عرض/محمد ثابت
رغم الانتصارات الصغيرة المتفرقة التي قد حققتها برامج المراقبة والتحقيق العنيف؛ لم تسفر سنوات من التنصت عن منع وقوع الهجمات، كذلك لم يثمر التعذيب مزيدا من الأمن؛ وفقا لدراسات حكومية واسعة النطاق أُجريت لعدة سنوات. ولم تسفر تجاوزات رجال الأمن للقانون إلا عن اهتزاز الثقة في القانون أميركا ومحاكمها ونظام العدالة فيها، فالقيادة المرتكزة على الخوف أضعفت المبادئ التي تأسست عليها الأمة.

في مقدمة وثلاثة أجزاء مقسمة إلى ثمانية عشر فصلا ثم خاتمة، تبحث كارين غرينبرغ؛ وهي واحدة من كبار الخبراء في الولايات المتحدة في مسألة غوانتنامو والتعذيب والإرهاب والحريات المدنية ومديرة مركز الأمن القومي في كلية القانون بجامعة فوردهام بنيويورك، ووثيقة المعرفة بإدارتي بوش وأوباما، لتوضح جوانب القصة الكاملة للقانون والسياسة بعد أحداث سبتمبر.

الإدارة التنفيذية
تستهل الكاتبة في مقدمة الكتاب بموقف للنائب العام الأميركي السابق إريك هولدر، وهو يقف على منصة وزارة العدل في الرابع من أبريل/نيسان 2011 ليعلن في غضب واضح وبعبارات أشد وضوحا أن قراره السابق بتحويل قضية خالد شيخ محمد وأربعة آخرين متهمين بالتآمر والضلوع في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 إلى وزارة الدفاع الأميركية؛ لم يكن قرارا اتخذه بنفسه طواعية.

-العنوان: العدالة الضائعة.. صناعة الدولة الأمنية
-
المؤلفة: كارين غرينبرغ
-
الناشر: كراون، نيويورك، الولايات المتحدة
-عدد الصفحات: 320 صفحة
-تاريخ النشر: مايو/أيار 2016

في القسم الأول، وهو بعنوان "قواعد جديدة"، تنقل المؤلفة عن أشكروفت المدعي العام الأميركي الأسبق ما حدث في الاجتماع الذي عقد بالبيت الأبيض عقب أحداث سبتمبر مباشرة، وكيف تحدث بوش قائلا: إن الأمر أصبح شخصيا بالنسبة له، وأنه كرس نفسه لحرب شديدة قد تأخذ طور السرية في بعض الأحيان وقد يعتقد البعض أنها مستحيلة ولكنه سيعمل على وقف الإرهابيين من محاولة ضرب الأراضي الأميركية مرة أخرى.

كان الجميع في الغرفة يستشعرون المسئولية والتقصير الذي حدث من جانب إداراتهم، فهم المنوط بهم اكتشاف مثل تلك الحوادث قبل وقوعها. لقد فشلوا في مهمتهم ويجب عليهم تصحيح أخطائهم حتى يمنعوا تلك الكوارث مستقبلا. كان لوزارة العدل بجناحيها القانوني التنفيذي وجناح التحقيق وخاصة مكتب التحقيقات الفيدرالية دور كبير في هذا الفشل، وكذلك سيكون عليهم عبء كبير في عملية الإصلاح والحماية.

يقول أشكروفت: إن مكتب التحقيقات والمحامين العاملين بوزارة العدل لن يكون عليهم فقط الكشف عن مرتكبي الأحداث والمسئولين عن الهجمات، بل أيضا سيتعين عليهم العمل على وقف من يخططون شيئا من هذا القبيل والعمل على التطبيق الصارم للقانون، والتحرك داخل البلاد وخارج الحدود في بلاد أخرى، ولا يتوقفون عند أي خطوط حتى يوفروا الأمن للولايات المتحدة ويحافظوا على سلامتها.

وتكتب ساندرا داي أوكونور -قاضية المحكمة العليا التي خدمت بالمنصب منذ عينها رونالد ريغان عام 1981 وحتى تقاعدها عام 2006- في تعليقها على قضية ياسر عصام حمدي (الذي يحمل الجنسية الأميركية وقبض عليه في أفغانستان وأودع معتقل غوانتنامو): إن حالة الحرب ليست شيكا مفتوحا للرئيس وأن أمر الإحضار الذي تصدره المحكمة لمثول المتهم أمامها هو الذي يسمح للسلطة القضائية أن تلعب دورا ضروريا في الحفاظ على التوازن الدقيق للحكم في الدولة.

ذلك الدور الذي يسمح للمحكمة بمراقبة تقدير السلطة التنفيذية فيما يخص أوامر الاعتقال، وسواء كانت حالة حرب أم لا فلن تنزل المحكمة عن مبادئها. كان بوش يتجه نحو تجميع السلطتين في يده قضائية وتنفيذية؛ ولكن كان على المحكمة العليا وهي أعلى هيئة قضائية بالبلاد أن توقفه عند حده، ولكن لم يكن الحال هكذا دائما مع كل القضاة.

وصل أوباما في النهاية في قضايا التعذيب وسياسات الاحتجاز إلى ما وصل إليه بوش وإن اختلفت المبررات، فقد أصبح الاعتقال إلى أجل غير مسمى "ضرورة لسلامة الوطن"، كما استعيدت اللجان التي أوقفت، وذكر أوباما أنه فقط كان يعترض على الطريقة التي شرعت بها

في القسم الثاني تتحدث المؤلفة عن عوامل التغيير وانكشاف الغطاء القانوني الذي حاول بوش إسداله على تحركاته العسكرية والاستخباراتية. لم يكن قضاة المحكمة العليا وحدهم من تساورهم الشكوك، ولكن أيضا هناك بعض المسئولين في الإدارة التنفيذية نفسها تساءلوا عما إذا كان الرئيس قد ذهب بعيدا جدا في محاولة الاستيلاء على السلطة بأكملها.

انتصار آخر للرئيس
في 2005 يعيد الكونغرس تأكيده على قانون المواطنة الذي يتيح للرئيس اتخاذ قرارات استثنائية غير مسبوقة بحق مواطنين أميركيين وغيرهم، بل يوافق على تأسيس قسم للأمن القومي داخل وزارة العدل نفسها تكون مهمته هي "تقديم الخدمات القانونية الهامة وتوجيه السياسات للعناصر العملياتية لأجهزة الاستخبارات". وأُعلن أن مساعد المدعي العام والذي سيرأس هذا القسم "سوف يلعب دورا محوريا في تأسيس السياسة القانونية لمجتمع الاستخبارات الأميركية."

كان انتصارا لإدارة بوش وقادته العسكريين، وواضح أن هذا القسم وضع خصيصا لتوفير الغطاء للعمليات غير القانونية من جانب الاستخبارات، وخصوصا الاعتقال غير المبرر والتعذيب والاحتجاز في أماكن سرية، وأيضا التعتيم على عمليات تسليم المقبوض عليهم لدول مصنفة حسب الولايات المتحدة على قائمة الدول التي تنتهك القانون ولا تحترم حقوق الإنسان.

بعد عدة أيام من تنصيبه أصدر الرئيس أوباما قرارا تنفيذيا يعلن أن التعذيب غير قانوني، ويبدأ عملية مراجعة معتقل غوانتنامو ويضع سياسة جديدة للاحتجاز. وجرى تعليق اللجان العسكرية التي تتولى الفصل في قضايا المعتقلين، وإيقاف توجيه تهم جديدة وإيقاف كافة القضايا العالقة حتى تقرر الإدارة الجديدة ما إذا كانت هناك طريقة أفضل للاستفادة من هذه اللجان؛ وأعلن أن غوانتنامو سيغلق خلال العام.

استمرار القديم بشكل جديد
لكن لم يلبث أوباما أن وجد نفسه أمام ضرورة طمأنة قطاع عريض من الشعب الأميركي بأن هذه الإجراءات لن تعرضهم للخطر، وظهرت الإعلانات السريعة التي يحث فيها الناس على مقاومة إشاعات التخويف ويذكرهم أن الإدارة السابقة أفرجت عن خمسمائة معتقل ولم يحدث منهم أي مشاكل تذكر. وأصدر أوباما تأكيدا للشعب أنه لن يفرج عن الأفراد الذين يشكلون خطرا على الولايات المتحدة.

من ناحية أخرى كانت هناك حاجة لطمأنة من انتخبوا أوباما لينهي سياسات الإدارة السابقة المتعدية على القانون الإنساني، وسمعوا منه وعدا في حملته الانتخابية بوضع حد لهذه السياسات. ولهؤلاء ساق أوباما مبررا لتأخر وعوده بأن هؤلاء السجناء ما زالوا في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وما زالوا خارج نطاق الحماية القانونية لأسرى الحرب ويمكن أن يظلوا كذلك إلى حين انتهاء العمليات القتالية.

تقول المؤلفة: إن أوباما في النهاية وصل إلى ما وصل إليه جورج بوش وإن اختلفت المبررات، فقد أصبح الاعتقال إلى أجل غير مسمى "ضرورة لسلامة الوطن"، كما استعيدت اللجان التي أوقفت، وذكر أوباما أنه فقط كان يعترض على الطريقة التي شرعت بها، وعادت الكرة إلى الملعب بشكل جديد ولكن على نفس القواعد القديمة.

سنودن يقلب المعادلة
يظهر إدوارد سنودن إلى العلن ويكشف حقائق التجسس الاستخباراتي على المواطنين الأميركيين والعمليات السرية ضدهم وتتحول الأسرار إلى فضائح علنية تثير العالم كله وليس الشعب الأميركي وحده ضد الإدارة الأميركية التي تعاملت مع الأمر كأنها دولة من العالم الثالث تحاول إثبات جريمة إفشاء الأسرار على الرجل وإدانته جنائيا ومطاردته في أنحاء العالم لإخراسه وليس التحقيق فيما قاله.

تواجه أميركا تحديا كبيرا، فالبلد قد اقترب بشكل خطير من فقدان الحماية التي توفرها وثيقة الحقوق المدنية من حرية التعبير والدين وعدم التعرض للتفتيش غير القانوني والمصادرة والإجراءات القانونية غير العادلة والحماية من العقوبات القاسية وغير العادية

لكن سنودن يقدم إلى منظمة "الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية" ما كان محاموها يبحثون عنه منذ سنوات، تذكرة فاخرة للولوج إلى المحاكم الفيدرالية لمقاضاة الحكومة، بعد أن كانت المحاكم ترفض باستمرار منح المنظمة حق المقاضاة بحجة عدم قدرة المنظمة على إثبات الجرائم، وخوفا من الخسائر التي قد تصيب تحركات الحكومة نتيجة تلك المقاضاة. لقد انهار الجدار الذي كان يحمي الحكومة، وبدأت تحركات الكونغرس الأميركي تحت ضغط الشعب وبحلول عام 2015 تهيأ الكونغرس لإلغاء المواد الحادة في قانون باتريوت المشبوه لتخفيف العمليات السرية ضد المواطنين الأميركيين.

أسئلة مشروعة
في الخاتمة تتساءل المؤلفة؛ هل سيستمر هذا الزخم لمحاولة الحفاظ على أميركا متواكبة مع الحفاظ على القيم الأميركية وحقوق المواطنين المنصوص عليها في الدستور؟

ومع نهاية رئاسة باراك أوباما؛ هل ستهدأ النيران الهائجة التي ثارت بدعوى مكافحة الإرهاب التي اشتعلت لأكثر من خمسة عشر عاما، وأضاعت واستهلكت الحريات المدنية وسيادة القانون؟

أم أنه بدلا من ذلك سيظهر من رماد تلك النيران ما هو أفظع مما سبق من انتهاكات بالتعذيب والمراقبة الجماعية والاحتجاز إلى أجل غير مسمى والمحاكمات خارج نطاق القضاء المدني وعمليات القتل العشوائية عن بعد بالطائرات دون طيار، دون أن تجد من يكبح جماحها أو يعمل على إلغائها؟

أميركا تواجه تحديا كبيرا -تقول الكاتبة- ولكن البلد اقترب بشكل خطير من فقدان الحماية التي توفرها وثيقة الحقوق المدنية من حرية التعبير والدين وعدم التعرض للتفتيش غير القانوني والمصادرة والإجراءات القانونية غير العادلة والحماية من العقوبات القاسية وغير العادية. هذه الحقوق التي تشكل عقيدة قومية لأميركا ويجب الحفاظ عليها وحمايتها حتى أثناء مواجهة الإرهاب.

عدم الثبات وعدم الاستقرار هما السمتان المميزتان لعصرنا، وذلك يتطلب الشجاعة والصمود، بدلا من إلهاء النفس بجهود عقيمة لخلق نوع من السلامة التي لا يمكن أن تتحقق بغير العدل والحريات.

المصدر : الجزيرة

التعليقات