عرض/ياسين بودهان
في كتاب جزائر الأمل تناول رئيس حكومة الجزائر الأسبق أحمد بن بيتور جذور الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعرفها بلاده، ويستعرض في خمسة فصول مسار الأزمة، وأسبابها، وسبل الخروج منها.

ويعتقد الكاتب بأن "الجزائر تمر اليوم بمرحلة صعبة ومليئة بالمفارقات والتناقضات"، فالبلاد -في رأيه- "لم تكن في يوم من الأيام تتمتع بقدرات وإمكانات أفضل مما كانت عليه في السنوات السابقة؛ ثروات طبيعية زراعية وطاقة هائلة، ونمو ديموغرافي متحكم فيه، وعدد من الكوادر والإطارات ذوي المستوى الجيد بالنسبة إلى بلد في حجم متوسط، وشبكة من المنشآت تساعد على الانطلاق السريع في مسار حقيقي للتنمية، وشعب يتعافى بعد أن عاد من بعيد من دوار إيديولوجي ضيّع عليه الوقت الكثير".

ومع ذلك يقول في مقدمة الكتاب "يبدو وكأن الشعب الجزائري غير واع بما لديه من فرص وإمكانات"، بل العكس تماما "حيث يعطي الانطباع بأنه غارق في اليأس، بما يبديه من عدم مبالاة وبلوغه مستوى عاليا من عدم التجنيد".

-العنوان: جزائر الأمل
-تأليف : د. أحمد بن بيتور
-الناشر: دار الخلدونية للنشر والتوزيع
-عدد الصفحات: 127 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2015

وفسّر ذلك "بضياع الأخلاق الجماعية، واستعمال العنف كوسيلة لفض النزاعات بين الأفراد، وبين المجموعات، وبين مجموعات الأفراد والدولة، ومن ثم انتشار الفساد".

ويلفت بن بيتور في كتابه إلى أن الجزائريين اليوم أمام فرصة أخيرة لإنقاذ بلادهم ببرنامج تغيير لنظام الحكم، وهو البرنامج الذي يؤكد أنه يجب الشروع فيه الآن، ودون تأخير، لمده بأسباب النجاح قبل أن تحل الكارثة"، لأن الانتظار والتأجيل -في برأيه- "سوف يجعل التغيير والإصلاح مستحيلا، لأن الوقت حينذاك سيكون متأخرا".

عنف وكفاح
ويبدأ الكاتب باستعراض جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها بلاده اليوم. ومن خلال شرحه الوضع العام للجزائر قبل تعرضها للاحتلال الفرنسي عام 1830، وجد حالة من التشابه بين جزائر اليوم كدولة مهيأة للانهيار، والسياق العالمي وآثاره عليها قبيل عام 1830.

وفي هذا الفصل أجرى الكاتب تقييما عاما لمسار الحركة التحررية ببلاده، مع بداية الثورات الشعبية مع الأمير عبد القادر عام 1832 وصولا إلى إعلان استقلال الجزائر عام 1962، وبين كيف أن الحركة التحررية الجزائرية لم تحقق النقلة النوعية في كفاحها إلا بعد مجازر الثامن من مايو/أيار 1945، وحينما اقتنع الجزائريون بأنه لا يمكن الحصول على الاستقلال دون عنف ثوري.

بعد ذلك تطرق إلى مختلف المراحل التي شهدتها الجزائر بعد الاستقلال، بداية من مرحلة ما بين 1945 و1965، وهي المرحلة التي اتسمت بحرب الزعامات وتكريس حزب جبهة التحرير كحزب أوحد.

ثم مرحلة الانقلاب العسكري في الخامس من يونيو/حزيران 1965 الذي قاده هواري بومدين على الرئيس أحمد بن بلة، وبعد ذلك مرحلة ما بعد وفاة بومدين في 1978، حيث قام الجيش بدور أساسي في تعيين خليفته الشاذلي بن جديد، وهي الخطوة التي أصبحت في ما بعد -حسب الكاتب- من خصوصيات نظام الحكم في الجزائر.

بعد ذلك سرد الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى اندلاع أحداث الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988، التي دفعت الحكومة إلى تبني سياسة العلاج بالصدمة، عبر إقرار دستور جديد، وفتح المجال السياسي، وبروز أكثر من 67 حزبا من النشأة.

دخلت البلاد بعد ذلك مرحلة سياسية جديدة من الانفتاح السياسي، توقفت مع تعطل المسار الانتخابي الذي فازت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ آنذاك في ديسمبر/كانون الأول 1991، لتدخل بذلك الجزائر في دوامة خطيرة من العنف المسلح، استمرت عشريتين كاملتين.

وطرح الكاتب في نهاية الفصل عدة أسئلة تتعلق بمشروع المصالحة الوطنية لإنهاء العنف المسلح بالبلاد، وبطرق تسيير "مرحلة ما بعد الإرهاب".

نقمة الموارد

قدم بن بيتور أسبابا للركود الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والتفقير، منها: وفرة الموارد التي تؤدي إلى تعاظم رغبة النفقات العمومية، والشروع في برامج ضخمة دون نظرة شاملة وإستراتيجية في الإنجاز، ومركزية وتكثيف إمكانات الميزانية تؤدي إلى استثمارات مفرطة وغير حذرة
وفي الفصل الثاني من كتابه، يتطرق المؤلف إلى ما أسماه "نقمة الموارد الطبيعية"، ويقصد بها حالة الاقتصاد الذي يرتكز على قطاع الموارد الطبيعية (المحروقات في الجزائر)، فهو قطاع متوجه كليا نحو تصدير تلك الموارد، حيث تشكل 98% من مداخيل العملة الصعبة، وهو ما يوفر مداخيل معتبرة للدولة، فهي تشكل نحو 75% من تحصيل الميزانية، ولكن الغريب -حسب الكاتب- أنها تؤدي إلى الركود الاقتصادي، وغياب الاستقرار السياسي.

وقدم بن بيتور ستة عناصر رئيسية يراها سببا للركود الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والتفقير، وهي: وفرة الموارد التي تؤدي إلى تعاظم رغبة النفقات العمومية، والشروع في برامج ضخمة دون نظرة شاملة وإستراتيجية في الإنجاز، ومركزية وتكثيف إمكانات الميزانية تؤدي إلى استثمارات مفرطة وغير حذرة، وفرة المداخيل تجلب جماعات الضغط غير المنتجة، والمداخيل الآتية من الجباية النفطية تفسخ العلاقة المهمة بين المواطنين والدولة، كما أن وفرة الموارد تشجع على تمركز السلطات في القمة، ومن هنا فإن الوصول إلى السلطة يعني الوصول إلى الثروة اليوم وعناصر الثروة غدا.

وبين الكاتب أن المعطيات الحالية، وفي ظل الأسعار المنخفضة، والتسيب في نفقات الميزانية، ومن أجل المحافظة على توازن الميزانية، ينبغي أن يرتفع سعر البرميل بشكل خيالي عام 2016 إلى 190 دولارا، وإلا -يتساءل الكاتب- كيف يمكن تغطية عجز الميزانية عندما يتم استهلاك صندوق ضبط الإيرادات بسرعة فائقة؟

والمطلوب من الحكومة التمتع بالقدرة على النظرة المستقبلية، وإحداث تصحيح اقتصادي من خلال الشراكة مع المؤسسات العمومية والخاصة لتحديد وتطوير نموذج جديد للتصرف والتفكير، واقترح في السياق إنشاء مجلس جزائري للأعمال اقتباسا من النموذج الماليزي.

الفساد تهديد لأمن الدولة
وفي الفصل الثالث من الكتاب يشرح كيف تحولت الجزائر نحو انحراف غير مسبوق من دولة فاشلة إلى دولة مميعة.

وسرد صورا لمظاهر الفساد الاقتصادي الذي استفحل في الدولة وفي المؤسسات، كما تشهد على ذلك الفضائح المتعلقة بتصرفات مسؤولين مرموقين تتحدث عنهم الصحافة كل يوم تقريبا.

ويرى أن الصورة الأكثر انتشارا هي صورة بيروقراطية تبحث عن الرشوة لتتيح لأشخاص من دون سلطة ولا حماية الحصول على ما يحق لهم الحصول عليه من دون أي تدخل في غياب تلك البيروقراطية.

وصولا إلى فساد مرتبط بفضائح مالية تظهر عند منح عقود إنجاز مشاريع البنى التحتية وشراء المعدات الجماعية.

يقول الكاتب إن النظام المستبد الذي يمر بمرحلة انتقالية مزدوجة، سياسيا من الحزب الواحد نحو التعددية والليبرالية السياسية، واقتصاديا من نظام اقتصادي موجه إلى اقتصاد السوق، يظهر الفساد بوجه جديد يتمثل في الدخلاء الذين يتلاعبون في النظام السياسي الذي لا يزال في طور التكوين من أجل تحديد قواعد جديدة للعبة تخدم مصالحهم.

ويستعمل الحكام في الدولة الريعية مداخيل البترول لتخفيف الضغط الاجتماعي وتجنب ضرورة المساءلة.

ومواجهة هذا الوضع تكون -حسب الكاتب- عبر إطلاق عملية سياسية تكرس برامج لمحاربة الفساد، أي برامج مُصلحة لنظام الضبط والوظيفة العمومية، والإدارة والمالية العامة، والنظام القضائي، ونظام البنوك، مع المساهمة الفعالة للمجتمع المدني.

إستراتيجية الانتقال الديمقراطي
يعالج الكاتب في هذا الفصل إمكانية تحويل نظام شمولي إلى نظام ديمقراطي، دون المرور بمرحلة انتقالية. ورغم تأكيده أن التحرر السياسي يعد شرطا أساسيا فإنه لا يكفي لتحقيق الانتقال الديمقراطي.

وعرج الكاتب على الحراك العربي الذي شهدته العديد من الدول العربية في إطار ما يسمى "الربيع العربي"، وفي السياق تساءل عن أي درس يمكن استخلاصه من أحداث 2011 في المنطقة العربية؟

استعرض الكاتب خطته لإخراج البلاد من أزمتها الحالية، عبر جملة من الأولويات يراها أهدافا يجب الشروع عاجلا في تحقيقها، مقترحا فتح ورش كبيرة في مجالات: إعادة بناء الدولة، وإعادة بناء المدرسة، وإعادة بناء الاقتصاد، وتعزيز مكانة الكفاءات
واستخلص درسين أساسيين: الأول أن الشعوب العربية قادرة على تغيير أنظمة الحكم لكنها تفتقد طرق إدارة التغيير. ورغم أن الحكام وضعوا أموالهم في جنة المنفى فإنهم لم يستفيدوا من تلك الأموال بعد الإطاحة بهم.

ويرى أن الحكام مطالبون بالتفكير في مرحلة انتقالية قبل الوصول لانفجار يكلفهم الكثير ويكلف البلاد أكثر.

وساق الكاتب عدة تجارب لدول نجحت في تسيير مرحلة انتقالية على غرار ما حدث في بلدان جنوب أوربا: إسبانيا والبرتغال واليونان.

ووفق تصور الكاتب، فإن أي مرحلة انتقالية ناجحة تمر حتما عبر ثلاث مراحل أساسية هي: احتواء الأزمة، وإنهاء الانتقال، وتوطيد الديمقراطية. وكل مرحلة حدد لها مجموعة من الشروط لضمان نجاحها.

ورصد ثلاثة أنواع للانتقال الديمقراطي: أولها الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه، وثانيها الانتقال الممنوح من النظام القائم، وثالثها الانتقال بقوة. وفي آخر الفصل تطرق إلى دور كل من الجيش والنخب في عملية الانتقال الديمقراطي.

برنامج جزائر السلم
وفي الفصل الأخير استعرض الكاتب خطته لإخراج البلاد من أزمتها الحالية، ولتحقيق ذلك وضع جملة من الأولويات التي يراها أهدافا يجب الشروع عاجلا في تحقيقها. وفي إطار إعادة بناء المؤسسات اقترح فتح ورش كبيرة في أربعة مجالات، هي: إعادة بناء الدولة، وإعادة بناء المدرسة، وإعادة بناء الاقتصاد، وتعزيز مكانة الكفاءات الوطنية والتحكم في الرقمنة.

ورأى الكاتب أن تحسين السلوك الفردي والجماعي عبر مكافحة مظاهر الرشوة والفساد والثراء غير المشروع وغيرها من المظاهر اللاأخلاقية تعد ضمن الأولويات.

وفي آخر الفصل اقترح مجموعة من السياسات القطاعية للتنمية في مجالات: الزراعة، والصناعة، والخدمات، والسياحة، والهياكل، وطرق مواجهة الندرة المتوقعة للطاقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك