عرض/عثمان كباشي
حين يكتب البروفيسور فواز جرجس عن تنظيم الدولة الإسلامية، تاريخه وملابسات ظهوره في مشهد تطورات العالم العربي والإسلامي، ثم صعوده حتى يصبح الهم الأول لصناع السياسة في العالم، يكون التوقع بأن المحصلة ستكون جد مختلفة عن كثير من الكتابات التي تناولت هذا التنظيم الظاهرة، بيد أن معظمها لم يغادر محطة التناول السطحي لها متجنبا الغوص في أعماقها.

يسعى الكتاب الذي نعرضه في هذه السطور -والصادر مؤخرا باللغة الإنجليزية عن جامعة برينستون الأميركية الشهيرة- إلى الإجابة عن الكثير من الأسئلة عن هذا التنظيم الذي استطاع أن يلفت إليه الأنظار من خلال قوته العسكرية التي تمظهرت في سيطرته على أراض واسعة في سوريا والعراق، ثم نجاحاته في تجنيد العديد من الشباب الذين ينخرطون يوميا تقريبا في صفوفه.

يبحث كتاب "تنظيم الدولة الإسلامية.. لمحة تاريخية" عن تفسيرات لصعود هذا التنظيم على مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وما يعنيه ذلك لمستقبلها. ويسلط البروفيسور فواز جرجس -وهو من أبرز الخبراء العالميين في مجال الإسلام السياسي والحركات الجهادية- المزيد من الضوء على التنظيم من خلال إجاباته على العديد من الأسئلة المتعلقة بظهوره وتمدده، ويقدم إجابات عميقة تتجاوز التناول الصحفي السطحي اليومي لظاهرة تنظيم الدولة.

-العنوان: تنظيم الدولة الإسلامية.. لمحة تاريخية
-المؤلف: فواز جرجس
-عدد الصفحات: 368
-الناشر: جامعة برينستون الأميركية
تاريخ النشر: مارس/آذار 2016

من وراء ظهور التنظيم؟
يصف الكتاب السياق العام الذي ظهر فيه التنظيم وهو سياق يتسم -حسب المؤلف- بحالة من الفوضى سادت في العراق في أعقاب الغزو الأميركي لهذا البلد في العام 2003. ويوضح المؤلف أن التنظيم وجد ما يقويه في مخرجات عمليات القمع التي طالت مفجري ثورات الربيع العربي، ثم في تطورات الحرب في سوريا.

ويتناول المؤلف في كتابه أيضا الظروف التي تمكن فيها التنظيم من السيطرة على زعامة الحركة الجهادية من تنظيم القاعدة. قائلا إن التنظيم أعلن أن أبرز أهدافه هي إحياء الخلافة وتخليص "أرض الإسلام" من الشيعة والأقليات الأخرى. وبحسب المؤلف فإنه وعلى النقيض من تنظيم القاعدة فقد ركز تنظيم الدولة في البداية على ما سماه "العدو الأدنى" وقصد بذلك الشيعة، النظامين العراقي والسوري، ثم الدول العلمانية الموالية للغرب في منطقة الشرق الأوسط.

بيد أن التنظيم، أعلن مؤخرا -فيما يصفه المؤلف بالتحول التكتيكي- عن مسؤوليته عن العديدات من الهجمات الكبرى التي وقعت في أوروبا وأماكن أخرى خارج الشرق الأوسط. وهو تحول في أهداف التنظيم، يرى المؤلف أنه يوضح بشكل لا لبس فيه بأنه مهتم أيضا بـ "العدو الأقصى".

وفي نهاية المطاف فإن كتاب البروفيسور جرجس يخلص إلى أن ما شهدته المنطقة خلال عقود من الحكم الديكتاتوري والذي صاحبه انتشار للفقر واتساع لدائرته، ثم تفش للطائفية، إضافة إلى التدخل الأجنبي فيها، وكلها أسباب ساهمت في ظهور تنظيم الدولة وصعوده على مسرح الأحداث.
ويرى المؤلف أن التصدي لتلك الأسباب ومعالجتها هو السبيل الوحيد الذي يضمن اختفاء هذا التنظيم من مشهد الأحداث في المنطقة.

فصول الكتاب
ثمة أسئلة كثيرة عن تنظيم الدولة، من شاكلة من هؤلاء، من أين جاءوا، هل هم صنيعة أميركية، هل ثمة علاقة بينهم وبين حزب البعث العراقي. وقد نجد الإجابة في ثنايا فصول هذا الكتاب الثمانية والتي جاء بعضها أيضا على هيئة أسئلة.

يخلص البروفيسور جرجس إلى أن ما شهدته المنطقة خلال عقود من الحكم الديكتاتوري وما صاحبه من انتشار للفقر واتساع لدائرته، ثم تفش للطائفية، إضافة إلى التدخل الأجنبي، تمثل أسبابا ساهمت بشكل أو بآخر في ظهور تنظيم الدولة وصعوده على مسرح الأحداث

يتناول الفصل الأول وهو بعنوان "العالم كما يراه تنظيم الدولة" العديد من الموضوعات مثل أبرز منظري التنظيم، وكذا البيانات الثلاث (مانفيستو) التي اعتمد عليها التنظيم كموجهات مثل كتاب "إدارة التوحش" الذي ظهر باسم مؤلفه أبو بكر الناجي، ثم "مقدمة إلى فقه الجهاد" لأبي عبد الله المهاجر، ثم كتاب سيد إمام الشريف أو الدكتور فضل، أو عبد القادر بن عبد العزيز "العمدة في إعداد العدة".

وفي الفصل الثاني وعنوانه "من أين جاء تنظيم الدولة.. من الزرقاوي إلى البغدادي" يركز المؤلف على السياق الذي ظهر فيه التنظيم ويشير تحديدا إلى الظروف التي أعقبت احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، فبحسب المؤلف لم يعرف العراق قبل هذا التاريخ أي وجود للسلفية الجهادية في أراضيه، كما كان الحال في مصر أو الجزائر أو ليبيا.

وفي هذا الفصل يشير المؤلف إلى أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لم يغامر بأي علاقة مع السلفية الجهادية، ويستشهد بتصريحات للرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما عام 2015 عزا فيها ظهور التنظيم إلى قرار سلفه جورج بوش بغزو العراق عام 2003.

في الفصل الثالث "تنظيم الدولة.. الحياة من بين ركام السياسة العراقية" يتطرق المؤلف إلى الظروف التي ساهمت في تقوية التنظيم حتى وصل إلى احتلال الموصل ثاني أكبر مدن العراق. وبحسب المؤلف فإن هذا التنظيم لم يسقط من السماء ولم يخرج من القبور، بل كان نتيجة منطقية للتطورات الاجتماعية والسياسية التي سادت في منطقة الهلال الخصيب، وخاصة في أعقاب الغزو الأميركي للعراق.

كما يتطرق المؤلف في هذا الفصل أيضا إلى ما أسماه الفشل الذي لازم المؤسسة السياسية في العراق ما بعد عهد صدام حسين، وعلى وجه الخصوص النزعة التسلطية التي لازمت عهد رئيس الوزراء نوري المالكي من عام 2010 وما بعد. وبحسب المؤلف فإن تلك الظروف التي أقصت قطاعا كبيرا من سكان العراق من المكون السني ساهمت في تهيئة الظروف لتمكين تنظيم الدولة.

ويذكر المؤلف من تلك الفوضى ما جرى من الجنرال مهدي الفراوي قائد عمليات الجيش العراقي في نينوى، الجلاد المقرب من المالكي والذي كان ذات يوم ملاحقا من قبل الجيش الأميركي بسبب الفظاعات التي تتهمه منظمات حقوق الإنسان مثل هيومان رايتس ووتش بارتكابها، كتعذيب وقتل مئات المعتقلين السنة، بل وبيع بعضهم إلى الميليشيات الشيعية.

ظهور البغدادي
في الفصل الرابع من الكتاب يتناول المؤلف بالتفصيل الظروف التي شكلت شخصية زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي ابتداء من مولده ونشأته في أسرة من الطبقة المتوسطة وحتى إعلان نفسه قائدا للدولة الإسلامية وخليفة للمسلمين. ويقول المؤلف إن البغدادي المولود في سامراء عام 1971 لم يكن معروفا قبل صعوده إلى الواجهة عام 2010.

وبحسب المؤلف فإن نقطة التحول في حياة البغدادي وتوجهه نحو "التطرف" جاءت في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهو ما حدث لآلاف العراقيين السنة الذين اعتبروا أن الولايات المتحدة قدمت العراق في طبق من ذهب إلى الشيعة وراعيتهم إيران. و يرى المؤلف أن شخصية البغدادي يحيط بها الغموض في كل تفاصيل حياتها.

في الفصل الخامس "البعثيون وتنظيم الدولة.. من جند من؟" يشير المؤلف إلى أن البغدادي عمد إلى ما يمكن تسميته "عرقنة" التنظيم بعد أن أوقفت سوريا تدفق المقاتلين الأجانب الذين اعتمد عليهم سلفه الزرقاوي.

في الفصل السابع (سرقة انتفاضة الربيع العربي) ينفي المؤلف وجود علاقة بين القاعدة وأخواتها من التنظيمات الإسلامية الأخرى وبين انتفاضة الربيع العربي، حيث كانت تلك الثورات في تونس ومصر وليبيا وسوريا انتفاضات شعبية ضد الأنظمة الظالمة ولم تكن تستند إلى أيديولوجيا معينة

ووفق المؤلف فإن عملية اللجوء إلى المكون العراقي في بناء التنظيم مكنت أعدادا من ضباط وجنود الجيش العراقي السابقين من الالتحاق به، حيث لعبوا دورا كبيرا في نقل التنظيم من جماعة عادية إلى جيش مؤهل ومدرب.

وبحسب المؤلف فإن الخبرة العسكرية التي وفرها وجود ضباط وجنود الجيش والشرطة السابقين إلى جانب وجود مقاتلي القاعدة السابقين، مكنت التنظيم من أن يصبح قوة ضاربة. ويورد المؤلف أن ضباط الجيش والشرطة العراقية السابقين شكلوا ما نسبته 30% من القيادات العسكرية للتنظيم.

ويرى المؤلف أن الحديث عن علاقة البغدادي بالبعثيين جاء في معظمه من تسريبات غير مؤكدة، وأن الفرضية التي تقول إن تنظيم الدولة عبارة عن واجهة للضباط العراقيين البعثيين وبالرغم من احتوائها على جزء من الحقيقة، فإنها مضللة واختزالية، وتتجاهل الظروف الموضوعية في العراق وسوريا التي ساهمت في بروز التنظيم.

الحرب في سوريا
في الفصل السادس يتناول المؤلف تأثير الحرب في سوريا على تطور وتمكين التنظيم، فقد ساهمت الحرب السورية -وفق المؤلف- في تقوية التنظيم، كما فعلت فوضى النظام السياسي في العراق ما بعد الغزو الأميركي، خاصة السياسات الإقصائية التي اتبعها المالكي بحق السكان السنة.

ويسرد المؤلف في هذا الفصل الظروف والتطورات المختلفة في سوريا في أعقاب الثورة الشعبية عام 2011، ويشرح كيف مكنت التنظيم من أن يثبت أقدامه هناك وخاصة بروز جبهة النصرة.

وفي الفصل السابع (سرقة انتفاضة الربيع العربي) ينفي المؤلف وجود علاقة بين القاعدة وأخواتها من التنظيمات الإسلامية الأخرى وبين انتفاضة الربيع العربي، حيث كانت تلك الثورات في تونس ومصر وليبيا وسوريا انتفاضات شعبية ضد الأنظمة الظالمة ولم تكن تستند إلى أيديولوجيا معينة.

وخصص المؤلف الفصل الثامن والأخير إلى توضيح وتحليل الظروف السياسية والاجتماعية والأسباب التي مكنت تنظيم الدولة الإسلامية من النهوض من حالة شبه الانهيار التي كان عليها عند مغادرة الجنود الأميركيين للعراق في عام 2011.

ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن مستقبل تنظيم الدولة، ويرى أن التنظيم هو أحد ثمرات ظروف الفوضى السياسية والاجتماعية في المنطقة، وأن الطريقة الأسلم لسحب البساط من تحت قدميه تقوم بشكل أساسي على مدى قدرة المجتمعات العربية والقوى الإقليمية والدولية على إيجاد حلول للصراعات التي تشهدها المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك