عرض/عوض الرجوب
ساعد عمل الباحث الفلسطيني محمد ذياب أبو صالح مديرا للبحث والتوثيق بوزارة الأوقاف في السابق، على الغوص في أعماق تاريخ فلسطين ومدنها التاريخية ومقدساتها، وعلى رأسها مدينة القدس والمسجد الأقصى.

ونظرا لما تتمتع به القدس من خصوصية تاريخية ودينية ومعمارية وسياسية، يأتي كتاب بيت المقدس وكنوز المسجد الأقصى المبارك، ليسلط الضوء على كنوز مكان ظل محل صراع بين الحضارات على مدى التاريخ.

ويشير المؤلف في مستهل كتابه إلى ما تعرضت له القدس على مدى تاريخها الطويل من غزوات وهجمات ودمار وخراب، دون أن يمس ذلك بكنوزها وأهميتها التاريخية والدينية لكل الحضارات المتعاقبة.

-العنوان: بيت المقدس وكنوز المسجد الأقصى المبارك
-المؤلف: محمد ذياب أبو صالح
-عدد الصفحات: 600
-الناشر: دار الجندي للنشر والتوزيع/فلسطين

-
الطبعة: الأولى، 2015

ورغم ما بذله الكاتب من جهد، واستناده إلى أكثر من 160 مصدرا ومرجعا، فهو يؤكد أن ما كتب ويكتب وسيكتب عن القدس لن يوفيها حقها؛ لأن كل حجر من حجارتها، وكل شبر من أرضها المباركة، "يعد سفرا خالدا في سجلات التاريخ".

ويضيف أن ما دفعه للكتابة عن كنوز القدس "الهجمة التي ينفذها العدو بسلب حضارتنا منها، وتجييرها لصالحه، محولا التاريخ المجيد الذي سطره أسلافنا، ومزورا الحقائق لإنكار وجودنا كشعب عريق في هذه الديار".

تاريخ القدس
وقسّم الباحث كتابه إلى ثمانية أبواب، وقسم كل باب إلى عدة فصول؛ ففي الباب الأول تناول المادة التي دونها عن مدينة القدس منذ نشأتها إلى الفتح الإسلامي. وعن جغرافية المدينة يقول إنها محاطة بجبال تميل من الغرب إلى الشرق، وتمثل حصنا لها، بينها جبل الزيتون، وجبل بطن الهوا، وجبل المكبر، وجبل النبي صموئيل، وجبل رأس المشارف. في حين تقام المدينة ذاتها على عدة جبال أيضا.

وفي هذا الباب تناول تاريخ المدينة في خمسة فصول؛ فبدأ من عهد الساميين إلى عهد اليبوسيين، وتناول جغرافية المدينة وجبالها وأوديتها وأسوارها وأبوابها. ثم انتقل للحديث عن القدس السامية العربية، وبين جذورها السامية الكنعانية العربية، واستنتج أن "العرب هم أصحاب الحق التاريخي والبناة الأوائل لهذه المدينة".

ثم يوضح حال القدس من العهد الفرعوني إلى غزو بني إسرائيل، مبينا الشواهد التاريخية على عروبتها وأهمها القرآن الكريم.

وينتقل المؤلف إلى مرحلة عهد داود وسليمان في المدينة، شارحا صورة داود في القرآن الكريم، وفكرة بناء الهيكل الذي يزعم الاحتلال اليوم وجوده. وهنا يشير إلى توطد العلاقة بين المصريين وسكان القدس، وتزوج سليمان عليه السلام بابنة الفرعون المصري شيشاق.

وفي نهاية هذا الباب، يسهب في شرح وضع المدينة المقدسة من العهد الآشوري إلى العهد البيزنطي، ويقول إن الآشوريين قاموا بمحاصرة القدس وأثاروا الرعب بين أهلها وساكنيها، إلا أن الطاعون أصاب جيوشهم، وأهلك أعدادا منهم، مما اضطرهم إلى رفع الحصار عنها.

رغم ما بذله الكاتب من جهد واستناده إلى أكثر من 160 مصدرا ومرجعا، فهو يؤكد أن ما كتب ويكتب وسيكتب عن القدس لن يوفيها حقها، لأن كل حجر من حجارتها، وكل شبر من أرضها المباركة، "يعد سفرا خالدا في سجلات التاريخ"

يخصص المؤلف الباب الثاني من كتابه لتاريخ مدينة القدس من الفتح الإسلامي إلى عهد الخلفاء الراشدين، وبين وضع القدس من المنظور الإسلامي، وتوجه الدعوة الإسلامية صوبها، والفتوحات والغزوات في الطريق إليها وفضائلها في القرآن والسنة.

كما تناول الكتاب وضع القدس في عهود الخلفاء الراشدين والحروب التي خاضها المسلمون في هذه البلاد، إلى أن تم فتحها على يد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم نص العهدة العمرية وتحليلها، وذكر من دخل المدينة من الصحابة والتابعين، حيث ذكر من الصحابة 38 اسما، في مقدمتهم عبيدة بن الجراح، ومن التابعين سبعون اسما ممن أقاموا في المدينة.

كنوز الأقصى
أما الباب الثالث فخصصه الباحث للحديث عن المدينة في العهد الأموي والعهود التالية حتى صلاح الدين، مشيرا إلى بناء قبة الصخرة المشرفة (القبة المذهبة) ودور الأمويين في بنائها ودوافعهم، وما في المسجد الأقصى من كنوز.

وتحدث عن القدس في عهد الخلافة العباسية، من عهد أبي جعفر المنصور إلى عهد المقتدر، واستعرض بعض ما وصفت به على ألسنة السياح والزائرين، ثم انتقل إلى عهد الطولونيين والإخشيديين وتوجههم إليها.

وفي هذا الباب استعرض الكاتب أيضا أهم كنوز المسجد الأقصى، موضحا أنه يقع في مبنيين: المسجد المسقوف، ومبنى قبة الصخرة، ويؤدي إليهما 15 بابا.

ثم تحدث عن ثلاث مدارس تقع داخل حرم الأقصى المحدد بـ 144 دونما، وأربع مآذن، ومطهرتين وخمسة أماكن للوضوء، إضافة إلى 13 سبيلا وعشرات الآبار وأربع زوايا، فضلا عن ستة مساجد في رحابه.

وتحدث المؤلف عن منبر الأقصى الذي أُعد في حلب بأمر من نور الدين زنكي، ثم نُقل إلى الأقصى في عهد ابنه إسماعيل، موضحا أن المنبر مصنوع من الحجارة والرخام بنمط هندسي فريد.

وأشار إلى 12 قبة، وتسعة محاريب، و39 مصطبة عِلم (أماكن مرتفعة عن ساحة الأقصى بُنيت في عهود إسلامية متتابعة، ومخصصة للتدريس وتحفيظ القرآن الكريم ودروس الفقه وغيرها).

أما الحروب الصليبية (الفرنجية) وتحرير القدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، فتناولها الكاتب بإسهاب في الباب الرابع، وعرج على أسبابها ودوافعها وحال العالمين العربي والإسلامي قبل الغزو.

ثم ينتقل لمعالجة انطلاق شرارة هذه الحروب واقتحام القدس، وما قام به الصليبيون من فظائع كما وردت على ألسنة المؤرخين، ثم بوادر وحدة العالم الإسلامي وتوحيده في الطريق إلى القدس على يد نور الدين زنكي، ثم من قبل صلاح الدين، وأخذه زمام المبادرة في الحروب الصليبية.

وهنا تناول الكاتب موقعة حطين، باعتبارها معركة فاصلة، ثم تحرير بيت المقدس وإقامة العديد من المؤسسات الخيرية والوقوف على مصلحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وما شهدته المدينة في العهد الأيوبي، ثم الصراع الإسلامي الفرنجي عليها، دون إغفال ما كتبه الرحالة المسلمون والغربيون عن المدينة في هذه الحقبة.

العهد المملوكي
وفي الباب الخامس ينتقل المؤلف إلى حال مدينة القدس في العهد المملوكي الأول (الأتراك)، أي عهد الملك المعز إلى عهد السلطان المنصور علي بن شعبان، وما قدّمه هذا الجيل لهذه المدينة، ثم دولة المماليك الثانية (الشركسية).

وللقدس في العهد العثماني خصص المؤلف الباب السادس، متحدثا عن قيام الدولة العثمانية، ووصف القدس في مذكرات الزائرين والسائحين، ثم عهد محمد علي باشا، وما جرى فيها على يد ولده إبراهيم، والحالة الاجتماعية والاقتصادية في هذه الفترة.

في الباب الثامن من الكتاب يبحث المؤلف أصول وجذور الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس منذ عام 1865م، والاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك ومحاولة هدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه

ثم ينتقل إلى وضع المدينة في عهد السلطان عبد المجيد الأول إلى عهد السلطان عبد العزيز الأول، ثم تشكل بلدية القدس وصلاحياتها ومشاركة المقدسيين فيها وبواكير الزحف الصهيوني عليها، حتى نهاية العهد العثماني وظهور الاستعمار البغيض.

أما الباب السابع فتناول الباحث فيه وضع مدينة القدس والاستعمار البريطاني والتغلغل الصهيوني، وعرج على ظروف المدينة في عهد الاحتلال البريطاني من عام 1917م وحتى 1947م، وما جرى خلال هذه الفترة من إجراءات، كوعد بلفور والمؤتمرات والمظاهرات والثورات الفلسطينية على المستعمر البريطاني.

وينتقل إلى قرار التقسيم والقرارات الدولية والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعاني منها فلسطين عامة والقدس خاصة، وصولا إلى فتح الاستعمار البريطاني باب الهجرة لليهود وتنفيذ الخطط الاستيطانية.

رسالة الوحدة
وفي الفصل الأخير من هذا الباب، تناول المؤلف حكم المدينة في العهد الأردني والموقف الأردني إبان النكبة والدفاع عن القدس وسقوطها في أيدي الاحتلال وتقسيمها إلى شطرين: غربي وشرقي، وقيام الأردن بحماية الأماكن المقدسة والإشراف التام على الإعمار فيها.

وعند الباب الثامن يصل أبو صالح إلى نهاية كتابه، وفيه يبحث أصول وجذور الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس منذ عام 1865م، والاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك ومحاولة هدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه.

ثم يختم بأن أهم الدروس والعبر من تاريخ السلف منذ الفتوحات الإسلامية وعهد صلاح الدين هو أن وحدة الأمة هي التي حررت القدس وبيت المقدس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك