عرض/محمود الفطافطة

استعملت الحركة الصهيونية، وبعد ذلك إسرائيل، سياسات الأرض، والتخطيط المديني والعمراني والاجتماعي والديمغرافي، من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية في القدس، ومن أجل السيطرة المحكمة والمطلقة على أراضي المدينة جلَها وما هو حولها، وخاصة ما هو في عمق الضفة الغربية، وكذلك إعادة صياغة تاريخ القدس من جديد، عبر إنتاج أسطورة "أورشليم" القديمة واستحضارها بهدف ترسيخ تحويلها إلى عاصمة إسرائيل الأبدية.

هذه السياسات أثرت بشكل حاسم على الفلسطينيين ومستقبلهم السياسي في المدينة، وطال الأمر المستوى المكاني والديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي. هذا التأثير هو الذي يرصده ويحلله وينقده المؤلف عبر تحليل إستراتيجيات السيطرة الإسرائيلية في القدس من حيث ماهيتها وأهدافها ورؤيتها للمستقبل، واستعراض أهدافها بعيدة المدى فيما يتعلق بمصير المدينة، إلى جانب تحديد إسقاطاتها على حياة الفلسطينيين، وعلى مستقبل المدينة السياسي.

التخطيط.. هيمنة ونتائج
يتكون الكتاب من خمسة فصول، إضافة إلى التوصيات وقائمة المراجع. الفصل الأول يتضمن المقدمة، وتناول المؤلف فيه عدة محاور، أهمها: تخطيط الهيمنة في القدس ونتائجه. وهنا يرى الكاتب أن التخطيط الإسرائيلي كان وما زال يلعب دورا منقطع النظير من أجل حسم مستقبل القدس بهدف ضمان مستقبلها الجيوسياسي كعاصمة أبدية لإسرائيل ومنع تقسيمها. وبشكل عيني، تهدف إسرائيل -وفق المؤلف- إلى حسم الحالة الديمغرافية والجيوسياسية للقدس الشرقية بهدف منع إقامة عاصمة فلسطينية فيها ودمجها بالقدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية.

-العنوان: التخطيط الإسرائيلي في القدس.. إستراتيجيات السيطرة والهيمنة
-المؤلف: يوسف جبارين
-الناشر: المركز الفلسطيني  للدراسات الإسرائيلية- مدار
-عدد الصفحات: 144
-تاريخ الصدور: 2016

أما بخصوص نتائج هذا التخطيط، فيلخص الكاتب أهمها في الآتي: تدمير شامل للبلدات الفلسطينية غربي مدينة القدس، تهجير سكان القدس الغربية، السيطرة على الأحياء والإرث المعماري الفلسطيني في القدس الغربية، سقوط حاضرة فلسطين، بحيث "إنه لو لم تحدث النكبة لوصل اليوم عدد سكان القدس وضواحيها، أو حاضرة القدس، إلى حوالي 2 مليون نسمة".

ويذكر الكاتب من نتائج التخطيط أيضا: مصادرة غالبية أراضي القدس الشرقية، تجريم أكثر من 80% من الفلسطينيين وفق قانون التخطيط الإسرائيلي، بحيث يوجد في القدس اليوم 44 ألف منزل فلسطيني "غير قانوني" أو غير معترف به وفق القانون الإسرائيلي. وهذه المنازل مهددة بالهدم بشكل دائم، إلى جانب تحويل أحياء القدس الشرقية إلى مساكن فقر و"كانتونات" منفصلة ومبعثرة.

أما الفصل الثاني فيتناول المؤلف الإطار النظري لموضوع الحق في مدينة القدس، ومن ثم يعرض ما قام بتطويره الاحتلال نظريا لمصطلح الحق في إنتاج المكان. ويبين أن إحدى إستراتيجيات تخطيط الهيمنة المركزية في المجتمعات الاستعمارية هي إستراتيجية إقصاء السكان الأصليين ونزع الحقوق بأدوات تتعلق بسياسات الحيز والأرض والاقتصاد والبيئة.

ويتأسس تحليل الكاتب في هذا الفصل على إستراتيجيات الهيمنة عبر الإقصاء، والتي تضم إقصاء الفلسطينيين عن المشاركة في تخطيط مدينتهم، ونزع حقهم في الاستملاك. ويعرض الفصل إستراتيجيات الإقصاء إبان الانتداب البريطاني وحتى الاحتلال الإسرائيلي للمدينة.

المقاومة بالولادة!
ويوضح جبارين أنه تم تجاهل حق الفلسطينيين في القدس في إنتاج الفضاء. ويستنتج أن الفلسطينيين لم يتمتعوا بهذا الحق أبدا، وأنه منذ الانتداب البريطاني قبل قرن تقريبا لم تكن لديهم الفرصة للعب دور ذي أهمية في التخطيط الرسمي للقدس.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة التي تحيط بالمقدسيين استمر السكان في مقاومة السياسات الجيوبوليتيكية والديمغرافية الإسرائيلية -مثل البناء دون ترخيص- كما سعوا لإعادة تشكيل ظروفهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيشونها بنجاح واضح.

كما استمروا في تحدي الدولة (بلدية القدس، وجمعيات المستوطنين اليهود) من خلال أشكال فريدة من الاستملاك وإنتاج الفضاء. ويذكر الكاتب أن إسرائيل ما زالت تبذل جهدها لتشكيل واقع المدينة جغرافيا وديمغرافيا للحفاظ على قدس "موحدة" بغالبية يهودية، بينما المقاومة الفلسطينية لهذه السياسات مستمرة بمختلف الأشكال، وأبرزها النمو السكاني، إذ يقول "إن المقدسيين يعون أن نموهم السكاني يقوي موقفهم في المدينة، بغض النظر عن إستراتيجية الدولة ومؤسسات التخطيط التي تتبعها ديمغرافيا، حيث نما عدد المقدسيين نسبة لمجموع السكان بثبات في السنوات الأخيرة: 25.85% عام 1967 و31.7% عام 2000، و36.8% عام 2012.

ويشير الكتاب إلى أنه عندما تتم مهاجمة أو تجاهل حق مجموعة في إنتاج الفضاء، يمكن اعتبارهم في دولة حرمان حضري. فــ "المقدسيون في مثل هذه الدولة هم نتاج الإقصاء المقصود عن إنتاج المكان من قبل بلدية القدس ومؤسسات التنظيم المحلي والإقليمي الإسرائيلية".

ثنائية الإقصاء والمواجهة
يتناول الفصل الثالث التخطيط الإسرائيلي في القدس، إذ يؤكد أنه منذ قرار إسرائيل ضم شرقي القدس عام 1967 وحتى اليوم، بقيت سياسة رؤساء المدينة على حالها باعتبار الفلسطينيين المقدسيين خطرا ديمغرافيا، وإقصائهم التام والمطلق عن التخطيط والتطوير في المدينة والتركيز على تهويدها، وترتبت عن هذه السياسة إسقاطات أدت إلى: بنى تحتية في حالة متردية ومزرية في أحياء القدس الشرقية، اكتظاظ سكاني شديد جدا وتحويل سكان القدس الشرقية إلى "مخالفي بناء" من جراء عدم منحهم تصاريح البناء، والتغلغل اليهودي التدريجي والمتواصل في الأحياء الفلسطينية.

ويستنتج المؤلف في هذا الفصل أنه في موازاة الإجراءات الحادة جدا التي تتخذها بلدية الاحتلال وحكومات إسرائيل، ينبغي اتخاذ جملة من التدابير والخطوات وإعداد مخطط بديل يشمل مقومات بلدية لصالح سكان المدينة، إلى جانب مقومات وطنية واسعة ترتبط بمكانة مدينة القدس، دورها ودلالتها الرمزية المميزة بالنسبة للشعب الفلسطيني.

ويقدم المؤلف جملة من الأفكار والتوصيات لوضعها موضع التطبيق في مخطط يعتمد هذا الخط التوجيهي المذكور سالفا، والتي أبرزها: تخطيط القدس الشرقية باعتبارها عاصمة للشعب الفلسطيني، تخطيط فلسطيني لحاضرة (متروبولين) القدس كنواة للدولة الفلسطينية، دعم المقدسيين باستمرار، وتعزيز صمودهم من خلال وسائل تخطيطية تعالج قضايا السكن والمجتمع والاقتصاد، دمج المقدسيين مع بقية الضفة الغربية وإشراكهم في وضع وتحقيق أجندة تخطيطية فلسطينية عامة.

إستراتيجيات الطمس والتهويد
ويناقش الفصل الرابع بشكل مختصر الإستراتيجيات الرئيسة للخطة القومية لإسرائيل التي تمت الموافقة عليها، وخطة القدس المناطقية التي تمت الموافقة عليها مؤخرا. كما يركز على خطة القدس رقم 2000 التي لها تأثيرات خطيرة على مساحة القدس ومستقبلها الجغرافي.

وفي هذا الخصوص، يتطرق الكتاب إلى إستراتيجيات التخطيط المكاني للقدس الشرقية، والتي أبرزها: إخفاء التوسع والنمو الطبيعي للضواحي الفلسطينية، وأن ترسيم حدودها محدد بالمناطق المبنية فقط، وقطع الارتباط بين المناطق الحضرية الفلسطينية في القدس الشرقية، إذ أن الهيكل الحضري فيها مُفكك، وتبدو مساحته على شكل تكوينات ذات ضواح متفرقة تفتقر إلى الوصلات الحضرية بين بعضها البعض، السيطرة على "الحوض المقدس" والمناطق المحيطة به مباشرة (البلدة القديمة والمحيطة بها مثل سلوان وعين حلوة والطور والشيخ جراح) والتي هي مليئة بالرمزية والحساسيات الدينية والتاريخية والثقافية، إلى جانب تنمية القدس الغربية وخلق فرص عمل جديدة فيها، مع إهمال احتياجات المقدسيين للتنمية الاقتصادية والوظائف.

ويبين المؤلف أن النظام التخطيطي الإسرائيلي تصرف كآلة "جهنمية" مهمتها تثبيت انتصار عام 1967، بهدف تهويد القدس عبر تغيير جغرافية المدينة ومناطقها. ويشير إلى أن نظام التخطيط وعمله في القدس تأثر بجملة مؤثرات تنظيمية وقانونية وسياسية وأيديولوجية، وقد سيطرت هذه المؤثرات مجتمعة وقلصت من الأعمال الخاصة بالتنمية السكنية والفضاءات العامة والمناطق الصناعية والبنى التحية في القدس، بينما تم توجيه جهود وموارد هائلة نحو تنمية القدس في جانبيها الغربي والشرقي لكي تكون عاصمة إسرائيل.

خرائط الإلغاء وغياب البديل!
وجاء الفصل الخامس من الكتاب ليتضمن مُلخصا لأبرز استنتاجات الدراسة. ومما جاء فيه أن خطط تهويد القدس لم تتوقف فقط على الحكومات الإسرائيلية وأجهزتها، بل تدخل المجتمع المدني الاستيطاني واليهودي العالمي من أجل إحكام السيطرة على القدس في السنوات الأخيرة خاصة.

ويُشار في الكتاب إلى خطط وُضعت في السنوات الأخيرة، وهي ليست جزءا من الخرائط الهيكلية الشاملة، وإنما وضعتها جهات خاصة، وجمعيات تابعة للمستوطنين تتغذى على موارد هائلة توفرها لها جمعيات يهودية أميركية، وتضع لها هدفا واحدا مركزيا: الاحتلال التدريجي الزاحف للأحياء الفلسطينية في القدس.

ويذكر الكاتب أن الاحتلال حوّل الصراع على مدينة القدس إلى صراع يومي على المسكن، وصراع على الحوض المقدس والبلدة القديمة والحرم الشريف والرواية التاريخية، وأن "تخطيط الهيمنة" الإسرائيلي في القدس يرتكز على أيديولوجية لا تأخذ بعين الاعتبار حق الفلسطينيين في المدينة ووجودهم فيها.

ويرى أن هذا التخطيط جيوسياسي، له مآربه وأهدافه بعيدة المدى، ويمتاز تخطيط الهيمنة بجوانبه المظلمة تجاه الفلسطينيين، فالقوة أساسه واعتماده، وغالبا يستعمل التدابير العسكرية والاقتصادية، وسياسات الأرض والتخطيط من أجل تحقيق أهدافه. وأمام كل ذلك، هنالك غياب مطلق لسياسات إستراتيجية فلسطينية لمواجهة شمولية تخطيط الهيمنة في القدس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك