عرض/أمل عيسى
توحد الأميركيون بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 واستثمرت الدولة تريليونات الدولارات في الحروب وإعادة بناء الدول المحطمة بأفغانستان والعراق، وفي مواجهة تنظيم القاعدة ثم خليفته تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، وفي رعاية المحاربين القدامى ضحايا تلك الحروب.

واليوم وبعد 15 عاما من الحرب، والانكشاف الواسع النطاق لأوهام الأداء الاقتصادي، والاستقطاب العميق الواقع بسبب الانتخابات الرئاسية؛ أصبح الأميركيون منقسمين أكثر من أي وقت مضى بشأن الدور الذي يتصورونه لبلادهم في هذا العالم غير المستقر.

- العنوان: خيارات إستراتيجية في عالم مضطرب.. سعياً للأمن والفرص المتاحة
- المؤلف: عدة باحثين
- الناشر: مؤسسة راند للأبحاث (أميركا)
- الطبعة: فبراير 2017
- الصفحات: 310
 

ما دور أميركا في عالم القرن الواحد والعشرين؟ وهل هناك إستراتيجية كبرى من شأنها توجيه الدبلوماسية والدفاع والمشاركة الاقتصادية مع العالم؟ تلك هي الأسئلة التي قادت مشروع إعادة التفكير لتقييم التحديات والفرص المتنوعة أمام أميركا في عالم متحول ومضطرب، وتناولها الكتاب/التقرير المعنون بـ: "خيارات إستراتيجية في عالم مضطرب.. سعياً للأمن والفرص المتاحة"، والذي كتبه عدة باحثين وأصدرته مؤسسة راند الأميركية.

ينقسم الكتاب -بعد التمهيد الذي يشكل الفصل الأول- إلى جزأين: الأول يضم أربعة فصول ويتناول التحديات الآنية أمام الولايات المتحدة، والثاني يتحدث في خمسة فصول عن الخيارات الإستراتيجية والفرص المتاحة.

التحديات الآنية
انتهت الحرب الباردة دون ضجة، فلا معركة وقعت ولا محادثات سلام جرت، ولا مواكب للعائدين للوطن. أصبحت الولايات المتحدة القوة العالمية الأبرز عسكريا واقتصاديا وثقافيا، انهار الاتحاد السوفياتي اقتصاديا؛ ودول حلف وارسو الأوروبية اصطفت للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. وبينما كانت الصين مشغولة بالنمو المحلي والاستقرار السياسي؛ كان المسرح السياسي هادئا إلى حد كبير.

كانت فترة ما بعد الحرب الباردة وقتا مشرقا بصورة غير عادية بالنسبة للغرب، رغم مجموعة مشكلات نشأت بغياب الاتحاد السوفياتي مثل الانتشار النووي في كوريا الشمالية وباكستان ثم إيران، والأهوال الإنسانية في البلقان، ورواندا ثم دارفور، وظهور الحركات الجهادية، والمحاولات الغربية الفاشلة لاحتواء صدام حسين بعد حرب الخليج الأولى.

يقول المؤلفون إن مواطني الولايات المتحدة كانوا يستمتعون باللحظة الراهنة وغير منشغلين بالشؤون الخارجية. بينما كان عصرا جديدا يتشكل عبر ظهور التكتلات الجماهيرية والجماعات والأفراد الذين يقودهم الدين، أو القناعات الثقافية والتقنيات التي وفرت مشاركة المعلومات.

ثم حدث التحول من الانتصار الأميركي إلى القلق والشك في الذات خلال يوم واحد، يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001. فهجمات تنظيم القاعدة كانت مفاجأة إستراتيجية استمرت آثارها حتى يومنا الحالي.

بعد الهجمات أدرك الغالبية أن الولايات المتحدة ستضطر للرد على الجناة، ولكن أيا من هؤلاء لم يتوقع أن أميركا ستواجه -بعد ذلك بخمسة عشر عاما- إشكاليات أضخم: تفكك العراق وسوريا، وانتشار "الجهاديين"، وأكبر أزمة عالمية للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.

واشنطن امتلكت الكثير من أسباب القوة التي مكنتها من الصمود، وإن أقوى هذه الأسباب هي قابلية الأمة ومواطنيها للتكيف ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وحيوية وابتكارية القطاع الخاص الذي تراكمت لديه رؤوس الأموال وخبرة عقود طويلة من المنافسة في الأسواق العالمية

كلفت حروب العراق وسوريا الاقتصاد الأميركي ما لا يقل عن 1,8 تريليون دولار من الإنفاق العسكري المباشر من عام 2001 وحتى 2015. ولم ترفع الولايات المتحدة الضرائب لتمويل هذه الصراعات، وستواصل دفع تكاليف فوائد اقتراض الأموال لهذه الحروب.

يؤكد الكتاب أن الجمود السياسي في الكونغرس أدى إلى معركة كلامية حول ما إن كانت البلاد ستتعثر في ديونها لأول مرة في تاريخها؟ ففي عام 2011 خفضت وكالة "ستاندرد أند بورز" التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، ولا يزال منخفضا بسبب ارتفاع مستوى الديون.

وإذا استمرت البلاد في مسارها الحالي فإن بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) يقدِّر أن الإنفاق على استحقاقات الديون قد يصل إلى 73,2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040.

ويقول مؤلفو الكتاب إنه مع اقتراب نهاية فترة ما بعد الحرب الباردة شهد العالم استعادة الأنظمة الاستبدادية الثقةَ في نفسها، بما في ذلك روسيا والصين والمجر والإكوادور وفنزويلا، فضلا عن صعود النزعة القومية الشعبوية في العديد من البلدان بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا.

اصطف الدفاع الصارم ضد القيم الليبرالية مع الجهود الحثيثة من جانب موسكو والصين لتحدي ما تبنيه أميركا من علاقات تحالف وهيمنة عسكرية. فكلتا الحكومتين تعارض بشدة المعايير والقيم العالمية لحقوق الإنسان، وحرية التعبير واستقلال القضاء والحقوق المدنية والمجتمع المدني.

في الفصل الرابع بعنوان الاستفادة من نقاط القوة في الولايات المتحدة والتعامل مع نقاط الضعف؛ يقول الكتاب إن واشنطن امتلكت الكثير من أسباب القوة التي مكنتها من الصمود، وإن أقوى هذه الأسباب هي قابلية الأمة ومواطنيها للتكيف ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وبرغم انتخابات 2016 التي ألقت الضوء على ضعف وفشل أميركا، فإن اقتصاد الولايات المتحدة ما زال قويا في مواجهة المنافسين.

وثاني أسباب القوة في الأمة الأميركية هو حيوية وابتكارية القطاع الخاص الذي تراكمت لديه رؤوس الأموال وخبرة عقود طويلة من المنافسة في الأسواق العالمية. كما يشكل الابتكار في حد ذاته أهم مصدر لقوة الاقتصاد وتنافسية الولايات المتحدة.

في استعراضه لنقاط الضعف يؤكد المؤلفون أن أميركا لديها 16 وكالة استخبارات فدرالية منها وكالة لتوقع المفاجآت، ومع ذلك فكثيرا ما تفاجَأ الولايات المتحدة بالأحداث! وأكثر هذه المفاجآت وضوحا كان دخول روسيا الحرب السورية، وكذلك المفاجأة الكبرى بحدوث الربيع العربي.

لقد كان من أسباب الفشل تركيزُ الاستخبارات على التعاون مع أجهزة دول المنطقة على مكافحة الإرهاب، بدلا من العمل على استقرار أنظمة تلك الدول نفسها.

الخيارات الإستراتيجية
في الجزء الثاني يبدأ الكتاب بمقولة لعميد الدراسات الإستراتيجية البريطانية السير لورانس فريدمان إن "فضاء الإستراتيجية هو التفاوض والإقناع بالإضافة للتهديد والضغط، التأثيرات النفسية مع الآثار المادية، الكلمات مع الأفعال. هذا هو السبب في أن الإستراتيجية هي الفن السياسي المركزي؛ فهو يتعلق بأقصى استفادة من وضع قبل العمل على اقتراح موازنة القوى، إنها فن خلق القوة".

لكن ما الخيارات المتاحة للولايات المتحدة؛ هل تعود أميركا للوطن وتعكف على التجديد الداخلي؟ أم تمارس دورها العالمي كدولة لا غنى عنها بوصفها المؤسس والمحفز للنظام العالمي؟ أم الخيار الثالث أن تصبح أميركا رشيقة سريعة التكيف والتنافس في عالم متغير؟

يبرز الخلل السياسي الداخلي عقبةً كؤود أمام القيادة الأميركية الفعالة للعالم، ولن يمكن وضع سياسة إستراتيجية دولية متماسكة دون تحقيق التوافق الداخلي بين الحزبين الأميركيين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي)، وعلى أساس هذا التوافق وتلك المصالحة يمكن توفير الموارد الكافية لدعم العلاقات والدبلوماسية والدفاعات والتحالفات

في كل هذه الخيارات التي توزعت على فصول ثلاثة، يبرز المؤلفون أهم مكونات اتخاذ القرار ومحدداته، متمثلة في الاقتصاد العالمي وموقف روسيا والصين والشرق الأوسط والقيود والمخاطر المترتبة على اتخاذ الخيار المقترح.

ثم يقدم المؤلفون وصفة لكيفية الاختيار في المقطع الختامي (CODA)، فيحدد المؤلف التحدي أمام زعامة الولايات المتحدة وقيادتها للعالم، وكيف يمكن التغلب على ذلك التحدي باصطفاف الرؤية والقيم والمصالح والموارد لأعظم دولة في العصر الحديث.

في ثنايا الكتاب يبرز الخلل السياسي الداخلي عقبةً كؤود أمام القيادة الأميركية الفعالة للعالم، ولن يمكن وضع سياسة إستراتيجية دولية متماسكة دون تحقيق التوافق الداخلي.

وهذا الأمر يتطلب اتفاقا بين الحزبين الأميركيين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي)، وعلى أساس هذا الاتفاق وتلك المصالحة يمكن توفير الموارد الكافية لدعم العلاقات والدبلوماسية والدفاعات والتحالفات، وأيضا يمكن تعزيز النمو الاقتصادي والأمن القومي، في عالم يرتبط فيه الرفاه المحلي ارتباطا وثيقا بالتطورات العالمية.

ولا يمكن نجاح أي تجاوب فعال مع مشكلة رئيسية سواء كانت صفقة تجارية دولية، أو مشروعا رئيسيا للبنية التحتية، أو نظاما جديدا للتسليح، أو برنامجا للإصلاح الضريبي، في دورة برلمانية لعامين أو فترة رئاسية مدتها أربع سنوات. يجب أن تكون الاتفاقات السياسية القائمة بين الحزبين الرئيسيين دائمة ومجدية ومستمرة.

وفي النهاية؛ يذهب الكتاب إلى أن القوة الأعظم للولايات المتحدة هي قدرتها على الحفاظ على أصدقائها وشركائها في جميع أنحاء العالم وتطوير هذه العلاقات. فلا يوجد منافس آخر لأميركا لديه هذه الميزة، وإن استسلم الأميركيون وأهدروا هذه القوة فسيكون ذلك فشلا إستراتيجياً كارثيا. إن الحفاظ على صداقة وثقة أهم حلفاء أميركا يجب أن يكون محور أي مقاربة إستراتيجية في المستقبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك