خاص/ الجزيرة نت
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاباً جديداً بعنوان "صواريخ المقاومة في غزة سلاح الردع الفلسطيني"، من تأليف باسم جلال القاسم وإشراف الدكتور محسن محمد صالح، وهذا الكتاب عبارة عن دراسة علمية موثقة تسلّط الضوء على تطورات القدرات الصاروخية الفلسطينية خلال الفترة من 2001 وحتى 2014.

الكتاب: صواريخ المقاومة في غزة سلاح الردع الفلسطيني
المؤلف: باسم القاسم
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
الطبعة: الأولى، أكتوبر 2015

فبعد مرور 13 عاماً على إطلاق أول صاروخٍ من قطاع غزة، تعرض القطاع خلالها لثلاث حروب إسرائيلية كبيرة كان آخرها عدوان 2014، أثبت هذا السلاح مدى فعاليته وتأثيره في مسار الحرب، وتحول من مجرد إزعاج هامشي على خلفية أحداث انتفاضة الأقصى 2000، لا يهتم به صنّاع القرار في تل أبيب، إلى خطر متصاعد باتجاه أن يكون خطراً إستراتيجياً، لا يبدو أن الاحتلال يملك القدرة على التعامل معه في الوقت الراهن، أو التخلص منه نهائياً.

التصنيع والتحديات
يعرض هذا الكتاب في جزئه الأول مراحل تطور القدرات الصاروخية الفلسطينية، وجهات التصنيع، فقد بدأت المراحل الأولى لإنتاج الصواريخ، في قطاع غزة، بالبحث عن الوسائل والمواد المتفجرة المستخدمة في الصواريخ، حيث واجهت خلالها المقاومة الفلسطينية الكثير من العقبات والصعوبات، تمثلت في عدم توفر المواد اللازمة في الأراضي المحتلة، مما حدا بوحدات الهندسة والتطوير التابعة للأجنحة المسلحة للاعتماد على الذات في صناعة المواد اللازمة لصنع الصاروخ.

حاول الاحتلال الإسرائيلي منع وصول الأسلحة والمواد اللازمة إلى أيدي المقاومين، من خلال فرض حصار مشدد على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى إن قوات الاحتلال قامت بمنع معظم المواد الأولية التي تدخل في بعض الصناعات الفلسطينية، وأهمها مواد "التنظيف" التي يُعتقد أنها تحتوي على مركّبات لها استخدام مزدوج، وتستفيد منها المقاومة في تصنيع المتفجرات. كما أنها حاولت منع دخول بعض المواد التي تُستخدم في الزراعة، وأهمها مادة "اليوريا" التي تعتقد قوات الاحتلال أنها العنصر الرئيسي في تصنيع العبوات الناسفة.

لقد أثَّر ذلك على إنتاج المواد المتفجرة الخاصة بالصواريخ وغيرها من الصناعات القتالية، إلا أن هذا التضييق لم يوقف التفكير في استحداث طرق محلية لتخطي ذلك، حيثُ تؤكد مصادر في كتائب القسام، الذراع العسكري لـ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أنهم لجؤوا حتى إلى رَوْث البهائم لاستخراج بعض الغازات والمواد الكيميائية التي يمكن استخدامها في تصنيع المتفجرات، وقد نجحوا في ذلك.

في المقابل، لعب التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" في الضفة الغربية دوراً متقدماً في الحدّ من قدرة المقاومة الفلسطينية على نقل تكنولوجيا الصواريخ من قطاع غزة إلى الضفة، ولم تكن التزامات أوسلو الدافع الوحيد لهذا التوجه لدى السلطة، بل كان الدافع الأقوى خوف السلطة من انتقال سيطرة حماس إلى الضفة بعد سيطرتها على القطاع منتصف 2007، خصوصاً بعد فشل جولات المصالحة الفلسطينية ومسارات التسوية مع "إسرائيل"، وازدياد عمليات بناء المستوطنات في الضفة.

مواجهة الصواريخ
ثم يعرّج الكتاب في جزئه الثاني، على تطور الوسائل الإسرائيلية لمواجهة هذه الصواريخ، حيث أولت "إسرائيل" اهتماماً كبيراً للتصدي لعمليات تطوير صواريخ المقاومة في قطاع غزة، ولمنع نقل تكنولوجيا الصواريخ إلى الضفة الغربية، كما استعملت أذرعها العسكرية والأمنية للحد من عمليات تهريب الصواريخ إلى القطاع، ونفذت عمليات أمنية وعسكرية خلف الحدود للغرض ذاته.

نجحت "إسرائيل" في منع نقل الصواريخ إلى الضفة، مستفيدة من "إنجازات" التنسيق الأمني بين السلطة والجيش الإسرائيلي. إلا أنها لم توفق بشكل كامل في الحد من عمليات تهريب الصواريخ وموادها الأولية إلى القطاع

وقد نجحت في منع نقل الصواريخ إلى الضفة، مستفيدة من "إنجازات" التنسيق الأمني المستمر بين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. إلا أنها لم توفق بشكل كامل في الحد من عمليات تهريب الصواريخ وموادها الأولية إلى القطاع.

أما فيما يخص مواجهة الصواريخ التي تم تصنيعها أو إدخالها إلى القطاع، فقد قام الكيان بصنع منظومة القبة الحديدية المتخصصة لاعتراض هذه الصواريخ، إلا أن النتائج والوقائع لم تثبت نجاعة هذه المنظومة حتى تاريخه.

ففي حين أعلن ماتان فلنائي نائب وزير الدفاع الإسرائيلي أن منظومة القبة الحديدية ستكون قادرة على اعتراض ما لا يقل عن 80% من الصواريخ قصيرة المدى التي تطلق على "إسرائيل"، أكد خبراء في الشأن العسكري أن نسبة نجاح المنظومة لا تتعدى 5% على أرض الواقع.

أثر الصواريخ
ثم يتناول الكتاب في جزئه الثالث، "أثر الصواريخ الفلسطينية ودورها في المقاومة الفلسطينية"، بداية من دورها في الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، حيث شكلت صواريخ المقاومة عنصراً مهماً وأساسياً من عناصر اتخاذ قرار الانسحاب، وذلك بعد أن أصبحت الكلفة العسكرية والأمنية أكبر من أن يتحملها الجيش الإسرائيلي، جراء حمايته نحو ثمانية آلاف مستوطن يقطنون في المستعمرات الواقعة في قطاع غزة.

وقد أشارت مصادر عسكرية إسرائيلية، عشية تطبيق خطة الانفصال من قطاع غزة، إلى أن فصائل المقاومة أطلقت على التجمعات الاستيطانية في قطاع غزة أكثر من 5626 صاروخاً وقذيفة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.

كما كان لهذه الصواريخ دور رادع خلال التصدي للحروب الإسرائيلية الثلاث التي شُنت على قطاع غزة، حيث تكبد الاحتلال خسائر مادية واقتصادية وعسكرية كان لها دور مؤثر في اضطرار "إسرائيل" إلى التفاوض لإيقاف هذه الحروب الثلاث، وبدا تطور هذه الصواريخ واضحاً خلال هذه الفترة، خصوصاً بعد تطور مدياتها بشكل لافت، ودخول أعداد كبيرة من الإسرائيليين في مدى إصاباتها، ففي العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009 وصل مدى هذه الصواريخ حتى مدينة بئر السبع التي تقع 40على بعد كلم من شرق القطاع، ودخل في دائرة التهديد نحو 750 ألف إسرائيلي.

أما في العدوان على غزة يوم 14/11/2012، والذي استمر حتى يوم 21 من الشهر نفسه، فقد وصل مدى هذه الصواريخ "M75" إلى مدينة هرتسيليا شمال تل أبيب، والتي تبعد 80 كلم شمال قطاع غزة، وقصفت المقاومة القدس، وتل أبيب، بالإضافة إلى بئر السبع، وبات نحو خمسة ملايين إسرائيلي في مرمى هذه الصواريخ.

وفي العدوان على قطاع غزة عام 2014، فقد وصل مدى صواريخ المقاومة إلى 160 كلم، صاروخ "R160"، حيث استطاعت الوصول إلى مدينتي حيفا والخضيرة اللتين تبعدان أكثر من 100 كلم من قطاع غزة، وأصبح أكثر من ستة ملايين إسرائيلي في مرمى الصواريخ.

وقد دخلت معظم المدن الرئيسية داخل الأراضي المحتلة في مرمى الصواريخ كتل أبيب، وحيفا، والقدس، وديمونا، والخضيرة، بالإضافة إلى مطار بن غوريون وعدد من المطارات والقواعد العسكرية. 

تطور الصواريخ
ويسلط المؤلف في الجزء الأخير من الكتاب، الضوء على تطور الصواريخ من حيث الكم والنوع والمدى خلال الـ13 سنة الماضية.

طورت المقاومة من إستراتيجيات وتكتيكات استخدام هذه الصواريخ بحيث استعملت الأنفاق كمواقع لمنصات الإطلاق، مما قلل بشكل كبير من قدرة الطائرات الإسرائيلية من اكتشافها وقصفها

وهنا يشير إلى أن الإحصائيات الإسرائيلية حول أعداد الصواريخ الفلسطينية تميزت بوجود فوارق كبيرة، تدل إما عن إرباك داخل المؤسسة الإسرائيلية، وإما -وهو الأرجح- أنها تستخدم هذه الأرقام المتفاوتة خدمة لروايتها الرسمية للتضليل الإعلامي، بغية التغطية على حجم نتائج اعتداءاتها على الفلسطينيين حيناً بتضخيم الأرقام، أو الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية والتخفيف من الانتقادات الداخلية والاتهامات بالتقصير للمؤسسة العسكرية من خلال تقليل أعداد الصواريخ والتخفيف من نتائج أضرارها. 

كما يشير الكتاب في الختام إلى أنه إلى جانب تطور الصناعة الصاروخية الفلسطينية، طورت المقاومة من إستراتيجيات وتكتيكات استخدام هذه الصواريخ، بحيث استعملت الأنفاق كمواقع لمنصات الإطلاق، مما قلل بشكل كبير من قدرة الطائرات الإسرائيلية من اكتشافها وقصفها.

وهذا المؤلف من الكتب والدراسات القليلة التي تعرضت لدراسة صواريخ المقاومة الفلسطينية بشكل شامل، وتتبعت تطورها منذ بدايتها وحتى صيف 2015. وهو يُعدُّ مرجعاً مهماً للمهتمين بهذا المجال، خصوصاً وأنه كتُب وفق أصول البحث العلمي ومناهجه، وتم توثيق معلوماته بشكل دقيق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك