عرض/ محمد ثابت
الليبرالية الغربية في خطر؛ فأوروبا تتفكك، وأميركا في تراجع، والديمقراطية الليبرالية آخذة في التقلص، وروسيا في حالة هياج، والصين جعلت نفسها زعيمة عالمية بقوة الأمر الواقع. كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ سؤال يطرحه إدوارد لوسي، ويجيب عليه في أربعة أجزاء ومقدمة تشكل جميعها كتابه المهم: "تراجع الليبرالية الغربية".

يستهل المؤلف كتابه بذكرياته مع سقوط جدار برلين الذي يعدّ علامة فارقة في التاريخ، حيث القضاء على الظلم لا بد من أن يسهم فيه الجميع ولو بجهدٍ ضئيل. ويذكر المؤلف أنه وأصدقاءَه أسهموا في هدم الجدار الذي قسم القارة العجوز إلى نصفين عدوين، ونشر الظلم داخل حدوده. حمل الرجال والنساء ما استطاعوا الحصول عليه من أدوات، وساعدوا الآلات في تحطيمه.

- العنوان: تراجع الليبرالية الغربية
- المؤلف: إدوارد لوسي
- الناشر: أتلانتيك مانثلي برس (نيويورك)
الطبعة: يونيو 2017
الصفحات: 226


ينقل لوسي عن فوكوياما مقالته الشهيرة "نهاية التاريخ"، قائلا إن ما يشهده العالم ليس نهاية الحرب الباردة، بل نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية، وإضفاء الطابع العالمي على الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي لأشكال الحكم البشري.

تساقطت الدول الشيوعية الأوروبية كقطع الدومينو، وانتهت الفاشية والأوتوقراطية والشيوعية دون إطلاق طلقة واحدة. ثمّ ساد عصر القطب الليبرالي الأوحد، وابتسم التاريخ وأوشك القرن العشرون -صاحب الإبادات والحروب العالمية- على الانتهاء، وأصبح سقوط الجدار علامة جيدة لاستقبال القرن الليبرالي: القرن الواحد والعشرين. 

لكن بعد ثلاثة عقود من ذلك التاريخ، وفي أعقاب انتخاب دونالد ترمب 2016، يجد المؤلف نفسه في موسكو مدعوًّا لحضور مؤتمر روسي حول عالم ما بعد الأميركان.

كان الروس مبتهجين فهذا دورهم في الفرح، لقد انتخب الأميركيون رئيسا مناصراً للجدران العازلة حول أميركا وفي كل مكان، ومعجباً كبيراً ببوتين، الرئيس الروسي الذي وصف انهيار الاتحاد السوفياتي بالمأساة الجيوبوليتكية الأعظم في القرن العشرين.

يقول المؤلف: إن كتابه يسعى لمعرفة هل العداء للولايات المتحدة وليبراليتها -الذي انتشر ما بين بكين وروسيا إلى فنزويلا وأنقرة وحتى بودابست- مبرر؟ وهل أصحابه مخطئون؟

صعود الصين العالمي
يبدأ الجزء الأول من الكتاب -المسمى "الانصهار"- بحقيقة سطعت في يناير/كانون الثاني 2017، لقد تغيرت الأدوار في العالم، وتغير حراس الاقتصاد العالمي.

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مؤتمر دافوس في قلب جبال الألب السويسرية؛ للدفاع عن نظام التجارة العالمية ضد هجمات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشن حربا اقتصادية حمائية على رأس أكثر دول العالم تطورا.  

قال شي للمجتمعين: "بعضُ الناس يُلقون باللوم على العولمة الاقتصادية في ما يحدث من فوضى في العالم اليوم. لا يصح أن نعود إلى الميناء كلما واجهتنا عاصفة، وإلا فلن تصل سفننا إلى الشاطئ الآخر، في الحرب التجارية لن يخرج أحد فائزا". كانت لحظة خرافية، من يلقي ذلك الخطاب هو رئيس الدولة الشيوعية الأضخم بالعالم وفي قلب موطن الرأسمالية.

وبعد أكثر من سبعة عقود من قيادة الولايات المتحدة للاقتصاد الليبرالي الرأسمالي، والتكامل بين الاقتصاد العالمي؛ يوضح المؤلف أثر ذلك جذريا على الاقتصادات الغربية.

فبرغم تسارع وتيرة انخفاض الفقر على مستوى العالم؛ فإن عشرات الملايين من الغربيين -الذين ظلوا طوال عقد كامل يحاولون عدم تلويث أرجلهم في وحل الأزمة الاقتصادية- سيناضلون لمجرد الإبقاء على رؤوسهم طافية فوق السطح، وعدم الغرق خلال العقود القادمة.

