على التأثير في القرارات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/16-

جامع عقبة في تونس ينفض غبار الدكتاتورية

جامع عقبة في تونس ينفض غبار الدكتاتورية

خميس بن بريك - تونس

 

 يقف جامع عقبة بن نافع أو الجامع الكبير شامخا في مدينة القيروان (160 كلم جنوبي تونس العاصمة) كمعلم ديني مميز للحضارة العربية الإسلامية، ذلك أنه لعب دورا كبيرا في نشر العلوم الشرعية وترسيخ مبادئ الدين الإسلامي منذ تأسيسه قبل أكثر من 13 قرنا.

 

ورغم إشعاعه كمنارة مضيئة للعلم والفتوحات منذ تشييده على يد القائد العسكري عقبة بن نافع عام 50 للهجرة (665 للميلاد)، فإن الجامع الكبير الذي يعد أكبر مساجد الإسلام القديمة فقد جزءا من دوره التعليمي منذ دخول الاستعمار الفرنسي إلى تونس.

 

يقول شيخ جامع الزيتونة المعمور حسين العبيدي للجزيرة نت إن الاستعمار عمد بعد دخوله تونس إلى ضرب التعليم الديني في جامعي الزيتونة والقيروان، مشددا على أن فرنسا اشترطت بعد انسحابها من تونس على الرئيس الراحل بورقيبة غلق التعليم الزيتوني.

 

وقد أدى قرار غلق التعليم الزيتوني عام 1964 إلى تجميد فروع الزيتونة في كامل البلاد، ومن بينها جامع عقبة بن نافع الذي كان تحوّل مع مرور الزمن إلى فرع لجامع الزيتونة في عهد الدولة الحفصية بعدما كان هو الأصل في التعليم منذ نشأته في العهد الأموي.

 

يقول العبيدي إن جامع عقبة أقدم مسجد بني في أفريقيا، ويقع بالقيروان بعيدا عن السواحل لتجنب هجمات الأعداء. ومن ذلك المكان كانت تنطلق الجيوش الإسلامية في الفتوحات باتجاه المغرب والأندلس، وكان الجامع قبلة لخيرة العلماء والطلاب لنهل العلم.

 

مئذنة جامع عقبة من أجمل المآذن التي بناها المسلمون في أفريقيا (الجزيرة)

ويضيف أن جامع الزيتونة الذي تأسس عام 76 للهجرة (691 للميلاد) كان فرعا لجامع عقبة الذي كان يرسل علماءه لتدريس الطلبة بجامع الزيتونة، قبل أن يتحول الأخير إلى مركز التعليم الديني في تونس والعالم الإسلامي مع الدولة الحفصية التي تأسست عام 627 للميلاد.

 

وكان الجامع الكبير الذي بناه عقبة بن نافع اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم لمّا شيد مسجد القبلتين بالمدينة، يرسل إلى المدينة علماءه لجلب العلوم ونشرها. ومن بين هؤلاء أسد بن الفرات والإمام سحنون التنوخي اللذان كانا قاضيان في القيروان وجلبا المذهب المالكي إلى تونس.

 

ورغم ألق جامع عقبة بن نافع الذي ساهم في نشر الفنون والحضارة العربية الإسلامية، يقول العبيدي إنه واجه "أحلك" فتراته في ظل الدولة الفاطمية التي ظهرت في القرن التاسع الميلادي واتخذت من المذهب الشيعي مذهبا لها، مؤكدا أن الفاطميين "نكّلوا بعلماء القيروان".

 

ثمّ سرعان ما انهارت الدولة الفاطمية وعاد المذهب المالكي مع الدولة الصنهاجية، وتأصّل أكثر مع الموحدين ثم مع المراديين فالحفصيين، وهكذا عاد علماء القيروان إلى مكانتهم واستعاد جامع عقبة إشعاعه التعليمي في الفقه والتفسير والعقيدة وغيرها.

 

وإلى اليوم ما زال جامع عقبة -الذي يتميّز إلى جانب زخمه العلمي بكونه معلما فنيا وعمرانيا لا مثيل له في العالم الإسلامي- مقصدا للناس ينهلون فيه شتى العلوم، رغم أن دوره في الواقع تراجع بسبب المضايقات، لاسيما خلال حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

 

جانب من تدريس القرآن لبعض التلاميذ في المدرسة القرآنية بجامع عقبة (الجزيرة)

يقول الطيب الغزي الإمام الخطيب وشيخ الفرع الزيتوني بجامع عقبة للجزيرة نت إن الجامع حافظ دون انقطاع منذ خمسين عاما على تقاليده في تعليم القرآن والدروس الدينية الليلية التي تنظمها الجمعية القرآنية بالقيروان حول تفسير القرآن والعقيدة وغيرها.

 

لكنه يقول إن الناس في فترة حكم بن علي كانوا قلقين من تعرضهم للاستجوابات والمضايقات بسبب تلقيهم الدروس في جامع عقبة، مما جعل الكثير منهم يحجمون عن مواصلة التعلم وحتى عن المواظبة على الذهاب إلى الجامع لصلاة الصبح، وفق قوله.

 

ويضيف الغزي أن هذا الضغط زال بعد الثورة، فتنفس الناس الصعداء وأصبحوا يقصدون الجامع في كل وقت، وتحللت الخطب من المضايقات والرقابة، وأصبح الخطباء يخوضون في الشأن العام، بينما أعاد جامع الزيتونة فتح فرعه التعليمي في جامع عقبة عام 2012.

 

ويتابع أن التونسيين استبشروا كثيرا بعد عودة التعليم الزيتوني وعودة فرعه في القيروان، لكنه يقول إن "خطى تركيز التعليم الزيتوني بالقيروان كانت متعثرة، وظل نشاط الكثير من الفروع متوقفا بسبب قلة الإقبال وغياب رؤية واضحة لآفاق التعليم الزيتوني".

 

أعمدة جامع عقبة كما تظهر من الداخل وفي الأقصى يوجد المحراب (الجزيرة)

وفي مايو/أيار 2012 وقعت وزارات التربية والتعليم العالي والشؤون الدينية اتفاقا مع مشايخ جامع الزيتونة من أجل استئناف التعليم الزيتوني، لكن هذا الاتفاق بقي حبرا على ورق ولم تصادق السلطات على برامج التعليم الزيتوني.

 

ومع أن شيخ الزيتونة حسين العبيدي يؤكد أن التعليم الزيتوني الذي يدرس 15 مادة منها العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والتجريبية واللغة "معترف به"، فإن إمام جامع عقبة يقول إن "التعليم الزيتوني ما زال متعثرا ومنقوصا ودون أفق واضحة".

 

ويتّهم العبيدي إمام جامع عقبة ورئيس فرع التعليم الزيتوني في القيروان بأنه تخاذل في إحياء الدور التعليمي لجامع عقبة ورفع ضده قضية لعزله، في حين يتهم الطيب الغزي شيخ إمام الزيتونة بعجزه عن تطوير التعليم الزيتوني وتصلبه وانفراده بالرأي.

 

وفي خضم كل هذا التجاذب يقرّ هذان الشيخان بأن الدور التعليمي لجامع عقبة في القيروان لا يزال متعثرا، رغم أن التعليم في هذا المسجد استقطب بعد الثورة عشرات الطلبة، لكن أغلبهم ليسوا تلاميذ بل موظفين يأتون نهاية الأسبوع لدراسة العلوم الشرعية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/16-

ست الشاي "كوفي شوب" السودان

ست الشاي "كوفي شوب" السودان

 

عماد عبد الهادي-الخرطوم

 

قد تكون مهنة ست الشاي (بيع النساء الشاي والقهوة في الطرقات وأمام بعض المحال التجارية والمؤسسات العامة والخاصة) التي تميز العاصمة السودانية الخرطوم أمرا مألوفا للمجتمع المحلي، لكنها تشكل حالة غريبة ونادرة لغير السودانيين.

 

وتحولت ما كانت تعرف "بالظاهرة الغريبة" بداية تسعينيات القرن الماضي إلى مهنة دائمة وملمح ثابت في الحياة اليومية بكافة المدن السودانية دون استثناء.

 

ولم تعد ظاهرة بيع النساء الشاي والقهوة في الحدائق العامة والأرصفة مصدرا مؤقتا للرزق لدى النساء اللائي لجأن إليها لظروف قاهرة، بل تحولت إلى مهنة جاذبة لشرائح نسائية أخرى ولأسباب اجتماعية مختلفة، رغم ما يبذل رسميا لمحاربتها أحيانا.


ست الشاي نادية موسى بررت امتهانها بيع الشاي ببعض الظروف الحياتية التي فرضت عليها العمل من أجل تربية أطفالها "حتى لا يحتاجوا لغيرهم أو يمدوا أيديهم للآخرين".



وأكدت للجزيرة نت عدم امتلاكها أي مهنة، "ولم أتلق أي تدريب يعينني على إيجاد عمل مستقر، لذلك قبلت على الفور اقتراحا من سيدة صديقة ببيع الشاي والقهوة"، مضيفة "أن ما شجعني على دخول عالم هذه المهنة هو قلة رأس المال المطلوب وخبرتي كربة منزل في صنع المشروبات الساخنة".

جلسات ست الشاي في الهواء الطلق ثقافة سودانية طارئة على المجتمع (الجزيرة)



وتقول إنه نظرا لعدم ثبات وضآلة العائد اليومي "فإنه يتعين علي الإيفاء بجزء غير يسير من احتياجات أسرة مكونة من تلميذين في المرحلة الأساسية من الدراسة".

 

وتؤكد نادية أن عمل النساء في مهنة بيع الشاي يحظى باحترام من مختلف فئات المجتمع، لأنه عمل شريف لسيدات وضعتهن الظروف أمام واقع حياتي صعب يجب تقبله والتعامل معه.

 

لكنها تعود وتقول "إن ما ينغص علينا هو عدم إصدار تراخيص لبائعات الشاي بصورة دائمة، مما يجعلنا بدون سند قانوني ويعرضنا للطرد والمنع في أي لحظة، رغم أننا نخدم قطاعات واسعة من المجتمع تتجه إلينا بغرض الترفيه والتواصل مع بعضها".

 

وتجتذب مهنة بيع الشاي والقهوة على الأرصفة في شوارع الخرطوم وعلى ضفاف نهر النيل شرائح مختلفة من النساء، البعض منهن أكمل التعليم الجامعي حديثا، والأخريات ما زلن يواصلن تعليمهن لنيل الشهادة، من أجل وضعها في مكان مناسب على جدران المسكن في ظل تفشي البطالة وانعدام فرص العمل، كما تقول صفاء عثمان.

 

وصفاء التي نالت قدرا من التعليم "لم تحتمل انتظار الحصول على وظيفة لقناعتها بأن الانتظار سيطول في معاناة نفسية ومادية".

 

وتبدي صفاء للجزيرة نت سعادتها بالعمل في مهنة بيع الشاي والقهوة "رغم طبيعتها المرهقة وعائدها الضئيل"، مشيرة إلى أنها  حصلت على فرصة عمل حر ومحترم يعينها على تكاليف الحياة المتزايدة".

 

جلسات ست الشاي يغلب عليها السهر وقضاء الأوقات المرحة بين الأصدقاء (الجزيرة)

أرقام وإحصائيات

وحسب إحصاءات رسمية أصدرتها ولاية الخرطوم، فإن نحو 1998 امرأة تمتهن بيع الشاي والقهوة من السودانيات اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و40 عاما، وأن نحو 1768 من الأجنبيات في الفئة العمرية بين 15 و30" عاما.

 

وأشارت نتائج دراسة للمجلس القومي لرعاية الطفولة والأمومة إلى أن 76.2% من بائعات الشاي نزحن للخرطوم من ولايات نائية بسبب الجفاف والنزاعات القبلية المختلفة.

 

وأكدت أن 47% من العاملات في مهنة بيع الشاي والقهوة يسكن بالإيجار في أحياء العاصمة الطرفية، وبينما يملك نحو 29%  منهن سكنا خاصا تسكن حوالي 18% مع أهلهن.

 

وتكشف الدراسة أن 43% من الشريحة المعنية متزوجات، وأن نحو 13.1% منهن من الأرامل، ونحو 24.6% من العازبات.

 

وبررت الدراسة التحاق النسوة بالمهنة بمحاولة زيادة الدخول المتدنية أو إيجاد مصدر دخل ثابت بسبب وفاة الزوج أو عجزه عن العمل أو غيابه عن المنزل.

 

هاشم عبد الله -موظف- يؤكد أهمية الدور الذي تلعبه بائعة الشاي لكافة أفراد المجتمع، منوها إلى أنها أضحت عنوانا ثابتا للقاءات الأصدقاء أو تجمعات الأسر في أيام العطل أو حتى أمسيات رمضان.

 

ويعتقد أن مهنة ست الشاي نجحت في خلق فضاء ترفيهي واجتماعي أو ثقافي "في ظل ندرة مثل هذه الأماكن في الخرطوم واختفاء المقهى من الشارع السوداني تماما".

 

بينما يرى المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل -في حديثه للجزيرة نت- أن الجفاف والنزاعات القبيلة والحرب الأهلية بأطراف البلاد، أدت إلى الدفع بعشرات الآلاف من الأسر إلى المدن الرئيسية، دون امتلاك أي مهارات أو تحصيل أكاديمي "فاتجهت السيدات لهذه المهنة من أجل المساعدة في أعباء الحياة".

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/16-

المسيحيون في باكستان.. الأدنى مجتمعيا وسياسيا

المسيحيون في باكستان.. الأدنى مجتمعيا وسياسيا

 

هيثم ناصر- إسلام آباد

 

رغم حصوله على درجة الدبلوم في الإدارة منذ عشر سنوات فإن إسحق يوسف لم يجد وظيفة مناسبة لتخصصه، مما دفعه منذ سبع سنوات للعمل في جمع القمامة وفرزها لبيعها.

 

ويؤكد إسحق أنه لم يكن ليعمل في مثل هذا المجال لو وجد أي فرصة عمل أخرى، ولكن ديانته المسيحية كانت العائق الأساسي أمام حصوله على وظيفة كعامل أو كبائع متجول، لأن المسلمين يفضلون عدم توظيف المسيحيين إلا في المهن الدنيا التي لا يرغب المسلمون في امتهانها.

 

ويعيش إسحق مع أكثر من سبعة آلاف شخص في تجمع عشوائي وسط إسلام آباد بناه المسيحيون بشكل غير قانوني للإقامة في العاصمة. وبسبب عدم قانونية التجمع، لا توفر أمانة العاصمة لسكانه الخدمات الأساسية كخطوط المياه والغاز والطاقة الكهربائية، ولذا يحصل سكان التجمع على هذه الخدمات بطرق غير قانونية أيضا.

 

إمكانيات محدودة جدا لتنظيم الحي (الجزيرة)

 

ويؤكد إسحق أن جيران التجمع سجلوا شكاوى عديدة على تجمع المسيحيين، مما دفع أمانة العاصمة إلى بناء سور حول التجمع يحوله إلى منطقة مغلقة تعيش على هامش المدينة.

 

حياة إسحق تمثل نموذجا لأوضاع آلاف المسيحيين الذين يشكلون ثاني أكبر أقلية دينية في البلاد بعد الهندوس، حيث تقدر نسبتهم بنحو 1.6% وتعدادهم بقرابة 2.8 مليون نسمة حسب إحصاء عام 2010.

 

يعيش في إسلام آباد وحدها قرابة عشرين ألف مسيحي في أحياء فقيرة عشوائية تمثل تجمعات للمسيحيين الذين يعملون في المهن الدنيا في المجتمع، كجمع القمامة وكنس الشوارع وصيانة أنابيب الصرف الصحي.

 

ويعتبر الباحث في شؤون الأقلية المسيحية شميم محمود أن المجتمع الباكستاني المسلم لا يزال يعامل المسيحيين على أنهم "مواطنون من الدرجة الثانية"، لذلك يفضل عدم التعامل معهم اقتصاديا إلا في أضيق الحدود، كما لا يفضل توظيفهم أو الشراء من متاجرهم أو مطاعمهم أو تأجيرهم المنازل أو المحلات التجارية، وبذلك تبقى خيارات تطوير أوضاع المسيحيين اقتصاديا محدودة جدا.

 

حي عشوائي للمسيحيين وسط إسلام آباد (الجزيرة)

ويذكر شميم في حديثه للجزيرة نت أن عدة مسيحيين حاولوا افتتاح محلات تجارية أو مطاعم في العاصمة، ولكن محلاتهم تعرضت للاعتداء أو المقاطعة لكون مالكها مسيحيا. فالقوانين تتيح للمسيحيين العمل في مختلف القطاعات التجارية منذ تأسيس باكستان، ولكن اجتماعيا لا ينظر غالبية الباكستانيين إلى المسيحيين على أنهم مواطنون في نفس البلد.

 

وقد زادت هذه النظرة السلبية بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان التي يعتبرها بعض علماء الدين الباكستانيين حربا صليبية ضد الإسلام، وبعد حوادث الإساءة للإسلام والسخرية من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في عدة دول أوروبية، "وهو ما يحاسب عليه المسيحيون في باكستان بتكريس عزلتهم ورفضهم مجتمعيا".

 

ويضيف شميم أن هذه الموجة من التحريض الديني على الكراهية خلال السنوات الأخيرة قادت إلى هجمات استهدفت كنائس وقيادات دينية مسيحية، مما دفع المتعلمين وذوي الخبرات والشباب المسيحيين إلى الهجرة من باكستان خوفا على حياتهم من التهديدات، وهربا إلى بلدان ترحب بهم ولا تميز ضدهم بسبب الدين، ولكن هذه الفئة محدودة جدا، إذ إن غالبية المسيحيين في باكستان لا يستطيعون الحصول على التعليم بسبب كلفته الباهظة.

 

وتؤكد ماريا جورج التي تعمل خادمة في منزل لأسرة مسلمة أنه رغم عملها لعشر سنوات في هذا المنزل فإنها تتقاضى ثلاثين دولارا شهريا مقارنة بسبعين دولارا تحصل عليها الخادمة المسلمة في المنزل نفسه، وتعتقد بأن هذا "التمييز في الأجر بسبب ديانتها المسيحية".

 

جمع القمامة وفرزها أهم مهن المسيحيين في المدن الكبرى (الجزيرة)

 

كما تضطر ماريا إلى اصطحاب ابنتها ذات العشرة أعوام للعمل معها بعد الظهر مقابل عشرة دولارات شهريا للطفلة لتأمين جزء من المصاريف السنوية للمدرسة الحكومية التي التحقت بها، والتي ترجح والدتها أنها لن تتجاوز فيها مرحلة التعليم الأساسي لأن التعليم الثانوي مكلف، وعلى الابنة أن تعمل لمساعدة الأسرة في معيشتها. وغالبا ما يعجز الطلاب المسيحيون عن إكمال التعليم الثانوي بسبب ضيق ذات اليد، بحسب تقديرات مؤسسات مسيحية محلية.

 

ويرى رئيس حزب حركة توحيد المسيحيين في باكستان ألبرت ديفد أن عدم توحد المسيحيين الباكستانيين من أهم أسباب عدم اكتراث الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد لشؤونهم، فأحزابهم تفتقر إلى التنسيق والتعاون من أجل تحقيق وزن سياسي مؤثر في صناعة السياسات المتعلقة بهم، كالمساواة في الأجور أو وقف التمييز الاجتماعي وخطاب الكراهية ضدهم في المجتمع.

 

ويضيف ديفد للجزيرة نت أن الأحوال التي يعيشها المسيحيون في المجتمع الباكستاني هي نتاج تراكمات أخطاء كثيرة ارتكب المسيحيون أنفسهم كثيرا منها، عبر إهمال الاندماج في المجتمع، وغياب الحوار الديني والاجتماعي مع الأغلبية المسلمة، مشيرا إلى أن الصورة الاجتماعية للمسيحيين كطبقة دنيا في المجتمع تدفع بعضهم إلى إخفاء ديانته أمام المسلمين خشية التعرض للتمييز في التعامل.

السابق

السابق

التالي

السابق