عرض/ أمل عيسى
تحقيق التوازن بين الأمن والحريات لم يكن أبداً مهمة سهلة أمام صانعي السياسات وخاصة في سياق الإرهاب، لكن ما يسعى إليه كتاب "مكافحة الإرهاب وآفاق حقوق الإنسان... أمننة الاختلاف والمعارضة" لمؤلفته إيبك ديميرسو؛ هو إلقاء الضوء على كيفية الاستجابة لمكافحة الإرهاب، دون أن نخسر روح الديمقراطية تحت ضغط التدابير الأمنية.

لقد أصبحت القوة المعيارية لحقوق الإنسان هي الدينامية التي تمنح الشرعية لسلوك الدولة، ولا غنى عنها في الساحة السياسية كمعيار للسيادة. ولكن في مكافحة الإرهاب يصبح الاستثناء هو القاعدة، لذلك تخاطر الدول بإضعاف وضع الحقوق والحريات الأساسية، وهو ما تترتب عليه آثار طويلة الأجل على أداء الديمقراطية.

وعبر مقدمة مفصلة وجزئين يحتويان تسعة فصول؛ تجيب المؤلفة عن سؤال معضل هو: كيف يمكن للحكومات أن توازن بين الادعاءات المتناقضة -في كثير من الأحيان- لمكافحة الإرهاب والالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان؟

بين تركيا وبريطانيا
في الجزء الأول تقدم ديميرسو تحليلاً مقارناً بين السياسات في تركيا وبريطانيافيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ومبادئ حقوق الإنسان، مع الوضع في الاعتبار الديناميات الدولية والمحلية.

- العنوان: مكافحة الإرهاب وآفاق حقوق الإنسان.. أمننة الاختلاف والمعارضة 
- المؤلفة: إيبك ديميرسو
- الناشر: بالغراف ماكميلان
- الطبعة: يونيو 2017
- الصفحات: 283 صفحة 


ولغرض الإشارة إلى أوجه التشابه والاختلاف في هذه الأوضاع؛ تطرح وجهة نظر حول كيفية تحديد هذه البلدان لتفضيلاتها ونوع التدابير التي تتخذها، ونوع الصلاحيات والسلطات التي تعينها لمختلف الجهات الفاعلة أو الهيئات، وما هي المبادئ التي تتم التضحية بها.

وهي بذلك تسعى إلى إظهار الكيفية التي تسعى بها الحكومات لتحقيق التوازن بين الشواغل الأمنية الوطنية من ناحية، والحقوق والحريات الأساسية من ناحية أخرى.

في سياق بريطانيا لم يكن أيّ من طريقي الأمن أو الحرية مفروشاً بالورود، فبينما كانت البلاد موطنا للحقوق والحريات الليبرالية؛ تبنّت أكثر تدابير مكافحة الإرهاب -التي يمكن العثور عليها في الديمقراطية الليبرالية- إثارة للجدل.

وخلافا للتجربة السابقة مع الجيش الجمهوري الأيرلندي، الذي كان ينظر إليه على أنه إرهاب وعنف مدفوع بحافز التحرر الوطني، وهو مبدأ راسخ ومعترف به في السياسة الدولية؛ فإن الإرهاب الجديد يعتبر ديني المنحى، وتهديدا للنظام لأنه يعمل خارج المبادئ الدولية. ومع ذلك فالحكومة ملزمة -في الوقت الذي تتبع فيه سياسات الأمن- بتحقيق التوازن بشأن الحقوق والحريات، من أجل إضفاء الشرعية على سلوكها.

وعلى هذا النحو، وفي سياق مكافحة الإرهاب؛ أعادت هذه الأولويات الأمنية ومبادئ حقوق الإنسان تعريف الفهم التقليدي للسيادة وإعادة اختراعه، حيث تحتفظ الدولة بامتياز إعلان حالة الاستثناء والمطالبة بسلطات كبرى، في حين أنها -في نهاية المطاف- ملزمة أكثر بتبرير وتوازن سياساتها وفقا للمعايير المعمول بها قانونيا ودوليا.

في السياق التركي؛ تقارن المؤلفة بين عصرين هما: عهد وصاية العسكر وعهد الحكم المدني الحالي. حيث طغت وصاية العسكر على العملية الديمقراطية حين رأوا أن المصالح الأمنية تمحو أي أولوية أخرى، واستغلوا الطبيعة العنيفة للاشتباكات مع حزب العمال الكردستاني لتوسيع ممارسات مكافحة الإرهاب المثيرة للجدل، مما أسفر عن عواقب وخيمة على الحقوق والحريات الأساسية.

في نفس الوقت ألقى الجيش القبض على رموز المعارضة والمجتمع المدني، من مختلف مناحي الحياة وبأعداد متزايدة -في إطار اتهامات ذات صلة بالإرهاب- فامتلأت السجون بهم. وهكذا أصبحت تركيا مثالا على أمننة المعارضة السياسية، والقضاء على الاختلاف عبر تشريعات مكافحة الإرهاب.

السياسات الأمنية في بريطانيا وتركيا كانت ممارساتها متقاربة رغم اختلاف السياقات. وأن الميل في كلا البلدين كان ضد الممارسات السيئة، مع محاولة التمسك بمعايير الحقوق واحترامها، وهي التي أصبحت تمثل إحدى ركائز السيادة. وأنه حتى في مجال الأمن القومي فإن الدولة مقيدة بهذه المعايير


وتؤكد ديميرسو أن التصفية لم تقتصر على الخصوم السياسيين، بل عُممت على شرائح كاملة من المواطنين بدعوى عدم إمكانية دمجهم في النظام السياسي.

لكن مع وجود حكم مدني يؤمن بضرورة التخلص من الوصاية العسكرية على الدولة وسياساتها؛ استطاع رجب طيب أردوغان وحزبه (حزب العدالة والتنمية التركي) استغلال زخم الترشح للانضمام للاتحاد الأوروبي، والتقدم في عملية السلام الكردية، من أجل ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الديمقراطية والحريات في البلاد.

وتنقل المؤلفة عن عالم الاجتماع السياسي أوبراد سافيتش قوله إن "العمل غير المعوق لحقوق الإنسان وما يتصل به من التنظيم الديمقراطي للحياة السياسية والقانونية، قد أصبح معيارا لإضفاء الشرعية على الدول الحديثة".

كان التطور الذي حدث هو تقلص دور الجيش في الحياة السياسية عبر إصلاحات قانونية مختلفة. وأصبحت المؤسسة العسكرية أكثر عرضة للنظام القانوني، بعد أن فقدت ميزة الإفلات من العقاب التي كانت توفرها لها تشريعات مكافحة الإرهاب. ثم أثبتت موجة الإصلاحات الأخيرة أن الجهات الفاعلة في الدولة تسعى لاعتماد أحكام جديدة تتفق مع المعايير الدولية.

ثم تؤكد المؤلفة في نهاية الجزء الأول أن السياسات الأمنية في بريطانيا وتركيا كانت ممارساتها متقاربة رغم اختلاف السياقات. وأن الميل في كلا البلدين كان ضد الممارسات السيئة، مع محاولة التمسك بمعايير الحقوق واحترامها، وهي التي أصبحت تمثل إحدى ركائز السيادة. وأنه حتى في مجال الأمن القومي فإن الدولة مقيدة بهذه المعايير.

تحليل إطاري منهجي
في الجزء الثاني يرِدُ تحليل إطاري منهجي لكلا السياقين، بهدف تتبع الأنماط المشتركة في اللغة السياسية والتمثيل الرسمي لتركيا وبريطانيا. تحاول المؤلفة توضيح الإشارات الخطابية التي تستند إليها السياسات، والمناقشات البرلمانية، ولجان القانون العام، المتعلقة بالتشريعات المثيرة للجدل في مجال مكافحة الإرهاب.

ويظهر تحليل المناقشات البرلمانية في بريطانيا التفاعل بين الإطارات السياسية العامة وعناصر كل منها، التي تتألف من مفاهيم وحجج وموضوعات مختلفة. وتطرح المؤلفة ما يواجهه إطار الحقوق والإطار الأمني أثناء عملية صنع السياسات، وما يجري من عمليات المساومة والتفاوض، وتقديم وجهات النظر المختلفة للمشكلة المطروحة وكيفية حلها.

وترى المؤلفة أن الإطار الأمني في بريطانيا مشبّع بمفاهيم العدو في مقابل الضحية، والتحذير من التهديد المستمر والطوارئ، والتطرف بوصفه مظهرا أيديولوجياً للإرهاب الذي يعرّض قيم الأمة الديمقراطية للخطر. في حين أن التأكيد على إطار الحقوق يكون بحذر، وفي بيئة تضخم الأمن وتوسع سلطاته، وهي بيئة لا تخنق فقط الحقوق والحريات بل تحرّض أيضا على التمييز ضد الأقليات.

نتيجة ذلك ترى المؤلفة أن الإطار الأمني يقترح صلاحيات استثنائية أكبر من أجل السيادة، وتضحية ضرورية -من وجهة نظره- بالسير العادي للقواعد القانونية. في حين أن الرواية الحقوقية تشدد على واجب السيادة نفسها، المتمثل في التمسك بالالتزامات القانونية وسيادة القانون والقواعد الدولية.

على الجانب التركي كانت النقاشات البرلمانية تتميز بغلبة الخطاب الأمني، نظرا لما كان يمثله الموقف الراسخ للجيش بصفته طليعة الجمهورية، واستغلال الصراع المطول في المنطقة الجنوبية الشرقية مع حزب العمال الكردستاني وإضفاء الطابع المؤسسي عليه.

وذلك في ظل تفشي مفاهيم الحساسيات الوطنية مثل القيم الوطنية، ومبادئ الجمهورية، ووحدة الأمة غير القابلة للتجزئة، وغيرها مما يعبر عن فكرة الدولة العسكرية الرئيسية للأمن أكثر من أي مفهوم للحرية أو الحقوق.

تشير النتائج الرئيسية للدراسة إلى الانعكاسات السياسية الأساسية في وضع السياسات الأمنية بشكل عام، وسياسات مكافحة الإرهاب بشكل خاص. وأن تحقيق التوازن الصحيح بين الأمن وحقوق الإنسان ليس مهمة سهلة، وكثيراً ما يتوقع من المسؤولين اتخاذ موقف صارم، لا سيما في مواجهة الحوادث المأساوية وفقدان الأرواح البريئة


كان الفكر السائد أن الإصلاحات التي تهدف إلى الحد من السياسات الأمنية لصالح زيادة احترام حقوق الإنسان يجب استنكارها بوصفها إملاءات أجنبية تُضعف الدولة، كما أن هناك احتمالا لإساءة استخدام الجماعات الإرهابية لهذه الحقوق.

ومع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وتزامنا مع زخم عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ واجه النظام العسكري تحديا جديدا، تمثل في بدء اللغة القائمة على الحقوق تأسيسَ نفسها في الساحة السياسية التركية، وسعيها إلى لفت الانتباه نحو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مجالات حرية التعبير وحرية الصحافة، والمبادئ الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة.

وتستدل المؤلفة بالمناقشات التي جرت خلال 2012-2013 بشأن مجموعة الإصلاحات الرامية لتغيير الإرث القديم لتسمية "الإرهابي"، التي أسيء استخدامها لإسكات الأصوات السياسية المعارضة. ومحاولات التمييز بين الإرهابيين الحقيقيين وبين أولئك المتهمين زورا بالإرهاب.

وتشير النتائج الرئيسية للدراسة إلى الانعكاسات السياسية الأساسية في وضع السياسات الأمنية بشكل عام، وسياسات مكافحة الإرهاب بشكل خاص. وأن تحقيق التوازن الصحيح بين الأمن وحقوق الإنسان ليس مهمة سهلة، وكثيراً ما يتوقع من المسؤولين اتخاذ موقف صارم، لا سيما في مواجهة الحوادث المأساوية وفقدان الأرواح البريئة.

ومع ذلك، فالسياسات الخاطئة -التي تقوم على لغة الطوارئ والضرورة والاستثنائية- تؤدي إلى تداعيات غير متوقعة في المدى الطويل على السياسة التي تؤثر على المجتمع ككل.

ومن ثم يتعين على واضعي السياسات أن يكونوا حذرين من الآثار الأوسع نطاقا لسياسات مكافحة الإرهاب خارج مجال الأمن الوطني، بحيث لا تمتد إلى التمتع اليومي بالاستحقاقات الديمقراطية التي أصبحت تتحول بصورة متزايدة إلى مسألة أمنية.

في الختام تؤكد ديميرسو أن المجتمع المدني النابض بالحياة هو الذي ترتكز عليه حرية التعبير، وشرعية المعارضة السياسية، وحقوق جماعات الأقليات، وهي جميعها معاقل للديمقراطية، والتضحية بها لن تجلب أمنا أو تهزم إرهابا. بل إن الحقوق والحريات الأساسية هي ما يجعل النظام السياسي ديمقراطيا ومشروعا، من خلال حماية المواطنين من السلطة التعسفية للسيادة. وقد أثبت التاريخ مرارا وتكرارا أنه بدون حقوق وحريات لا يمكن أن يكون هناك أمن.

المصدر : الجزيرة

التعليقات