لا يزال انتشار الأتمتة في مراحله الأولى، و"الأتمتة" مصطلح مستحدث يُطلق على كل شيء يعمل ذاتيا بدون تدخل بشري، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والاستخبارات عن بعد، والذي يسميه البعض الثورة الصناعية الرابعة.

ومع الوقت ستتزايد البطالة في الغرب. وكذلك ما وصفه الصحفي الأميركي فريد زكريا -في كتابه "عالم ما بعد الأميركان"- بارتفاع باقي العالم، ويعني صعود الصين وغيرها.

يؤكد لوسي أن ظهور الصين كقوة عالمية اقتصادية وسياسية وعسكرية، هو الحدث الأكثر دلالة في التاريخ الاقتصادي والعالمي. نحن الآن نعيش في عصر لا يقل التقارب فيه دراماتيكية عن عصر الخلاف والاختلاف الناجم عن الاستعمار الأوروبي والثورة الصناعية. هذا العصر سيكون فيه الضغط الهبوطي في دخول الطبقات الوسطى الغربية كبيرا في السنوات القادمة وبلا هوادة.

الحقيقة هي أن أقوى غراء يجمع شتات الليبرالية الغربية معا هو النمو الاقتصادي، وعندما تتنافس المجموعات على ثمار النمو تصبح قواعد اللعبة السياسية سهلة نسبيا، ويعرف الجميع كيف يتعامل. لكن عندما تختفي تلك الثمار أو يحتكرها عدد قليل من المحظوظين فإن الأمور تتحول نحو الأسوأ


في الجزء الثاني من الكتاب -المسمى "رد الفعل"- يفسر المؤلف الانحطاط الليبرالي الناجم عن السياسة الغربية، فيقول إننا تعلمنا أن نعتقد أن القيم هي التي تشد عضد ديمقراطيتنا، وكان إيماننا بالتاريخ يغذي تلك الأسطورة.

لكن الحقيقة هي أن أقوى غراء يجمع شتات الليبرالية الغربية معا هو النمو الاقتصادي، وعندما تتنافس المجموعات على ثمار النمو تصبح قواعد اللعبة السياسية سهلة نسبيا، ويعرف الجميع كيف يتعامل. لكن عندما تختفي تلك الثمار أو يحتكرها عدد قليل من المحظوظين فإن الأمور تتحول نحو الأسوأ.

التاريخ يعلمنا أن الخاسرين يسعون للبحث عن كبش فداء، وتتحول سياسة إدارة جماعات المصالح إلى معركة صفرية على الموارد المتناقصة.

ويرى المؤلف أن ما يحدث في أميركا ترمب يوفر الكثير للإجابة على سؤال فوكوياما الجديد عما إن كان الركود الديمقراطي الحالي في العالم سيتحول إلى كساد كبير؟ ولكن ما يحدث في أوروبا أيضا مهم من أجل الإجابة على ذلك السؤال.

فلأول مرة -في تاريخ ما بعد النازية- يحصل حزب اليمين المتطرف في ألمانيا على نسبة تصل إلى عتبة 5%، اللازمة للحصول على مقاعد في الانتخابات العامة المقبلة.

منذ بداية القرن الحالي؛ فقد الغرب الكثير من هيبته ولم يعد نموذجه السياسي موضع "حسد" العالم كما كان من قبل. وتثور تساؤلات: هل ستترك تركيا الناتو؟ هل ستستطيع بريطانيا التماسك؟ هل ستوقف أوروبا موجات تدفق المهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط؟ وهل سيستطيع الغرب أن يستعيد دوره كمنارة للعالم؟

شكوك حول الديمقراطية
ومع الشك في الديمقراطية الغربية؛ تثور الشكوك أيضا في قوتها في العالم، وقد خسرت أميركا أيضا الكثير، فانخفضت حصتها من الناتج المحلي العالمي الإجمالي. وانخفضت المصداقية الأميركية بسبب الحروب الطائشة تحت مسمى كاذب للديمقراطية.

وكانت الخسارة الجيوسياسية في أوروبا مطلقة، وأصبحت القارة العجوز بالكاد قادرة على إبراز قوتها خارج حدودها. بل أصبحت الحدود المفتوحة لأوروبا تشكل تهديدا متزايدا للقارة. ويؤكد المؤلف أن كل ما سبق قاد بثبات نحو تحول مركز الثقل العالمي وبلا كلل نحو الشرق. 

في الجزء الثالث يستكشف لوسي الآثار المترتبة على تراجع ليبرالية الولايات المتحدة والغربية وهيمنتها كذلك. وبرغم كون الولايات المتحدة لا تزال الأقوى عسكريا على الأرض؛ وأكثرها ابتكارا من ناحية التكنولوجيا، فإن الأميركيين يفقدون ثقتهم وإيمانهم بنظامهم السياسي.

كنا نعتقد أننا تخلصنا من التحيز والتمييز الإنساني القديم، لكن بعد أن فعلنا نسينا ما استغرقه منا الأمر لاحتوائه. كان الجميع مؤمنا وقتها بأن الليبرالية هي الهوية السياسية التي تسع المجتمع كله، وليست مجرد أفراد قلائل ونخب، وكان ذلك الاستفتاء غير المرئي هو جوهر العقد الاجتماعي الغربي


دونالد ترمب يقدم لهم علاجا يرونه أسوأ من المرض، وعلاوة على ذلك تنكفئ أوروبا نحو الداخل. وينقل المؤلف قول هنري كيسنجر: إذا انفصلت الولايات المتحدة عن أوروبا في السياسة والاقتصاد والدفاع، فإنها ستصبح جيوسياسياً مجرد جزيرة تقع قبالة شواطئ "أوراسيا"، ويؤكد لوسي أن الفوضى أقرب لملء الفراغ الأميركي من أن تملأه الصين.

ارتبطت الديمقراطية الأميركية بسياستها الخارجية لعقود طويلة، وحتى عندما ثبت نفاق تلك السياسة خلال حربها على الإرهاب أو أثناء الحرب الباردة، فإن الفكرة الأميركية أثبتت أنها أكبر من أخطائها. فالصلة بين الفكرة التي تحافظ على الداخل الأميركي وما تروّج له أميركا في الخارج لم تنكسر أبدا، حتى وإن تشوهت في كثير من الأحيان.

لكن ترمب عكس تلك الصلة، فازدرى التقاليد الديمقراطية في داخل البيت الأميركي، وعرض الفكرة في الخارج للخطر، وربما كان ما يحدث في الشرق الأوسط والخليج هو أوضح أمثلة تلك النار التي أشعلها ترمب.

فأزمة الخليج الأخيرة أثبتت -من وجهة نظر المؤلف- أن على العرب فعل الكثير لجعل قضية الديمقراطية ومناصرة الحرية، وخاصة الحرية الإعلامية أفضل في عالم ما بعد 2016 عما كانت من ذي قبل. يقول لوسي: "لقد وضعنا مُشعلا للحرائق مسؤولا عن فرقة الإطفاء".

"نصف حياة" هو عنوان الجزء الأخير من الكتاب، وفيه يطرح المؤلف تصوره لما يجب القيام به. فإذا كنا نقدّر الحرية الفردية، فعلينا أن ندعم ونحافظ على نوع المجتمع الذي يسمح لتلك الحرية بالحياة والازدهار.

هل يستطيع الغرب استعادة تفاؤله؟ سؤال يشكك الكاتب في أن تكون إجابته بـ"نعم"، فإذا كانت السنوات القليلة القادمة ستشبه الماضي فمن المشكوك فيه أن الديمقراطية الغربية ستستعيد عافيتها بعد أن فقد الناس الثقة في ما يمكن أن تقدمه له أنظمتهم. 

الآن، ترمب ونظراؤه أصبحوا أقدر على إلقاء اللوم على الأجانب والإسلام والأقليات والقضاة، وغيرهم ممن يعتبرونهم مخربين للشعبوية التي ينتهجها رئيس الولايات المتحدة، ويستغلها لاستهداف خصومه بطريقة تقشعر لها الأبدان.

يقول بنيامين فرانكلين: "إن ثمن الحرية هو اليقظة الأبدية"، لذلك على النخب الليبرالية أن تتخلى عن الاحتجاجات الفيسبوكية وأن تقف في وجه ترمب ورفاقه.

يقول لوسي: كنا نعتقد أننا تخلصنا من التحيز والتمييز الإنساني القديم، لكن بعد أن فعلنا نسينا ما استغرقه منا الأمر لاحتوائه. كان الجميع مؤمنا وقتها بأن الليبرالية هي الهوية السياسية التي تسع المجتمع كله، وليست مجرد أفراد قلائل ونخب، وكان ذلك الاستفتاء غير المرئي هو جوهر العقد الاجتماعي الغربي.

لكن المجتمعات ذات الأغلبية البيضاء أصبحت الآن تتبنى سياسات الأقليات، وما لم تستوعب المؤسسات الغربية ما يحيق بها نتيجة تلك السياسات، فلن توجد فرصة ولو ضئيلة لإنقاذ الليبرالية من شر نفسها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات