الجزيرة نت/ خاص
استحوذ كتاب "التنوير الإسلامي..  صراع الإيمان والمنطق" للصحفي الأميركي كريستوفر دي بيلايغو على اهتمام النقاد في الولايات المتحدة -منذ صدوره قبل أسابيع- فتناولوه من جوانب عديدة، إلا أن اللافت في الأمر أن كثيرا من النقاد على اختلاف مشاربهم اتفقوا على أن الكتاب "رد مفحم" على الدعوات التي برزت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 بمطالبة العالم الإسلامي بالانفتاح وقبول الآخر.

يحاول الكاتب دي بلايغ -الذي عمل مراسلا في الشرق الأوسط لصحيفتيْ غارديان وإيكونومست- إثبات أن العالم الإسلامي كان دائما تواقا للمعرفة ومنفتحا على الآخر، ويفتخر بالاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، بل إنه يذهب إلى حد توجيه اللوم للغرب في إيجاد الهوة التي تفصل الغرب عن العالم الإسلامي دينيا وثقافيا.

- العنوان: التنوير الإسلامي.. صراع الإيمان والمنطق
- المؤلف: كريستوفر دي بيلايغو
- الناشر: مؤسسة ليفرايت
- الطبعة: الأولى / أبريل 2017
- الصفحات: 398

ويقدم كتاب التنوير الإسلامي بشكل أساسي قراءة لتاريخ الشرق الأوسط منذ حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 وحتى الوقت الحاضر، ويركز الكتاب على ثلاث حواضر إسلامية يقول إنها كانت مركز الأحداث في القرون الماضية هي القاهرة وإسطنبول وطهران، ويكرّس لكل منها فصلا من فصول الكتاب الست.

يتناول المؤلف قضية يقول إنها مثال حي على أن العالم الإسلامي لم يغلق أبوابه ويتقوقع داخل عالمه كما يدعي الغرب، بل إن الأخير هو الذي أدار ظهره للعالم الإسلامي وصم أذنيه عنه ورفض أن يسمع منه. وهذا المثال هو رواية "جين أير" (Jane Eyre) التي تحكي قصة كفاح طفلة يتيمة مضطهدة في القرن التاسع عشر، تكبر لتتحدى كل الظروف والمصاعب وتحقق ذاتها بدون مساعدة من أحد.

يقول دي بلايغ أن هذه الرواية تعتبر مصدر إلهام في الغرب وهي قصة معروفة على نطاق واسع، وأكثر من ذلك هي أيضا معروفة لقطاع واسع من المتعلمين العرب وتدرّس في المدارس والجامعات العربية. ولكن هناك قصة مشابهة تماما لامرأة تركية اسمها "فاطمة توبوز"، إلا أن الغرب لا يعرف عنها أي شيء، ولم يهتم الناشرون والنقاد والمترجمون الغربيون بنقلها على نطاق واسع.

ويقول دي بلايغ إن الهوة بين الغرب والعالم الإسلامي موجودة منذ مئات السنين، إلا أن رقعتها اتسعت بشكل ضخم في الآونة الأخيرة، وساهمت في ذلك عوامل عديدة أهمها أعمال العنف التي تُرتكب باسم الإسلام والمغالطات التاريخية، والنظرة الفوقية وعقلية المنتصر الذي يسيطر على عقول ونهج السياسيين والمؤرخين والكتاب الغربيين.

ويقدم الكتاب وجهة نظر تقول إن تعامل الغرب مع الإسلام هو تعامل عقيم، حيث تزدحم الساحة الإعلامية والفكرية في الغرب بدعوات المفكرين والمحللين للعالم الإسلامي بالانفتاح والإصلاح، وحث المسلمين على نبذ حساسيتهم من انتقاد نبيهم أو قرآنهم، وأن يحذو حذو المسيحيين واليهود في هذا المجال.

ولكن أصحاب تلك الدعوات ينسون تماما أنهم في هذا السياق لا يقدمون حوارا بل استعراضا لتجربتهم هم، ولا يوجد منطق يُلزم المسلمين بتبني تجربة غيرهم أو المشي على خطى أمم أخرى.

وفي المقابل، وبعد أن نبه المؤلف إلى المقاومة الشرسة التي أبدتها الكنيسة واليهود لعصر النهضة الأوروبية؛ استعرض الكتاب التفاعل الذي أبداه العالم الإسلامي مع التجربة الغربية في أول احتكاك حقيقي معها بعد احتلال نابليون لمصر، واصفا تقبل المجتمع المصري للعلوم والتواصل الفكري مع الفرنسيين خاصة بعد زوال الاحتلال العسكري، وكيف فتح ذلك الباب على مصراعيه للمفكرين العرب للنهل من تجارب الغرب العلمية والفكرية.

ثم يعود الكاتب إلى مقارنة ذلك بالعصر الحديث، فيقول إن الغرب اليوم مليء بالمسلمين المسالمين الذي برعوا في مختلف المجالات، ويتساءل: هل تفاعل الغرب معهم -كما تفاعلوا هم مع الغرب من قبل- رغم أنهم يعيشون بين ظهرانيه؟

يحاول الكاتب دي بلايغ -الذي عمل مراسلا في الشرق الأوسط لصحيفتيْ غارديان وإيكونومست- إثبات أن العالم الإسلامي كان دائما تواقا للمعرفة ومنفتحا على الآخر، ويفتخر بالاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، بل إنه يذهب إلى حد توجيه اللوم للغرب في إيجاد الهوة التي تفصل الغرب عن العالم الإسلامي دينيا وثقافيا

من الواضح أن الجواب "لا"، إلا أن الكتاب يستعرض تجارب العديد من المسلمين في الغرب ورحلتهم في الحياة، ويعتبرها تجسيدا حيا لانفتاح الإسلام وقدرته على التكامل والتفاعل بغض النظر عن المكان والزمان.

ويعتبر الكتاب أن دراسة مسارات التفاعل من كافة الاتجاهات تثبت أن أولئك الذين يدْعون إلى انفتاح الإسلام من منظور تجربتهم هم أو تجارب مجتمعهم الضيقة، تثبت أن سعيهم لتصوير الشرق على أنه مجموعة من الناس المراهقين فكريا، والذين لا يزالون أسرى للعصور الماضية؛ هو سعي سلبي، والأمثلة التي تدحض الحجج التي يسوقها ذلك التيار لا تخطئها عين.

ويمضي الكاتب في استعراض الممارسات السلبية التي رسّخت النظرة الدونية للعالم الإسلامي في الغرب، ففي الفصل الثاني من الكتاب الذي خصصه لإسطنبول يرى المؤلف أن أدب الرحلات الأوروبي وكتابات المستكشفين الأوروبيين كانت من أسباب ذلك.

ويستعرض -في هذا السياق- تجربة الصحفي الإيطالي إيدموندو دي آميسيس الذي أمضى أسبوعا واحدا فقط في إسطنبول، ثم عاد إلى بلاده ليكتب عنها وينظّر عن العالم الإسلامي، بل إنه رفض بعد ذلك ما قيل عن محدودية احتكاكه بالعالم الإسلامي وبالتالي عدم أهليته للكتابة عنه.

ويتناول الكتاب كذلك ظهور الإسلام السياسي وصعود التيارات الإسلامية المتشددة، ويرى أنها أتت ردة فعل على التيارات الفكرية التي سادت العالم في القرن العشرين، حيث دبّ الصراع بين الأيديولوجيات الاشتراكية والرأسمالية.

وهي تيارات ذات طابع احتوائي سعى كل منها لاحتواء أكبر جزء ممكن من العالم، وقد اعتبر المسلمون ذلك التوجه جرس إنذار يحتّم عليهم التفكير في ابتكار درع واقية تحمي خصوصيتهم وهويتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك