عرض/حسين نشوان
يمثل كتاب "على قدر أهل العزم" الذي استعير عنوانه من بيت شعر لأبي الطيب المتنبي، محاولة لتقصي الرابط السري بين العديد من القضايا الكبرى التي تشغل الناس في العصر الراهن، ومنها السياسة والتعليم والثقافة والاتصال.

ويراهن الكاتب متمثلا بيت الشعر أن الإنسان يمكن أن يحقق الكثير من النجاحات بعقله، ويتجنب الكثير من المآسي بتسامحه الإنساني.

يشرح المؤلف د. حمد بن عبد العزيز الكواري دواعي تأليف الكتاب قائلا إنه وضع الكتاب في فصول "تفرض عليّ نفسها بإلحاح كلما استعدت ذكرى من الذكريات، أو حادثة من الحوادث، فقد كانت أول أمرها تعليقات على "إنستغرام" أو هاتفي الجوال.. وأضحت تشكل تدريجيا رؤية وتعبر عن مواقف، فقررت أن أصوغ منها كتابا يجمع ما تفرق ويكشف عن صلة الأحداث والذكريات المتناثرة بنظرتي إلى قضايا الثقافة والدبلوماسية والتراث والفن.

-العنوان: على قدر أهل العزم.. سيرة فكرية
-اسم المؤلف: حمد بن عبد العزيز الكواري
-الناشر: دار بلومزبري، مؤسسة قطر للنشر
-عدد الصفحات: 270
-تاريخ النشر: 2015

جغرافيا النفس وتضاريس الأمكنة
يمثل الكتاب -الذي يقع في نحو 270 صفحة من القطع الكبير- رحلة في جغرافيا النفس وتضاريس الأمكنة ومعارج الروح وأسرار المعرفة التي يتنقل فيها الكاتب بين آراء المفكرين من كتب قرأها والتقى بمؤلفيها، ومدن زارها وأحداث ووقائع عاينها، ولا يتوقف عن التعليق والانطباع بل يضع رؤية بعمق لخبرة توفرت من اشتغالات متنوعة وثقافة واسعة تحصلها من قراءات ثرية.

ويثري المؤلف -الذي يتقن العربية والإنجليزية والفرنسية، ويحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية- مناقشة تلك القضايا من خلال خبراته، وسيرته العملية المتنوعة التي اتسعت في أكثر من حقل، ومنها العمل الدبلوماسي سفيرا في لبنان وسوريا وفرنسا واليونان وسويسرا، ووزيرا للثقافة والتراث، وبعدها للإعلام في قطر.

في كتابه الذي يقع في تسعة فصول، ويستهل بمقدمة وتذييل للمراجع لا يتوقف المؤلف عند قضية واحدة، بل يجمع العالم في مُؤلف واحد (بوتقة واحدة) تمثل مختبر التجربة وتختزل الحياة البشرية في همومها وهواجسها بلغة أدبية رشيقة، وفي الوقت نفسه لغة بسيطة وسلسة تنم عن احترافية عالية في الكتابة.

وهذا النوع من الكتابة يمكن وصفه بالتشجير الذي يبدأ بالساق (الفكرة) وتتفرع عنه الأغصان، ومنها الأوراق والثمر، وهو من الكتابات المهمة في راهن العصر الذي يتسم بتدفق المعلومات وثورة الاتصالات وتطور التكنولوجيا، ويختزل المسافات والفوارق بين العلوم والمعارف لتشكل شبكة من المعرفة.

يبدأ الكتاب من الصحراء والبحر الذي شكل ثقافته وذائقته ومسؤوليته الإنسانية، حيث يقول "في هذا الترحال بين كلام معتق قديم تشكلت ثقافتي وذائقتي الأدبية، وبين خطاب العصر الذي وضع الأخوان لوميير النواة الأولى لنحوه وبلاغته استعارة جذابة دالة على ما نعيشه اليوم، فالرياح تعصف من كل الجهات عاتية، رياح الحروب والفقر والمرض والجهل تتصادم مع رياح التقدم المذهل في المجالات جميعا".

السؤال المركزي الذي يترك ظله على موضوعات الكتاب وعناوينه ونقاشاته، التي تتبدى في الأسئلة الصادمة، هو إلى أين تسير البشرية؟ إلى حتفها وهلاكها بأسلحة الدمار الشامل أم بركوبها السفينة وبقائها ضمن القافلة.

يمثل الكتاب رحلة في جغرافيا النفس وتضاريس الأمكنة ومعارج الروح وأسرار المعرفة التي يتنقل فيها الكاتب بين آراء المفكرين من كتب قرأها والتقى بمؤلفيها، ومدن زارها وأحداث ووقائع عاينها

يرى المؤلف أن الرهان الحقيقي للخلاص من العنف والصراع "ثقافي"، رغم تقلبات السياسة ومصالحها، فالثقافة صنو المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، والمدخل لتحقيق العيش المشترك لا يكون إلا بالثقافة.

مستقبل الثقافات المحلية والعولمة
يتوقف في فصل دوحة الخصوصية الكونية عند التخوفات التي يرسلها الناس على مستقبل الثقافات المحلية إزاء العولمة، لافتا إلى أن أصل الخوف عائد إلى الاحتكام إلى منطق السوق في مجال الثقافة، مشيرا إلى أن "الثقافات الخصوصية استوعبت المنتج الصناعي وهضمته بإدراجه في بيئتها وسياقاتها".

ويتساءل "أليست الحداثة هي التي جعلت الفرد قادرا على أن يبني مسارا لحياته يختاره عن وعي، وفتحت ذهنه على ممكنات لم تكن متاحة له من قبل"، ممنهجا نقاش المقولات التي يتأملها بالجدل والحوار الذي يمثل ضمانة الحرية والمشاركة، متسائلا أيضا "أليس أساس الديمقراطية تساوي الفرص وتمكين أوسع القطاعات من المشاركة".

ويراهن الكاتب في حلول قضايا الإنسانية على فكرة الاستكشاف الجمالي للعالم، ليس من منطلق "طوباوي"، بل في اقتران الجمالي بالأخلاقي، مناقشا دور الأدب والرواية والدراما في بناء الوعي النقدي عند القارئ، فالروايات هي التي تقترح إعادة تشكيل الوجود، "كل رواية تصير مع الزمان تاريخية.. والروايات الأكثر أهمية هي تلك التي تبدع الزمن".

يستعرض تجارب العديد من الكتاب والروائيين ممن حصلوا على جائزة نوبل، من خلال شهاداتهم الإبداعية التي تدخل في عمق النفس البشرية وعلاقاتها وهواجسها، معتبرا أن الأدب والفن خطيران، لأنهما يقدمان "معرفة بالإنسان لا تحيط بها لغة المفاهيم العلمية ولا يفصّلها التحليل العقلي"، فـ"الأدب الذي يجمع الجمال إلى الأخلاق يمنحنا قدرة على ألا "يسري فينا الخوف من الذين يريدون أن يختطفوا منا الحرية التي اكتسبناها ضمن المسيرة الطويلة والبطولية للحضارة".

نار المعرفة
في الكتاب الذي امتدت ذكرياته على عقود قبل العودة لتأليفه وجمعه من الذاكرة التي تجولت بين المدن والمتاحف واستعادت الكثير من الوجوه والأفلام السينمائية وعناوين الكتب، يراوح المؤلف بين الماضي والحاضر، رابطا تحت عنوان "من المجلس إلى الميديا" بين الاتصال قديما وحديثا، ثم يلفت إلى لقائه في باريس مؤلف كتاب "الفكرة القاتلة"، نيكولا نورداس، وبين أن "الفكرة القاتلة مجاز يخيل في قصد صاحبه إلى الفكرة الخلاقة".

وضمن جدلية الهدم والبناء والموت والانبعاث تبرز دينامية العلاقة بين الأفكار القاتلة والأفكار المحيية لنار المعرفة، متمثلا رأي الصادق الحمامي الذي يقول إن "ظهور الإنترنت كسر الفصل الصارم بين الجمهور والنخبة"، وبالقدر نفسه عملت الشبكة العنكبوتية على "تهاوي مفاهيم كثيرة"، فـالمثقف "لم يعد يحتكر النقد أو إنتاج الرأي، ولم يعد له امتياز الإدراك الصحيح للواقع وفهم "الوعي"، "الزيف" الذي تغرق فيه الجماهير".

وفي باب الدبلوماسية الثقافية يشير إلى أنها توصف بـ"القوة الناعمة" وأساسها "استخدام المنتجات الثقافية للتأثير على العقول والقلوب، والعبرة منها تهيئة بيئة نفسية جماعية وثقافية تقوم على وحدة أسلوب التفكير ونمط العيش"، خصوصا أن العالم يميل لترسيخ القيم الكبرى، ومنها: الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

يستذكر المؤلف ما جرى في العراق والشام من دمار، وهو ما يقوده إلى أن "الهوس بالنقاء الإيماني مصحوبا بالجهل بتاريخ البشرية والفنون والحضارات يصبح أداة تدمير وتخريب لجوهر الحضارة"

ويمزج الكاتب في هذا الفصل بين سيرته الذاتية والسيرة الفكرية من خلال الحديث عن مواصلته للدراسة وتعلم اللغة ورأيه في تأسيس مركز العالم العربي بباريس، والاشتغال الدبلوماسي الذي يمثل له في الجانب الثقافي بناء علاقات بين مجتمعين تنتفي فيها شروط الضغط والهيمنة وتغليب المصالح.

الجهل المقدس والعنف الهمجي
يستعيد الكاتب د. حمد الكواري -الذي شغل منصب ممثل بلاده في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في الحوار بين الحضارات- المقولة التي تشير إلى أن العالم يستقل طائرة واحدة، أو سفينة واحدة، هي الكرة الأرضية، ولا مناص من الحوار لتحقيق السلام والأمن.

ويرى أن معالجة مسألة التنوع والعولمة من الزاوية الدبلوماسية الثقافية ينبغي أن تستند إلى منظومة حقوقية دولية تجعل الاتفاق في عدد من المسائل ممكنا، فالثقافة بحسبه هي "خلاصة حوار داخلي ومسار تفاوضي"، معولا على موضوع التعليم، الذي يعد أهم وسائل التغيير الاجتماعي.

ويمثل الفصل الأخير "حرب على التراث" قراءة للحالة العربية الراهنة التي اختزلها في العنوان الفرعي "الجهل المقدس والعنف الهمجي"، لافتا إلى أن "التعصب هو المسؤول عن إطفاء نور الفكر والإبداع، وإيقاف عجلة التاريخ الثقافي وتقدمه".

يستذكر المؤلف ما جرى في العراق والشام من دمار، الأمر الذي يقوده إلى أن "الهوس بالنقاء الإيماني مصحوبا بالجهل بتاريخ البشرية والفنون والحضارات يصبح أداة تدمير وتخريب لجوهر الحضارة".

يختم د. الكواري الكتاب بالقول "كتبت يوما على هاتفي النقال: مدهشة هذه البشرية بإبداعها المتدفق كالنهر.. مذهلة هذه التحولات العاتية التي لا نعرف إلى أين تقودنا"، ليتلمس العلاقة بين مسارات الأحداث وتحولات الأزمان والكائنات، فالكتاب هو رحلة تقع بين المشاهدات والتأملات، الذكريات والتعليقات على قراءات ولقاءات مع مفكرين، يناقش قضايا إنسانية لا تزال ملحة، متعمقا فيها تحليلا وتركيبا، لتمثل رؤيته في الوجود والكون من منطلق ثقافي ينزع إلى الجمالي والأخلاقي الذي يحقق السلام للبشرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك