عرض/محمود الفطافطة
تؤكد مضامين كتاب "أرض جوفاء.. الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" ما جاء في تقرير منظمة الإسكوا الذي يتهم إسرائيل بتأسيس نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين وتقسيمهم إلى أربع فئات تخضع كل منها لترتيبات قانونية مختلفة.

يؤكد الكتاب أن هذا النظام العنصري يمثل وسيلة لفرض الهيمنة والقمع والتفتيت على الشعب الفلسطيني وأرضه، كما يكشف عن طبيعة هذه الإستراتيجية الإقصائية المُعقدة والمفزعة القائمة في أواخر العصر الكولونيالي الحديث، مع الإشارة إلى أن الكتاب ليس معنيًا بعرض تاريخ شامل للسيطرة الإسرائيلية على امتداد أربعة عقود، ولا برسم لوحة مفصلة لوجودها المكاني الحاضر فحسب، بل يسبر غور البنى المختلفة للاحتلال المناطقي.

-العنوان: أرض جوفاء.. الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي
-تأليف: إيال وايزمان
-ترجمة وتحقيق: باسل وطفه
-الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت-لبنان
-عدد الصفحات: 430 صفحة

-الطبعة: الأولى 2017

تشكل فصول الكتاب ما يمكن اعتباره "سبرا أرشيفيًا"، يخوض في تاريخ وأسلوب عمل الآليات المختلفة التي رسخت، ولا تزال، نظام الاحتلال وممارسات السيطرة. ويبين أن منطق الفصل أو "الأبارتايد" ضمن المناطق الفلسطينية المحتلة فاق منطق التقسيم على المستوى القومي بأشواط، وشكل توليفة تناسب بناء "مستوطنات سلمية" في بعض الأحيان، وترتيبات حكومية بيروقراطية في أحيان أخرى، هدفها إقصاء وتغييب كل ما له علاقة بالإرث التاريخي والمشهد الجغرافي والديمغرافي للفلسطينيين.

جذور الاستحواذ والهيمنة
يقدم الكتاب تحقيقاً في التحول الذي طرأ على المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ويبحث في السبل التي رسخت حضور القوانين الإسرائيلية بصيغها المختلفة في الحيز المكاني، ويحلل التصورات الجغرافية والمناطقية والمدنية والمعمارية، إلى جانب الممارسات التي أقامتها وعززت بنيانها. ومن هذا الباب، يرسم الكتاب صورة عن ماهية الاحتلال الإسرائيلي وجذوره، وتطوره والآليات المختلفة التي يعمل بها.

يكشف المؤلف الدلالات التاريخية والسياسية التي تستنبطها الوسائل الفاضحة للسيطرة الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية. وفي هذا الإطار، يحلل الكاتب مدلولات وأبعاد ونتائج تفاصيل: نموذج المستوطنات، والمعمار المبهم للمنازل، وبناء التحصينات وأساليب الحصار، والآليات المحلية للتحكم بالتداول المالي وضبط السيولة، وتقنيات الخرائط ووسائل المراقبة، والتكتيكات القانونية لضم الأراضي، والأسلحة المتطورة العالية التقنية، ونظريات المناورات العسكرية المعقدة. هذه جميعها تمثل مؤشرات على العقليات السياسية والصراعات المؤسساتية ومستوى الخبرات التي وطَدها الاحتلال الإسرائيلي.

يشير الكتاب إلى أنه رغم أن السيادة السياسية تتمثل تقليدياً في سيطرة الدولة على الحيز الأرضي، فإن المجال الجوي فوق الأراضي الفلسطينية هو الميدان السياسي الأكثر فاعلية والأكثر إثارة للجدل في الوقت الحالي.

ويؤكد وايزمان أنه في سياق جميع المفاوضات السياسية حتى اليوم أصرت إسرائيل على أن أي تنازلات مناطقية تقوم بها على الأرض ستكون مشروطة باحتفاظها بالسيطرة على المجال الجوي فوقها، بحيث إنها تقوم بالمراقبة الجوية فوق الأرض الفلسطينية من دون أن تتعرض للمساءلة.

يتطرق هذا الكتاب إلى مسار الإستراتيجية الإسرائيلية بدءاً من تأثير الأركيولوجيا في التخطيط المديني، وإعادة صياغة مفهوم الدفاع على يد شارون خلال حرب 1973، ثم عبر تخطيط المستوطنات وأشكالها المعمارية، وصولاً إلى الخطاب الإسرائيلي وتنفيذ الحرب المدينية والاغتيالات الموجهة من الجو.

التحجير ووسائل التجريد
وفي هذا الكتاب، يركز الفصل الأول على القدس وعنوانه: "القدس: تحجير المدينة المقدسة"، حيث يبين أنه عقب احتلال المدينة عام 1967 تم وضع خطة شاملة لها، تضمنت رسومات وتعليمات شفهية هدفها ضمان وحدة القدس، وبناء المدينة على نحوٍ يردع أي إمكانية لإعادة تقسيمها.

ويشير إلى أن هذه الخطة أسفرت على مدى أربعين عاماً من الاحتلال عن بناء اثني عشر "حيا" يهودياً متباعداً ومتجانساً مع المناطق المحتلة المتضمنة في المدينة، وقد تم بناؤها بحيث تكمل حزاماً من النسيج المعماري يطوّق الأحياء والقرى الفلسطينية الملحقة بالمدينة ويشطرها نصفين.

يؤكد وايزمان أن التفكير الإسرائيلي في مواقع الأحياء الجديدة وتنسيقها لم ينطو على ابتكار بيئة لمنفعة السكان اليهود فحسب، بل كوسيلةٍ لمنع القدس من أن تؤدي دورها بوصفها مدينة فلسطينية، ولمضاعفة الصعوبات أمام مستقبل الوجود الفلسطيني فيها

ويذكر الكاتب أن المناطق الصناعية أُقيمت خارج الأحياء الجديدة على هوامش المنطقة المحلية بما يُبقي فلسطينيي الضفة الغربية -مورد القوة العاملة الرخيصة و"المطواعة"- بعيداً عن المدينة نفسها. ويوضح أن المقومات الأساسية للتخطيط والعمارة في القدس مثلت تكتيكات ووسائل للتجريد من الملكية، مضيفا "في ظل "الاعتباط" الذي يتسم به نظام الاحتلال الإسرائيلي، لا تخضع حياة المقدسيين وأملاكهم وحقوقهم السياسية إلى عنف مستديم نتيجة أفعال الجيش الإسرائيلي المتكررة فحسب، بل أيضاً نتيجة تضييق الخناق عليهم في سياق عملية إعادة تشكيل مجالهم الحيوي على الدوام، وبصورةٍ لا يمكن التنبؤ بها".

يؤكد وايزمان أن التفكير الإسرائيلي في مواقع الأحياء الجديدة وتنسيقها لم ينطو على ابتكار بيئة لمنفعة السكان اليهود فحسب، بل كوسيلةٍ لمنع القدس من أن تؤدي دورها بوصفها مدينة فلسطينية، ولمضاعفة الصعوبات أمام مستقبل الوجود الفلسطيني فيها.

هذا التفكير تجلى في تحليل وايزمان لعشرات الخرائط والصور للخطط الإسرائيلية التي أحبطت إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة أو قابلة للحياة عمليا. وقد شارك المهندسون والمخططون والسياسيون والجيش الإسرائيلي في وضع سياسات تتعلق بكل صغيرة وكبيرة: شركات الكهرباء، والمجاري، والمياه، والطرق، والتجارة والقيام بتنفيذها بكل الوسائل وإن لزم الأمر عبر سياسات القتل والتهجير.

التعمية والتدمير
يعتبر الكاتب أن الجانب الثقافي أدى دورا إضافياً مهما في عملية الاستعمار الإسرائيلي لهذه المدينة، وتمثل في محاولة "تأهيل" المناطق المحتلة والملحقة، وتعديل مظهرها الغريب، في نظر اليهود الإسرائيليين، إلى موطن مألوف.

ويقول: "إن العمارة قد جسدت لغة بصرية اتُخذت وسيلة للتعمية على حقائق الاحتلال ولدعم مطالب التوسع المناطقي في محاولة لتعزيز السرديات القومية حول الانتماء، بالتوازي مع التضييق على السرديات الأخرى، أو حتى حجبها تماما".

يناقش المؤلف، بإسهاب، نظرية" التدمير المُخطط" من خلال أبرز نموذج في ذلك، وهو قيام الاحتلال الإسرائيلي في العاشر من يونيو/حزيران 1967 بتنفيذ أول عملية تغيير محلي نوعية في المناطق المحتلة، وهي هدم حي المغاربة بأكمله، بحيث قام الجيش بعملية الهدم هذه من دون أمر حكومي مُعلن.

ويبين أنه بعد شهرين من احتلال إسرائيل للقدس أُعلن عن البلدة القديمة برمتها موقعا أثريا يُمنع البناءُ فيه بغرض إجراء المسح الأركيولوجي الذي لم يمثل ذريعة "لعودة" إسرائيلية تحتل الأراضي الفلسطينية فحسب، بل "موطئا" لحق تاريخي أصيل أمكن تطويره إلى نموذج بناء على يد المعماريين الإسرائيليين.

المهمة التي أُلقيت على عاتق المعماريين والمصممين الإسرائيليين ضمن الحدود المحلية للمدينة لم تكن تتلخص في بناء المنازل والعمل على تطوير "النمط القومي" الجديد فحسب، بل الحفاظ على "التوازن السكاني" أيضا

ووفق الكاتب، فهؤلاء الأركيولوجيون التوارتيون الإسرائيليون "عملوا على ليّ عنق التاريخ عبر تهميشهم للمكتشفات في الطبقات الأعلى والأحدث التي تعود إلى العصور الإسلامية والعثمانية خلال عمليات الحفر، وفي المتاحف أيضاً، إذ يعمدون إلى صرف النظر عنها باعتبارها تمثيلات لمراحل تاريخية خاملة، وتُنبذ بذريعة أنها "حديثة للغاية"، أو تُترك نهباً للتحلل والبوار".

الترحيل والقنبلة!
وقد تمثل هذا الفعل (ليّ عنق التاريخ) في استخدام الأركيولوجيا التوراتية لإضفاء الشرعية على الزعم القائل إن العمارة الفلسطينية المحلية يهودية في الأصل، كما سوغت تعريف "الأسرلة" بوصفها ثقافة محلية "أصيلة" استأثر بها الوافدون الفلسطينيون الجدد وشوهوا ملامحها.

ويرى الكتاب أنه في خضم مساعيهم لإرساء المعايير السكانية والجغرافية ضمن الخطط الشاملة، أسهم المخططون والمعماريون في بلدية القدس، إلى جانب العاملين لمصلحتهم، في السياسة القومية القائمة على التهجير القسري؛ الذي يُعتبر جريمة وفقاً للقانون الدولي، ويُشار إليه ضمنا في الدوائر الإسرائيلية على أنه "الترحيل الصامت".

ويوضح أن المهمة التي أُلقيت على عاتق المعماريين والمصممين الإسرائيليين ضمن الحدود المحلية للمدينة لم تكن تتلخص في بناء المنازل والعمل على تطوير "النمط القومي" الجديد فحسب، بل الحفاظ على "التوازن السكاني" أيضاً، الذي كان معدله ضمن الحدود التي أُعيد ترسيمها خلال حرب 1967: ثلاثة أفراد يهود مقابل فرد فلسطيني واحد.

وفي هذا الخصوص، يورد الكاتب ما صرحت به مهندسة المدينة "إلينور بارزاكشي" عام 1993، والتي عكست تصريحاتها ماهية السياسة الحكومية الجارية حينما أوجزت آلية عمل الإدارة المحلية في التعامل مع هذه المشكلة: "هناك قرار حكومي للمحافظة على التناسب بين السكان العرب واليهود في المدينة بما نسبته 28% من العرب و72% من اليهود". وقد شكلت سياسة المحافظة على "التوازن السكاني" دعامة المنطق الكامن وراء كل خطة شاملة جرى تصميمها لتطوير المدينة.

ونظراً إلى عدم تحقيق هذه السياسة النتائج المنشودة، خاصة في ظل رؤية الاحتلال أن معدل النمو السكاني المرتفع للفلسطينيين في القدس يشكل "قنبلة سكانية موقوتة"، سعت السلطات الإسرائيلية إلى اتخاذ خطط عديدة، استلزمت المحافظة على التوازن السكاني عبر "الممكنات الإسكانية" عبر تطبيق واحدة من خطتين سياسيتين أو كلتيهما: تدعم الأولى الإسكان في الأحياء اليهودية، في حين تضع الأخرى قيوداً على التوسع الفلسطيني.

هذه الخطة العملية تجلت نتائجها عبر العديد من القرارات، منها بناء 90 ألف وحدة سكنية لليهود في جميع أجزاء القدس الشرقية منذ عام 1967، في حين تُصدر حوالي 100 رخصة بناء للفلسطينيين في المدينة كل سنة، لتتسبب بالنتيجة في أزمة سكن فلسطينية مع عجز يفوق 25 ألف وحدة سكنية.

طرق من طوابق!

يُمثل كتاب "أرض جوفاء.. الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" أرضية معرفية واسعة تبرهن على مضامين وآليات ومخاطر النظام السياسي والعسكري الذي تنتهجه إسرائيل بوصفها دولة احتلال لأرض الغير
وحسب وايزمان، فإن المخططين الإسرائيليين سعوا إلى تجميع مكانين جغرافيين منفصلين ومتداخلين وفق مبادئ تمنع التقاطع المباشر أو التقاء المستوطنين والفلسطينيين مباشرة. مناطق للمستوطنين في الأعلى منتشرة على التلال المطلة، المنتقاة بعناية والموصولة بطرق حديثة جيدة، ومناطق أخرى للفلسطينيين مزدحمة تتكون من المدن والبلدات والقرى أسفل التلال وفي سفوح الجبال والوديان والمنخفضات.

وفق ذلك، فإن المستوطنات تشكل حواجز بين الفلسطينيين والمقدسيين كذلك في المناطق الجبلية المأهولة من ناحيتي الشرق والغرب، وتجزئتها عبر حركة المرور شرقا باتجاه إسرائيل وغربا وبالعكس وما يلزمها من طرق عريضة محمية من الجيش والمستوطنات المقامة بالقرب منها والمطلة على هذه الطرق التي تتقاطع مع طرق فلسطينية قديمة وأدت إلى إلغائها، مما سينتج عنه عدد من التجمعات الفلسطينية المعزولة حول المدن الكبرى موصول ببعضها عبر إشراف إسرائيلي كامل.

ويعالج الكتاب أيضا مسألة الطراز المعماري للبناء الذي يعزز وجود الاحتلال في القدس، إلى جانب تواطؤ المعماريين في تصميمها. كما يقوم بقراءة لسياسة العمارة الإسرائيلية والمنهج الذي تتضافر وفقه القوى الاجتماعية والاقتصادية والقومية والإستراتيجية في عملية التنظيم، إضافة إلى شكل المنازل وتنميقها والبنية التحتية والمستوطنات.

يشرح الكاتب دور "الهندسة المعمارية" ومساهمتها في وضع بُنى وتركيبة الاحتلال بجزئياته وتفاصيله في القدس، منوها إلى أن المهندسين هم سياسيون وعسكريون وخبراء ونشطاء آخرون وقد ساهموا جميعاً في هندسة الاحتلال.

يُمثل كتاب "أرض جوفاء.. الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" أرضية معرفية واسعة تبرهن على مضامين وآليات ومخاطر النظام السياسي والعسكري الذي تنتهجه إسرائيل بوصفها دولة احتلال لأرض الغير. نظام يقوم على المرتكزات الأساسية للحركة الصهيونية المتمثلة في: الاحتلال، والإلغاء، والإحلال، والعنصرية. هذه المرتكزات جميعها نفذتها إسرائيل ضد المكان والإنسان الفلسطينيين بصورة ممنهجة ودائمة، لعلها تُلغي هذا الشعب من خريطة الحضور والبقاء، لكنها فشلت، وستفشل، لأنها دولة مستعمرة، لا دولة "أصلانية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك