عرض/نبيل شبيب
جمع مؤلف هذا الكتاب الدكتور ميشائيل لودرس بين دراسة العلوم السياسية والإسلام والأدب العربي، وقضى في هذا الإطار عامين دراسيين في جامعة دمشق، وكتب رسالة الدكتوراه في برلين حول "السينما المصرية".

كما اشتغل لسنوات عديدة منتجا لأفلام وثائقية، ولتسع سنوات محررا ومراسلا لشؤون "الشرق الأوسط" في "دي تسايت" كبرى الصحف الأسبوعية الألمانية، وأصبح أحد الخبراء والمستشارين المعروفين حول المنطقتين العربية والإسلامية وعلاقات الغرب معهما.

مشهد انقلابي متكرر
في مارس/آذار ٢٠١٥ صدر كتاب "من يزرع الريح.. ما تصنع السياسة الغربية في الشرق" وأعيدت طباعته سبع مرات خلال أربعة أشهر، ويبدأ عنوانه بالشطر الأول من مثل شعبي معروف "من يزرع الريح" وتتمته "يحصد العاصفة".

-العنوان: من يزرع الريح.. ما تصنع السياسة الغربية في المشرق
-المؤلف: ميشائيل لودرس
-الناشر: دار نشر بيك في ميونيخ
-عدد الصفحات: ١٧٦
-الطبعة: السابعة، وصدرت الأولى في مارس/آذار الماضي

يقول عنه الناشر "يصف ميشائيل لودرس في هذا الكتاب التدخلات الغربية في الشرقين الأدنى والأوسط، ويكشف عن عواقبها المدمرة، ومنها الإرهاب، وانهيار الدول، وانسياح المليشيات المسلحة الإسلامية، فيشعر القارئ بأنه يقرأ رواية سياسية مرعبة، ولكنه -للأسف- يصف فيها الواقع القائم فعلا"، كما يتحدث عن الكتاب روبرت نويديك أحد المشاهير في الإعلام والتأليف والعمل الإنساني في ألمانيا فيقول "هذا كشف حساب لم يسبق أن قرأنا مثله من قبل".

يجد محتوى الكتاب التقدير العام لدى القارئ الألماني نتيجة منظوره الغربي، فالإرهاب -وليس الاستبداد وقمع الثورات- هو "العاصفة" التي تمثل حصاد السياسة الغربية، بينما يجد القارئ العربي المتابع للأحداث الجارية كثيرا من التناقض، من ذلك انتقاد الكاتب للغرب ولا سيما الولايات المتحدة بسبب التعاون مع "المستبدين" مقابل مطالبة الغرب بالاستمرار في التعامل مع أحدهم عندما يؤكد خطأ الإصرار على إسقاط الأسد، فهو في نظره "سياسي واقعي" كان الأولى التفاهم مع داعميه.

ونعلم بأن أنشطة الاستخبارات الأميركية في المنطقة بدأت مع انتقال الإرث البريطاني للسياسات الأميركية، فكان أول منتجاتها انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام ١٩٤٩ كما يقول مايلز كوبلاند في "لعبة الأمم"، ولكن المؤلف يبدأ "كشف الحساب" في مقدمة كتابه بالانقلاب الاستخباراتي الأميركي البريطاني على مصدق في إيران عام ١٩٥٣، معتمدا على وثائق استخباراتية كانت سرية لمدة ستين سنة، وكشف عنها.

ويبدو كأنه يتحدث عن حالات معاصرة -كما في مصر- إذ يطرح عناصر الطريقة المتبعة وهي شيطنة من يجري تصنيفه "قبيحا" بسبب تعارض سياسته مع مصالح غربية، ثم تدبير عمليات محددة باليوم والساعة وأسماء المشاركين فيها، بما في ذلك المظاهرات وعمليات التخريب حتى الوصول إلى مرحلة تدخل أجهزة أمنية وعسكرية، ليشرح بعد ذلك ما ترمز له كلمة "زراعة الريح" و"حصاد العاصفة" في صيغة ردود تاريخية لاحقة، إذ يقول "لولا انقلاب ١٩٥٣ لما وقعت الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩".

عاصفة تنظيم الدولة
النموذج المطروح موثقا يتكرر في الفصول التالية بأسلوب التحليل، إذ يربط بين أحداث "صنعت" ونتائج وقعت، ولكن تغيب "الوثائق الرسمية" ويعتمد المؤلف بدلا منها على ‎استشهادات من أقوال المسؤولين عن صناعة القرار.

‎من ذلك مثلا حديث بريجنسكي -المسؤول عن الأمن القومي الأميركي الأسبق- في مقابلة إعلامية عن قرار رئيسه آنذاك جيمي كارتر تقديم دعم عسكري لفصائل المجاهدين في أفغانستان عام ١٩٧٩ أي قبل الغزو الروسي، مع تقدير أن هذا من شأنه أن يدفع موسكو للتدخل عسكريا كما جاء في الفصل الثاني ‎من الكتاب بعنوان "الفصل الأخير في هندوكوش".. وينطلق المؤلف من هذه المرحلة التاريخية ليقول إن الدعم الأميركي والسعودي للمجاهدين في أفغانستان حصد ظهور القاعدة وطالبان من بعد.

الفراغ السياسي والعسكري بالعراق والامتناع عن إطلاق حوار وطني جامع أوجدا فوضى سياسية وأثارا تناقضات طائفية وقومية شملت تفكيك الجيش والحزب، فاكتملت "المهمة" الأميركية وكانت النتيجة: ‎الأسس الممهدة لظهور تنظيم الدولة

وعلى النسق ذاته، يمضي في الفصل الثالث بعنوان "انتهت المهمة بنجاح - الأميركيون يوجدون الأسس لظهور تنظيم الدولة الإسلامية"، لا يقول المؤلف إن المسؤولين الأميركيين تعمدوا ذلك بالضرورة، بل يعتبره نتيجة مسيرة تاريخية بدأت بدعم صدام في الحرب العراقية الإيرانية، ثم توجيه ضربات متوالية للقضاء على "العراق نفسه" بعد احتلال الكويت، ثم غياب -أو تغييب- رؤية سياسية واضحة بعد الاحتلال وإسقاط صدام.

ثم يخلص في الحصيلة للقول إن الفراغ السياسي والعسكري والامتناع عن إطلاق حوار وطني جامع أوجدا فوضى سياسية، وأثارا تناقضات طائفية وقومية شملت تفكيك الجيش والحزب فاكتملت "المهمة" الأميركية وكانت النتيجة: ‎الأسس الممهدة لظهور تنظيم الدولة.

وينتقل الفصل الرابع "تصنيف الجهاديين بين حسن وقبيح - الغرب لا يتعلم من أخطائه" لتفسير التربة الملائمة للإرهاب عبر انتشار "الإحباط والتطرف" محل الأمل الذي أثارته ثورات الربيع العربي، فيقول "إن الغرب يحمل الإسلام المسؤولية ويربطه بالقرون الوسطى، ويتجاهل الأسباب الحقيقية، أي التأثير عبر التدخلات الخارجية وحتى فرض شروط اجتماعية".

وهنا يفصل في الحديث عن الثورة في سوريا في إطار الدفاع عن داعمي نظام الأسد، ويقول إنهم لا يتشبثون به، ولكن لم يجدوا من الغرب تعاملا موضوعيا للحفاظ على مصالحهم، بل أصر على إسقاط الأسد رغم قابلية التفاهم معه باعتباره "واقعيا" في سياساته، وبهذه النظرة يحمل الكاتب السياسة الغربية مسؤولية ما شهدته سوريا، بما في ذلك ظهور تنظيم الدولة.

الأرض المحروقة
"الغرب يوجد بنفسه إلى حد كبير الخطر الإرهابي الذي يتهدده".. هذا ما يريد الكاتب تأكيده في الفصل الخامس بعنوان "في قلب الظلمات"، فالحملات والتدخلات العسكرية وغير العسكرية -منذ تفجيرات نيويورك وواشنطن عام ٢٠٠١- أدت إلى إسقاط أنظمة وإضعاف دول، لكنها دعمت في الوقت نفسه انتشار تنظيمات متطرفة ابتداء بالقاعدة وطالبان وانتهاء بتنظيم الدولة.

ولكن عند تعليل تنامي قوة التنظيم لا يطرح لودرس في هذا الفصل صيغة منطقية بل يتحدث في وقت واحد عن "الدعم الأميركي للحكومة الشيعية في العراق ضد الجهاديين من السنة" وما يعتبره "دعم الجهاديين السنة في سوريا ضد نظام الأسد..".

ونستطيع أن نستخرج من هذا الفصل سببين منطقيين آخرين لتنامي قوة تنظيم الدولة يتعلق الأمر بالحصول "غنيمة" على كميات هائلة من الأسلحة الأميركية الصنع في سوريا ثم العراق، ثم اتباع التدخلات الغربية أسلوب "الأرض المحروقة" في البلدين.

أما إضعاف تنظيم الدولة فلن يتحقق وفق الكاتب عبر "المحاولة الفاشلة" لتدريب مجموعات من "المتمردين المعتدلين"، ولا عبر التوهم باحتمال التمرد عليه في مناطق سيطر عليها، فيبقى الاحتمال الأسوأ وهو -عند الكاتب- ازدياد انتشار التنظيم في المناطق السنية العربية، وليس الكردية أو المناطق الشيعية.

ينبه المؤلف إلى ضرورة التمييز بين الاتجاهات الإسلامية المتفاوتة، وينكر على الفكر الغربي استبعاد قابلية نشر الحريات في العالمين العربي والإسلامي بحجة عدم مروره بفترة "التنوير" على غرار أوروبا، معتبرا تونس نموذجا على ما ينقض هذه النظرة

ويستعير الكاتب تعبير "الحلف المقدس" من ثنايا التاريخ الغربي ليجعله عنوان الفصل السادس حول الاعتماد الأميركي على المستبدين والإقطاعيين، مما يشمل دعم الأنظمة ودعم الانقلابات العسكرية كما حصل في التعامل مع دول "الربيع العربي" بدءا بليبيا وانتهاء بمصر، ويصل حتى إلى رفض الغرب "نتائج انتخابات ديمقراطية" إذا أسفرت عن نجاح من لا يرتبط بالغرب، فهذا ما باتت تعنيه أولوية المصالح الغربية.

وينبه الكاتب إلى ضرورة التمييز بين "الاتجاهات الإسلامية" المتفاوتة ما بين "تنظيم الدولة.. وحتى أردوغان"، فينكر على الفكر الغربي استبعاد قابلية نشر الحريات في العالمين العربي والإسلامي بحجة عدم مروره بفترة "التنوير" على غرار أوروبا، معتبرا تونس نموذجا على ما ينقض هذه النظرة.

ويكتمل عرض انحراف السياسات الغربية في التعامل مع المنطقة عبر حديث الكاتب في الفصل السابع "إطلاق يد إسرائيل".. عن حرب غزة عام ٢٠١٤ فالتأييد المطلق للسياسات والممارسات الإسرائيلية هو مما ينشر كلمات "النفاق والازدواجية" في ردود الفعل، كذلك تشبيه حماس بالقاعدة سابقا وبتنظيم الدولة حاليا أشبه بدعوة مفتوحة لظهور مزيد من الجهاديين الذي يقاتلون وفق شعار "المسلمون ضد اليهود".

في خاتمة الكتاب -أو الفصل الثامن- نظرة استشرافية يظهر مضمونها عموما من خلال العنوان "الفوضى العالمية الجديدة"، فعلى النقيض من عصر الهيمنة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية تعددت مواقع هيمنة القوى، لكن دون مرتكزات فاعلة تضبط مسارها ونتائجها.

ويستشهد المؤلف بلحظة سقوط جدار برلين تاريخيا وكيف أثارت لدى فوكوياما الحديث عن "نهاية التاريخ" باستقرار نموذج غربي، وقد تراجع عن فرضيته تلك، ولكنها تكشف عما يسميه الكاتب "عمى الغرب" عن رؤية أن "العالم" ليس هو الغرب وحده، وأن انتصاراته ليست أبدية.

ثم يذكر بعبارات شائعة من قبيل "رابطة القيم الغربية" ووصف ‎أوروبا بأنها "الغرب المسيحي".. ليقول إن العنصر الحاسم في الحضارة الغربية قيمي وليس عنصر‎ القوة، وهذا ما يجب تثبيته، ولن يثبت بوضوح كما يقول الكاتب في النهاية "دون وضع المسؤولين عن زرع الريح وحصاد العاصفة أو بعضهم على الأقل في المحكمة الجنائية الدولية، وفي مقدمتهم بوش وتشيني وبلير ورامسفيلد".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك