عرض/المسلمي الكباشي

على مساحة ورقية قاربت الأربعمائة صفحة، حاول المؤلف الدكتور الأمين عبد الرزاق آدم، قراءة حساب الربح والخسارة في علاقة الصين بأفريقيا، وهي علاقة ضاربة في أعماق التاريخ، ولكن عقودها الثلاثة الأخيرة بدت فيها أفريقيا كمرجل من تفاعلات وتقاطعات المصالح تدور في مختلف أقطارها.

وبدت صلتها بالعالم خارجها، وخاصة مع التكتلات الكبرى الغنية (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، الصين) تشبه حالة التدافع الاستعماري على مدى قرنين سبقا النصف الأخير من القرن العشرين، حين بدأت قبضة الاستعمار ترتخي ثم تتهاوى في شكلها العنيف، لتتهيأ لدورة جديدة من شكله اللطيف.

يغطي هذا الكتاب علاقات القارة السمراء بالصين منذ العام 1950 وحتى 2010، وقد بدا -على أهمية وكثافة ما به من معلومات عن كثير من دول القارة- مضطربا ومختل التوازن في استعراض أحوال دول أخرى استعصت فيها المعلومات، وضنت بها المصادر.

-العنوان: الصين في أفريقيا.. حسابات الربح والخسارة
-المؤلف: الأمين عبد الرازق آدم
-الطبعة: الأولى
-عدد الصفحات: 370
-دار النشر: شركة مطابع السودان للعملة المحدودة

ولهذا تركزت المناقشة المفصلة على ثلاث عشرة دولة من أصل ثمان وأربعين دولة، يرفرف في سمائها العلم ومعه مظاهر الوجود الصيني ثقافة وتجارة وعلاقات منافع متبادلة، ولكن الدول التي حظيت بنقاش تفصيلي تمثل العشرة الأولى منها 78% من إجمالي التجارة مع الصين. كما تستقبل العشرة ذاتها 93% من إجمالي صادرات الصين إلى القارة. وهذه الدول هي: مصر، السودان، أثيوبيا، جنوب أفريقيا، نيجيريا، أنغولا، كينيا، تشاد، الغابون، زيمبابوي، أريتريا، غانا.

ورغم شح المؤلفات -حسب الكاتب- حول الموضوع وخاصة في المنطقة العربية والأفريقية؛ فإن الكتاب قدم إفادات هامة، ومناقشات معمقة لموضوع يشكل عنصرا أساسيا في مسير ومصير هذه القارة الإستراتيجي في بعده التنموي داخل أقطارها، وفي دورها في علاقات القوى وتوازنها في المصاف الدولي. وقد نجح المؤلف إلى حد كبير في استخلاص بعض ما يمكن تسميته قوانين وأساليب ومناهج الصراع في هذه القارة من العالم.

وقد استفاد الكاتب من موقعه الآن حيث يعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة أفريقيا العالمية، متخصصا في الشأن الأفريقي الذي ألف عنه أربعة كتب، تخصصت في منطقة القرن الأفريقي، وموقعه السابق حيث عمل لعشر سنوات ضابطا في جهاز الأمن والمخابرات السوداني. استفاد من كل ذلك في توظيف خبرات قدمت الموضوع بحجم أهميته، وفتحت طريقا طويلا في بحث ملح لهذه العلاقة.

ومهما يكن من شمولية تناول الكاتب لمختلف عناصر العلاقة بين الصين وأفريقيا في بعدها الثقافي والسياسي والاقتصادي إلا أن تركيزه في أكثر من 70% من الكتاب كان على صراع المصالح الاقتصادية كأولوية قصوى للقوى المتداخلة فيه، وإن اختلفت الأساليب وطرائق التعاطي.

سمات الاقتصاد الأفريقي
تشير التقارير -حسب ما ورد في الكتاب- إلى أن أفريقيا تعاني أكبر نسبة للفقر في العالم، إذ يعاني 47% من سكانها من الفقر، ونسبة الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية تصل 30%، وتصل البطالة إلى 70% من القوى العاملة في جنوب الصحراء، وتجاوزت ديون القارة حاجز الـ400 مليار دولار.

ومع تصاعد المشكلات الاجتماعية، وتدهور معدلات النمو الاقتصادي تضاءلت قدرة الدول الأفريقية على مواجهة التزام خدمات الديون، فاستمر تراكم المتأخرات حتى أصبحت أزمة الدين هاجسا دوليا، وبلغت نسبة خدمة الديون 35 إلى 60% من الناتج المحلي الاجمالي.

ويعاني الاقتصاد الأفريقي من التبعية بارتباط سياساته بسياسات الدول المتطورة التي كانت تستعمر القارة في الماضي القريب، بما يخضع اقتصاديات القارة لمتطلبات نمو الدول المتطورة. وبهذا فقد دخلت القارة من غير مشيئة منها في شبكة النظام الاقتصادي والمالي العالمي الذي تمسك به العواصم الأوربية والأميركية وبعض الآسيوية مجتمعة ومتفرقة.

هذه هي صورة الواقع، ولكن دوافع الصراع في أفريقيا ليست حول الواقع البائس، وإنما حول الممكن الزاهر.. فالقارة تعتبر من أغنى قارات العالم من حيث حجم الموارد الطبيعة، والمواد الخام الثمينة، وتتوفر على 10% من الاحتياطات العالمية من النفط، و8% من احتياطات الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى أنها تنتج 80% من بلاتين العالم، وأكثر من 40% من ماسه، و 20% من الذهب والكوبالت.

video

كما تتسم السوق الأفريقية باتساع لاستقبال المنتجات، إذ يبلغ حجمها 900 مليون نسمة، ما يجعلها هدفا تتسمر نحوه أنظار الباحثين عن فرص التسويق الكبير، مع ضعف قطاعاتها الإنتاجية وخاصة الصناعية والخدماتية على منافسة الوافدين من خارجه.

اختلاف أساليب
وتواجه الجهود الصينية في أفريقيا بمنافسة شرسة من الاتحاد الأوربي وخاصة من بريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى أميركا.. ورغم الخبرة التاريخية لمنافسي الصين في أفريقيا بالجغرافيا الطبيعية وبالسياسة والتاريخ هناك، فإن الكسب في معترك المصالح بين الفرقاء أصبح بقوة الأسلوب وفاعليته، وقد انتهج الغرب أسلوبا يجمع بين الاعتراك -بخبرة- في المجال الاقتصادي، ممزوجا بالنشاط السياسي والعسكري الفعال، حيث المساعدات العسكرية والتدخلات الحربية، وتسويق السلاح الأميركي، إلى أن بلغ الأمر حد إنشاء القيادة العسكرية الأميركي (أفر يكوم) في العام 2007.

كما أصبحت القارة إحدى أهم مسارح الصراع في مواجهة تنظيم القاعدة بعد الحادي عشر من سبتمبر، ومع ذلك وتابعا له أوروبيا مواجهة جماعة بوكو حرام، وغير ذلك من التطورات التي بلغت حد النزاع الأميركي الأوروبي في حلبة أفريقيا، وقد انضافت للعنصر العسكري محددات أخرى للعلاقة بأفريقيا يدخل ضمنها ضمان أمن إسرائيل، ومشروعات الإصلاح السياسي القائم على الديمقراطية والتعددية، وحرية السوق والحريات الفردية وحقوق الإنسان.

أما الصين فلم تُصدع رؤوس الرؤساء الأفارقة بمطالب الحريات وحقوق الإنسان وغيرها مما يحتفي به الغرب، حيث ركز أسلوبها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وقد عبر زوونيونج نائب وزير الخارجية الصيني عن المبدأ الصيني في التعاطي مع الأفارقة بقوله إن التعامل مع أفريقيا يتعلق بالجوانب العملية، فالتجارة تجارة ولن تتدخل الصين في الشؤون الداخلية، حيث تحاول الفصل بين السياسة والتجارة، مع التأييد المتبادل والتنسيق داخل المنظمات متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة لتأييد المطالب العادلة للطرف الآخر، والتأكيد على مبدأ الصين الواحدة في مواجهة الصين الوطنية (تايوان) التي تتخذ منها الولايات المتحدة ورقة توازن بها النفوذ الصيني المتمدد في دوائر ومواقع مختلفة.

ومع أن الصين في أفريقيا لا تواجه تحالفا بين المكونات الغربية الكبرى، ولكن ضعف الاهتمام الصيني بحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد، مثل منطلقا أميركا في انتقاد النموذج الصيني في أفريقيا الذي يراه الغرب اهتماما بالمصالح الاقتصادية على حساب كرامة وحقوق الشعوب التي لا تأبه لها الصين.

ويدلل الغربيون بتعاون الصين -من المنظور الغربي- مع نظم دكتاتورية وقمعية مثل زيمبابوي والسودان ما أفشل جهود نشر الديموقراطية، حيث تقدم الصين لهذه الدول قروضا ميسرة وإعفاء من الديون، مع تزويد بالسلاح واستثمارات تمكن هذه الأنظمة من المواجهة، ومقاومة رياح التغيير، بالإضافة إلى أن الفائض المالي الناتج عن علاقات الصين بهذه الأنظمة لا يتجه إلى رفاه الشعب، وإنما لاستجلاب مزيد من السلاح لاستدامة الاستبداد.

ولكن الصين ترد على وجهة النظر هذه بأن سياسات الإقراض يجب ألا تكون مرتبطة باعتبارات السياسة من ناحية، ومن ناحية أخرى فأنها تعمل بقوة على تعزيز الاستقرار واحترام حقوق الإنسان في أفريقيا بطرق أخرى أهمها التنمية، ثم إن تغيير الأنظمة هو مسؤولية شعوب تلك الدول وليست مسؤولية الصين.

مواجهة من داخل القارة
ورغم أن الكتاب تناول العلاقات بين الدول وليست الجماعات فإن مواجهة الصين في أفريقيا لا تأتيها فقط من قبل خصومها المتنافسين معها على موارد القارة وأسواقها، بل من داخل القارة وخاصة جمعيات المجتمع المدني المرتبطة بالغرب، والتي تشاركه شكوكه في تشجيع الصين على استمرار أنظمة الاستبداد. ولكنها تضيف أن نمط الإغراق السلعي الذي تتدفق به الصين تجاه الأسواق الأفريقية يسبب مشكلات أخرى لضعف نوعية تلك السلع ورداءة صناعتها، وهو ما قد يحيل القارة إلى مكب للنفايات الصينية، خلافا لرؤية الصين التي تراه يناسب القوى الشرائية الضعيفة للشرائح الاجتماعية الأفريقية.

تستخدم الصين أدوات ناعمة لكسب قلوب الأفارقة وتنشيط التعاون التجاري معهم (وكالة الأنباء الأوروبية)

كما أن النقد يتزايد أفريقيا في وجه النموذج الصيني لعدم سعيه لتوطين التكنولوجيا في أفريقيا، بما يسهم في تنمية ذاتية ترتقي بالقارة إلى مصاف المنتجين، وإنما يبقيها في موقع التلقي والاستهلاك. وهناك اتهامات بأن المواد الخام التي تستوردها الصين من القارة الأفريقية وتعيدها سلعا إلى أسواقها، مثل الأقطان والأخشاب تضعف إمكانية قيام تنمية صناعية في أفريقيا مع نمط الإنتاج الصيني رخيص التكلفة.

قلق ومخاوف
وقد استخدمت الصين مجموعة من أدوات القوة الناعمة للتغلغل في أفريقيا غير تبادل المنافع الاقتصادية، حيث تزداد أعداد الطلاب الأفارقة الذين يتلقون العلم في الصين، وتنتشر معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في المدن الأفريقية مع إقبال كبير عليها، وترتفع لافتات مصانع ومشافي الصداقة، ولكن كثيرا من المسؤولين والأكاديميين الأفارقة يتساءلون بقلق، هل تستمر الصين بذات أدواتها لتوسيع تغلغلها الاقتصادي والتنموي والدبلوماسي في أفريقيا، أم أنها ستضطر -من أجل حماية مصالحها للأساليب العسكرية والأمنية، التي ستحيلها من دولة صديقة تقدم دعمها من دون شروط إلى دولة استعمارية لا تختلف عن غيرها من الدول الأوروبية الاستعمارية سابقا وأميركا راعية النظام العالمي الجديد؟!

والحال أنه طالما قدمت الصين نفسها باعتبارها دولة نامية تشترك مع الأفارقة في تجربة الاستعمار وقسوة العلاقة الظالمة مع الغرب.

تساؤلات
بالرغم من ما ناقش الكتاب من معلومات غنية حول هذه العلاقة المعقدة بين الصين وأفريقيا، وما أثاره من نقاش في دوائر أكاديمية وسياسية عديدة، فإن الكاتب انتهى بأسئلة كبيرة، من قبيل مدى قدرة الواقع الأفريقي على الاستفادة من الفرص التي تقدمها الصين؟ وما هو تأثير هذه العلاقة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي على العلاقات الدولية؟ وهل يمكن أن تصبح العلاقة مع الصين طريق الدول الأفريقية للحاق بركب التقدم، أم أن الأمر لا يعدو كونه استغلالا لموارد القارة الكبيرة دون أن تغادر حفرة تخلفها؟

وهل تسعى الصين لإغراق الأسواق الأفريقية بالسلع الصينية الرديئة الصناعة، الرخيصة الثمن، وإضعاف قواها العاملة باستقدام العمالة الصينية لتسد موقع الأفريقية في المشروعات التي تستثمر فيها الصين، أم أن الصين تسد حاجة الأفارقة بما يناسب حاجاتهم وقواهم الشرائية وتسعى لتدريب قواهم العاملة في اتجاه تطوير ورفع قدراتها؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات