عرض/يونس بلفلاح
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا والمقررة في صيف 2017، يسارع المرشحون إلى محاولة جلب المواطنين وإثارة الرأي العام من خلال إصدار كتب توضح إنجازاتهم ورؤاهم للإصلاح وآراءهم بخصوص القضايا والسياسات العامة. 

وعلى هذا النحو وفي ظرفية استثنائية تعيشها فرنسا بسبب ارتفاع الهاجس الأمني مع خطر الإرهاب في ظل تعاقب المجموعات الإرهابية على ضرب فرنسا في مرات متعددة، ثم الكساد الاقتصادي وارتفاع مؤشرات البطالة والفقر، ناهيك عن انقسام المجتمع بخصوص قضايا الهوية، الهجرة، المواطنة والعلمانية، وكلها عوامل تسيل مداد السياسيين الفرنسييين، ففي وقت متقارب من بداية السنة الجارية، تم إصدار العديد من الكتب من سياسيي فرنسا، أبرزهم كتاب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي صدر بعنوان: فرنسا إلى الأبد.

يأتي كتاب ساركوزي في وقت تحدوه فيه رغبة كبيرة في العودة إلى الإليزيه بعد تجربته في الفترة مابين 2007 و 2012 وفشله في الحصول على ولاية ثانية بعد خسارته أمام الرئيس الحالي فرنسوا هولاند، حيث يحاول ساركوزي في هذا الكتاب الذي حقق أرقام مبيعات قياسية -فقد بيعت أكثرمن 100 ألف نسخة في الأسبوع الأول من إصداره- استعراض سيرته الذاتية والمناصب التي تقلدها في الدولة الفرنسية كعمدة لمدينة نويي سير سين في الضاحية الباريسية، ونائب برلماني، فوزير للميزانية وناطق رسمي باسم الحكومة، ثم وزيرا للاقتصاد، المالية والصناعة، ووزيرا للداخلية في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك، فرئيسا للجمهورية الفرنسية.

-العنوان: فرنسا إلى الأبد
-
المؤلف: نيكولا ساركوزي
-عدد الصفحات: 350 صفحة
-تاريخ الصدور: 2016
-دار النشر: بلون

الوضع الفرنسي الحالي
بدأ ساركوزي توصيفه للوضع الفرنسي الحالي بتوجيه انتقاداته لليسار الحاكم وللرئيس الحالي فرانسوا هولاند معلنا أن فرنسا تفتقر اليوم للزعامة مع رئيس لا يملك صفات القائد، ويفضل البقاء بعيدا عن الحسم واتخاذ القرارات.

ويصف ساركوزي انتخابات 2017 بالتحدي الأكبر للساسة الفرنسيين إذ يجب إيجاد تناوب على السلطة في البلاد، أي إنتقال الحكم من اليسار إلى اليمين و إلا سيكون الفائز الأكبر هو حزب الجبهة الوطنية أو اليمين المتطرف لأن التحدي تاريخي، و إلا سيدفع الغضب و اليأس بغالبية الفرنسيين نحو الأسوأ.

وعلى هذا الأساس، يفسر الرئيس الفرنسي السابق مسببات عودته إلى الحياة السياسية و يأتي في مقدمتها فشل إستراتيجيات الحزب اليساري الحاكم، ومنها الفشل الأمني في مواجهة تحدي الإرهاب الذي ضرب بقوة فرنسا خلال السنة الفارطة، ثم زيادة مؤيدي حزب الجبهة الوطنية بنسبة غير متوقعة مع ارتفاع مؤشرات الميز العنصري والإسلاموفوبيا.

اعترافات جريئة وهامة
اعترف نيكولا ساركوزي بأنه ارتكب أخطاء وأغضب بعض الناخبين خلال فترة رئاسته بين عامي 2007 و2012، مشيرا إلى بعض الأحداث المعينة كاحتفاله بالفوز في انتخابات 2007 فوق يخت أحد الأثرياء الفرنسيين، ثم بعد ذلك وأثناء مدة رئاسته حين سبه لأحد الأشخاص الذي عامله بعدائية داخل معرض زراعي حين قال له "اغرب عن وجهي أيها الأحمق".

يشرح ساركوزي ظروف توليه قيادة فرنسا قبل وقت قصير من بداية أزمة اقتصادية عالمية وانكماش اقتصادي حاد، حيث كان يتعين عليه التحرك بشكل أسرع لإنعاش الاقتصاد الفرنسي بإجراء إصلاحات منها إعادة قوانين مثل ذلك القانون الذي يفرض رسميا 35 ساعة عمل أسبوعيا.

ويقول إنه كان من الأولويات الأخرى إلغاء ضريبة الثروة في فرنسا وكذلك خفض ضريبة الدخل وضمان عدم ارتفاع ضريبة الأرباح على الشركات في فرنسا عن المتوسط الأوروبي.

المحصلة الرئاسية
أثنى على ولايته الرئاسية مؤكدا على التنوع الذي أدخله إلى الحكومات المتعاقبة في ولايته الرئاسية حيث استدرج شخصيات من اليسار كبرنار كوشنير وزير الخارجية الأسبق، وأدخل وجوها فرنسية من أصول مهاجرة كرشيدة داتي وزيرة العدل و راما ياد وزيرة حقوق الإنسان.

video

وفي ذات السياق، أثنى على صفات وزير الخارجية الأسبق و المرشح المحتمل للإنتخابات الرئاسية آلان جوبيه و نادى بضرورة الإبقاء على علاقات يسودها الإحترام المتبادل لتفادي تكرار الخلافات التي شابت معسكر اليمين الوسط بين الرئيسين الأسبقين فاليري جيسكار ديستان و الطامح آنذاك للوصول إلى الرئاسة والرئيس الأسبق جاك شيراك أو إدوار بالادور رئيس الوزراء الأسبق و الطامح للوصول إلى الرئاسة وجاك شرياك.

أما خسارته في انتخابات عام 2012، فيعتبرها رغبة فرنسية في التناوب ونتيجة الأزمة الإقتصادية العالمية عام 2008، مدافعا عن خياراته الإقتصادية، مشيرا إلى أن بداية عهده سجلت انخفاضا ملحوظا في معدل البطالة (أقل من مليوني عاطل عن العمل) في سابقة منذ عام 1980، وأن نسبة العجز العام كانت ما دون 3%، ولكن أتت الأزمة الإقتصادية بما لا تشتهي السفن.

وفي فقرات جريئة، يذكر ساركوزي متاعبه مع القضاء إبان حملته الإنتخابية فيما يتعلق باسغلاله لسيدة الأعمال ليليان بيتنكور، وتمويل حملته الإنتخابية لسنة 2007 من طرف معمر القذافي، ثم قضية شركة بيغ ماليون، المسئولة عن صورة ساركوزي في حملته الرئاسية و التي اتهمت بإصدار فواتير مزورة، ويذكر ساركوزي أنها تهم بدون أدلة أطلقت من طرف منافسيه لتشويه صورته، منتقدا اليسار المتناقض مع شعاراته كحقوق الإنسان، دولة القانون والشفافية وأنه اتهامات باطلة عارية من الصحة.

العلاقات الدولية والعرب
يتناول ساركوزي في كتابه رؤيته للعلاقات الخارجية وكيف سعى إلى تحسين صورة فرنسا وتعزيز مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي مذكرا بدور فرنسا إبان الأزمة بين روسيا وجورجيا، كما يفسر مشروعه الاتحاد من أجل المتوسط لخلق مناخ للسلام والتعاون الاقتصادي بين ضفتي المتوسط.

video

أما عن العالم العربي، فيعتبر ساركوزي أن سياسته مع الدول العربية تعتمد على الاستهداف، فحسب قوله من له أصدقاء كثر ليس له صديق، حيث يجب التعاون مع دول ذات رؤى مشتركة مع فرنسا ولها أدوار جيوسياسية قوية ويذكر كلا من المغرب، قطر، مصر، والإمارات العربية المتحدة كحلفاء لفرنسا.

وبخصوص التدخل العسكري الفرنسي في ليبيا، يؤكد ساركوزي أن هذا التدخل كان ضروريا لاجثتاث نظام القذافي ومواجهة المجازر التي كان يقوم بها ضد شعبه، كما يكشف أن هذا التدخل يكسب فرنسا شعبية لدى الدول العربية ويعتبرها فرصة سانحة لفرنسا لإقامة علاقات قوية مع المنطقة العربية.

وفي تعليقه على أزمة اللاجئين، يقول إنها التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات الغربية خلال القرن الواحد والعشرين، ويدعو الحكومات الى التحلي بالوضوح والإنسانية عبر منح اللاجىء مدة قصيرة للإقامة يحق له فيها الاستفادة من المساعدات الاجتماعية، كما ينتقد تباين سياسات الدول الأوروبية تجاه أزمة اللاجئين، داعيا في نفس الوقت إلى مساعدة الدول الأفريقية لأن انهيار القارة السمراء سيكون كارثة على الدول الأوروبية.

يعود ساركوزي لموضوع الهجرة والإسلام بفرنسا، حيث يطالب بتعديل قوانين الهجرة والإقامة بفرنسا، ذاكرا اتفاقية سنة 1968 مع الجزائر والتي يعتبرها مخالفة لحقوق الأجانب في فرنسا، وكذلك قانون دخول فرنسا والإقامة فيها والقانون العام لسياسات الهجرة في فرنسا، لا ينطبق على الجزائريين.

وبحسب ساركوزي، فإن الوقت قد حان لمراجعة مسار التفاوض الذي بدأته فرنسا سنة 2011 لما كان هو رئيسا للجمهورية، وذلك من أجل جعل اتفاقية 1968 مطابقة لسياسة الهجرة التي تريد فرنسا انتهاجها. يتطرق ساركوزي إلى الإسلام والديموقراطية والتعايش في مجتمع علماني، مذكرا بما أنجزه من خلال إنشاء مجلس الديانة الإسلامية وسعيه إلى وجود إسلام فرنسي متشبع بقيم الجمهورية وقادر على التعايش مع القيم الكونية والمواطنة حسب قوله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك