خاص/الجزيرة نت
يتطرق الكاتب براد روبرتس في كتابه "الأسلحة النووية الأميركية في القرن الحادي والعشرين" لاعتقاد سائد مفاده أن على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهد لنزع ترسانتها النووية وخفض دورها النووي.

إن قضية الأسلحة النووية الأميركية والنظرة السائدة حولها داخل وخارج الولايات المتحدة تستند إلى سياقات متعددة منها ما هو تاريخي وسياسي وأخلاقي، إلا أن روبرتس يخاطب في كتابه مؤيدي نظرية نزع السلاح النووي من منظور مختلف يستند إلى تجربته السابقة كمسؤول في الذراع التنفيذي لسياسات الولايات المتحدة في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.

يطرح الكاتب مناقشة فكرة نزع السلاح النووي الأميركي من واقع التجربة الأميركية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، حيث إن فكرة انتهاج الولايات المتحدة "سياسة الردع" لم تطرح من قبل منظري نزع السلاح النووي، والتي من شأنها خلق مناخ يساعد الولايات المتحدة على إحداث تغييرات جذرية في سياستها النووية وموقفها من نزع هذا النوع من الأسلحة بشكل عام.

-العنوان: الأسلحة النووية الأميركية في القرن الحادي والعشرين
-المؤلف: براد روبرتس
-عدد الصفحات: 323
-دار النشر: مطابع جامعة ستانفورد – كاليفورنيا
-الطبعة: الأولى

ويسلط الكتاب الضوء على قضية مركزية من وجهة نظر الكاتب وهي أن الدول الأعضاء في النادي النووي لا تشارك الولايات المتحدة رغبتها في خفض الترسانة النووية على مستوى العالم، وإن خطوات أميركية أحادية في هذا الجانب يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة على الولايات المتحدة وكذلك على حلفائها الإستراتيجيين في الشرق الأوسط وأوروبا.

وفي ضوء هذه المقاربة، يدعو الكتاب الإدارة الأميركية إلى انتهاج سياسة التأني من جهة والمثابرة على إحداث توازن دولي في سياسات خفض السلاح النووي بحيث يقابل أي خفض نووي أميركي جهد مقابل يساويه في الحجم من قبل الدول الأخرى، إلى جانب جهد سياسي حثيث لتحجيم خطر السلاح النووي يرافقه جهد عسكري لردع أي تهديد نووي محتمل.

يذكر أن الكتاب يأتي في خضم تجدد الجدل الدائر حول النشاط النووي الأميركي وإعادة طرح السؤال التقليدي: هل الترسانة النووية الأميركية مجرد بقايا أساطير الحرب الباردة والصراع مع الشيوعية والاتحاد السوفيتي الذي أصبح في طي النسيان، أم أنها تشكل عنصرا حيويا وأساسيا في حماية الأمن القومي للولايات المتحدة؟

ويرى الكاتب أن تجدد هذا النقاش يأتي في وقت تبرز فيه عدة عوامل أساسية يجب أخذها في الحسبان، أولها مرور خمسة عشر عاما على الحرب الأميركية في أفغانستان والعراق، والوضع في الشرق الأوسط والضغط الروسي باتجاه أوروبا والتبدل الجوهري في السياسة الخارجية الروسية منذ عام 2014، وهي كلها عوامل تفرض على صانعي السياسة الأميركية أسئلة جوهرية من قبيل هل يمكن أن يعاد توجيه الثقل العسكري باتجاه آسيا في ظل هذه الظروف؟ هل نشوب حرب محدودة مع روسيا أو الصين أو هما معا، أمر وارد في ظل قيام الصين بجهود حثيثة لبناء ترسانة نووية دفاعية؟ ما هي فرص نشوب مواجهة مع كوريا الشمالية؟ ماذا لو صنعت إيران سلاحا نووي؟

إن كل هذه الأسئلة يجب أن توظف لرسم سياسة إستراتيجية بناءة تمكن الولايات المتحدة من حماية نفسها وحلفائها الذين يشعرون بالضغوط الصادرة عن القوى الصاعدة في آسيا وأوروبا الشرقية، ووقايتهم من شرر النزاع الدائر في الشرق الأوسط، وإن الإجابات على جميع تلك الأسئلة لها انعكاسات مهمة على السياسة النووية الأميركية ودورها في العالم، وهذا يعني أن على صانعي القرار في واشنطن حسم أمرهم في تقرير حجم الاستثمار الموجه للترسانة النووية.

يدعو الكتاب الإدارة الأميركية إلى انتهاج سياسة التأني من جهة والمثابرة على إحداث توازن دولي في سياسات خفض السلاح النووي بحيث يقابل أي خفض نووي أميركي جهد مقابل يساويه في الحجم من قبل الدول الأخرى، إلى جانب جهد سياسي حثيث لتحجيم خطر السلاح النووي، يرافقه جهد عسكري لردع أي تهديد نووي محتمل

يذكر أن الولايات المتحدة لم تنفق خلال ربع قرن الماضي على الترسانة النووية سوى ما يكفي لتشغيل وإدامة ما هو موجود فعلا، ولم تخصص أي ميزانية للتطوير أو زيادة حجم المخزون النووي. ويرى روبرتس أن العقدين القادمين سوف يشهدان خروج المنظومة العسكرية النووية الحالية من دائرة المنافسة بفعل عامل الزمن والتطور التقني المستمر، وأن على واشنطن أن تعمل على تحديث أو استبدال الترسانة النووية الحالية بشكل أو بآخر.

إلا أن سيناريو اتخاذ قرار بشأن تحديث أو استبدال الترسانة النووية سيقع دائما في مستنقع الصراع بين جماعتي ضغط، الأولى ترى أن السلاح النووي شر وخيم لا بد من التخلص منه، والثانية ترى أن هذا النوع من السلاح هو شر لا بد منه وعامل ردع مهم لمنع نشوب الحروب، وبما أن تاريخ الصراع بين المجموعتين يبرز بوضوح ازدراء كل مجموعة لآراء الأخرى، فإن التوصل إلى قرارات في الشأن النووي كان دائما عملية معقدة وشائكة ونادرا ما يتم التوصل إلى اتفاق على مضامينها.

العامل الثاني الذي يستند إليه الكاتب في دعم نظرية تهيئة الترسانة النووية الأميركية للقرن الحادي والعشرين، هو سياسة أوباما في هذا الإطار، حيث أصدر توجيهاته لوزارة الدفاع باتخاذ ما يلزم لضمان مواكبة السلاح النووي الأميركي للتهديدات التي أفرزها القرن الحالي حتى الآن والتي ستفرز على الأرجح تهديدات مستقبلية ستفرض على الولايات المتحدة ضرورة امتلاك قوة ردع توازي حجم التهديد. ويرى الكاتب أن رؤية أوباما يمكن أن تستخلص منها دروس وعبر كثيرة لمجموعات الضغط من كافة الاتجاهات.

العامل الثالث، أن المناخ السياسي الحالي يفرض ضرورة إعادة تقييم "سياسة التوازن" فيما يخص السلاح النووي. ويرى روبرتس أن إدارة أوباما قد قامت بجهد طيب في الدفع بهذا الاتجاه رغم التغيرات الجوهرية والمقلقة التي برزت على مستوى العالم. إلا أن السؤال هنا هو هل أن "سياسة التوازن" ناجعة في ظل المناخ العالمي السائد؟ وإذا كان الجواب نعم، فما الذي على الإدارة الحالية فعله وما الذي يجب أن تفعله الإدارات الأميركية المقبلة؟

وفي هذا الإطار يقدم الكتاب في فصله الثالث ردود الولايات المتحدة على التهديدات الإستراتيجية الجديدة والصادرة من أطراف تمتلك السلاح النووي وأنظمة صواريخ بعيدة المدى، وهي ردود ركزت حتى الآن على إحداث تغييرات جوهرية في الدور المرسوم للسلاح النووي الأميركي وإعادة هيكلته ليصبح قادرا على أداء مهام ردع إقليمية بطريقة تؤدي إلى خنق التهديدات القائمة حتى الوصول إلى حالة تنتفي معها الحاجة للسلاح النووي من الأساس.

أما الفصل الرابع والأخير، فيعود بالقارئ إلى بداية النقاش ويطرح السؤال الجوهري للكتاب "ما هو الدور الذي يجب أن يسند للسلاح النووي الأميركي"؟ في ظل الدروس والعبر المستخلصة من التجربة في هذا المجال على مدى العقود الماضية التي تفرض من وجهة نظر الكاتب طرح قضية خارج إطار وجهة نظر مجموعتي الضغط التقليديتين التي ترى إحداها ضرورة طي صفحة السلاح النووي والأخرى التي ترى أنه الوسيلة الفضلى لمنع نشوب حروب فتاكة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك