يؤرخ كتاب "الحروب من أجل المقدسات.. من أميركا الإسرائيلية إلى فلسطين الهندية الحمراء" -عبر 29 فصلاً سردياً لا تخلو من التوثيق والتحليل- للصراع الذي شهدته القارة الأميركية بين المستوطنين الأوروبيين والسكان الأصليين، ومدى ارتباط ذلك الصراع بالأفكار الدينية لكلا الفريقين.

عرض/ ياسر غريب

لعب "المقدس" دوراً كبيراً في نشأة الدولة الأميركية، فقد صاحبت "العقيدة وفوداً كبيرة من المهاجرين البيض الباحثين عن الذهب في العالم الجديد، وهناك أيضاً اصطدم المقدس الأبيض الغازي بالمقدس الأحمر الأصلي صاحب الأرض والثروات".

الكتاب: الحروب من أجل المقدسات.. من أميركا الإسرائيلية إلى فلسطين الهندية الحمراء
الكاتب: محمد شعبان صوان
الناشر: إي. كتب ليميتد، لندن
الطبعة: الأولى/أغسطس 2015
الصفحات: 532

ويؤرخ كتاب "الحروب من أجل المقدسات.. من أميركا الإسرائيلية إلى فلسطين الهندية الحمراء" -عبر 29 فصلاً سردياً لا تخلو من التوثيق والتحليل- للصراع الذي شهدته القارة الأميركية بين المستوطنين الأوروبيين والسكان الأصليين، ومدى ارتباط ذلك الصراع بالأفكار الدينية لكلا الفريقين، مع إسقاط دوافع هذا الصراع وآلياته على القضية الفلسطينية، بما لا يبتعد عما ذهبت إليه العديد من الدراسات الغربية، وهو ما عبر عنه الرئيس الأميركي جيمي كارتر (1971-1981) في خطابه بالكنيست، حين جمع الأميركيين والإسرائيليين في صراعيهما مع الهنود والفلسطينيين في بوتقة واحدة، ووصفهما بأنهما "رواد أمتين تتقاسمان ميراث التوراة"!

صحيح أنه منذ بداية الصراع كانت قضية تهجير السكان الأصليين وسلب ثرواتهم هدفاً إستراتيجياً حتميا، وقد تساءل أحد كبار الجنود الأميركيين الذين استيقظ ضميرهم فجأة أثناء المعارك الطاحنة "لماذا كلما أصبحت أرض الهندي المحمية تساوي أي شيء، فإن عليه مغادرتها ومنحها للرجل الأبيض؟!"، لكن تلك العمليات المسلحة صاحبتها جهود تنصيرية أسهمت في تعميق أزمة الهنود الحمر، ولم تصل بهم إلى السلام المزعوم.

أورشليم الأميركية
تشرح فصول الكتاب كيف أسّس الآباء الحجاج الأوروبيون في هجراتهم المبكرة أولى المستعمرات التي مهدت لقيام الولايات المتحدة، وكيف كان لهؤلاء الآباء الحجاج أثرهم المستمر في تشكيل الفكر الدستوري الديمقراطي، وكيف ظل مؤثراً في الممارسة السياسية في أميركا.

تنبأت تفسيرات "المتطهرين" للكتب المقدسة بفتح أميركا باعتبارهم الشعب المختار الذي سيحقق على هذه الأرض نبوءات عودة المسيح وأحداث آخر الزمان، فأميركا هي أورشليم الجديدة والمستوطنون هم شعب إسرائيل الجديد الذي تفوّق على شعب إسرائيل القديم، وإنجلترا هي بابل الحديثة التي هرب منها المضطهَدون لينشئوا مملكة الرب الجديدة، بل ذهبوا أحياناً إلى ضرورة إعلان الحرب على "أعداء الرب" في روما البابوية والقسطنطينية العثمانية.

كما يشير المؤلف محمد شعبان صوان إلى أن معاملة الأوروبيين للسكان الأصليين كانت تطبيقا للرؤى الدينية المستقاة من الكتب المقدسة عن سكان فلسطين القدماء، بالإضافة إلى الرؤى التي تكونت لدى الأوروبيين عن المسلمين أثناء الحروب الصليبية.

توابع المعركة الكبرى
في سرده لأحداث الصراع، يتوقف المؤلف عند معركة "القرن الكبير" يوم 25 يونيو/حزيران 1867 باعتبارها آخر المعارك الكبرى التي انتصر فيها تحالف قبائل الهنود الحمر على الجنود الأميركيين المندفعين نحو إخضاع أراضي الهنود المقدسة.

كان البيض بارعين في الخداع والحيل والابتزاز، فاستخدموا الرشاوى المختلفة، وهددوا الهنود بقطع المساعدات والتجويع إن لم يرحلوا، وأذكوا نار الخلافات داخل القبائل حول جدوى التفاوض على أراضيهم المقدسة الموروثة

فقد تزامنت تلك النكسة مع احتفالات الأميركيين بالذكرى الأولى للاستقلال، ثم الثأر الأميركي المتمثل في اجتياح الأراضي الهندية بسيول من الجنود الذين حاصروها، واستولوا ظلما على "التلال السوداء"، في مخالفة لما نصت عليه معاهدة "لارامي" التي اشترطت موافقة ثلاثة أرباع رجال القبيلة على أي تنازل مستقبلي عن الأرض!

يقول المؤلف "بعد ذلك الاجتياح، بدأت رحلة طويلة من المفاوضات المضللة والإغراءات الكاذبة واستقطاب العملاء الذين سيكون لهم دور كبير في مزيد من المآسي للشعب صاحب الحق التاريخي".

بدأت المفاوضات بعد انتهاء المعارك الكبرى، وكان البيض بارعين في الخداع والحيل والابتزاز، فاستخدموا الرشاوى المختلفة، وهددوا الهنود بقطع المساعدات والتجويع إن لم يرحلوا، واجتذبوا ضعاف النفوس للتفاوض معهم وشق الصف الهندي، وإذكاء نار الخلافات داخل القبائل حول جدوى التفاوض على أراضيهم المقدسة الموروثة.

توهم بعض الهنود أنهم سيجنون أموالاً طائلة تحسّن مستواهم المعيشي، وتمكنهم من كسب العيش على الطريقة الأوروبية. وكان الهنود يعتقدون أن كلمة الرجل الشفوية كالمكتوبة في قيمتها، فكانت صدمة كبيرة لهم حين رأوا الأميركيين ينقضون عهودهم واحداً تلو الآخر ببساطة، ثم بدأت رحلة الهنود الطويلة مع الفقر والجوع والحرمان، وكان صراع الهوية أهم ما عانوا بسببه.

قانون "دوز" وتوابعه
يشير الكاتب في أكثر من موضع إلى ما يسمى قانون "دوز" لتخصيص الأراضي (عام 1887) والذي كان فخاً كبيراً سقط فيه الهنود، وهو القانون الخادع الذي عمل على توزيع مساحات محددة لكل أسرة هندية لتتعلم حياة الاستقرار والتحضر، دون النظر إلى حاجات الأجيال القادمة، فكان بديهياً أن يؤدي ذلك إلى استيلاء المستوطنين على بقية أراضي القبائل الشاسعة و"الفائضة" عن حاجتها، وهو القانون الذي يشبهه المؤلف بقانون "التقسيم" في الحالة الفلسطينية.

وفي سبيل تمرير هذا القانون على الهنود، حطمت الإدارة الأميركية -بواسطة مندوبيها- مكانة الزعماء المناهضين للتخلي عن الأراضي القبلية، وصنعت زعماء جددا فاسدين ومرتشين. وغرق الهنود في حالة البؤس بعد تفكيك مجتمعاتهم وإبادة مصدر رزقهم الرئيسي المتمثل في ثور البيسون.
 
قانون دوز كان فخاً كبيراً سقط فيه الهنود، وهو القانون الخادع الذي عمل على توزيع مساحات محددة لكل أسرة هندية لتتعلم حياة الاستقرار والتحضر، دون النظر إلى حاجات الأجيال القادمة
ومن أهم وسائل تحطيم المجتمع الهندي، الغزو الفكري عبر التنصير والتعليم الذي لم يستهدف صناعة مجتمع تقدمي مكان المجتمع "المتخلف"! فتسبب التنصير في انتشار العملاء للمستوطنين في وسط الهنود، بينما أنشأ التعليم هندياً مغتربا مسخاً، لا هو كالبيض ولا هو كالهنود!

يقول المؤلف "لما حانت لحظة تقرير الوضع النهائي، لم يكن مجتمع السكان الأصليين قادراً على مواجهة الموجة الأميركية الكاسحة، لأنه فقد أدوات المقاومة المستقلة وأصبح مرتبطا بل معتمداً على حكومة أعدائه.

وحين تحققت الكارثة وأدرك الهنود مآلات المرحلة السابقة من المفاوضات والسقوط في فخ الرجل الأبيض، والمعاناة من الفقر والجوع والمرض والجهل، لم يجد الهنود ملجأ سوى التعلق بآمال غيبية تنصرهم بالمعجزات، وتقضي على الرجل الأبيض وتعيد أراضيهم المسلوبة وترجع أرواح زعمائهم التاريخيين من الموت إلى الحياة، حتى يعود ازدهارهم كما كان قبل وصول البيض.

لكن لا تفلح هذه الإستراتيجية الغيبية، فبعد مجموعة من المواجهات الدموية يسدل الجيش الأميركي الستار على 400 عام من الصراع بين السكان الأصليين والاستيطان الأبيض بارتكاب مجزرة "الركبة الجريحة" في ديسمبر/كانون الأول 1890، التي راح ضحيتها المئات من قبيلة "السو" واغتيال قائدهم الهندي "الثور الجالس". فقد كان الوقت مناسباً جداً لحسم الأمر، فاحتلال "التلال السوداء" الغنية بالذهب هو الحل الوحيد لسداد الدين القومي بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى التي بدأت عام 1873.

ضحايا السلام
يعود المؤلف إلى رصد حكاية المفوضات وأبعادها، فبعد سنوات قليلة على نهاية الحرب الأهلية الأميركية عام 1865، بدأت "سياسة السلام" من أجل تأسيس نظام أميركي جديد يحتوي جميع المضطهدين من عبيد وسكان أصليين ويشملهم "بالرحمة" و"العدالة"، ويستوعبهم داخل نسيج المجتمع الأميركي، في ظل الإجماع على أن الرب كلف الأمة الأميركية برسالة نشر المسيحية البروتستانتية في القارة كلها. لكن يبدو أن السكان الأصليين وحياتهم كانوا عقبة في وجه ذلك التمدد المقدس!

يشير المؤلف هنا إلى أن خلافاً قائماً بين الصقور والحمائم حول طريقة التخلص من الهندي، فهل يكون ذلك بالطرق العسكرية العنيفة التي تصل حدَّ الإبادة، أم يكون بالعطف والقضاء على ثقافته وزعامته وطريقة حياته وجعله متحضراً كالبيض تماما؟ فلما رجحت كفة الحمائم طبقت برنامجها السلمي الذي افترض أن الهنود سيهرعون بفضله إلى الاستجابة للبيض، ويقدمون كل التنازلات المطلوبة لو تمت محاورتهم وملاينتهم! وهو الافتراض الذي اكتشفوا زيفه فيما بعد، فانقلبوا على الهندي لأنه يرفض هداياهم، لذا لم يكن من العجيب أن تترافق عملية السلام مع أشرس الحروب الدموية في تاريخ القضية الهندية.

الهيئات الدينية تحالفت فعليا مع أشرس الأطماع المادية في زمنها، وسهلت لها طريق التمدد، وفرضت رؤاها على السكان الأصليين بالقوة

التفاصيل الكثيرة التي أوردها الكتاب في تاريخ الصراع الذي استمر أربعة قرون، تُسلّم بأن المجتمع الأميركي قام على أساس استبعاد السكان الأصليين من الامتزاج به، فرغم ادعاءات جلب الحضارة والتنصير والهداية، فإن مصير الهنود انقسم بين القتل والترحيل!

وهكذا تكشف عملية السلام المبكرة مع الهنود أن الإدارة الأميركية كانت أكثر الإدارات فساداً في التاريخ الأميركي، ففي ظلها ألغي الاعتراف باستقلال القبائل وانتهت سياسة عقد المعاهدات معهم، وأبيدت الملايين من ثور البيسون بهدف دفع الهنود نحو الاستسلام، ودُفِعُوا إلى أماكن قاحلة، فساءت أحوالهم وأصبحوا عالة على المساعدات الحكومية بعد فقدان موارد رزقهم وطريقة حياتهم المستقلة، وغير ذلك مما ذكره المؤلف.

ويتساءل المؤلف في نهاية الكتاب "هل اختلف أداء المصلحين المتدينين والكنائس المسيحية عن أداء السياسيين العلمانيين في تعاملهم مع الهنود الحمر؟".

وفي الإجابة يذكر أن المراجع التي اعتمد عليها في كتابه تشير إلى أن المصلحين تبنوا نفس المنطلقات الفكرية للسياسة الأميركية في زمنها، سواء عن دونية السكان الأصليين، أو عن ضرورة القضاء على هوية الهندي وإن لم يكن على حياته.

ويضيف أن الهيئات الدينية تحالفت فعليا مع أشرس الأطماع المادية في زمنها، وسهلت لها طريق التمدد، وفرضت رؤاها على السكان الأصليين بالقوة، وبررت لنفسها ذلك باللجوء إلى التبريرات الاستشراقية الاستئصالية التي ناظرت الاستشراق الاستعماري في بلادنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك