يرصد الكتاب تجربة تشيلي منذ انقلاب 1973 على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي جوسنيز، وتكوين العسكريين مجلسا سياسيا بقيادة الجنرال أوكستو بينوشيه، ويعرض للإجراءات الدكتاتورية التي اتخذها بينوشيه حتى تم إجباره على التنازل عن الحكم عام 1990.

عرض/ هيثم أبوزيد
لعل أهم ما يميز هذا الكتاب أن محتواه يستدعي حالة من المقارنة بين النموذج التشيلي، وبين مآلات الربيع العربي، وإذا كانت التجربة التشيلية قد توجت بالانتخابات الحرة والحكم الديمقراطي، فإنها تتشابه في مرحلة "ما قبل الديمقراطية" مع الأنظمة العسكرية التي هيمنت على السلطة بعد الانتفاضات الشعبية الكبرى في المنطقة.

الكتاب: التجربة التشيلية.. من بينوشيه إلى الديمقراطية
المؤلف: محمد صادق إسماعيل
الناشر: دار العربي- القاهرة
عدد الصفحات: 175
الطبعة: الأولى/ 2015

يرصد الكتاب تجربة تشيلي منذ انقلاب 1973، على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي جوسنيز، وتكوين العسكريين مجلسا سياسيا بقيادة الجنرال أوكستو بينوشيه، والمواجهة التي دارت بين مؤيدي العسكريين ومعارضيهم، كما يستعرض ممارسات المجلس العسكري، وقراراته بحل البرلمان، وحظر الأحزاب، وتقييد حرية الصحافة، وإعادة المصانع التي تمتلكها الدولة إلى القطاع الخاص.

ويعرض الكتاب تسلسلا للتطورات الديمقراطية في تشيلي، بدءا من إصرار بينويشيه على إجراء استفتاء على تجديد ولايته الرئاسية لـ8 سنوات، ورفض الجماهير هذا التجديد، حتى اعتقاله أثناء وجوده في بريطانيا بناء على توصية دولية تتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويقدم المؤلف قراءة تحليلية لأداء سلطات الحكم العسكري لتشيلي سياسيا واقتصاديا، مسلطا الضوء على مساندة الولايات المتحدة الأميركية لبيونشيه، ويرصد منهج السياسة الخارجية لتشيلي تجاه العالم، كما يخصص فصلا كاملا لرصد جهود تشيلي في مجال حقوق الإنسان.

ما قبل الانقلاب
في عام 1970، ونتيجة لتطورات سياسية واقتصادية متلاحقة، ومع تصاعد قوى اليسار في أميركا اللاتينية، وقع الاختيار على السناتور السلفادور الليندي، المرشح عن الجبهة الشعبية التي تمثل قوى اليسار، حيث صدق البرلمان على فوزه في الاقتراع الرئاسي، وفقا لتعديل دستوري أجري عام 1952 يقضي بتخويل البرلمان حق التصديق على نتيجة الاقتراع الشعبي.

ويرى المؤلف أن الليندي اعتمد في فوزه داخل البرلمان على أصوات الجبهة الشعبية التي يمثلها 88 عضوا، مضافا إليهم أصوات الديمقراطيين المسيحيين الممثلين بـ75 عضوا، بعد مباحثات بين الليندي والحزب الديمقراطي المسيحي انتهت إلى قبول نواب الحزب مساندة المرشح الرئاسي مقابل إدخال تعديلات على الدستور لضمان الحرية الفردية وإحياء أحزاب المعارضة، وضمان حرية الصحافة واستقلال النقابات.

ورفض الليندي طلبا للديمقراطيين المسيحيين بالتنازل عن حقه في تعيين قادة القوات المسلحة وأن ينتقل هذا الحق إلى الجيش ذاتيا، وأكد الليندي تمسكه بجميع حقوق وصلاحيات رئيس الدولة بفوزه برئاسة الجمهورية لمدة 6 سنوات تنتهي عام 1976.

تقدم الرئيس الليندي ببرنامج إصلاحي أقرب إلى اليسار، تضمن تشكيل حكومة تضم الحركات والأحزاب اليسارية كافة، وصيانة حق المعارضة في إطار القانون، وتحرير وسائل الإعلام من الطابع التجاري والاحتكاري، وتغيير النظام الاقتصادي القائم بآخر ذي طابع اشتراكي.

وقد أثار فوز الليندي موجة عارمة من الردود في أوساط قوى اليمين داخل تشيلي، بلغت ذروتها باغتيال رينيه شنادر القائد العام للجيش الذي كان يعد من أشد المؤمنين بإبقاء الجيش بعيدا عن السياسة، ووقع الاغتيال قبيل تصديق البرلمان على انتخاب الليندي، مما اضطر الحكومة لإعلان حالة الطوارئ في البلاد.

إطاحة الرئيس المنتخب
مثلت سياسات الليندي مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة الأميركية، واعتبرت واشنطن أن قرارات الرئيس التشيلي ذات الطابع الاشتراكي ضربت مصالحها في أميركا اللاتينية، لكنها لم تستطع الطعن أو التشكيك في شرعية الرئيس الذي وصل إلى السلطة بانتخابات لا يوجد أدنى شك في نزاهتها.

"الولايات المتحدة قررت إزالة الليندي عن السلطة، وكان رجلها المختار لهذه المهمة هو قائد الجيش الجنرال أوغستو بينوشيه، الذي تمكن من الاستيلاء على الحكم بانقلاب في 11 سبتمبر 1973

وبحسب رأي المؤلف فإن الولايات المتحدة قررت إزالة الليندي عن السلطة، وكان رجلها المختار لهذه المهمة هو قائد الجيش الجنرال أوغستو بينوشيه، الذي تمكن من الاستيلاء على السلطة في 11 سبتمبر/أيلول 1973، بعد أن حاصر القصر الرئاسي بدباباته مطالبا الرئيس الليندي بالاستسلام أو الهروب، لكن الرئيس المنتخب رفض الاستسلام، وارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميز رؤساء تشيلي طوال قرنين من الزمان، وصمد في قصره إلى أن سقط قتيلا رافضا التخلي عن حقه الشرعي، مع تضارب الروايات حول الطريقة التي قتل بها.

بعد قتل الرئيس الشرعي، أمر بينوشيه بحل البرلمان التشيلي، وعلق الدستور، وشكل من رجاله المقربين مجلسا عسكريا حاكما، ومنع الأحزاب اليسارية التي شكلت تحالف الليندي من أي نشاط سياسي، وطارد اليساريين في كل أنحاء البلاد، وقتل أو فقد في هذه المواجهات أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وتعرض نحو 27 ألفا للسجن والتعذيب، أو النفي، وهرب خارج البلاد عدد كبير أو طلبوا اللجوء السياسي.

دعم بينوشيه سلطته بإعلان نفسه رئيسا للمجلس العسكري الحاكم، ومنح نفسه لقب "كابيتاين جنرال" أو النقيب جنرال، وهو لقب حمله الاستعماريون الإسبان لتشيلي سابقا، وكذلك حمله برناردو أوهيغينز بطل حرب استقلال تشيلي وأول رئيس لها، وهي خطوة تذكر بمثيلاتها عربيا، حيث يمنح بعض القادة العسكريين أنفسهم الرتب العليا عقب تحكمهم في السلطة، وفي 27 يونيو/حزيران عام 1974، أعلن بينوشيه نفسه رئيسا للبلاد.

تشيلي تحت الحكم العسكري
تبنى بينوشيه توجها رأسماليا واضحا، واعتمد آليات اقتصاد السوق، وأعلن أنه يطمح لجعل تشيلي أمة من رجال الأعمال لا البروليتاريين، وأعلن إطلاق عصر الخصخصة، وألغى الحد الأدنى للأجور، وأبطل اتحاد حقوق العمال، وخصّص الصناعات الرسمية والبنوك، وخفض الضرائب على الأرباح.

ويرى المؤلف أن هذه السياسات تؤكد التحليل التقليدي الشائع لأسباب الانقلاب في تشيلي المتمثل في مؤامرة ثلاثية أطرافها المخابرات المركزية الأميركية، والمجلس العسكري التشيلي، والنخبة الرأسمالية في البلاد، وهي أطراف تضررت من سياسات الليندي الاجتماعية، التي جعلت تشيلي خارج سيطرة الولايات المتحدة، لاسيما في ظل ما يعرف عن العلاقات الدائمة التي تجمع بين أميركا والقادة العسكريين لجيوش العالم الثالث سواء عن طريق المعونات أو المناورات والتدريبات المشتركة، كما يدعم هذا التحليل تضرر الولايات المتحدة من تأميم الليندي لمناجم النحاس التشيلية التي كانت خاضعة تماما لسيطرة الشركات الأميركية.

لكن المؤلف يرى أن هذا التحليل الشائع ليس كافيا لتبرير الانقلاب على الليندي الذي اعتمد سياسات إصلاحية لا تهدد المصالح الأميركية تهديدا حقيقيا ومباشرا، وإنما كان الخطر –في رأي المؤلف- متمثلا في الحراك الشعبي المتزايد الذي أدى إلى نجاح حكومة الوحدة الوطنية في الانتخابات، وانطلاق النضال العمالي والفلاحي لإحداث تغيير حقيقي وجذري.

بعد الانقلاب بدأت السلطة العسكرية تصفية الحركة العمالية والجماهيرية بالقتل والاعتقالات، مع اعتماد سياسات اقتصادية تعتمد اعتمادا تاما على الاستثمار والاستغلال الأجنبي

وبعد الانقلاب بدأت السلطة العسكرية تصفية الحركة العمالية والجماهيرية بالقتل والاعتقال، مع اعتماد سياسات اقتصادية تعتمد اعتمادا تاما على الاستثمار والاستغلال الأجنبي المرتبط بالخضوع الكامل للولايات المتحدة، في الوقت الذي كان يرفع فيه بينوشيه شعارات الوطنية والقومية للتنكيل بكل معارضيه، وهي حالة تكاد تتطابق مع الأوضاع داخل بعض دول الربيع العربي.

استعادة المسار الديمقراطي
منذ بداية الثمانينيات، واجه الجنرال بينوشيه ضغوطا متصاعدة داخليا وخارجيا لإبداء بعض المرونة للتحول نحو الحكم الديمقراطي، ولعبت الضغوط الخارجية دورا هاما لإجباره على تقديم تنازلات تستعيد المسار الديمقراطي.

فبالرغم من أن الولايات المتحدة كانت هي الحليف الرئيس لبينوشيه، فإنها بدأت تضيق ذرعا بالممارسات السلطوية والقمعية ضد المعارضة، خاصة بعد موجة السخط العالمي لانتهاكات حقوق الإنسان في تشيلي، وطلبت الولايات المتحدة من بينوشيه تهيئة مناخ ملائم لإجراء استفتاء شعبي على حكمه مهددة بقطع مساعداتها عن الحكومة العسكرية.

كما مارس الفاتيكان دورا هاما في الضغط على نظام بينوشيه لإطلاق الحريات العامة، وطالب البابا خلال زيارته لتشيلي في أبريل/ نيسان 1987 بضرورة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ووعد بينوشيه البابا بتنفيذ هذه المطالب.

وكان لتقارير منظمة العفو الدولية دور مهم في هذه الضغوط، وأصدرت المنظمة مع منظمات أخرى تقارير موثقة انتقدت بشدة أوضاع حقوق الإنسان في تشيلي، وأشارت إلى مقتل نحو  30 ألف شخص، ونفي قرابة نصف مليون إلى خارج البلاد واختفاء الكثيرين من المعارضين، وقد أثارت هذه التقارير موجة سخط خارجية عارمة.

أما الضغوط الداخلية فتمثلت -بحسب رصد المؤلف- في تفاقم المشكلة الاقتصادية، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وزيادة حجم الديون الخارجية حتى وصلت إلى نحو 18 مليار دولار، مع زيادة معدلات البطالة من 182 ألفا عام 1973 إلى 280 ألفا عام 1985 من إجمالي عدد السكان البالغ وقتها نحو 11 مليون نسمة.

ويرى المؤلف أن أحزاب المعارضة من اليمين إلى اليسار، استغلت هذه الظروف، فانتظمت في تحالفين كبيرين هما: التحالف الدمقراطي بقيادة الحزب الديمقراطي المسيحي، والحركة الديمقراطية والشيوعية التي تضم فصائل المعارضة اليسارية المتطرفة.

نجحت التحالفات المعارضة في تنظيم حركات احتجاجية واسعة أجبرت بينوشيه على تقديم تنازلات بدت متواضعة وقتها إلا أنها قادت في النهاية إلى إسقاطه، ومنها السماح بعودة معظم السياسيين المعارضين من المنفى، والإفراج عن السجناء، ووضع إجراءات للحد من انتهاكات حقوق الإنسان، والسماح للأحزاب بممارسة نشاطها، والسماح بإصدار الصحف والمجالات، وإقامة محطة إذاعية معارضة.

"سطر النضال الجماهيري نهاية حقبة بينوشيه، وانضمت تشيلي إلى النادي الديمقراطي في أميركا اللاتينية بعد البرازيل والأرجنتين، أما صفحة قائد الانقلاب فقد طويت عقب توقيفه في بريطانيا في أكتوبر 1998

المعارضة تنتصر
وكانت الخطة الأهم هي مطالبة المعارضة بإجراء استفتاء على تجديد مدة حكم بينوشيه، التي تنتهي في مارس/آذار 1990، وهي معركة فاصلة انتصرت فيها المعارضة، حيث أجري الاستفتاء في 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 1989، وأظهرت نتيجته رفض 53,3% لاستمرار الحكم العسكري، وحظي بينوشيه بتأييد 44,3% فحسب.

أقر الجنرال الحاكم بنتيجة الاستفتاء، لكنه أصر على البقاء حتى تنتهي ولايته الرئاسية في مارس/آذار 1990، إلا أن المعارضة تصاعدت ضده، وطالبت بإجراء انتخابات رئاسية عاجلة، تمت بالفعل في 14 ديسمبر/ كانون الأول 1989، فاز فيها مرشح المعارضة زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي باتريشيو أيلوين، بنسبة 53,8% من أصوات الناخبين.

وبذلك سطر النضال الجماهيري نهاية حقبة الحكم العسكري، وانضمت تشيلي إلى النادي الديمقراطي في أميركا اللاتينية بعد البرازيل والأرجنتين، أما صفحة قائد الانقلاب فقد طويت عقب توقيفه في بريطانيا في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1998 بناء على مذكرة اتهام إسبانية، وقد استعدت المحكمة العليا في تشيلي لمحاكمته بالفعل، إلا أن جهودا بذلت لتعطيل هذه المحاكمة حتى وفاته في ديسمبر/كانون الأول 2006.

ويقدم الكتاب العديد من العبر والعظات، التي لا ينتفع بها إلا من يستوعبون دروس التاريخ، وهم مع الأسف قلة بين حكام منطقتنا التي تطلعت شعوبها يوما إلى معاني الحرية والكرامة، فجرّعتها قوى الاستبداد والثورة المضادة كؤوس المر والحنظل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك