عرض/نبيل شبيب
أول من قال "الإسلام جزء من ألمانيا ومن أوروبا" وزير الداخلية الألماني الأسبق ووزير المالية حاليا فولفجانج شويبلي، وذلك في عام ٢٠٠٦ مع افتتاح "مؤتمر الإسلام في ألمانيا"، أي بعد ١٥ عاما من مقولة وزير الدفاع الأميركي ريتشارد تشيني في حينه "الإسلام عدو بديل".

ولكن تُنسب العبارة عموما إلى الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف وقد ذكرها في الاحتفال الرسمي بيوم الوحدة الألمانية ٣/ ١٠/ ٢٠١٠، وواجه معارضة واسعة، وعادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مطلع عام ٢٠١٥ إلى تبنّي هذه العبارة بصيغة مشابهة أثناء الجدل الدائر حول فتح الأبواب أمام "اللاجئين السوريين" المشردين عن بلادهم، وأثناء ازدياد انتشار المخاوف إزاء الإسلام ووجوده في الغرب وقد أصبحت محور دعوات اليمين المتطرف وأنشطته.

الكاتب ومحور الدراسة
في هذه الأجواء يأتي نزول هذا الكتاب في موعده إلى المكتبات الألمانية؛ إذ يعتبر في عنوانه أن واقع تعدد الديانات في ألمانيا لا يمثل مشكلة بل تحديا، وليس هذا بسيطا عندما يكون الكاتب هو الأستاذ الجامعي دكتور هانس ماركوس هايمان، أحد الخبراء المتخصصين في القانون الذي يحكم العلاقات الداخلية في ألمانيا، ويشغل موقع مستشار للحكومة الألمانية في شؤون المسلمين، لا سيما تدريس الدين الإسلامي في المدارس رسميا.

-العنوان: ألمانيا كدولة متعددة الأديان – تحدي
-المؤلف: أ. د. هانس ماركوس هايمان
-الناشر: س. فيشر (
S. Fischer)
-عدد الصفحات: ٢٥٨ صفحة
-الطبعة الأولى: فرانكفورت، ٢٠١٦

وهو ما سبق للكاتب أن طرح رؤيته بصدده في كتاب سابق من عام ٢٠١١ بعنوان "تدريس الدين الإسلامي والاندماج"، وكلمة الاندماج هي المحور، ويربط الكاتب تحقيقه عبر ضمان الحقوق الفردية والسلم الاجتماعي باستصدار التشريعات القانونية التي تراعي أن ألمانيا الاتحادية أصبحت دولة متعددة الأديان واقعيا، ويركز محتوى هذا الكتاب على الجانب الدستوري والقانوني، ويشمل خمسة أبواب، في ٢٥٨ صفحة، منها ٢١ صفحة للملحقات والهوامش وبعض النصوص القانونية.

نظرا إلى غلبة الجانب التخصصي الدستوري والقانوني الدستوري على المحتوى، يركز هذ العرض على دوافع المؤلف والأسس الدستورية التي يراها أرضية ضرورية للتعامل مع التنوع الديني، وعلى ما يطرحه الكاتب بصدد "العلاقة بين الدولة والدين" دستوريا، ثم أطروحاته الاستشرافية في الخاتمة، مع الاكتفاء بالإشارة إلى تفاصيل تخصصية تتناول "البعد القانوني الأساسي" وكلمة القانون الأساسي هي المعتمدة في تسمية دستور البلاد، ثم "البعد التاريخي: المنشأ الحقوقي الكنسي للقانون الديني" الذي ميز "مرحلة انتقالية" تلاءمت مع معطيات الانتماءات الدينية عند نشأة الدولة، وهو ما يعتبره الكاتب منطلقا لضرورة التعامل حاليا مع "التعددية الدينية".

المفهوم الدستوري لدور الدولة في الشأن الديني
ردا على أطروحات اليمين المتشدد بشأن التناقض بين الإسلام والدستور الألماني، يؤكد الكاتب عدم دستورية مطالبة المسلم في ألمانيا بإعلان التزام مطلق بالدستور شرطا لحقه في ممارساته الدينية الإسلامية، ولا يعني ذلك إعفاءه من التزام القوانين، بل يعني تثبيت وجوب حماية العقيدة الدينية دستوريا بغض النظر عن وجود أطروحات عقدية تتناقض مع الدستور نفسه.

وينسجم هذا مع معطيات بداية التعامل مع الكنيسة من منطلق دستوري. أما المعطيات الجديدة فتبين هبوط نسبة أتباع كل من الكنيستين الكبيرتين، الكاثوليكية والبروتستانتية، إلى أقل من ٣٠% من السكان، وأتباع سواهما إلى زهاء ٣%، ومن المرجح أن تهبط نسبة أتباع الكنيستين إلى أقل من النصف مع حلول عام ٢٠٢٥ ، مع ازدياد تعداد من لا ينتمون إلى دين بعينه، وهم حاليا في حدود ٣٣%، أما المسلمون فتتراوح التقديرات بشأنهم حاليا ما بين ٢.٧ و٧ في المائة، والزيادة مطردة.

ردا على أطروحات اليمين المتشدد بشأن التناقض بين الإسلام والدستور الألماني، يؤكد الكاتب عدم دستورية مطالبة المسلم في ألمانيا بإعلان التزام مطلق بالدستور شرطا لحقه في ممارساته الدينية الإسلامية، ولا يعني ذلك إعفاءه من التزام القوانين

الدستور يكفل حرية العقيدة ويكلف الدولة بتشريع الإطار العام للتعامل مع "واقع" الانتماءات الدينية للسكان، ويوجب ازدياد تنوعها حاليا تلبية هذا التحدي وفق الحق الأساسي لحرية العقيدة. ويرى المؤلف أنّ "العامل الحاسم لحل ما يطرأ من مسائل وتوترات هو وجود نظام تشريعي للدين يعطي أجوبة تجد القبول من جانب المجتمع".

بين مقتضيات الدستور وقيمة التسامح في المجتمع
يضبط الدستور "العلاقة بين الدولة والدين"، وتوجد إضافات مستمدة من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، ولكن صياغة الأنظمة الأوروبية استبقت القسط الأكبر من المسؤولية عن تلك العلاقة في نطاق صلاحيات الدولة وتجنبت المركزية الملزمة. هذه العلاقة تأخذ صيغتها التطبيقية ضمن محددات كبرى:

- الحيادية: وهي المقصود دستوريا من الفصل بين الدولة والدين، ومثال ذلك أن تتجنب الدولة إظهار رمز ديني من جانبها في مؤسسة تتبع لها، كما كان في حظر الصلبان في صفوف المدارس الرسمية، وإن كان رمز ديانة غالبية التلاميذ في تلك الصفوف.

- العلمانية: هي ما يكمل عنصر الحيادية، والدستور يحظر مبادرة الدولة بنفسها إلى إبراز رمز ديني، وفق المثال السابق، ولكنها تحمل واجب دعم "الجانب الديني" لمواطنيها مثلما تحمل واجب دعم أي نشاط يعبر عن الحقوق الأساسية الأخرى للمواطن، فليس من حق الدولة دستوريا أن تحظر على أحد التعبير عن نفسه دينيا في مدرسة رسمية، وهذا ما يسري مثلا على حجاب تلميذة مسلمة فيها.

- المساواة النسبية: يستدعي التزام الحيادية وواجب الدعم تطبيق مبدأ "المساواة مع مراعاة النسب العددية"، وهنا لا يصح تعليل الدعم الرسمي من جانب الدولة بمضمون ديني تطرحه الجهة المدعومة، بل يجب أن يُستمد من الدستور، وهنا تُعتبر المساواة المفروضة دستوريا نسبية، فيراعى في الدعم مثلا تفاوت أعداد أتباع الأديان المتعددة، أو يراعى مثلا آخر مفعول العامل التاريخي كما يُذكر عادة بشأن ارتفاع نسبة الدعم لأتباع الديانة اليهودية التي لا يصل عدد أتباعها إلى واحد بالألف من السكان.

- استثناءات من الحيادية: أبرز هذه الاستثناءات القائمة واقعيا ما يعتبر إرثا دستوريا من حقبة ما يسمى "جمهورية فايمار" قبل العهد النازي، وكانت حقبة "انتقالية" باتجاه "فصل الدولة عن الدين" دستوريا، فبقيت أحكام دستورية استثنائية سارية المفعول، أعطت الكنيسة موقع "صفة تعاونية اجتماعية" مع ميزات ضرائبية، ومن الاستثناءات وجود مدارس "كنسية" إلى جانب الرسمية التابعة للدولة، وكذلك حماية أيام العطل الرسمية وعطلة يوم الأحد، وجميع ذلك مصدر للتعامل مع المعطيات الجديدة.

تحظر الكنيسة على المرأة مناصب كنسية معينة، وهو ما يتعارض دستوريا مع مبدأ المساواة بين الجنسين، ولكن غياب التسامح هنا يجعل احتجاجات المجتمع الألماني لا تعترض على ذلك، ولكن تعترض على إمام مسجد يخطب فيشرح للمصلين لماذا يحظر الإسلام على المرأة العمل في ميادين معينة

فيرى المؤلف مثلا أن الدستور يعطي الدولة حقا سياسيا بإعلان الحماية لأيام عطلة وفق الانتماءات الدينية الأخرى مع مراعاة مبدأ المساواة النسبية، والحقوق الأساسية الأخرى كحق العمل، ويعني ذلك تطبيقيا الاعتراف بالعطلة الدينية لأقلية دينية دون اعتبارها عطلة رسمية لعموم السكان. ولكن هذه المعطيات المضمونة دستوريا تواجه عائقا تطبيقيا وهو أن تجد التشريعات القانونية قبولا عاما من جانب المجتمع كما ورد آنفا، لحفظ السلم الاجتماعي.

- التسامح: يكمل هذا العنصر وظيفة المحددات المذكورة لعلاقة الدولة بالدين، لكنه ليس واحدا منها إذ لا يمثل "معيارا دستوريا" لصياغة التشريعات، لا سيما أن تطبيقه في السلوك البشري تحت عناوين "التقدير" و"الاحترام" وما شابهها، ينطوي ضمنيا على اعتقاد ذاتي بأن ما لدى الآخر "غير مقبول" في الأصل ولكن ينبغي احترامه.

من هنا ينتقد الكاتب وصف الدستور بأنه "منظومة قيمية"، فلا يصح أن يُنسب التسامح له، والواقع أن تعامل الدولة مع الانتماءات الدينية بحيادية لا يحتمل استثناءات سوى "تقدير" الدولة لنفسها أن الدستور يخوّلها بالاستثناء، وغالبا ما يوصف ذلك بعبارة "الحفاظ على النظام الديمقراطي الدستوري"، ولكن هنا تنشأ المشكلات في مساحات التماس بين حق أساسي وآخر، فتلعب درجة وجود التسامح في المجتمع -وليس في الدولة- دورها بغض النظر عن الأرضية الدستورية.

ومثال ذلك أن الكنيسة تحظر على المرأة مناصب كنسية معينة تبيحها للرجل، وهو ما يتعارض دستوريا مع مبدأ المساواة بين الجنسين، ولكن غياب التسامح هنا يجعل احتجاجات المجتمع الألماني -بما في ذلك من يشغل مناصب سياسية- لا تعترض على ذلك، ولكن تعترض على إمام مسجد يخطب فيشرح للمصلين لماذا يحظر الإسلام على المرأة العمل في ميادين معينة.

قبول المفهوم الدستوري لحرية المعتقد شرط السلم الاجتماعي
يتفاءل الكاتب متوقعا مراعاة معطيات التنوع الديني المتزايد وتطبيق المحددات الدستورية من جانب الدولة، المكلفة أيضا بالحفاظ على السلم الاجتماعي، وسيشمل ذلك التطبيق حق المساواة في كفالة حرية العقيدة الدينية للجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا توجد "حرية مطلقة" ولا "مساواة ناجزة". لا بد إذن من قدر معين من تقييد الحريات أو خرق محدود لمبدأ المساواة مع تعليل ذلك دستوريا من منطلق الحيادية تجاه الأديان.

المرجع الأخير في تثبيت ذلك هو "المحكمة الدستورية العليا"، وهذا ما يعطي -وسط مناقشة مستفيضة في المجتمع- ضمان تصحيح أخطاء يمكن أن ترتكبها السلطة التنفيذية أو المحاكم العامة دون الدستورية.
ولا يتحقق السلم الاجتماعي في هذا الإطار دون أن يتقبل الفرد أن الدولة غير مخولة بتصرف استثنائي استجابة لأطروحات انتماء ديني بعينه، وإنما في إطار حيادها دستوريا تجاه الأديان، وهذا ما تعنيه عبارة "النظام الأساسي الديمقراطي الحر" دستوريا.

قبول الدستور يعني القبول بحرية العقيدة -وكذلك التصورات العامة- ويعني ذلك القبول بها وإن تعارض بعض مضامينها مع ما يأخذ مكانة المقبول والمنتشر أكثر من سواه في المجتمع، ويسري ذلك على سريان مفعول حرية تصورات قد تتعارض مع الدستور نفسه ما دامت لا تنعكس في ممارسات غير قانونية، تستدعي إيقاع العقوبة دستوريا، فليس تبني رؤية غير دستورية محظورا إنما الممارسات.

مقابل ذلك يرى الكاتب أن تحقيق هدف الاندماج مع ضمان حرية العقيدة يتطلب القبول من جانب الوافدين حديثا بمعطيات وتصورات دينية "تقليدية جدا" -حسب تعبير المؤلف- وتتضمن ما لا يتفق مع الصيغة الدستورية لحرية العقيدة كما يعرضها هذا الكتاب على خلفية ازدياد التنوع الديني في ألمانيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك