يطرح المؤلف في هذا الكتاب سيرة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، والذي استغرق تسع سنوات من الإعداد والمقابلات والنفاذ الكامل إلى يومياته وزوجته باربرا، وفتح كل الأبواب للتواصل مع العائلة والأصدقاء.

عرض/ محمد ثابت

في ثنائية بين خبرة الكاتب وثراء الموضوع، يطرح جون ميتشام سيرة الرئيس الأميركي بوش الأب، والتي استغرقت تسع سنوات من الإعداد والمقابلات بين الرجلين والنفاذ الكامل ليوميات جورج بوش وزوجته باربرا بوش، وفتح كل الأبواب للتواصل مع أفراد العائلة والأصدقاء.

الكتاب: السلطة والمصير، الأوديسا الأميركية لجورج هربرت ووكر بوش
المؤلف: جون ميتشام.
الناشر: راندوم هاوس
عدد الصفحات: 864 
الطبعة: الأولى نوفمبر 2015

أحدهما حائز لجائزة بوليتزر عن سيرة أندرو جاكسون؛ والآخر رجل تخطى التسعين من العمر، ذو تاريخ عريق في العمل السياسي، توّج بأعلى منصب في الولايات المتحدة واحتل المكتب البيضاوي وأثر في منطقة الشرق الأوسط تأثيرا كبيرا خلال سنواته الأربع فقط، كما أنه الرئيس الوحيد الباقي على قيد الحياة -منذ جون آدامز- الذي رأى ابنه في ذات المنصب، والرئيس الوحيد الباقي أيضا ممن خاضوا الحرب العالمية الثانية.

في مقدمة وسبعة أجزاء تنقسم إلى خمسين فصلا تعقبهم خاتمة وعدة ملاحق، يتناول جون ميتشام حياة أحد أهم الرؤساء الأميركيين في العصر الحديث. بذل ميتشام جهدا خارقا للعمل على هذا المرجع الضخم، حتى جاء الكتاب توثيقا مصورا لكل مراحل حياة جورج بوش منذ مولده وحتى اليوم، كما ظهرت براعة الكاتب في كشفه عن مدى الثراء العائلي السياسي والاجتماعي لأسرة بوش وأسلافه.

الحياة العملية
انضم بوش للبحرية في عامه الثامن عشر طيارا على إحدى القطع البحرية الأميركية المتمركزة في المحيط الهادئ أثناء الحرب العالمية الثانية، وأثناء تحليقه أصيبت طائرته بالرصاص، لكنه أتمّ مهمته وأغار على برج اللاسلكي للأعداء في جزيرة "شيشي جيما" اليابانية، ولم تمنعه إصابة الطائرة، وأمر بوش طاقمه المكون من اثنين من رفاقه بالقفز بالمظلات، وبعد ساعات من الصراع في البحر أنقذت غواصة بوش بينما لم يتم العثور على رفيقيه أبدا. وبعد عقود من تلك الحادثة، يقول الكاتب إن بوش بكى تأثرا وهو يحكي له عن تفاصيل ما حدث، وإنه لا يزال يسأل نفسه هل فعلا قمت بما كان ينبغي؟

كوّن أسرته الخاصة، وفقد طفلته المحبوبة بسرطان الدم، وأسس عملا تجاريا ناجحا واقتحم عالم السياسة الأميركية، وأنهى بوش الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي وهو رئيس للولايات المتحدة. وقضى على شبح الحرب النووية الذي كان يحوم فوق رؤوس الأميركيين والعالم، وقاد تحالفا دوليا انتهى بنصر عسكري ناجح في الشرق الأوسط. ورغم ذلك نظر إليه عامة الأميركيين على أنه رجل غني لا يلمس اهتمامات العامة، واجتذبته السياسة الخارجية على حساب اقتصاد شعبه الذي انزلق للكساد خلال فترة رئاسته.

يقول ميتشام، إن بوش كان رئيسا ومتحدثا وسياسيا وأبا، بل كان يمثل انعكاسا في نفس الوقت لحكاية القوة الأميركية منذ بدأت بقيادة الولايات المتحدة للتحالف الذي قضى على ألمانيا النازية واليابان، وصولا إلى بدء الحرب على "الإرهاب الإسلامي". وعلى صعيد الجبهة الداخلية أرسى اتفاقية الميزانية 1990 التي وضعت القيود على الإنفاق وخلقت الظروف المناسبة للقضاء على إخفاق الميزانية الفدرالية والذي تحقق في عهد كلينتون. كما صنع بوش اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأميركية الشمالية، ووافق على قانون لصالح الأميركيين المعاقين، وأجاز أيضا الاتفاقية التاريخية لمنع تلوث الهواء. 

كان بوش أحد مهندسي صفقة إيران كونترا التي عقدت إدارة ريغان بموجبها اتفاقا مع إيران لتزويدها بالسلاح أثناء حربها مع العراق مقابل إخلاء سبيل خمس رهائن أميركيين في لبنان
قام ميتشام بعمل رائع لتصوير اللحظات الأخيرة لبوش في الرئاسة، وآخر قصاصة تسلمها من مستشار الأمن القومي، وزيارته غير المعلنة للنصب التذكاري لحرب فيتنام في عيد المحاربين عام 1992، وكيف قرأ بعض الأسماء وأدى التحية العسكرية وغادر المكان بنفس الهدوء الذي جاء به.

فضيحة إيران كونترا
كانت السياسة الخارجية هي ساحة الانتصارات الكبرى لبوش، كما كانت ورطته التي سببت له المتاعب. ورغم تعاطف ميتشام مع بوش فإنه لم يستطع تجاوز تورطه في صفقة السلاح الشهيرة مع إيران، فبوش كان أحد مهندسي الصفقة.
 
في الفصل السادس والعشرين، يذكر ميتشام فضيحة إيران كونترا التي عقدت إدارة ريغان بموجبها اتفاقا مع إيران لتزويدها بالسلاح أثناء حربها مع العراق، مقابل إخلاء سبيل خمس رهائن أميركيين في لبنان واستعمال أموال الصفقة لتمويل منظمة "الكونترا" المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا، وكان جورج بوش وقتها نائبا للرئيس رونالد ريغان، واجتمع بوش مع أبي الحسن بني صدر رئيس الوزراء الإيراني في باريس. وكانت فضيحة بسبب العداء المعلن بين إيران والولايات المتحدة، وكانت سببا رئيسيا في سقوط رونالد ريغان.

باهتمام بالغ تحدث الكتاب أيضا عن الحادثة الأشد أثرا في حياة بوش، وفاة ابنته "روبين" بسرطان الدم، وهي الثانية في الترتيب بين أبنائه والأكثر قربا لقلبه. ومعاناته مع زوجته في الشهور التالية لتشخيص حالة الابنة وعلاجها المؤلم ووفاتها التي انطبعت في ذاكرته، وبعد مرور عقود على الفاجعة التي نادرا ما تحدث عنها على الملأ، بكى بوش أثناء زيارته لمركز علاجي للسرطان، وهو نائب رئيس الولايات المتحدة، عندما رأى طفلا مصابا بالمرض وتذكر ابنته.

حرب عاصفة الصحراء
من أهم الأحداث في الكتاب كان حرب عاصفة الصحراء، وكيف أدار بوش الأمر بنجاح حقق من خلاله انتصارا مدويا على عدوه ولم يتكبد خسائر تذكر، وخرجت الولايات المتحدة بمكاسب ما زالت تجني ثمارها حتى الآن، وهو ما فشل بوش الابن في تكراره في حرب الخليج الثانية، فالأب استطاع حشد تحالف دولي حقيقي واستقدم الجيوش من المنطقة لتخوض المعارك الأرضية بدلا من القوات الأميركية، ولم يتورط في احتلال العراق وتوقف بالضبط حيث ينبغي له التوقف.

يتحدث بوش عن دول الخليج، وكيف كانت على وشك الرضوخ لمطالب صدام، وهو ما اعتبره بوش مكافأة للعراق على ضربه للكويت. بالرغم من أنّ المنطقة تعد أكبر مورد للنفط للولايات المتحدة. كان لذلك الوضع تأثير كبير على إصرار بوش وعزمه على تحرير الكويت وحماية السعودية والمنطقة من أطماع صدام حسين.

كان بوش يعلم ما الذي ينبغي عليه فعله، فصدام حسين تحدى عالم بوش الذي كان يعيش لحظة استمتاع نادرة بعالم ما بعد الحرب الباردة ونشوة القطب الواحد، ولم يكن ليسمح لصدام بإفساد تلك اللحظة الفريدة.

اعتقد بوش أن عليه مواجهة خطر صدام فورا وإلا فإن العالم الذي تخلص لتوه من شبح حرب نووية مع الاتحاد السوفياتي سوف يواجه حربا مدمرة في الشرق الأوسط، وكان الرجل يعلم تماما أن الحرب -أيا كان حجمها- يمكن أن تتحول إلى حروب أوسع نطاقا وأكبر حجما.

اعتقد بوش أن عليه مواجهة خطر صدام فورا بعد دخوله إلى الكويت، وإلا فإن العالم الذي تخلص لتوه من شبح حرب نووية مع الاتحاد السوفياتي، سوف يواجه حربا مدمرة في الشرق الأوسط

لم تستمر الحرب البرية أكثر من مئة ساعة ودمرت معظم الجيش العراقي، كان بوش يتعرض لضغوط لمطاردة صدام وإنهاء حكمه للعراق، ولكن -طبقا لما كتبه في مذكراته بعد ذلك- فإنه اعتقد أن احتلال العراق سوف يمزق التحالف الذي بناه ويقلب العالم العربي بأكمله ضده ويحول الدكتاتور المهزوم -صدام حسين- إلى بطل عربي.

كما قد ينتج عنه تورط القوات الأميركية في حرب عصابات لا يمكن الفوز بها، وهو ما حدث فعلا في عهد بوش الابن وتكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة.

سجل حافل
ويذكر ميتشام أن هذا الرجل وضع نهاية سلمية للحرب الباردة وأدار باقتدار هدم سور برلين وإعادة توحيد ألمانيا وتفكيك الاتحاد السوفياتي دون استفزاز شيوعيي العالم الذين كانت حلوقهم تغص بالمرارة، وأرسى في حرب الخليج قاعدة هامة، وهي أن الولايات المتحدة لن تتراجع وستتدخل إذا وجدت اختلالا في موازين القوى العالمية.

يقول المؤلف: لقد قضى بوش عمره في خدمة وطنه، وكان رجلا جيدا في زمن عز فيه أن تجد مثله، من طيار كاد يفقد حياته في سبيل بلاده بالحرب العالمية الثانية إلى سفير الولايات المتحدة بالأمم المتحدة، ومن مدير للمخابرات إلى مبعوث أميركا للصين، كانت حياته دليلا على أن الخدمة العامة هي غاية نبيلة.

وعلى الشاطئ الصخري يجلس بوش، بعد أن تخطى التسعين، قريبا من ممشى الكوخ حيث تعلم المشي لأول مرة في حياته، والأحجار التي لعب بها وهو طفل. كان هذا هو المكان الذي طلب فيه الزواج من قرينته، والأرض التي ربى عليها أطفاله وأحفاده وأحفاد أولاده. والمكان الذي التقى فيه برؤوس الدولة، وفكر في قرارات الحرب والسلام. لقد كانت البقعة التي يفيء إليها دائما، في ساعات النصر والهزيمة، في أوقات الشدة والرخاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك