عرض/أحمد الشامى
يأتي هذا الكتاب الذي وضعه المفكر السعودي الدكتور علي بن إبراهيم النملة، بعنوان: "الاستغراب.. المنهج في فهمنا الغرب"، محاولة تأسيسية لعلم "الاستغراب"، وهو المعادل الشرقي أو العربي لعلم "الاستشراق" في الغرب.

ويقول إنه رغم أن "الاستغراب"، مفهوم جديد، فإنه قديم في محتواه وطرقه، حيث يرتبط بالعلاقة بين الشرق الإسلامي من جهة والغرب المسيحي اليهودي أو العلماني من جهة أخرى، بما مر على هذه العلاقة من مد وجزر في وجوه التلاقي، وأوجه الاختلاف، طيلة القرون الماضية.

ويقول إن الموقف من "الاستغراب" لم يتحدد بعد تماما كما الموقف من "الاستشراق" الذي لا يظهر أنه سوف يتحدد بسبب اضطراب المصطلحَيْن، ولاختلاط مفاهيمهما بين المفكرين، ناهيك عن غير المثقفين، وكونهما أصبحا مصطلحَيْن مشحونين بشحنات أيديولوجية تجعلهما موضع اشتباه في كل من الغرب والشرق.

-العنوان: الاستغراب.. المنهج في فهمنا الغرب
-المؤلف: د. علي إبراهيم النملة
-الناشر: المجلة العربية، سلسلة: كتاب المجلة العربية، الرياض.
-عدد الصفحات: 91
-الطبعة: الأولى، 2015

ومن خلال استعراض آراء بعض المفكرين الغربيين من المستشرقين، وبعض الشرقيين من العرب والمسلمين، يسلط هذا البحث الضوء بصورة مكثفة على الأفكار التي انطلقت منها أدبيات سابقة، خصوصا كتابات الدكتور أحمد الشيخ، ومن بينها كتاب "من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب"، وكتاب "من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب.. حوار الاستشراق".

والكتاب لم يأت في صورة فصول، وإنما جاء في صيغة مجموعة من الأفكار جمعها سياق مقالي واحد، تناول فيه الكاتب القضايا الأهم التي يمكن أن تشكل مدخلا أكثر فاعلية لفهم الغرب، والعقل الجمعي والفردي الغربي، وأهم نقاط التلاقي التي يمكن أن تجمع بين الطرفين.

الاستغراب.. المفهوم المضطرب
يبدأ الكاتب حديثه بتعريف لغوي واصطلاحي لمفهوم "الاستغراب"، وينتهي إلى أن المصطلح منحوت من كلمة "الغرب"، وهي في الاصطلاح، مفهوم معبأ بدلالات حضارية وتاريخية وأنثروبولوجية، تندرج أسفله مجموعة من الشعوب المتمايزة في طبيعتها عن غيرها.

ولذلك فإنه يقول إن الغرب ليس "غربا واحدا"، وإنما هناك أكثر من غرب، بتنوع وتعدد المحتوى الإنساني والفكري والحضاري للشعوب الغربية، فهناك الغرب الأدنى، وهو الدائرة الأقرب للعالم العربي والإسلامي، وشعوبه خليط من المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس وقليل من اليهود، ثم دائرة الغرب الأوروبي أو الغرب الأوسط، وهو في الغالب كاثوليكي وبروتستانتي، ثم الغرب الأقصى، وهو الأميركتان.

كما أنه يشير إلى أن "الاستغراب" قد يعني -من ناحية أخرى- ميل البعض إلى الغرب، والأخذ منه وتقليده والنقل عنه.

ويطرح الكاتب أول نقطة تأسيسية فيما يتعلق بعلم "الاستغراب"، حيث يؤكد على حاكمية نقطة دراسة الدين والبواعث الدينية في إطار دراسة الغرب، أو ضمن علم "الاستغراب"، ويؤكد أن هذا الأمر قائم بشدة -كذلك- لدى المستشرقين، حيث إن مسألة دراسة الدين في الشرق كانت الأولوية الأولى والأهم للجيل الأول من المستشرقين.

ويركز في هذا السياق -كما ينقل عن المفكر كرم خلة- على نقطة تمييز أو تمايز واضحة بين منطق اهتمام المثقفين الشرقيين بالغرب واهتمام المفكرين الغربيين بالشرق، حيث يؤكد أن هناك شكلا من أشكال العنصرية في تناول الدراسات الغربية للشرق، ويرجع ذلك إلى أن الاستعمار كان أحد أهم أهداف الحركة الاستشراقية، وغالبا يرتبط الاستعمار والإمبريالية بأنماط الممارسة العنصرية المختلفة.

رغم أن "الاستغراب"، مفهوم جديد، فإنه قديم في محتواه وطرقه، حيث يرتبط بالعلاقة بين الشرق الإسلامي من جهة والغرب المسيحي اليهودي أو العلماني من جهة أخرى، بما مر على هذه العلاقة من مد وجزر في وجوه التلاقي، وأوجه الاختلاف، طيلة القرون الماضية

وعن الأهداف المتوخاة من وراء دراسة الغرب على هذا النمط من البحث، ينقل النملة عن الطيب تيزيني ومحمد النيرب وغيرهما من المفكرين والمثقفين العرب الذين اهتموا بدراسة الحالة الغربية، قولهم إن "الاستغراب" هدفه الأساسي هو معرفة الغرب بشكل أكثر تفصيلا، ثم الانفتاح عليه بناء على أسس علمية أكثر رسوخا، في إطار رسالة التعارف بين الجماعات البشرية المختلفة.

ولكن الكاتب يضع أهدافا أخرى للحركة "الاستغرابية" في العالم العربي والإسلامي، مثل مواجهة تيارات التغريب، فينقل عن سميح فرسون وجورج طرابيشي وآخرين أن قضية التغريب التي تهدد هوية المجتمعات العربية والإسلامية تستوجب في هذه المرحلة "رد فعل" من جانب المفكرين المشرقيين إزاء هذه الحالة، أو ما أطلق عليه حسن حنفي مصطلح "نقد الغرب".

ويعيب الكاتب هنا على بعض المثقفين والكُتاب العرب، ممن انساقوا إلى هذا التيار الذي طبع موقف الغرب في المرحلة الاستعمارية، من الشرق، وهو اعتبار الغرب بمثابة "خصم"، تبعا لمقولة رديارد كيبلينج: "الغرب غرب والشرق شرق ولا يلتقيان"، والتي أيده فيها بعض المفكرين العرب، مثل لويس عوض.

ولكن، وكما هناك كيبلينج ولويس عوض هناك غوته وآنا ماري شيميل ورينيه حبشي، حيث أكدوا جميعا أن من يعرف نفسه ويعرف الشرق والغرب يعرف ويتأكد أنه لا بد من تلاق ما بينهما.

المشترك ما بين الشرق والغرب
في إطار حديثه عن أهمية العمل على إيجاد صيغة للتقارب والتعايش، يناقش الكاتب قضية التسامح إزاء الآخر، كما جاءت في الشريعة الإسلامية، وكما جاءت في الفكر الليبرالي الغربي، وذلك من خلال مجموعة من الكتابات لمفكرين وباحثين عرب وغربيين.

فتكلم عن مقالات سمير الخليل بعنوان "التسامح في اللغة العربية"، وبيتر نيكلسون بعنوان "التسامح كمثال أخلاقي"، وتوماس بالمدوين بعنوان "التسامح والحق في الحرية"، وكارل بوبر بعنوان "التسامح والمسؤولية الفكرية"، وألفريد آيبر بعنوان "منابع التسامح".

وقبل أن يرصد مفهوم التسامح وفق المنظومة القيمية الغربية، يحذر من التمادي في تبني فكرة التسامح، حتى لا تقود إلى دخول مفاهيم غير سوية، مثل الإباحية والانفلات الأخلاقي.

فيقول إن هناك ضرورة لبقاء قدر من الرقابة الدينية والاجتماعية والسياسية، حتى لا تدخل مثل هذه النوعية من المفاهيم الهدامة في السلوكيات العامة والخاصة باسم التسامح.

ومن القواعد التي تعتمد عليها فكرة التسامح في المنظومة الفكرية الغربية، إحلال الطبيعي محل الإلهي، والعقل محل الوحي، وإحلال القانون الوضعي محل القانون السماوي.

ويقول إن ذلك الأمر، خصوصا لدى المفكرين الغربيين الذين يدينون بالمسيحية الكاثوليكية، جاء بسبب معاناتهم التاريخية مع الكنيسة وسطوتها باسم الدين، وهو ما قاد إلى حروب وصراعات عنصرية طويلة الأمد في أوروبا، ولم تحل إلا باعتماد النموذج العلماني.

يفرد الكاتب بعد ذلك مساحة واسعة للحديث عن الاستشراق، وكان من الملاحظ أنه قد تعمد أخذ نماذج استشراقية تؤكد على الرسالة الرئيسية لكتابه، وهي إمكانية تحقيق التقارب بين الشرق والغرب بعيدا عن عنت السياسة، بل إنه يهاجم المفكرين العرب والمسلمين الذين قاموا بما وصفه بـ"تسطيح" الاستشراق، باعتبار أنهم لم يأخذوا منه سوى صورته أو جوانبه السلبية حول الحضارة الإسلامية والإسلام.

وهنا يشير إلى كتابات محمد عابد الجابري والطيب تيزيني والأخوَيْن أحمد وصلاح الشيخ، التي تناولت "الاستشراق" في إطار علم "الاستغراب"، أي أنها تناولت فكر المستشرقين ضمن دراستهم للغرب، وضمن تأثرهم بالغرب فكرا وثقافة.

فأحمد الشيخ تناول أفكار عابد الجابري، باعتباره أحد أكثر المفكرين العرب والمغاربة الذين تأثروا بالفكر الغربي، وبالنموذج الغربي في التفكير، وهذا في حد ذاته أحد جوانب علم "الاستغراب".

يرى المؤلف أنه يمكن البدء في التأسيس لعلم "استغراب" يعمل على دراسة الغرب بشكل سليم، بما في ذلك أنماطه الفكرية والعقيدية والسياسية وغير ذلك. مع الدعوة إلى مزيد من الانفتاح بين الشرق والغرب، حيث نقاط التلاقي بين الطرفين أكثر من نقاط الاختلاف

وفي هذا الإطار، يتناول الكاتب سيرة عدد من العلماء والمفكرين العرب ممن مارسوا "الاستغراب"، كما فعل المستشرقون أمثال يوهان بوركهارت، في العالم العربي والإسلامي.

ويركز في هذا على رحلة العالم المصري محمد بن عياد الطنطاوي والتي قام بها إلى بلاد الروس، في منتصف القرن التاسع عشر، باعتبارها النموذج الأول لرحلة "استغرابية" على غرار الرحلات الاستشراقية.

كما تتبع رحلات ابن فضلان وأحمد فارس الشدياق وسليمان السيرافي إلى بلاد الروس والترك وأوروبا. كما ركز على رحلة الأديب والصحفي والسياسي العربي رزق الله حسون إلى روسيا، باعتبارها نموذجا للاستغراب السياسي، حيث إنه فر من مصر، في أواخر عهد الخلافة العثمانية لأسباب سياسية، وعمل على محاولة الحصول على دعم قيصر روسيا ألكسندر نيقولاييفيتش، لإقامة دولة عربية.

كما ركز على مفهوم آخر للاستغراب، وهو الاستغراب الديني، وضرب له نموذج الموقف من الفاتيكان، وقيام البعض بالتواصل مع رجال الدين في الغرب.

ويناقش الكاتب في هذا الإطار مجموعة من المحددات والثوابت التي جاء بها الإسلام في صدد الموقف من المسيحية والسيد المسيح "عليه السلام"، في ثلاث نقاط أساسية، وهي طبيعته وميلاده ووفاته. ويشير إلى أنه رغم أن هذه الأمور محسومة في العقيدة الإسلامية، فإنها من الممكن أن تشكل مدخلا مهما للدراسات الاستغرابية، بجانب الدراسات السياسية والاقتصادية والأنثروبولوجية الأخرى.

كذلك يسقط على ما أطلق عليه مصطلح "الاستغراب اليهودي"، بحيث تكون الدراسات الخاصة بالعقيدة اليهودية أحد مداخل علم "الاستغراب" الجديد الذي يدعو إليه.

ويختم الكاتب مؤلفه هذا بتأكيد أنه يمكن البدء في التأسيس لعلم "استغراب" يعمل على دراسة الغرب بشكل سليم، بما في ذلك أنماطه الفكرية والعقيدية والسياسية وغير ذلك.

وفي الأخير، كان الكتاب عبارة عن دعوة كبيرة للمزيد من الانفتاح بين الشرق والغرب، من خلال تأكيد أن نقاط التلاقي بين الطرفين أكثر من نقاط الاختلاف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك