عرض/ أمل عيسى
لم تكن أزمة الخليج الحالية وليدة اللحظة، بل هي نتاج تاريخ ممتد من محاولات لم تتوقف للسيطرة على مجريات الأمور في منطقة الخليج من جانب بعض الأطراف العربية. فالاتهامات والعقوبات وإن بدا أنها نتيجة ضغط أميركي، إلا أنها وافقت هوىً ورغبة دفينة لدى فاعلين في الخليج.

في ثلاثة أجزاء وسبعة فصول؛ يضع المؤلف الباحث التركي بيرول باشكان ثروة من الأدلة، وتحليلاً مفصلاً للسياسة التركية وحسابات قطر الإستراتيجية في الشرق الأوسط السريع التغيّر والتحول. ويفسر كيف أصبحت قطر حليفَ تركياالأكثرَ ثقة في العالم العربي.

- العنوان: تركيا وقطر وسط الجغرافيا السياسية المعقدة في الشرق الأوسط
- المؤلف: بيرول باشكان
- الناشر: بالغريف ماكميلان للنشر (نيويورك)
- الطبعة: الأولى (مايو 2016)
- الصفحات: 147 صفحة


حروب الخليج وهجمات سبتمبر
الجزء الأول يعالج المشهد الإقليمي بعد زلزال هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، واضطراب الشرق الأوسط والخطاب الأميركي وتحركاته. كانت استجابة واشنطن لأحداث سبتمبر -بإزاحة نظاميْ الحكم في أفغانستان والعراق- لها آثارها الحادة على المنطقة، فقد هدمت اثنين من أشد أعداء إيران. وفي هذا الفراغ الجيوسياسي؛ ظهرت إيران دولة مهيمنة في الإقليم.

كانت البلدان الخليجية ذات الكثافة الشيعية الكبيرة -مثل السعودية والبحرين- تشعر بالرعب من محاولة إيران خلق هلال شيعي، يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان ويصل أراضيهم. وكانت المواقف التهديدية الصادرة من أميركا تجاه إيران قد دفعت الأخيرة لاتخاذ موقف دفاعي عدواني تجاه المنطقة.

يؤكد المؤلف معضلة دول الخليج في كونها دولا غنية وافرة الثروات قليلة الشعوب، هذا الوضع جعل دول الخليج فريسة يحاول كثيرون الانقضاض عليها، وكان الغزو العراقي للكويت مثالا على ذلك. لكن الأشد تعقيدا كان التفاوت الكبير في الحجم بين دول الخليج نفسها، فالسعودية رأت نفسها الطرف الأكبر والأكثر قوة، والأسوأ أنها ترى أحقيتها في قيادة المنطقة.

ويضع باسكان تقسيما لدول الخليج من ثلاث مجموعات، تحتل فيها السعودية مجموعة كاملة وحدها، ويضيف: "اعتبارا من عام 2006، كان لدى السعودية 199500 جندي ضمن قواتها العسكرية. وبالتالي أصبح هناك خلل في القوة العسكرية بين دول الخليج، مما يمنع أو يعوق تطوير أي وحدة سياسية وعسكرية حقيقية بسبب خوف الدول الصغيرة من أن تهيمن عليها المملكة".

وفي الفترة 1991-1999، بلغ الإنفاق العسكري السعودي السنوي حوالي 22,9 مليار دولار، بينما بلغ في إيران ما بين 1,9 - 5,2 مليارات دولار سنويا.

لكن لم تستطع المملكة أن تشكل تهديدا لإيران، نتيجة الجهود المستمرة التي تبذلها الأسرة الحاكمة للتأكد من أن الجيش لن يشكل تهديدا على حكمها مما أصابه بالشلل.

هذا إضافة إلى عوامل مثل التنافس الشخصي، والقبائل، والمحسوبية، والفساد، والاعتماد على الأجانب، كان لها آثارها السلبية على تطوير قوة عسكرية رادعة ذات مصداقية في السعودية.

بدأ التنافس السعودي الإيراني عام 1979 في أعقاب نجاح الثورة الإيرانية مباشرة، فالدولة الوليدة ترى نفسها زعيمة المذهب الشيعي في العالم، بينما السعودية تقدم نفسها للعالم بوصفها زعيمة العالم السني.

كانت الثورة الإيرانية غيّرت الكثير، فلم يقتصر الأمر على تثبيت نظام معادٍ للولايات المتحدة في طهران فحسب، بل إن هذا النظام ولّد أيضا نشاطا سياسيا جديدا بين الشيعة، وخاصة في بلدان كانت فيها الطائفة الشيعية كبيرة كالسعودية والبحرين.

الخطاب الأميركي الذي أضر بدول منطقة الشرق الأوسط لم يُلحق الأذى بتركيا وقطر، بل ساعد على تعزيز قوتهما. كان المشهد في المنطقة مواتياً لكلا البلدين، وقد سعت السعودية إلى صداقتهما لمواجهة تصاعد إيران


وعندما هاجم العراقُ إيران عام 1980، رأت السعودية أن هذه فرصة للتعامل مع التحدي الذي طرحته إيران الثورية. وبمجرد بدء الحرب، أعلنت السعودية دعمها للعراق واستمرت في مساعدته ماليا ولوجستيا في حربه ضد إيران.

لكن الخيارات المتاحة للمملكة لمواجهة إيران كانت محدودة، فلم تكن تمتلك القوة الديمغرافية والصناعية والعسكرية اللازمة. وسعت إلى إعادة تنشيط العلاقات السابقة، أو إقامة علاقات جديدة مع المساعدات المالية والدبلوماسية المقدمة إلى مجموعات في بلدان مثل العراق ولبنان، كي تنافس المجموعات المدعومة من إيران.

وكانت محاولة السعودية الأكثر طموحا -وهي محاولة تلقت دعما أميركيا- تتمثل في جهودها الرامية إلى الجمع بين تحالف واسع من الدول، التي لديها مخاوف مماثلة بشأن صعود إيران، وكان من بينها -في المقام الأول- مصر.

وفي السياق نفسه، حاولت السعودية أيضا التقارب مع إسرائيل التي كانت لها مخاوفها بشأن إيران، وإن كانت أقل خطورة من تلك التي لدى السعودية أو مصر.

ولتحقيق المزيد من المكاسب في لبنان، عملت السعودية على تقويض تأثير سوريا -وهي حليف لإيران- في لبنان. وبمجرد أن أدركت السعودية أن هذه الإستراتيجية فشلت، حاولت التقارب مع سوريا على أمل إضعاف علاقاتها مع إيران.

ولتحقيق هذه الغاية، قام الملك عبد الله بزيارة تاريخية لدمشق في أكتوبر/تشرين الأول 2009، ورد عليها بشار الأسد بزيارة للسعودية في يناير/كانون الثاني 2010. ولكن كانت الرياض على موعد مع تغيير سياستها تجاه سوريا مرة أخرى خلال الربيع العربي.

فشلت السعودية، فلم تبتعد حماس ولا حزب الله ولا نظام الأسد في سوريا عن إيران. ولم تتم هزيمة الحوثيين في اليمن التي اعتبرتها السعودية تقدما آخر من جانب إيران. وأصبحت هناك حكومات مؤيدة لإيران تمسك زمام السلطة بقوة في بغداد بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

لم تجد السعودية أمامها سوى دول الخليج لتصنع منها هيكلا تقوده نحو تحقيق ما تصبو إليه من منافسة لإيران، حتى ولو استلزم الأمر استخدام وسائل ضغط وتهديد تنافي مبادئ مجلس التعاون الخليجي.

علاقات متوازنة مع الجميع
يناقش المؤلف في الجزء الثاني كيف مهد السياق الإقليمي في أعقاب 11 سبتمبر الطريق أمام تركيا وقطر كي تلعبا دورا نشطا، وكيف اتخذ البلدان سياسات وأدوات مماثلة حين وسّعا نطاق نشاطهما في المنطقة.

فقطر وتركيا أقامتا علاقات قوية مع جميع الأطراف، وبحلول الربيع العربي أصبح البلدان أكثر اللاعبين الإقليميين نشاطا داخل الشرق الأوسط وخارجه.

ويؤكد المؤلف أن الخطاب الأميركي الذي أضر بدول المنطقة لم يُلحق الأذى بالدولتين، بل ساعد على تعزيز قوتهما. كان المشهد في المنطقة مواتياً لكلا البلدين، وقد سعت السعودية إلى صداقتهما لمواجهة تصاعد إيران.

في التسعينيات، واجهت قطر تحديات غاية في الصعوبة، أهمها صياغة سياسة خارجية مستقلة عن السعودية. كان باستطاعة قطر وقواتها العسكرية التصدي للدول الصغيرة مثل الإمارات والبحرين لو فكرت في الاعتداء عليها، لكن لا يمكن لتلك القوة أن تردع بلدا مثل السعودية أو إيران.

ويؤكد المؤلف أن هذا الخلل في القوة العسكرية لم يدع لقطر أي خيار سوى اتباع خليط من سياسات الموازنة، والاعتماد على حماية قوة إقليمية أو دولية. وهكذا كان عام 1992 حاسما حين وقعت قطر مع الولايات المتحدة اتفاقية تعاون دفاعي، تُمكّن الجيش الأميركي من الوصول إلى القواعد العسكرية في قطر، ولكن يبدو أن سياسة قطر الناجحة أثارت غضب السعودية عليها.

ففي نفس العام؛ أدى حادث مؤسف إلى إلحاق أضرار بالغة بعلاقات قطر مع السعودية، حيث قتل اثنان من القطريين وأصيب ثالث في معركة حدودية. وردا على ذلك، انسحبت قطر من المناورات العسكرية الجارية في دول الخليج. ثم في 1994 وقعت مناوشات حدودية ثانية بين البلدين.

وفي مطلع 1996 واجه أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني محاولة انقلاب عليه بعد أشهر تقريبا من توليه السلطة، لكنها فشلت وأضافت مزيدا من التوتر لعلاقات قطر المتوترة بالفعل مع جيرانها الخليجيين، حيث اتهمت قطرُ السعوديةَ والبحرين والإمارات بالمشاركة في محاولة الانقلاب.

بعد عام من ذلك، جاءت المبادرة القطرية الأشد تأثيرا في مجرى الأحداث بإنشاء قناة الجزيرة كقناة إخبارية دولية، التي بدأت بمستوى مهني عالٍ، ووظفت أوائل موظفيها من تلفزيون "بي بي سي" العربية. وفي 1998 ألغت قطر وزارة الإعلام، ومنحت الجزيرة أهم مقومات النجاح: الحرية العملية.

ثورات الربيع العربي
تحولت الجزيرة إلى منصة عامة للنقاش حول جميع المسائل، دون تمييز ما دامت تتعلق بالعالم العربي في المقام الأول. وأتاحت فرصة غير مسبوقة للعرب وغيرهم -سواء أكانوا صحفيين أو أكاديميين أو مفكرين عموميين أو ناشطين أو معارضين أو مؤيدين- من جميع الأيديولوجيات للتعبير عن آرائهم.

أصبحت الجزيرة "جنة لحرية التعبير في العالم العربي"، ولكنها جلبت أيضا المتاعب للبلاد. وسحبت عدةُ دول -على رأسها السعودية- سفراءها من الدوحة احتجاجا على تغطيات الجزيرة، كما أن مسؤولين أميركيين تذمّروا من هذه المؤسسة الإعلامية، وأضيفت الجزيرة إلى أسباب العداء ضد قطر


أصبحت الجزيرة "جنة لحرية التعبير في العالم العربي"، ولكنها جلبت أيضا المتاعب للبلاد. وسحبت عدةُ دول -على رأسها السعودية- سفراءها من الدوحة احتجاجا على تغطيات الجزيرة، كما أن مسؤولين أميركيين تذمّروا من هذه المؤسسة الإعلامية، وأضيفت الجزيرة إلى أسباب العداء ضد قطر.

وفي الجزء الثالث يناقش المؤلف انطلاق الربيع العربي ملقيا المنطقة في اضطراب جديد، ثم يورد بالتفصيل كيف تموضعت قطر وتركيا واستجابتا لتلك التطورات.

فبعد أن تأكدا من جدية التحرك الشعبي، كثف البلدان جهودهما لتطوير علاقات اقتصادية وسياسية أقوى مع الحكومات التي جاء بها الربيع العربي في تونس ومصر.

كانت قطر أول من هنأ الشعب التونسي بعد مغادرة بن علي للبلاد، وعبرت عن "احترامها لإرادة واختيار الشعب"، وقبلها كانت الجزيرة أول من أذاع شريطا لتضحية محمد البوعزيزي بنفسه أواخر 2010، وقدمت صوت الشارع التونسي للعالم. ثم تبعتها تركيا في يناير/كانون الثاني 2011 عندما أعلنت رسميا تأييدها لمطالب التونسيين بالحرية والديمقراطية.

لكن تحرك تركيا وقطر تجاه الربيع العربي وخاصة في سوريا ومصر وتونس وليبيا، أورثهما عداءً خفيا من الأطراف العربية التي أحست بالزلزال يهز عروشها.

ويقول المؤلف إن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ومحاولات الضغط على قطر (التي انبثقت عنها الأزمة الخليجية الحالية بالتأكيد)؛ ما هي إلا إجراءات انتقامية لموقف البلدين من ثورات الشعوب، وموقف الجزيرة المحايد والمهني بصفة خاصة.

المصدر : الجزيرة