الجزيرة نت/خاص
منذ أشهر عديدة والإعلام الأميركي والمراقبون ينتظرون صدور كتاب "سقوط السماء" للكاتب آندرو سكوت كوبر المتخصص بتاريخ العلاقات الأميركية الإيرانية، الذي يتناول المرحلة الأخيرة من حكم شاه إيران محمد بهلوي.

ورغم أن الكتاب يحتوي كما هائلا من المعلومات الفريدة والموثقة والتي استقاها الكاتب من مقابلات أجراها مع شخصيات كانت في مركز الحدث، فإن أكثر ما أثار الفضول حوله هو التفاصيل التي يكشفها حول اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا عام 1978.

وقد تحدث الكاتب إلى شخصيات عديدة ذات ثقل ووزن مثل زوجة الشاه فرح ديبا والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر والسفير الأميركي في طهران أيام الشاه ويليام سوليفان، بالإضافة إلى شخصيات إيرانية وعربية وأميركية ممن كانوا على اطلاع أو اضطلعوا بأدوار معينة في الفترة التي شهدت ضمور سلطة الشاه ومن ثم عودة الخميني من منفاه الباريسي إلى إيران وإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979.

-العنوان: سقوط السماء
-
المؤلف: آندرو سكوت كوبر
-
عدد الصفحات: 587
-
الناشر: هنري هولت وشركاؤه المحدودة
-
الطبعة: الأولى، 2016

ورغم أن الموضوع الرئيسي للكتاب هو إيران والشاه والانتقال إلى عهد الثورة الإسلامية، فإنه يقدم كذلك الصورة الواسعة لأوضاع المنطقة العربية المحاذية لإيران ولمحات من الساحة السياسية العالمية في تلك الفترة بما يتناسب والسياق العام للكتاب. وتدل التفاصيل الدقيقة التي يوردها الكتاب والتي تتضمن نصوص اتصالات ورسائل بين مسئولين على أعلى المستويات، أن الكاتب بذل جهدا كبيرا في الغوص في أعماق التفاصيل المتصلة بموضوع الكتاب.

ويخصص كوبر حيزا كبيرا للصراع بين الشاه والخميني في السنوات التي سبقت عودته إلى إيران، والتنسيق العالي المستوى الذي كان بين الشاه وبين من سماهم الكتاب "العلماء المعتدلين" في الحوزة العلمية في مدينة قم، والذين كانوا يعارضون توجهات الخميني لإقامة دولة دينية على أساس ولاية الفقيه.

وفي هذا السياق يورد الكتاب تفاصيل تعود إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي وبالتحديد في لبنان حيث أسس موسى الصدر حركة أمل وميليشياتها، وبروزه كشخصية يحسب لها حساب في تلك الفترة.

ورغم أن الخميني كان في مرحلة من المراحل يعتبر الصدر أحد رجاله وتربطه به رابطة نسب، فإن الصدر لم يكن من أنصار مبدأ ولاية الفقيه، الأمر الذي أقلق الخميني وابنه أحمد الذي يعرف بتشدده.

وبحسب الكتاب، فإن الصدر تواصل مع الشاه وعرض عليه المساعدة في تهدئة البركان الذي كان يغلي في إيران في أيام الشاه الأخيرة، وبعد تشاور الشاه مع علماء الحوزة في قم، استقر الرأي على إجراء مفاوضات بين الشاه والصدر أساسها أن يتولى الأخير رئاسة الوزراء في إيران ليقود عملية مضادة تمتص المد الخميني في إيران وتحتويه.

برزت نظريات وفرضيات كثيرة حول اختفاء موسى الصدر، إلا أن كتاب "سقوط السماء" يضيف بعدا آخر للقضية، وهو أن الخميني سعى بشكل غير مباشر للتخلص من الصدر الذي كان عقبة في طريقه

ومن ضمن ما عرض الصدر على الشاه أن يتفاوض مع الخميني الذي اشتد عود أنصاره وبدأوا في إثارة القلاقل في الداخل الإيراني. تم الاتفاق على أن يلتقي الصدر بأحد مساعدي الخميني محمد بهشتي في ليبيا، وطار الصدر بالفعل إلى ليبيا في أواخر أغسطس/آب 1978 رغم تحذيرات عديدة تلقاها من شخصيات عربية مثل العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال. وقد صدقت المخاوف واختفى الصدر عن الأنظار ولم يعرف مصيره بعد زيارته ليبيا.

برزت نظريات وفرضيات كثيرة حول اختفاء موسى الصدر، وكان أقواها وأكثرها انتشارا هو قيام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي باعتقال الصدر وإعدامه، إلا أن كتاب "سقوط السماء" يضيف بعدا آخر للقضية، وهو أن الخميني سعى بشكل غير مباشر للتخلص من الصدر الذي كان عقبة في طريقه.

يقول كوبر إن الاتفاق قضى أن يلتقي الصدر بممثل الخميني بهشتي في ليبيا، إلا أن الأخير لم يصل إليها أبدا، وبدلا من ذلك اتصل بالقذافي وأقنعه أن الصدر عميل غربي وأن ذلك هو السبب الحقيقي لاختفاء الأموال الليبية التي دفعت له لمقاومة الإسرائيليين في جنوب لبنان. وبما أن القذافي كان حانقا على الصدر على خلفية قضية مقاومة الإسرائيليين، فقد أتت وسوسات بهشتي لتصب الزيت على النار وتثبت التهمة على الصدر.

وطبقا للكتاب فإن الخميني بهذه الطريقة قد نجح في إزاحة واحدة من أهم العقبات التي كانت تعترض خطته للعودة إلى إيران وتأسيس نظام ديني يكون هو على رأسه وبيده مفاتيح الحل والربط مشفوعة بولاية الفقيه الذي يعتبر "المرشد الأعلى" بمثابة حلقة وصل بين السماء والأرض.

ينقل كوبر عن قاني أن الأجوبة التي حصل عليها أكدت أن الصدر قتل بأوامر من القذافي، وأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أخبره أن جثة الصدر وضعت في صندوق اسمنتي ورميت من طائرة مروحية في البحر المتوسط

ورغم أن المعلومات الواردة في الكتاب كانت قد أثارت فضول وترقب الإعلام والمراقبين في الولايات المتحدة منذ شهور عديدة بانتظار صدور الكتاب الثلاثاء الماضي، فإنها ليست المرة الأولى التي يكشف فيها النقاب عنها؛ فقد سبق أن وردت في كتاب "الجاسوس الصالح" الذي صدر عام 2014 وهو عبارة عن سيرة ومذكرات روبرت آميس رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الأميركية في العاصمة اللبنانية بيروت، والذي قتل في انفجار السفارة الأميركية ببيروت عام 1983.

وطبقا لمذكرات آميس، فإن الصدر قد شوهد في صالة مغادرة كبار الزوار في مطار طرابلس في 31 أغسطس/آب 1978، إلا أنه ومرافقيه اقتيدوا بصورة مهينة في سيارة يبدو أنها للأمن الليبي ولم يغادروا المطار. وتقول المذكرات إن بهشتي اتصل بالقذافي وطلب منه تأخير مغادرة الصدر، ووصفه بالعميل للغرب.

وبالعودة إلى كتاب كوبر "سقوط السماء" فإن الشاه قد أرسل علي قاني أحد أصدقاء الصدر وحلقة الوصل بينهما إلى عدد من الدول العربية لاستقصاء مصير الصدر. وينقل كوبر عن قاني الذي جاوز الثمانين من العمر الآن، أن الأجوبة التي حصل عليها أكدت أن الصدر قتل بأوامر من القذافي، وأن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أخبره أن جثة الصدر وضعت في صندوق اسمنتي ورميت من طائرة مروحية في البحر المتوسط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك