عرض/مرح البقاعي
في موعد الانتخابات الرئاسية القادمة سيكون عمرها 69 عاما، وهي التي ما زالت تحتفظ بنضارة وحماسة وطاقة الشباب في الثلاثينيات من العمر. إنها السيدة هيلاري كلينتون التي صرفت عشرين عاما من عمرها في العمل العام منذ انتخاب زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية عام 1992، مرورا بتنصيبها "سيناتور" عن ولاية نيويورك، وانسحابها من انتخابات الرئاسة لصالح منافسها باراك أوباما عام 2008، ثم اعتلائها سدة الدبلوماسية الأميركية بنجاح باهر.

باشرت هيلاري كلينتون انخراطها في العمل السياسي وهي ما تزال في 13 من عمرها، حيث شاركت في الحملة الانتخابية للجمهوريين عام 1960، كما قادت النشاط الطلابي أثناء دراستها الجامعية كعضو جمهوري، إلا أنها تحولت تدريجيا إلى الليبرالية بعد لقاء مارتن لوثر كينغ عام 1962، فتركت الجمهوريين وشاركت في الدعاية للمرشح الرئاسي الديمقراطي جور ماكجوفيرن عام 1971.

استهلت كلينتون حياتها المهنية محامية حائزة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ييل العريقة عام 1971 بالدفاع عن النشطاء الشيوعيين، وكانت عضوة في الفريق القانوني الذي شكلته اللجنة القضائية بمجلس النواب أثناء إجراءات إقالة الرئيس ريتشارد نيكسون على خلفية فضيحة ووترغيت عام 1974.

-العنوان: عقيدة هيلاري
-المؤلفان
: فاليري م. هادسن وباتريشيا ليد
-الناشر: كولومبيا يونيفرسيتي برس
-عدد الصفحات: 456
-تاريخ النشر: 2015

كما عملت لفترة مستشارة قانونية بالكونجرس، وورد اسمها مرتين ضمن قائمة "المئة محام" الأكثر نفوذا في الولايات المتحدة. تألقت هيلاري في عالم السياسة، وأصبحت نجما سياسيا صاعدا قبل وصولها إلى البيت الأبيض عام 1993 سيدة أولى للولايات المتحدة بعد وصول زوجها بيل كلينتون إلى الرئاسة، وهو ما أكده كلينتون الذي رأى أن "أميركا عندما اختارته رئيسا لها اختارت معه رئيسة ثانية هي هيلاري".

من أبرز المواقف السياسية لوزيرة الخارجية الأميركية سابقا، ومرشحة الرئاسة حاليا، معارضتها حرب فيتنام، ورفضها التدخل الأميركي في أفغانستان، كما عُرف عنها رفضها دخول الجيش الأميركي العراق، وفي ولايتها الثانية في مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك دعمت حملة حث الرئيس الأسبق جورج بوش على إعلان خطة عاجلة للانسحاب من العراق.

ولا شك أن قولها المشهور في مؤتمر المرأة العالمي الذي انعقد في بكين عام 1995 "حقوق المرأة هي حقوق الإنسان"، أصبح نهجا وعقيدة سارت عليهما بإصرار، وتبعها محبوها ومؤيدوها، رجالا ونساء، الذين صوتوا لها في الانتخابات الرئاسية عام 2008 بما وصل إلى عشرين مليون صوت، ومن المرجح أن تحصل في انتخابات 2016 على عدد يفوق الأخير، بعد أن أثبتت أن إيمانها بدور المرأة في مجتمعاتها هو عقيدة راسخة لا تتجزأ.

كتاب وكاتبتان
يجدر بنا قبيل الاطلاع على متن هذا الكتاب الذي غزا الأسواق الأميركية مؤخرا، كون صاحبته السيدة هيلاري كلينتون المرشحة الرئاسية لانتخابات 2016، وهي الأقوى حظا لنيل تأييد الحزب الديمقراطي لتكون مرشحته النهائية لخوض المعركة الانتخابية إلى جانب من سيكون منافسها من الحزب الجمهوري الأميركي.

يرصد هذا الكتاب خط الحكمة التي تتمتع بها هيلاري كلينتون عبر سنوات طويلة من العمل السياسي والدبلوماسي، خاصة نشاطها المدني في دعم حقوق المرأة وتمكينها دوليا، هذه المهمة الإنسانية "المعولمة" التي غدت عقيدة ونهجا عند كلينتون

ومن المرجح أن يكون النائب جب بوش الشقيق الأصغر للرئيس الأسبق جورج دبليو يوش.

تناوبت على النص كاتبتان مرموقتان، الأولى فاليري م. هادسن، وهي حائزة على زمالة جامعة جورج بوش للدراسات الحكومية والخدمة العامة في تكساس، وألفت العديد من الكتب، وأهمها كتاب "الجنس والسلام العالمي"، وحازت على جوائز عالمية عن كتبها. وتشغل منصب كبير المحررين في مجموعة وومانستس التي تضم أكبر مجموعة من البيانات عن وضع المرأة في كافة دول العالم.

أما زميلتها وشريكتها في هذا الكتاب باتريشيا ليد، فقد صرفت عقدين من الزمن في العمل مستشارة في العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، فاشتغلت في منظمة الصحة العالمية وصندوق السكان، وهي حاليا محاضرة في كلية الاتصال والفن في جامعة ولاية ميشيغان.

توضح الكاتبتان في هذا الكتاب الصلة بين الاستقرار والازدهار في البلدان التي تشارك فيها المرأة بدور بارز في الحياة العامة وبين دور المرأة في تعزيز هذا الاستقرار والمساهمة في تحقيق الازدهار.

وتسوق فاليري وباتريشيا أمثلة محسوسة من خلال قصص وإحصاءات موثقة من مصادرها في المنظمات الدولية وغير الحكومية، وتمتد على رقعة واسعة من الجغرافيا، متنقلة بين الصين والهند ورواندا وأفغانستان وغواتيمالا والسعودية، حيث وضع المرأة ودرجة مشاركتها في الحياة العامة هو موضع الكثير من الأسئلة.

وكانت هيلاري كلينتون هي من أطلق التصريح الشهير أن "إخضاع المرأة يهدد المصالح الوطنية"، هذا التصريح الناتج عن خبرة عملية مديدة تمتعت بها من خلال المناصب التي شغلتها، لم يلقَ للأسف الترحيب ولم يؤخذ على محمل الجدية في حينه.

يرصد هذا الكتاب خط الحكمة التي تتمتع بها هيلاري كلينتون عبر سنوات طويلة من العمل السياسي والدبلوماسي، خاصة نشاطها المدني في دعم حقوق المرأة وتمكينها دوليا، هذه المهمة الإنسانية "المعولمة" التي غدت عقيدة ونهجا عند كلينتون.

المرأة والأمن الدولي
تعرف المرأة وترى قضية الأمن بمنظور مختلف عما يراه الرجل، حسب الكتاب. فعلى مدى نصف القرن الماضي حثت النساء المدافعات عن حقوق المرأة صناع السياسات وأصحاب القرار في بلدانهن على إدراك أن المرأة هي أول من يتأثر بل ويلحقه الضرر من العنف والفقر والحروب، حيث تدفع المرأة الثمن الأغلى في هذه الحالات الكارثية، وهي -مع ذلك- آخر من يتم التشاور معه وإشراكه في إيجاد الحلول والمخارج لتلك المعضلات الاجتماعية التي تؤثر سلبا على الإنسانية كافة.

تمضي الكاتبتان في توثيق الحقائق والقصص والمعلومات، وتحللان طبيعة الارتباط بين هذه الوقائع والسياسات المعتمدة حاليا، وتشددان في الوقت نفسه على ضرورة توسيع تطبيقات عقيدة هيلاري في السياسة الأميركية الوطنية وتحويلها إلى مشروع دولي لحماية المرأة

يأتي هذا الكتاب لشحن الوعي العام بشأن قضايا المرأة التي تشكل نصف المجتمع الإنساني، وليؤكد كذلك مركزيتها في الأمن العالمي، حيث تقدم الكاتبتان رؤية علمية واضحة، مقترنة بالدلائل والأرقام، على ضرورة مراجعة السياسات العالمية في الشق الذي يختص بحقوق المرأة ومشاركتها في مناحي الحياة كافة؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.

ويأتي الكتاب -بشكل عام- "ليشرعن" ضرورة نبش المسكوت عنه في القوانين التي تحد من قدرات المرأة وتهمشها في مجتمعها، بل وتقمعها في حالات عديدة.

كتاب "عقيدة كلينتون" قد لا يكون مريحا للكثيرين، إلا أنه سيغير الطريقة التي سنقارب بها الأمن الوطني والدولي في آن. فعبر استخدام المعلومات والإحصاءات المحلية والدولية عن المرأة وتدعيمها بالدراسات الأكاديمية المعمقة والقصص الحقيقية التي روتها النساء أنفسهن، تمكنت فاليري وباتريشيا من تحويل قضية المرأة عن مسارها التقليدي كونها مجرد قضية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، إلى ربطها مباشرة بالاستقرار وجعلها شرطا أساسيا من شروط تحقيق الأمن والسلام والرخاء على الصعيد العالمي.

وتمضي الكاتبتان في توثيق الحقائق والقصص والمعلومات، وتحللان طبيعة الارتباط بين هذه الوقائع والسياسات المعتمدة حاليا، وتشددان في الوقت نفسه على ضرورة توسيع تطبيقات عقيدة هيلاري في السياسة الأميركية الوطنية وتحويلها إلى مشروع دولي لحماية المرأة.

الدبلوماسية الناعمة
الكتاب هو أيضا تحليل للسياسات الأميركية الحالية في ما يخص قضايا المرأة، حيث لم يتم حتى اليوم معالجتها من الجذور العميقة لها وسبر انعكاساتها على الحالة الوطنية العامة.

فحتى الآن لا توجد أدوات ووسائل رادعة للعنف ضد المرأة ترافق القوانين التي وضعت للحد من هذا الأمر، كما أن دور المرأة في صناعة القرار السياسي الأميركي الداخلي والخارجي ما زال محدودا جدا، وما زال الرجل يتحكم -ويجد نفسه الأحق- بالمناصب القيادية والحساسة وذات الدخل الأعلى، وهذا نفسه بحاجة إلى مقاربة قانونية مغايرة من أجل دمج المرأة بشكل كامل ومتكامل في السياسات، ولا سيما الخارجية منها.

علق الكاتب ميكا زنغو في مجلة نيوزييك على كتاب عقيدة هيلاري بقوله "نص رصين ودقيق.. أنصح بقراءة هذا الكتاب لكل من يهتم برفع صوت المرأة في السياسات الدولية، وإعلائه كذلك في الصياغة الوطنية للقرار الخارجي الأميركي".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك