عرض/مرح البقاعي
من الواضح أن الحربين اللتين شنتهما الولايات المتحدة الأميركية على أفغانستان ثم على العراق، على اختلاف الزمن والظروف الدولية، مثلتا الخطيئة السياسية والعسكرية الكبرى في التاريخ الأميركي المعاصر نظرا للنتائج الكارثية التي أسفرت عنهما، والأثمان الغالية التي دُفعت ولاتزال، وكذا إخفاقهما في تحقيق أهدافهما في البلدين على حد سواء.

فلا أفغانستان استعادت الاستقرار والأمن وتخلصت من تكاثر "الحركات المتطرفة" التي تنشر أذرعها في الأرض، ولا العراق بنت دولتها الحديثة الديمقراطية المدنية التعددية، بل حلت الفوضى وانتشر الدمار والإرهاب المنظم الذي انتهى بسيطرة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) على ثلث أرض العراق.

ومن نافلة القول أيضا أن الحربين الخاسرتين بكل المقاييس قد شكلتا لدى الحكومات الأميركية المتعاقبة من جهة، ولدى الضمير الشعبي الأميركي من جهة أخرى، عقدة تاريخية لم تجد طريقها إلى التشافي حتى الآن، رغم مرور سنوات طويلة على تينك الحربين اللتين ساهمتا في تدمير وموت وتهجير ملايين الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة. وبطبيعة الحال كانت الخسائر البشرية فادحة من الجهتين ودفعت أميركا ثمنا باهظا من مخزونها البشري والعسكري.


-العنوان: اختبار المرآة.. أميركا في حربها على العراق وأفغانستان
-المؤلف: جيه كايل ويستن
-الناشر: راندوم هاوس
-عدد الصفحات: 626
-تاريخ النشر: مايو/أيار 2016

أسئلة الحروب
كاتب هذا الكتاب (الشهادة) جيه كايل ويستن، هو موظف بالخارجية الأميركية وموفدها إلى العراق وأفغانستان، حيث قضى سبع سنوات يعمل لصالح الوزارة في مواقع على خطوط المواجهات الحربية الأكثر خطورة. وعندما عاد إلى الولايات المتحدة بدأ فورا بالقيام بجولات على زملائه في الحرب متنقّلا بين الولايات لزيارة الجرحى من ضحايا الحربين، وكذا تقديم التعازي لأسر وعائلات القتلى.

وكان كلما تعرف على مأساة جديدة من مآسي أولئك المصابين كلما تعمقت لديه الأسئلة التي يعجز عن إيجاد إجابات لها مثل: متى تنتهي هذه الحروب التي لم تؤت ثمارها بل كان حصادها شوكا وموتا وخرابا؟ وكيف يمكن مراجعة أحداثها وإحياء ذكراها الأليمة؟ والأهم من ذلك كله، ما هي الدروس التي سنتعلمها من هذه الحروب الضارية التي قتلت وشرّدت وشوّهت النفوس والأجساد بلا طائل، وهل ستساهم هذه الدروس في تجنب التهور الأميركي في المستقبل في مغامرات عسكرية مشابهة؟

قد لا تجد هذه الأسئلة الجوهرية والمعقدة في آن واحد طريقا للإجابة عنها في الوقت الراهن كما يفيد ويستن في كتابه، إلا أنها تكشف المسكوت عنه وتسجّل العبر والأرقام التي تنبئ عن حجم الخسارة البشرية الباهظة التي دفعها الأفراد الذين كانوا وقودا لها، وزجوا في أتونها في غفلة من الزمن ومن صانعي هذه الحروب دون أن يساعد من زجهم بها في إيجاد المخارج لهم من تلك الحرائق التي أكلت الأخضر واليابس دون رحمة أو هوادة.

وهؤلاء الأفراد هم مدنيون وعسكريون في آن، وكلا الطرفين هم ضحايا هذه الحروب التي عاش ويستن في محرقتها، وتلظى بنارها طوال فترة خدمته على أرضي المعركة في أفغانستان والعراق كمسؤول في وزارة الخارجية الأميركية تم اختياره للخدمة هناك.

انعكاس الوجه على مرآة الحرب
يأتي الإطار العام لهذا الكتاب مباشرة من عنوانه الذي يتحدث عن مرآة تستخدم في الاختبار! والمرآة المستخدمة هنا كعنوان للكتاب إنما تشير إلى المرآة التي يقدمها الطبيب الجراح لمرضاه من ضحايا الحرب بعد معالجة الإصابات في الوجه التي غالبا ما تنتج عن انفجار أو شظايا تصيب الرأس.

video

هناك لحظة مفصلية خلال الاستشفاء يضطر فيها هؤلاء المصابون إلى حمل تلك المرآة والنظر إلى ملامح وجوههم الجديدة بعد الجراحة الترميمية التي أخضعوا لها نتيجة الإصابة في الوجه. تلك اللحظة الحاسمة في حياتهم وحياة أهليهم وأحبتهم إنما تشكّل قلب هذا الألم والإحباط والقهر الذي خرجوا به من حربهم العبثية والذي سيلازمهم طول العمر. إنها لحظة المواجهة مع عالم جديد لهم وقدر بشع رسمه هواة الحروب لهم ولم يكن لهم فيه الإرادة المطلقة كما يقول كتاب "اختبار المرآة".

فضمن نسيج معقد من صدى الصواريخ والانفجارات ومشاهد الموت والذعر والقصص الحزينة لعراقيين وأفغان وأميركيين أيضا، يقوم الكاتب بتوسيع الانعكاس للوجه المدمّر على المرآة إلى صورة أشمل على سطحها الفضي اللامع، وهي انعكاس صورة الأمة الأميركية في العالم ودورها الذي يصاب باهتزاز كبير بين المجتمعات وراسمي السياسات الدولية، حيث تنعدم الثقة بالقرار الأميركي، أو ينخفض معدلها إلى مستويات قياسية في أفضل الأحوال لم تعرفها أميركا منذ الحرب العالمية الثانية.

وهناك انعكاس آخر على مرآة الاختبار تلك كما يشير ويستن وهو صورة الشعب الأميركي وموقفه من تلك الحروب والخسارات المادية والبشرية والعسكرية بين مواطنيه، وكيف يرى موقعه من كل هذه الأحداث التي جعلت الدم هو اللون الطاغي على سطح تلك المرآة، وبالتالي على مستقبله في حياته الداخلية وكذا مستقبل الدولة الأميركية في علاقاتها الخارجية مع العالم.

يأخذ الكاتب بيدنا خطوة خطوة ليقدم لنا مشاهد وحوارات ابتداء من ولايته كاليفورنيا، وانتقالا بنا إلى الفلوجة في العراق، ثم خوست وهلمند في أفغانستان، وليعود بنا إلى المقابر في تكساس. ويتابع ويستن زياراته وحواراته الميدانية في نيويورك وواشنطن ودالاس حيث يلتقي بجنرالات وأعضاء مجلس الشيوخ وسفراء ومستشارين سياسيين في البيت الأبيض ممن كان لهم دور أو قرار أو رأي في الحرب، ليسافر بنا من جديد للقاء سائقي الشاحنات العراقية، ومسؤولي مجالس المدن المحليين، والأئمة والملالي، ومعلمي المدارس الأفغانية، وطلاب الجامعات، ومقاتلي طالبان السابقين، والمعتقلين في سجن غوانتانامو الذين تم الإفراج عنهم، وضحايا التعذيب، والعسكر الأميركي من القوات الخاصة ومشاة البحرية.

هكذا يوثق لنا كتاب "اختبار المرآة" سبع سنوات من مشاهدات مستشار سياسي في وزارة الخارجية الأميركية من أرض المعركة الأكثر دموية وسخونة في العالم في العراق وأفغانستان، ويروي لنا حواراته مع كل أطياف الذين دخلوا غمار هذه التجربة البشعة في التاريخ الحديث والتي مازال العالم يدفع ثمنها غاليا كل يوم وقد يكون المستقبل أشد ظلامية نتيجة لهذه الحروب وما خرج منها من أشكال ومظاهر منظمة للعنف والإرهاب الدولي العابر للحدود كما يشير ويستن.

video

كما يتحدث الكاتب عن المعضلة السياسية التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية، وعقدة الذنب التي أصيب بها الضمير الجمعي الأميركي وخصوصا الشعبي وليس الرسمي منه، حين يروا انعكاس الدماء على هذه المرآة وقد حفرت التحولات الدولية التي كانت نتيجة حتمية لهذه الحروب خدوشا في الملامح الأميركية قد يصعب إجراء أية عملية ترميمة ناجحة لها!

مشهد دموي موصول
يرفع هذا الكتاب الستار عن الإشكاليات والمأزق الحقيقي للحربين الأميركية في أفغانستان والعراق باعتبارها "الحرب الخطأ" في العراق كما يطلق عليها ويستن في كتابه، و"المحقّة" في الحرب المتروكة في أفغانستان. وهو يتحدث بدقّة عن الانفصال التام الذي يصل إلى درجة الجهل بمعاناة من تأثروا بهذه الحرب من الأميركيين، وبين من هم خارج دائرتها ولم يتأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بعواقبها.

وقد يكون من الصعب على قارئ هذا الكتاب التوثيقي، من قلب الحدث وبصوت اللاعبين الرئيسيين فيه، أن يتخيّل مدى غضب وإحباط الكاتب مما يدور حوله؛ فهو الشاهد على النتائج الكارثية لهذه الحرب التي كانت وليدة حالة هي مزيج من التغافل والغطرسة اللتين وضعتا إستراتيجية جهنمية للقتل والتدمير وصياغة الموت لمئات الألوف من العراقيين والأفغان، وكذا لآلاف من الأميركيين الذين شاركوا في تلك الحرب الشعواء.

الكتاب هو عبارة عن مشهد دموي موصول من أحد المعامل في الفلوجة العراقية الذي أصيب بصاروخ في العام 2004 وصورة أشلاء الأجساد البريئة المتناثرة يقوم بجمعها فريق من مشرحة قوات المشاة الأميركية، إلى مشهد طفل أفغاني جريح ومشوّه الوجه يرقد في مشفى هلمند في أفغانستان ممددا إلى جانب جريح آخر من قوات المارينز الأميركية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك