عرض/مرح البقاعي
هذا الكتاب اللافت الذي أصدره الكولونيل المتقاعد من الجيش الأميركي، أندرو جيه باسيفيتش، والذي هو اليوم في قمة لائحة صحيفة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعا، هو بمجمله إعادة تقييم شاملة لسياسة الجيش الأميركي في الشرق الأوسط خلال العقود الأربعين الأخيرة.

والكولونيل أندرو باسيفيتش هو من القادة العسكريين الأميركيين الأكثر وثوقا والأعلى مصداقية واحتراما في البلاد. إنه يحاول في كتابه التحليلي والتوثيقي في آن أن يقدم صورة صادقة وواضحة عن دور المؤسسة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى العام 1980، لم يقتل أي جندي أميركي أثناء أداء خدمته في الشرق الأوسط الكبير، بينما منذ العام 1990 -على وجه التقريب- لم يقتل أي من الجنود الأميركيين أثناء تأدية خدمتهم العسكرية في أي مكان آخر من العالم، فكيف يمكن تحليل هذه المقاربة من وجهة نظر الكاتب؟

حروب مفتوحة

-العنوان: حرب أميركا من أجل الشرق الأوسط الكبير
-المؤلف: أندرو جيه باسيفيتش
-الناشر: راندوم هاوس
-تاريخ النشر: 2016
-عدد الصفحات: 480

يقول الكولونيل باسيفيتش في كتابه الذي نعرضه اليوم، إنه حدث في العام 1980 انتقال نوعي في السياسات الخارجية والعسكرية للولايات المتحدة الأميركية؛ وقد استدعى ذلك الانتقال تحولا كبيرا في أرقام الخسائر الأميركية على المستويين السياسي والعسكري أيضا، والأهم على المستوى البشري. فمنذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، باشرت الولايات المتحدة حربا جديدة لما دعته "النزاع على الشرق الأوسط الكبير"، وهو النزاع الذي لا يزال مستعرا وبأشرس صوره حتى يومنا هذا.

فبينما كانت الحرب الباردة وما فرضته من مواجهة سياسية بين البلدين الكبيرين روسيا والولايات المتحدة، تتجلى بشكل عمليات قتالية محدودة (مناوشات) بين الحين والآخر وعلى نطاق محدود ومتفرق بين الخصمين، أتت الحرب الأميركية الجديدة لتسجّل لأعمال حربية متواصلة وهجمات عدوانية لا تنقطع؛ فمن البلقان وشرق أفريقيا إلى الخليج العربي وآسيا الوسطى انتشرت القوات الأميركية في حملات عسكرية على امتداد دول العالم الإسلامي.

حققت تلك الحملات قدرا ضئيلا جدا من غاياتها بينما لم تفلح مساعي السلام التي تلتها في تحقيق الأمن والاستقرار في معظم أرجاء المنطقة، بل على العكس تماما أنتجت تلك الحملات غير المدروسة، والارتجالية إلى حد العبثية في بعض الأحيان، مصطلحات سياسية جديدة أرخت بظلالها القاتمة على المنطقة بأسرها مثل "حرب دائمة" و "حرب مفتوحة"، حتى غدت جزءا من الخطاب اليومي المتداول في الشارع المتهالك تحت وطأة تلك العمليات القتالية في بقع ساخنة متفرقة.

من فييتنام إلى الأوسط الكبير
وبطريقة غير مسبوقة لمؤرخ للحروب الأميركية الحديثة يقوم باسيفيتش بربط الخيوط بين أحداث مفصلية في المنطقة شكلت محطات كارثية في خسائر الجيش الأميركي في الأرواح والمنعة والسمعة أيضا. فالكاتب يجد خيطا قويا رابطا ببن تفجيرات مقر البحرية الأميركية في بيروت العام 1983، وبين معركة مقديشو في العام 1993، وغزو العراق في العام 2003، وأخيرا وليس آخرا ظهور داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في العراق ثم في سوريا وانتشارها بعد ذلك.

بطريقة غير مسبوقة يربط المؤلف خيوطا بين أحداث مفصلية في المنطقة شكلت محطات كارثية في خسائر الجيش الأميركي في الأرواح والمنعة والسمعة، حيث يجد خيطا قويا رابطا ببن تفجيرات مقر البحرية الأميركية في بيروت 1983، وبين معركة مقديشو في العام 1993، وغزو العراق في العام 2003، وأخيرا  ظهور داعش

ويرى باسيفيتش أن تقدير الخسائر الهائلة التي تكلفتها أميركا، والإجهاد الكبير الذي لحق بمؤسسة الجيش الأميركي، يتطلب النظر إلى هذه الوقائع المتفرقة على أنها تفصيل في حرب لها عنوان واحد، كما يتطلب الأمر أيضا تحديد الأخطاء في القرارات التي اتخذها القادة السياسيون وعدد من كبار القادة العسكريين من أصحاب القرار، وكذا تحديد مسؤوليات الطرفين عن هذه الحالة التي وصل إليه الموقف الأميركي الخارجي على المستويين السياسي والعسكري، وكم ستتأثر الولايات المتحدة على المدى البعيد من تلك القرارات التي اتخذت بتهور تارة وبعدم استطلاع بليغ تارة أخرى.

فالكولونيل باسيفيتش المخضرم في الخدمة العسكرية على مدى عشرين عاما، والذي خدم في حرب فييتنام ويدرك تماما ويلات الحروب، يحلل هذا الانخراط الأميركي غير المدروس في المنطقة الأكثر اضطرابا في العالم من أجل أن يرسم بنفسه مشهدا أكثر واقعية ومنطقية لمشروع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير.

من وثائق البنتاغون
في كتابنا "حرب أميركا من أجل الشرق الأوسط الكبير" الذي يغطي العديد من الفترات الرئاسية للرؤساء الأميركيين ابتداء بالرئيس جيمي كارتر وانتهاء إلى الأشهر الأخيرة من عهد باراك أوباما، يحاول باسيفيتش الإجابة على سؤالين رئيسين: الأول، لماذا لم نربح هذه الحرب التي نحن من وضع خريطتها السياسية، والثاني، لماذا نستمر في الحرب وفي دفع خسائرها بعد أن اكتشفنا عدم قدرتنا على كسب معاركها؟

إنها باختصار فكرة إعادة ترتيب العالم التي تستحوذ على بعض صانعي القرار الأميركي كما يرى الكاتب. فالاعتقاد الغالب على صناعة القرار في البنتاغون أن القوة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط ستتعامل مع مصادر عدم الاستقرار عن طريق تعزيز القانون الدولي والحدّ من أسباب ومظاهر العنف، وتشجيع انتشار الحكم الديمقراطي والنظم الاقتصادية المفتوحة.

لكن مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية ترى أن في هذه النظرية العسكرية الكثير من المبالغة من حيث قدرة القوات الأميركية في انتشارها على تشكيل نظام عالمي جديد، بل على العكس تماما مما يريد جنرالات البنتاغون، فإن تواجد القوات الأميركية في دول المنطقة قد أجج مقاومة شعبية واسعة ضدها واعتبرت في أغلب الأحيان قوات غازية لا قوات حليفة أو داعمة للتحول للسياسي الديمقراطي والخلاص من الاستبداد والحكومات الشمولية في المنطقة.

ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى أشكال العنف التي اندلعت ضد الأفراد العسكريين الأميركيين في المنطقة كما هو الحال مع تفجير أبراج الخبر في عام 1996، أو الهجوم على المدمرة الأميركية كول في عام 2000، كما أن أشكال العنف تلك تبلورت أيضا في شكل أعمال إرهابية ضد الأميركيين ومصالح الولايات المتحدة، بما في ذلك الهجمات على سفارتيها في كينيا وتنزانيا عام 1998، وبطبيعة الحال، كانت الهجمة الأفظع والأشد رعبا في عقر الدار الأميركية في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول للعام 2001 التي غيرت وجه العالم وطبيعة العلاقات الدولية وأدت إلى غزو أميركا للعراق في العام 2003 تحت إدارة جورج بوش الابن والانسحاب من العراق في العام 2013 بعد عشر سنوات من الاحتلال العسكري الكامل للبلاد والذي أنتج حركات مضادة له تحولت فيما بعد إلى مجموعات إرهابية تقض مضاجع الكرة الأرضية برمتها.

في الرد على الإرهاب

يغطي الكتاب العديد من الفترات الرئاسية للرؤساء الأميركيين ابتداء بالرئيس كارتر وانتهاء بأوباما، ويحاول مؤلفه الإجابة على سؤالين رئيسين، لماذا لم نربح الحرب التي نحن من وضع خريطتها السياسية، والثاني، لماذا نستمر في الحرب وفي دفع خسائرها بعد أن اكتشفنا عدم قدرتنا على كسب معاركها؟
يمضي الكاتب مفسرا مواقف أصحاب القرار العسكري في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) متحدثا عن النخب الأميركية، العسكرية منها والسياسية التي تريد إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط من خلال تغيير أنظمة الحكم الأحادية التي دعمتها لعقود مضت وإقامة أنظمة ديمقراطية بديلة.

ويرة باسيفيتش أن هذه المحاولة اصطدمت بحركات إسلامية متشددة انشقت عنها جماعات حملت السلاح وتحولت بصورة مطردة إلى جماعات إرهابية تستهدف المدنيين غربا وشرقا وترمي بظلال استبدادها الديني على الدول التي كانت أميركا تحاول تحريرها من الاستبداد السياسي.

وجاء الانسحاب الأميركي الذي أقره أوباما ليعكس ردة الفعل الأميركية على هذا الأمر؛ لأن العديد من مستشاري أوباما كانوا يعتقدون أن هذا الانسحاب سيخفف الضغط في المنطقة ويوقف استدعاء مزيد من المتشددين إلى المنظمات المتشددة والإرهابية بحجة محاربة الغزو الأميركي، كما أن أصحاب نظرية احتلال العراق أنفسهم لم يعودوا يطيقون أن يشهدوا المزيد من الخسائر التي يمنى بها الجيش الأميركي في العراق ولا سيما الخسائر البشرية.

يقول كريس هيدجز، مدير مكتب الشرق الأوسط السابق لصحيفة نيويورك تايمز: "أندرو جيه باسيفيتش يحدد بالتفصيل الكوارث التي ترتّبت على أميركا، وعلى مدى عقود، من قبل مهندسي الإمبراطورية الأميركية في الشرق الأوسط، والتي تغذيها الغطرسة السياسية مضافا إليها الأمية الثقافية والتاريخية واللغوية والدينية. وقد أدت تلك الحروب التي شنتها القوات الأميركية على الشرق الأوسط إلى ولادة مظاهر من العنف العدمي المخيف على شكل "جهاد متطرف"، ولم تفعل أميركا سوى أن تركت وراءها عددا من الدول الفاشلة و"حالة واسعة" من التدمير والرعب والموت".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك