اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما ينشر بوب وودوارد أسرارا جديدة عن تلك الحقبة، ولكن هذه المرة على يد أحد أخلص رجال الرئيس الأسبق ألكسندر بترفيلد الذي اتخذ قرارا بفتح حاوية الأسرار التي يملكها بعد أن بلغ 88 عاما.

عرض/أمل عيسى
في يونيو/حزيران 1972 تم تكليف الصحافيين بوب وودوارد وكارل بيرنشتاين بتقديم تقرير عن التسلل إلى المقر الرئيسي للجنة الحزب الديمقراطي في واشنطن العاصمة، كان المبنى يدعى ووترغيت. كان الأمر يشبه رأس جبل الجليد الذي سرعان ما أطاح بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، فقد كانت اللجنة المنظمة لحملة إعادة انتخابه هي التي وراء ذلك الحادث، بغرض التجسس على الحزب المعارض للرئيس. استقال نيكسون وحوكم جنائيا، لكن تم العفو عنه من قبل الرئيس الجديد.

السرطان والهرم يكشفان الحقيقة
اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما ينشر بوب وودوارد أسرارا جديدة عن تلك الحقبة، ولكن هذه المرة على يد أحد أخلص رجال الرئيس الأسبق، وهو ألكسندر بترفيلد الذي اتخذ قرارا بفتح حاوية الأسرار التي يملكها بعد أن بلغ 88 عاما وأصيب بسرطان البروستاتا، 20 صندوقا وأكواما من الوثائق استطاع الرجل إخراجها بصورة ما من البيت الأبيض أثناء عمله مع نيكسون.

الكتاب: آخر رجال الرئيس   المؤلف: بوب وودوارد
الناشر: سيمون وشوستر - نيويورك – أميركا
عدد الصفحات: 304 
الطبعة الأولى/ أكتوبر 2015

لم يكن وودوارد في أقصى أحلامه يتوقع أن يسمح له بترفيلد برؤية أو لمس هذا الأرشيف، فرغم أن الصحفي الشهير كان قد ارتكز على ما قدمه بترفيلد من معلومات في المرة الأولى مكنته من هدم الرئيس وإجباره على الانسحاب من الحياة السياسية بأكملها، حيث يقول "وودوارد" إنه لولا تلك المعلومات لظل نيكسون في منصبه، فإن ذلك الأمر قد سبب الكثير من المعاناة لبترفيلد.

في مقدمة و27 فصلا ثم خاتمة وملحق للوثائق التي تناولها الكتاب، يحكي بوب وودوارد تفاصيل ما انكشف له من أسرار جديدة كانت مخفية بحوزة مساعد الرئيس الأسبق. وكثير منها يكشف نقصا متعمدا في مذكرات الرئيس عن تلك الفترة.

يقول الكاتب إن بترفيلد سمح له ولمساعده بالتنقيب في هذا الأرشيف المذهل والقراءة والنسخ منه، "كانت تحوي كل شيء بدءا من العمليات الروتينية إلى المسودات التي تحدد الأوامر التي أصدرها نيكسون، كما ضمت أيضا بعض الرسائل المتبادلة بين نيكسون وهنري كيسنجر مستشاره للأمن القومي، وبعض النشرات بالغة السرية من وكالة المخابرات المركزية".

أخبرهم بترفيلد بأنه كان أول من يرى الرئيس في الصباح وآخر من يراه مساءً، وعندما سأله المؤلف: كيف خرجت بكل هذه الوثائق السرية من البيت الأبيض؟! قال: إنه خرج بها بكل بساطة، وإنه اعتقد أنها ستكون بمأمن أكثر معه".

جريمة حرب
في الفصل الثامن يتحدث الكتاب عن المذبحة الشهيرة المسماة باسم القرية الفيتنامية "ماى لاي" حيث وقعت الأحداث، مئات من المدنيين الأبرياء قتلوا على يد الجنود الأميركيين في جريمة حرب قادها الملازم "ويليام كالي"، رغم أن أهالى القرية كانوا غير مسلحين ولم يبدوا أي مقاومة لحملة التفتيش والتدمير التي كان ينفذها الجنود الأميركان، وكانت مجموعة تقارير صحفية نشرها الصحفي الشهير سيمور هيرش هي التي كشفت الموضوع.

تكشف الوثائق أن الرئيس كان على علم بالمسألة قبل ظهور التقارير الصحفية بشهرين على الأقل واستلم تقارير البنتاغون عن الحادث، ولكنه آثر التغطية عليها حتى لا تؤدي لتقوية شوكة المناهضين للحرب، وستكون تهديدا سياسيا كبيرا لاستراتيجية نيكسون في فيتنام.

نرجسية الرئيس
في الفصل التاسع تنكشف بعض من جوانب شخصية نيكسون النرجسية، فالرجل لا يحب أن توضع صورة رئيس غيره، يقول بترفيلد "في ليلة الكريسماس عام 1969 قام الرئيس بجولة في الطابق الأرضي لمبنى المكتب التنفيذي المجاور للبيت الأبيض. واكتشف أن بعض الموظفين يعلقون صور جون كيندي أو يضعونها على مكاتبهم. وفوجئ بترفيلد بأمر نيكسون له بالتخلص من هذه الصور وبسحب صور الرؤساء الآخرين من على الجدران.

عندما اكتشف نيكسون أن بعض موظفي البيت الأبيض يعلقون صور جون كيندي أو يضعونها على مكاتبهم, أمر بالتخلص من هذه الصور وبسحب صور الرؤساء الآخرين من على الجدران

في الفصل الثامن عشر يتحدث المؤلف عن وثيقة بالغة السرية، بخط الرئيس يخاطب فيها هنري كيسنجر مستشاره للأمن القومي، يقول فيها "إن الغارات الجوية التي نفذها الجيش الأميركي على فيتنام هي فشل وبلا طائل"، رغم أنه في ذات الوقت في مقابلة تلفزيونية صرح بـ"أن الغارات والقصف الجوي المكثف لفيتنام قد عكس نتائج فعالة جدا جدا، وأنه سوف يعرض هذا النجاح في صورة سحب مزيد من القوات الأميركية المتورطة آنذاك في فيتنام".

ما يقارب ثلاثة ملايين طن من القنابل ألقيت على لاوس وفيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية تسببت في آلاف الضحايا، وبأمر مباشر من نيكسون، رغم أن الرئيس كان يعلم عبثية القصف الجوي في كسر شوكة المقاتلين الفيتناميين، ولو استمر نيكسون في عمله لألقى مثلها ثانية.

الحليف آخر من يعلم
يكشف الكاتب في الفصل العشرين عن رسالة بعثها هنري كيسنجر من فيتنام الجنوبية، حيث كان يجتمع مع الرئيس الفيتنامي الجنوبي، في أكتوبر/تشرين الأول 1972 وكانت الرسالة سرية للغاية ولا يراها غير الرئيس.

يقترح كيسنجر في رسالته أن يرسل الرئيس خطابا إلى ليونيد بريجنيف الرئيس السوفياتي الذي كان يؤدي دور الوسيط في مباحثات السلام مع فيتنام الشمالية، للتحضير لاتفاقيات ثنائية (بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية)، بالطبع كان الأمر يتضمن استبعاد فيتنام الجنوبية حليفة أميركا في الحرب.

رغم أن كيسنجر يذكر مقولة للإدارة الأميركية آنذاك هي "أنهم لن يفرضوا حلا على حلفائهم"، ولكن الوثيقة تقول غير ذلك، بل تؤكد تفضيل كيسنجر للحل الثنائي. ولم يذكر نيكسون في مذكراته هذا الأمر، بل قال إن موضوع الحل الثنائي لم يخطر على باله، بل أكد أنه أرسل رسالة للرئيس الجنوبي يبلغه بأن الولايات المتحدة لن تخطو خطوة بدون حليفها.

وتثبت الوثائق أنه رغم اجتماع كيسنجر مع الرئيس الفيتنامي الحليف لمدة ساعتين وثلث فإنه أخفى عنه الكثير من الحقائق، وبالطبع لم يبلغه بأنه اقترح على الرئيس في اليوم السابق فقط أن يقوم بترتيبات ثنائية مستبعدا فيتنام الجنوبية.

العسكريون يتنكرون لصديقهم
يروي بترفيلد في الفصل الخامس والعشرين ما دار في خلده يوم أفشى سر تسجيلات البيت الأبيض التي تورط فيها نيكسون "كنت أدرك تماما أن تلك اللحظة يمكن أن تغير حياتي، اعتقدت أني يمكن أن أطرد من إدارة نيكسون على الفور، وربما أتعرض لإطلاق النار، فالكثير من الناس يحبون نيكسون وأنا وضعته في مأزق. أذكر كم فكرت في حزم حقيبتي ومغادرة المدينة، وحتى في إجراء عملية تجميل لتغيير شكلي".

وفي خاتمة الكتاب يذكر المؤلف مقولة لكيسنجر "ما أعجب المركبات التي يختارها القدر لإنجاز مهماته"، والتي ختم بها مذكراته المعنونة بـ"سنوات البيت الأبيض". يقول وودوارد، رأى بترفيلد أعضاء إدارة نيكسون يتحاشونه، رغم علمه وشعوره بأن بعضهم يستحسن ما فعله عندما أسهم في كشف الحقيقة أول مرة، لكن الحقيقة لبعضهم أنه هدم حياتهم المزدهرة.

رغم الكشف عن معظم الوثائق وتسجيلات البيت الأبيض بعد سقوط السرية عنها بمضي المدة، تبقى الأسرار التي كشفها بترفيلد من مخزونه الكبير هي الحلقة المكملة لصورة ذلك العهد

ويذكر بترفيلد كيف تنكر له أصدقاؤه من العسكريين على وجه الخصوص، حتى سمع بعضهم بأذنه وهو ينكر وجوده حتى لا يقابله.

ويضيف وودوارد "أنه في زياراته العديدة لبترفيلد في مسكنه في كاليفورنيا، رأى في الممر الذي بطول عشرين قدما، ثلاثين صورة فوتوغرافية مؤطرة، حصرية بفترة الرئيس نيكسون في البيت الأبيض. وبجلسة الاستماع في مجلس الشيوخ حول التسجيلات السرية في البيت الأبيض ويوم استقالة نيكسون ووداعه وكم كان مجهدا ومتعرقا.

يقول بترفيلد إن العقود التالية لتلك الحقبة لم تكن أعواما سعيدة بالنسبة له، وكم فكر في ما حدث، وهل كان من الأفضل له أن يظل في القوات الجوية ويصبح جنرالا بدلا من عمله في الإدارة؟! وهل لو أنه لم يكشف هذه الأسرار سابقا لظل مرموقا في أروقة الحزب الجمهوري ولأصبح من رموزه الحاكمة الكبار؟! ولكنه يعود فيقول إنه لا يشعر بالندم ولو عاد به الوقت لاتخذ نفس الخطوات ولفعل نفس الشيء ثانية. إنه الآن في سلام مع نفسه.

يمتلئ الكتاب بالكثير من الوثائق التي تحكي أدق التفاصيل عن تلك الحقبة التي خسرت فيها الولايات المتحدة عشرات الآلاف من شبابها والأموال الطائلة في حرب عبثية بلا نتيجة سوى جروح دامية نازفة حتى اليوم.

ورغم الكشف عن معظم الوثائق وتسجيلات البيت الأبيض عن تلك الفترة بعد سقوط السرية عنها بمضي المدة، تبقى الأسرار التي كشفها بترفيلد من مخزونه الكبير هي الحلقة المكملة لصورة ذلك العهد.

ولعل كشفها في هذا الوقت خاصة وعلى أبواب الانتخابات الأميركية التي يترقبها العالم أجمع، يرسل رسالة إلى القادم للبيت الأبيض أنه لا شيء يموت ولا يمكن إخفاء الحقيقة في المجتمعات المفتوحة مهما بلغ شأن من يحاول ذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك