عرض/عمّار العباسي
رغم المكانة العظيمة والحب الجارف الذي يتملك نفس كل مسلم تجاه أفضل خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم فإن العناية بسيرته العطرة ظلت محل قصور وتقصير من عموم المسلمين؛ حيث اكتفت الأمة زمنا طويلا بالسرد التاريخي أو العناية الوجدانية من خلال ذكر مآثر السيرة في نشيد المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما قراءة السيرة من ناحية فكرية فبقي مهملا قليلة العناية.

ومن هنا جاء هذا الكتاب لإعادة قراءة السيرة النبوية من ناحية فكرية سياسية وثقافية، وقد سبق المؤلف في ذلك الشيخان الجليلان الغزالي والبوطي بعنوان مشابه وهو "فقه السيرة"، إلا أن جوانب السيرة العطرة لشخصية النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم- واسعة رحبة للناظر أيا كان مجال اهتمامه، وأيا كانت زاوية نظره، لذلك كانت قراءة الشيخين تعتني وتركز على قضايا تربوية وأخرى فكرية فردية، بينما قراءة الأستاذ مهنا الحبيل ركزت على قراءة قضايا الشأن العام، وإن كان التداخل قائما بين هذه المجالات ويصعب فرزه، إلا أننا يمكننا أن نلمح التوجه العام الفارق بين كل قراءة وأخرى.

وتكمن أهمية قراءة السيرة النبوية قراءة فكرية استقرائية مقاصدية في رد القراءات المختزلة، ولفهم النصوص الجزئية النبوية في قضايا الشأن العام ضمن سياقها الأعم، وهذا التوجه قوي في الرد على التطرف والتطرف المضاد اللذين يعمدان إلى اقتطاع النصوص ثم تضخيمها على حساب غيرها، مما يؤدي إلى إساءة فهمها، بينما السيرة هنا تسرد الأحداث متتابعة فيصعب حينها إخفاء ما لا يسر به المتطرفون.

-العنوان: فكر السيرة.. قراءة ثقافية معاصرة للسيرة النبوية
-المؤلف: مهنا الحبيل
-الناشر: دار المشرق، القاهرة.
-عدد الصفحات: 400 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2016

ومن خلال وجهة مختلفة لكتب السياسة الشرعية والكتب الفكرية الإسلامية التي تحاول تقديم بعض الأفكار بإسنادها لحوادث متفرقة للنبي صلى الله عليه وسلم، يجد قارئ كتاب الأستاذ الحبيل ترابطا استقرائيا لدلالات السيرة في شتى جوانب الشأن العام، وبهذا تصحح بعض المفاهيم المأخوذة من سياقات خاصة، كما يعزز الطمأنينة للمعاني الصحيحة الثابتة بالاستقراء، فتغدو هذه الأفكار للقارئ -لاسيما الشاب- برنامج عملي تم تطبيقه وليست مجرد كلام منمق يحاول بعض الكتاب تزيين الشريعة به.

يبدأ الكاتب بتوطئة ومقدمات بين يدي الكتاب حول مركزية السيرة ومدى ضرر تهميشها، والقراءة المختزلة لها، والتطرف الذي حل بسبب عدم فهم السيرة، مقابل إمكانات السيرة في دفع المجتمع للأمام، ومخزونها الكبير الذي تحتاجه الأمة ثقافيا وسياسيا ودستوريا وفكريا.

ثم يذكر منهجه بالتزام مختصر سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون، حيث يورد أصل النص بلون مختلف من مختصر السيرة ولو مع تصرف في العبارة واختصار مع التزام الترتيب الزمني، ثم يذكر تعليقاته بعد ذلك، وفي الغالب كان الكاتب في كل حدث مفصلي يسبقه بتوطئة تؤكد المعاني التي يبني عليها قراءته، ثم تجد بأن المفاهيم التي ذكرها في التوطئة تصاحب الكاتب طوال فصول الكتاب، وتؤكدها أحداث السيرة متعاضدة في قضايا المجتمع والسياسة والحرب وبناء الدولة وفقهها الدستوري.

في قضايا المجتمع يركز الكاتب على عدة مسائل معاصرة، منها المرأة بدءا من ذكر سيرة السيدة خديجة رضي الله عنها، مرورا بوجود النساء في بيعة العقبة الثانية، وصولا لموقف وثبات السيدة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، بالإضافة إلى حوادث متفرقة ذكرت فيها النساء ومشاركتهن في المجتمع، مقارنا هذا السياق الكلي بنصوص جزئية تُفهم بشكل خاطئ، ناهيك عن تراث غير ملزم ما زال يكبل المرأة في المجتمع المسلم.

تكمن أهمية قراءة السيرة النبوية قراءة فكرية استقرائية مقاصدية في رد القراءات المختزلة، ولفهم النصوص الجزئية النبوية في قضايا الشأن العام ضمن سياقها الأعم، وهذا التوجه قوي في الرد على التطرف والتطرف المضاد اللذين يعمدان إلى اقتطاع النصوص ثم تضخيمها على حساب غيرها

كما اعتنى بقضية متفشية اليوم وهي خطاب ولغة المجتمع والتحريض ضد الخصوم، مقارنة بإشاعة الطمأنينة بين أفراد المجتمع واحتوائه صلى الله عليه وسلم لشتى أصنافه، ونلاحظ هنا مرة أخرى المعالجة النبوية لحادثة الإفك، والسلوك النبوي العام مع المنافقين حتى في أشد طعناتهم بالأمة، ورفض الخطاب الفاحش والتحريض وإشاعته في المجتمع حتى مع المنافقين.

والنقطة السابقة هي من المآخذ على بعض الجماعات الإسلامية، وهي نقطة أخرى اعتنى بها الكاتب من بين قضايا المجتمع، من خلال مناقشة ضرورة تحديد الفارق بين الجماعة المسلمة الأولى، والجماعات الإسلامية المعاصرة بوصفها جزءا من جماعة المسلمين وضرورة انفتاحها على مخالفيها ووقف التحريض المستمر بينها وبين بعضها، والفجور في الخصومة.

بالإضافة إلى تأكيد الأستاذ الحبيل على علاقة المسلم بغير المسلم سلما وحربا ومواطنة، مع تتبع ذلك ضمن سياق الإرث النبوي، ومدى تحالف المسلمين مع غير المسلمين في شتى قضايا الحقوق، سواء مع النجاشي أو في شعب أبي طالب أو حتى فهم النبي صلى الله عليه وسلم لطبائع العرب وتعظيمها للهدي في صلح الحديبية مما أضر بتحالف طغاة مكة، ناهيك عن وثيقة المدينة التي جعلت "اليهود أمة مع المؤمنين"، كل هذه الأحداث المترابطة والمستقرأة تجعل الأمر حقيقة ماثلة أمام قارئ السيرة وليس شعارا يتلى أو زينة مستعارة، ويستشهد الكاتب في هذا السياق أيضا بإسلام القارة الأفريقية السمراء دون أن يمارس المسلمون على أهلها أي شيء قد يوصف بالاستعمار أو السيطرة، بل تُركت القارة لهم.

وفي بنائه للدولة صلى الله عليه وسلم وبخلاف الوعظ السائد الذي يصور بناء الدولة النبوية واشتداد عودها في فترة زمنية وجيزة بأنه محض معجزة، يتتبع الكاتب المسار النبوي واختياراته صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب، ليرسم بذلك إستراتيجية بناء الدولة لدى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فيشير في شتى المواضع للتدابير النبوية التي لم "تتواكل" باسم وعد الله رغم تصديقها التام به، ولكنها على الدوام أخذت بالأسباب، وبحنكة استطاعت اختيار معاركها في شتى مراحل الدعوة، بينما تضيِّع الجماعات الإسلامية اليوم التخطيط وتبيع جمهورها شعار الوعد الإلهي في مفارقة عجيبة.

ويمكن للقارئ أن يستخرج في مواضع عديدة التكتيكات النبوية في كل سلم وحرب؛ بزعزعة حلف الخصوم تارة، أو تحييد بعضهم تارة أخرى، والبناء على التوافقات مع البعض من غير المسلمين، وهذا كله يسير في اتجاه الهدف الأسمى الذي لا يحيد عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو بلاغ الرسالة.

أما في الفقه الدستوري، فالسيرة النبوية زاخرة بالدلالات المقاصدية على سعة فقهها الدستوري من خلال التطبيق النبوي، فالدستور النبوي لم يكن مجرد تنظير بل تنزيلا للقواعد النظرية على واقع عملي تشهد له الدنيا، سواء في مفهوم الشورى في غزوات النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، أو في علاقته صلى الله عليه وسلم بمخالفيه وأعدائه، ومدى استعانته صلى الله عليه وسلم في توضيح مقاصده بوسائط مدنية وسلمية عبر المفاوضات وغيرها، دون أن تلين الدولة أمام الطغاة المعتدين، بالإضافة إلى التركيز على خطبة الوداع التي تعد رسالة بلاغ للحقوق اختصرت العديد من جوانب السيرة في شتى القضايا، حيث اختار النبي صلى الله عليه وسلم لحظة اجتماع الحشود الكبيرة أمامه مصغية في الحج، ليبلغهم المبادئ والأصول التي لا يمكن أن يُقبل إسقاطها بنصوص جزئية لها سياقاتها الخاصة.

لا يخلو الكتاب رغم اهتمامه الفكري بالتذكير بالعلاقة الوجدانية والمحبة الخالصة للحبيب صلى الله عليه وسلم، نجد هذا في المعالجة النبوية لموقف الأنصار بعد توزيع غنائم غزوة حنين، أو من خلال مقولة زيد بن الدثنة الشهيرة حين لم يقبل وهو يواجه الموت أن يشاك النبي صلى الله عليه وسلم بشوكة وهو آمن

ناهيك عن أن قراءة تاريخ ما قبل النبوة وما بعده يفصح بجلاء عن علاقة العروبة بالإسلام، وكيف أن الإسلام بتوحيده الجزيرة العربية نقل القبائل من وضعها في ذيل الأمم إلى قيادة زمام العالم من دون عنصرية أو إساءة لعرق، بل انطلقت الرسالة من العرب إلى غيرهم تريد نجاتهم، وإن انحرف السلوك لاحقا لدى بعض الملوك والسلاطين، إلا أن رسالة الأمة بقيت على العهد تبتغي فتح القلوب لا غنائم الآخرين.

والسيرة النبوية كما مر معنا تدحض التطرف، ويتكرر في كتاب الأستاذ الحبيل التوقف عند قضية الأسر بُعيد كل غزوة، وكيفية تعامل المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الأسرى، فالتوجهات المتطرفة أشاعت حديث: "قد جئتكم بالذبح" الذي ورد بسياق خاص للردع حتى تظنه أصلا من أصول أحكام التعامل مع الأسرى، بينما تجد المؤلف قد توقف عند تعامل المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الأسرى مرارا في شتى الغزوات لنصل إلى نتيجة قطعية ظاهرة بأن الذبح ليس له سند تطبيقي في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، بل سياسة راشدة حكيمة منه صلى الله عليه وسلم قدمت باستمرار العفو من أجل فتح القلوب للدين والوصول بذلك لهدف الرسالة الأسمى.

والأكثر من ذلك، أن القارئ للسيرة قد يستوقفه حجم العفو وفتح المسارات للتوبة الذي أصدره النبي صلى الله عليه وسلم مرارا بحق الأعداء، فيتساءل وماذا عن الصحابة؟ ألم يطالبوا بعد هذا بثأرهم؟ فقد قدموا الدماء في مواجهة هؤلاء الخصوم، وهو سؤال قلما نجد كاتبا يتوقف عنده، ولكن الأستاذ الحبيل يسلط الضوء على سعي الصحابة أنفسهم في العفو، وتوسطهم لدى النبي صلى الله عليه وسلم ليشمل عفوه بعض مجرمي الحرب الذين أهدر دمهم، فكان النبي لا يرد طالبا منهم، وهذه لمحة مهمة جدا في فهم العلاقة النبوية بالصحابة وكيف غرس النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بسلوكه الأخلاق الرفيعة في نفوس صحابته.

كل هذه المواضيع وغيرها، سعى الكاتب أن يعود فيها للسيرة ليعالج بها الواقع وليقرأ من خلال مقاصد السيرة كيفية التعاطي مع واقعنا اليوم، وحين تُقرأ هذه المعاني في كتاب للسيرة بتركيز واضح من مؤلفه بشكل يختلف عن قراءة كتاب يورد الأمثلة مجتزأة، تستقر القضية في النفوس ويطمئن لها القارئ، لاسيما الشاب الذي أتعبته الشعارات والكلام المنمق الذي لم يعد يراه مجديا، فانصرف يبحث عن الإجابات من غير هدي نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولا يخلو الكتاب رغم اهتمامه الفكري بالتذكير بالعلاقة الوجدانية والمحبة الخالصة للحبيب صلى الله عليه وسلم، نجد هذا في المعالجة النبوية لموقف الأنصار بعد توزيع غنائم غزوة حنين، أو من خلال مقولة زيد بن الدثنة الشهيرة حين لم يقبل وهو يواجه الموت أن يشاك النبي صلى الله عليه وسلم بشوكة وهو آمن، فضلا عن أن يقبل أن يكون مكانه، وغير ذلك من المواقف الوجدانية في علاقة الصحابة بحبيبهم صلى الله عليه وسلم، فالفكر الجاف طالما كان ضارا يسقط بالشبهات، بينما الفكر الممزوج بالوجدان يمثل إيمانا راسخا يزداد قوة مع الانفتاح الفكري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك