خاص/الجزيرة نت
يتناول الكاتب مايكل في هايدن في كتابه "اللعب على التخوم" تجربته في الوكالات الاستخبارية الأميركية حيث خدم رئيسا لوكالة الأمن القومي والمخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي).

وقد اختار هايدن عنوان الكتاب في إشارة إلى نشاطات وكالة الأمن القومي وما شابهها في التنصت على المواطنين داخل وخارج الولايات المتحدة بدون الحصول على إذن قضائي، حيث كانت أعمال التجسس تبرر بتفسيرات قانونية متطرفة تستنفد الجانب التنفيذي لأحكام القانون لأقصى درجة، معتبرا أن المؤسسات الاستخبارية الأميركية كانت تذهب إلى أبعد حد في استغلال القانون وغالبا ما تصل إلى النقطة الحرجة التي تفصل القانون المدني عن قانون الغاب.

شغل هايدن منصب رئيس وكالة الأمن القومي الأميركية بين عامي 1999-2005، وكان على رأس منصبه عند حدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، التي خصص لها حيزا كبيرا من الكتاب ما بين استذكار أحداث ذلك اليوم وبين تبعات تلك الهجمات على العقيدة الاستخبارية والعسكرية للولايات المتحدة.

-العنوان: اللعب حول النقطة الحرجة
-المؤلف: مايكل في هايدن
-عدد الصفحات: 437
-الناشر: دار نشر بنغوين
-الطبعة: الأولى، 2016

ورغم أن هذه الوكالة أصبحت منتصف عام 2013 حديث العالم برمته بعد أن كشف المتعاقد السابق معها إدوارد سنودن تجسسها على المواطنين وقادة الدول بشكل مفرط، فإن الكاتب يكشف أن نشاطات هذه الوكالة في التجسس على الاتصالات سبقت الحرب على الإرهاب التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

تأسست وكالة الأمن القومي بأمر من الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان عام 1952، لأغراض التجسس الإلكتروني ورصد الاتصالات إبان الحرب الباردة مع المعسكر الشرقي، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في ديسمبر/كانون الأول 1991، بدأت التساؤلات تثار في الولايات المتحدة وأوروبا حول جدوى بقاء هذه المؤسسة.

وفي عام 1997، أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأربعة أعوام، أجاز البرلمان الأوروبي تقرير "إيشلون" الذي اعتبر أن وكالة الأمن القومي الأميركي بالتعاون مع شركائها الأنغلوساكسون (الدول الناطقة باللغة الإنجليزية - الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلاندا) قادرة على اعتراض كل مكالمة هاتفية ورسالة بريد إلكتروني وفاكس في أوروبا، وأن الأميركيين يقومون بسرقة بيانات الشركات الأوروبية وتسريبها للمنافسين.

ويسرد هايدن في كتابه ذكريات تعيينه رئيسا لوكالة الأمن القومي ويصفها بأنها "كنز قومي" من المعلومات، لأنها تأسست أصلا لرصد اتصالات الأعداء والخصوم وفعلت ذلك لعقود طويلة وتجمعت لديها كميات هائلة من المعلومات، إلا أنه يعترف بأن التجسس لم يكن مقتصرا على الخصوم بل يتعداه إلى أطراف أخرى ليست في الجانب المعادي للولايات المتحدة.

يعطي الكتاب صورة مفصلة عن حالة النهم المَرَضي للحصول على المعلومات من كل مكان وبأي طريقة كانت، الأمر الذي أوقع الوكالة في مطبات عديدة وأكسبتها سمعة غير طيبة على الصعيد العالمي، حيث تورطت في محاولات للتجسس على وكالات استخبارية في دول حليفة كبريطانيا

ويعلل هايدن تلك السياسة بأن غير الأميركيين لا يشملهم التعديل الرابع للدستور الأميركي الذي يضمن الحقوق والحريات المدنية للأميركيين، إلا أنه من جهة أخرى يعترف بأن المخاوف من تنصت الوكالة على الأميركيين كانت موجودة داخل الولايات المتحدة ومنذ سنوات سبقت الحرب على الإرهاب وقانون المواطنة الذي سنه بوش بعيد هجمات سبتمبر والذي أعطى الوكالات الاستخبارية الضوء الأخضر للتجسس على اتصالات الأميركيين.

ويعطي الكتاب صورة مفصلة عن حالة النهم المَرَضي للحصول على المعلومات من كل مكان وبأي طريقة كانت، الأمر الذي أوقع الوكالة في مطبات عديدة وأكسبتها سمعة غير طيبة على الصعيد العالمي، حيث تورطت في محاولات للتجسس على وكالات استخبارية في دول حليفة مثل نظيرتها البريطانية، والتي وصفها هايدن بأنها كانت "أقرب حلفاء وكالة الأمن القومي وأفضل أصدقائها".

ولكن من جهة أخرى، يقدم الكتاب صورة قاتمة عن الوكالة حتى منتصف العقد الماضي من حيث القدرة على مواكبة التطورات التقنية، ويسرد بالتفصيل المصاعب التقنية التي واجهتها الوكالة رغم نجاحها في تخزين كنوز من المعلومات. ويبين الكتاب أن أشد الصعوبات التي واجهت الوكالة في هذا الجانب هو عدم قدرتها في مواكبة التطورات في أساليب الاتصالات التي كانت يتبعها تنظيم القاعدة.

ويشرح الكتاب الجهود التي قام بها هايدن لسد الفجوة التقنية واللحاق بالتطبيقات التي بدأت الأجهزة والمجموعات المسلحة على حد سواء باستخدامها، ثم دافع بشدة عن الإجراءات التي اتخذتها الوكالة بالتنصت على الاتصالات الشخصية للأميركيين واستخدم التبرير الذي طالما استخدمته الأجهزة الاستخبارية وإدارة الرئيس السابق جورج بوش، وهو أن أجهزة التجسس ليست مهتمة باتصالات أي شخص إلا إذا كان على اتصال بأعداء الولايات المتحدة بشكل متكرر.

وقد استطاعت الوكالة اللحاق بما فاتها، وأصبحت تستخدم تقنيات حديثة يقول الكتاب أنها كانت عنصرا أساسيا في تغذية الطائرات بدون طيار بالمواقع التي تصدر عنها مكالمات الأشخاص المطلوبين، وبالتالي استهدافهم بشكل مباشر.

لا يدافع هايدن عن التنصت فحسب بل إنه يبرر أساليب التعذيب والخنق بالماء التي استخدمت في العديد من المواقع من قبل الجيش الأميركي، وفي هذا الصدد يعلق الكاتب مارك بودين على آراء هايدن قائلا: إن دفاع المسؤولين الأميركيين عن الأساليب العنيفة في استجواب المشتبه بهم قد فتحت الباب واسعا للساديين ليعيثوا فسادا

ورغم أن التنصت المكثف للوكالة لعب دورا حاسما في عدد من عمليات اغتيال زعماء التنظيمات التي تعتبرها واشنطن معادية لها، وبالذات عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن ومن ثم تعقب مساعديه أثناء عملية إعادة انتشارهم بعد الاغتيال بحسب الكتاب، فإن ذلك لم يشفع للوكالة في تنصتها على اتصالات الأميركيين التي كشفها سنودن بعد هروبه من الولايات المتحدة.

ويثير الكتاب موضوع الاعتراضات على التنصت واعتراض العديد من وسائل الإعلام عليها خاصة صحيفة نيويورك تايمز، إلا أن المؤلف الذي يعتبر من صقور إدارة بوش السابقة، يدافع ويبرر بشكل واضح إجراءات الوكالات الأميركية ويعتبرها عنصرا جوهريا في منع تكرار هجمات على غرار هجمات سبتمبر.

ولا يدافع هايدن عن التنصت فحسب بل إنه يبرر أساليب التعذيب والخنق بالماء التي استخدمت في العديد من المواقع من قبل الجيش الأميركي، وفي هذا الصدد يقول الكاتب مارك بودين في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز حول آراء هايدن، إن دفاع المسؤولين الأميركيين عن الأساليب العنيفة في استجواب المشتبه بهم قد فتحت الباب واسعا للساديين ليعيثوا فسادا، وكان من نتائجها فضيحة سجن أبي غريب في العراق الذي يعتبر "أكبر انتكاسة للجهود الأميركية في العراق".

وسجل بودين اعتراضه على ما جاء في كتاب "اللعب حول النقطة الحرجة" وقال إن الفترة الماضية شهدت تقليصا لدور البرامج التي يدافع عنها هايدن ولم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم على غرار ومستوى هجمات سبتمبر، ولكن من جهة أخرى نتجت عن تلك الممارسات وصمة عار دائمة في جبين الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك