عرض/ عمر كوش
صدر هذا الكتاب في منتصف يونيو/حزيران الماضي، وهو من تأليف أحمد سيفار المستشار الإعلامي للرئيس التركي السابق عبد الله غل، والذي يسرد فيه ملخصا عن عمله مع غل خلال 12 عاما.

يستعرض المؤلف صفحات من تاريخ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ملقيا الضوء على أبرز الأحداث التي مرت بها تركيا، ومواقف الرئيس غل منها، وخلافاته مع الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، وأبرز المواقف التي أثرت على العلاقة بينهما، وذلك في عدد من القضايا الهامة في البلاد، من مثل أحداث تقسيم، وقضايا الفساد، والقرب من جماعة الداعية فتح الله غولن.

أثار الكتاب ردود فعل عديدة ركزت على الخلافات بين الزعيمين أردوغان وغل، في وقت تستعد فيه تركيا لانتخابات مبكرة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حيث يعاني حزب العدالة والتنمية من فقدانه لأغلبيته البرلمانية بعد أن جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة مخيبة لآمال قادته وأنصاره.

-العنوان: 12 عاما مع عبد الله غل.. عايشت.. شاهدت.. كتبت
-المؤلف:
أحمد سيفار
-الصفحات: 208
-الناشر: دار دوغان للنشر
-تاريخ النشر: 2015 إسطنبول، تركيا

ووجد المناوئون لسياسات العدالة والتنمية ضالتهم في الكتاب لكونه صدر من شخص عمل مستشارا ومقربا من غل على مدى 12 عاما، أي أنه كان مقربا من "الصندوق الأسود" للعدالة والتنمية، وبالتالي فإن ما يتناوله لديه مصداقية.

أما أعضاء وأنصار حزب العدالة والتنمية فاعتبروا أن المؤلف المستشار سيفار تصرف فيه من منطلق أيدولوجي، لكونه من التيار العلماني الذي لا يتمتع بأغلبية داخل حزب العدالة والتنمية، فضلا عن تساؤلهم عن سر توقيت نشر الكتاب بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ولعل أبرز ما تضمنه الكتاب هو الخلافات التي ظهرت بين أردوغان وغل ضمن توصيفات اختارها الكاتب بدقة، مثل غلق باب السياسة في وجه غل من قبل أردوغان، ومنعه من الترشح لفترة رئاسية ثانية، وسد أبواب الحزب أيضا في وجهه وعودته إلى ترؤسه، حيث وجد فيها المؤلف ما اعتبره "غدرا بالصديق الذي وقف إلى جانب صديقه".

ويعرض جزء كبير من الكتاب إنجازات غل ودوره الكبير في عدد من القضايا والمسائل في تركيا، وخاصة في مجالات الحريات وحقوق الإنسان، مستشهدا بعدد من الأحداث، مثل مواقفه من المحتجزين في عدد من القضايا، والنواب الذين انتخبوا من المعارضة وكانوا يعانون من أحكام معينة، وغالب من ذكرهم كانوا ينتمون إلى أحزاب المعارضة، والتيارات الليبرالية اليسارية التي لا تلتقي مع العدالة والتنمية.

وأهم المواقف والمنعطفات التي تحدث عنها المؤلف هي الخلافات فيما يخص فترة الإعداد لقانون الانتخابات الرئاسية الجديدة، حيث شهدت تركيا أول انتخابات مباشرة من قبل الشعب يوم 10 أغسطس/آب 2014، حيث يعتبر المؤلف أنه في أثناء التحضير الدستوري لإجراء الانتخابات، بقي مصير غل مجهولا حتى اللحظات الأخيرة، وحاول أردوغان منعه من الترشح لانتخابات رئاسية ثانية.

ويرى المؤلف أن التضارب بين الرجلين بدأ يظهر علنا بعد أن كان خفيا، فذات مرة وخلال احتفال قومي، سمح غل بمظاهرة في أنقرة بينما كانت الحكومة ترفض ذلك، وقد صرح غل بأنه هو من أعطى التعليمات بدخول المتظاهرين إلى ضريح أتاتورك، وانتهت المظاهرة بسلام، مما أثار حفيظة أردوغان، ليصرح بأنه كيف يمكن لبلد أن يدار برأسين؟ الأمر الذي استغربه غل.

يعتبر أعضاء وأنصار حزب العدالة والتنمية أن مؤلف الكتاب كتب من منطلق أيدولوجي، لكونه من التيار العلماني الذي لا يتمتع بأغلبية داخل حزب العدالة والتنمية. كما يتساءلون عن سر توقيت نشر الكتاب بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة
ويورد المؤلف التصريحات التي كانت تأتي دوما من أردوغان وتقلل من شأن غل، ومنها قول أردوغان في إحداها بأن تركيا بحاجة إلى رئيس كثير العَرَق، بمعنى أنه يتحرك كثيرا ويسافر ويتجول في أنحاء البلاد، مشددا على أن غل كان من الذين سال العرق منهم كثيرا، وزار كثيرا من البلدات والمدن والولايات التركية، وزار دولا عديدة في فترات زمنية متقاربة.

ويتطرق سيفار في كتابه إلى موضوع غل وقربه من جماعة غولن، حيث اعتبرت الأوساط السياسية التركية أنها من المسائل التي جعلت الطرق تتباعد أكثر بين غل وأردوغان، وضمنها تدخل حادثة استدعاء رئيس المخابرات العامة هاكان فيدان للاستجواب من النيابة العامة، إذ تناقلت الأوساط حينها عدم تشدد غل في الأمر ونصيحته لفيدان بالذهاب والإدلاء بالإفادة، وهذا ما يعني اعتقاله من قبل أتباع الكيان الموازي.

لكن المؤلف ينفي هذه الرواية، وأن غل أكد بشكل قاطع لفيدان بأن لا يذهب للمثول أمام النيابة، وبعد تداول الأمر في وسائل الإعلام المقربة من الحزب الحاكم، اضطر غل للدفاع عن نفسه ونفي الأمر جملة وتفصيلا.

يسرد المؤلف أبرز الأحداث التي شكلت منعطفا في الحياة السياسية التركية خلال السنوات الماضية، إذ يتحدث عن منتصف العام 2013 الذي شهد مظاهرات "غزي بارك" وساحة تقسيم في إسطنبول والتي اندلعت احتجاجا على نزع أشجار من الحديقة الشهيرة لإنشاء مشاريع بناء هناك. ورغم أن المظاهرات كانت بسيطة وعلى شكل اعتصامات، فإن أردوغان كان مصمما على التعامل معها بشدة، متجاوزا نصيحة غل بأنه يجب استيعاب الأمر قبل انتشار النيران، حسب سيفار.

ويروي أن أردوغان شدد على أن الحكومة ماضية في تنفيذ المشروع، بينما تابع غل الأحداث من الشاشات الأجنبية، ولم يكن لدى أي من قنوات التلفزة المحلية الجرأة لنقل تطورات الأحداث هناك، وبدأ التدخل الأول ضد المتظاهرين وحرق خيامهم، الأمر الذي صعد الأحداث أكثر، وتمسك أردوغان برأيه على أن ما يحدث هو محاولة انقلابية مدعومة من قبل جهات خارجية لزعزعة تقدم حزب العدالة والتنمية، وأصر على خيار العنف في مواجهة المحتجين.

ولفت المؤلف إلى أن محاولات غل لم تساهم بشيء رغم تصريحاته ومناشدات الأطراف المعارضة بالتدخل، وقد عمت المظاهرات مناطق مختلفة وسقط خلالها قتلى.

يتوقف المؤلف عند بعض الأحداث التي عصفت بالحكومة التركية في السنوات الأخيرة كقضية الفساد التي طالت أربعة من وزراء حكومة أردوغان عام 2013، في الأحداث المعروفة باسم 17 و25ديسمبر/ كانون الأول، حيث طالت عملية أمنية أبناء وزراء ورجال أعمال مقربين من حزب العدالة والتنمية، الأمر الذي اعتبرته الحكومة محاولة انقلابية من قبل الكيان الموازي (تسمية تطلقها الحكومة التركية على جماعة غولن)، وعملت لاحقا على الدفاع عن الوزراء ومنع محاكمتهم في المحكمة الإدارية العليا، وفرضت قوانين جديدة شملت تنقلات قادة أمنيين محسوبين على جماعة غولن.

أما غل -بحسب المؤلف- فكان له رأي آخر، حيث طلب منه غل في تلك الأيام إبعاد الصحفيين، و"هي المرة الأولى التي طلب فيها غل الابتعاد عن وسائل الإعلام، وهو منزعج جدا".

يعتبر المؤلف أن ذروة التطورات والخلافات بين القصر الجمهوري والحكومة حصلت بعد فتح ملفات الفساد، عندما بدأ حزب العدالة والتنمية سباقا مع الزمن لسن قوانين وتمريرها من البرلمان، تطال الحريات والحقوق وتعارض الدستور
يشير المؤلف إلى أن غل شدد خلال سنوات حكمه في مختلف المناصب على مكافحة الفساد، وكان بالنسبة له خطا أحمر يجب عدم تجاوزه. ورغم سعي أردوغان لإجبار الوزراء المتورطين على الاستقالة بدل استدعائهم للاستجواب في البرلمان وتشكيل حكومة جديدة، فإنه كان مصرا على الاحتفاظ بأحد الوزراء المتورطين وهو وزير شؤون الاتحاد الأوروبي إغمن باغيش، ومع تدخل غل امتنع عن تسميته في الحكومة الجديدة.

ويعتبر المؤلف أن ذروة التطورات والخلافات بين القصر الجمهوري والحكومة حصلت بعد فتح ملفات الفساد، عندما بدأ حزب العدالة والتنمية سباقا مع الزمن لسن قوانين وتمريرها من البرلمان، تطال الحريات والحقوق وتعارض الدستور، منها قانون الإنترنت الذي شرعه البرلمان ولاقى انتقادات على نطاق واسع محليا ودوليا، وتوجهت الأنظار إلى غل نفسه للاعتراض ونقض القرار، حيث تثبت مستشاروه القانونيون من عدد من المخالفات، وطالب بتصحيحها قبل الموافقة، وهو ما تم القيام به.

ويضيف أن سعي الحكومة كان لمنع تسجيلات نشرت تطال وزراء وقيادات العدالة والتنمية وتسببت في فضائح كبيرة، وقرأ غل مضمونها دون الاستماع إليها، ورغم ذلك تعرض غل لانتقادات بسبب مصادقته على القانون، وندم لاحقا على ذلك، فكان الانطباع السائد بأن مهمة غل الوحيدة هي الموافقة على القوانين والمصادقة عليها. ولم يمنع هذا القانون أيضا من وقف عمليات التسريب.

وبعد سرده الأحداث يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن تركيا فقدت كثيرا من البريق الذي اكتسبته في السنوات السابقة بفضل رصانة غل، مستشهدا بأنه كانت لتركيا كلمة تسمع بين الدول في عمليات التفاوض وإطلاق سراح معتقلين.

والحاصل -بحسب سيفار- أن تركيا فقدت اعتبارها بشكل كبير، حيث إنها عندما ترشحت لعضوية مجلس الأمن بشكل مؤقت في 2009/2010 فازت بأصوات قرابة 151 دولة من بين 192، بينما عندما ترشحت في 2015/2016، لم تحصل إلا على دعم 60 دولة، مما يعني أن صورتها الخارجية تراجعت بشكل كبير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك