عرض/أمل عيسى
تحوم قضية "الولاء المزدوج" لبلدين حليفين على روح الكتاب الذي يمثل رؤية من الداخل للعلاقات الأميركية الإسرائيلية في الفترة بين عامي 2009 و2013 التي عمل فيها المؤلف مايكل أورين سفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة.

ولأن هذه الفترة كانت فترة ملتهبة، لذا بذل المؤلف جهده ليؤكد على قدرة الأميركي الذي يحمل جواز سفر إسرائيليا على أن يحب البلدين معا، مهما كان حجم ما تمر به العلاقات بينهما من شدّ وجذب.

جواز السفر الأزرق
نشأ أورين في الولايات المتحدة وأصبح عضوا في حركة الشبيبة الصهيونية منذ الصبا، وكان إسحاق رابين مثله الأعلى، كان كثيرا ما يتمثل مقولة لويس برانديز، أول قاض يهودي للمحكمة العليا للولايات المتحدة: "كل يهودي أميركي يؤيد الصهيونية هو الأميركي الأفضل لفعله ذلك".

-العنوان: الحليف.. رحلة عبر الخط الأميركي الإسرائيلي الفاصل
-المؤلف: مايكل أورين
-الناشر: دار راندوم للنشر، نيويورك
-عدد الصفحات: 432 صفحة
-الطبعة: الأولى، يونيو/حزيران 2015

بيد أن أورين تنازل عن جواز سفره الأميركي مضطرا، كما يشترط القانون كي يعمل مبعوثا أجنبيا لدى الولايات المتحدة، لكنه يقول: "ما زالت عيناي تغرورقان بالدموع أثناء عزف النشيد الوطني (الأميركي) وتلمعان عندما تريان أفق منهاتن، وعند رؤية جبال روكي من على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم، وعند قراءة النقش المكتوب على نصب لنكولن التذكاري".

يقع الكتاب في مقدمة وستة فصول هي: "جواز السفر المثقب"، و"لا ينكسر ولا يتزعزع"، و"عام الفتنة"، و"الأفعواني"، و"وداعا أيها الحليف"، و"ليلة في كيبوتز ناعن". إضافة إلى ملحق للصور.

ما بين بوش وأباما
يتناول المؤلف سياسات أوباما تجاه إسرائيل، فأوباما من وجهة نظر الكاتب، كسر المبدأ السائد في العلاقات الأميركية الإسرائيلية القاضي بألا يكون هناك فرق توقيت بين سياسات البلدين ولا مفاجآت، كما أن سياسات أوباما القائمة على وضع مسافة مع إسرائيل، وإصراره على أن تقوم إسرائيل بالخطوة الأولى في محادثات السلام، قد أضرت جدا بإسرائيل.

يسرد أورين ما حدث في اجتماع "ضوء النهار" بين أوباما وزعماء اليهود بالبيت الأبيض الأميركي عندما اختلف أوباما مع رأي مالكولم هوينلين -نائب الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى- القائل إن الإسرائيليين سيقبلون بالمخاطرة فقط إذا اقتنعوا بأن الولايات المتحدة ستقف إلى جوارهم. وكيف أن أوباما أشار لفترة الثماني سنوات التي تولى فيها بوش الرئاسة وقدم دعما غير محدود لإسرائيل ولكن ذلك لم يثمر السلام المنشود.

أورين يرد على زعم أوباما قائلا: "إن دعم بوش غير المحدود لإسرائيل كان في الحقيقة هو ما جرأ إيهود أولمرت على طرح مشروع تأسيس دولة فلسطينية، وهو العرض الذي تجاهله محمود عباس". ويضيف: عندما يكون هناك "ضوء نهار" -فرق توقيت بين سياسات البلدين- ستجلس إسرائيل على مقعد البدلاء وهذا الأمر سيقوض مصداقيتنا مع العرب.

يقول أورين الذي تنازل مضطرا عن جواز سفره الأميركي: "ما زالت عيناي تغرورقان بالدموع أثناء عزف النشيد الوطني (الأميركي) وتلمعان عندما تريان أفق منهاتن، وعند رؤية جبال روكي وعند قراءة النقش المكتوب على نصب لنكولن التذكاري"

كان الرئيس بوش يطالب الفلسطينيين بنبذ الإرهاب وتبني الديمقراطية قبل أن يحصلوا على السلام، بينما إدارة أوباما تصر على أن تجمد إسرائيل كل عمليات إنشاء المستوطنات وتتبنى حل الدولتين. ويقول أورين إن هذه المطالب كانت كثيرة جدا على الزعيم الليكودي الحديث الانتخاب، خصوصا بعد رفض محمود عباس حل أولمرت، كما أن عباس لم يكن يثق في نتنياهو ليعطيه أكثر من عرض أولمرت، فقد أخبر عباس صحيفة واشنطن بوست أنه سينتظر تجميد إسرائيل للمستوطنات.

يأخذ المؤلف على أوباما أنه أعلن أن حدود ما قبل 1967 هي أساس أي مستقبل للدولة الفلسطينية، سامحا بتبادل الأراضي بين البلدين، ويزعم أورين أن هذا الإعلان زاد من جرأة الرئيس محمود عباس ووضع في جيبه جولتين من المفاوضات دون أي مقابل من جانبه.

في حين يقرر أن التزام أوباما بأمن إسرائيل أمر حقيقي ويفي بالمصالح الأميركية الجوهرية، ولكن المشكلة هي مع التكتيكات التي تقول بعدم وجود فرق سياسات بين البلدين في الناحية الأمنية، ووجوده فقط في الدبلوماسية، ففي الشرق الأوسط لا تسير الأمور على هذا النحو، فعلى عكس الغرب، حيث يتم تقدير الأمن بالدبابات والنفاثات والأسلحة، فإن الأمن في هذا الجزء من العالم غالبا ما يكون نتاجا للانطباعات، فالصديق الذي يقف إلى جوار صديقه في بعض الأمور وليس في بعضها الآخر هو في أعين الشرق أوسطيين ليس صديقا حقيقيا.

الحليف القوي
يؤكد أورين على حاجة أميركا لإسرائيل تماما كحاجة الأخيرة إليها، بالطبع ليستا متناظرتين، ولكن وجود حليف في المنطقة التي تتقاطع فيها المصالح الحيوية، وقدرة ذلك الحليف على نشر جيش حجمه أكبر من ضعف جيشي إنجلترا وفرنسا مجتمعتين، أمرٌ لا يمكن تجاهله، إضافة إلى استعداد مواطنيه الدائم للقتال.

ويدلل أورين على ذلك بتعبئة تسعين ألفا من الرجال والنساء من قوات الاحتياط في حرب "الجرف الصامد" على غزة، "كلهم تركوا -بلا تردد- أعمالهم وبيوتهم ليدافعوا عن بلدهم، كلهم يعلم أن البعض منهم لن يرجع أبدا"، ثم يتساءل أورين: في كم بلد ديمقراطي يمكن أن يحدث ذلك؟

أوباما والربيع العربي
ينتقد الكاتب سذاجة وضعف سياسات الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط بدءا من خطاب أوباما في القاهرة عام 2009، الذي أعرب فيه عن تعاطفه مع معاناة الشعب الفلسطيني من الإهانات اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما أيد حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي.

يقول أورين إن خطاب القاهرة كان أول خطأ في سلسلة أخطاء للبيت الأبيض، ويزعم أنه أضر بالمصالح الأميركية والإسرائيلية وأرسل رسالة تشي بالضعف.

ويواصل في سرد ما يراه من مثالب في سياسات أوباما التي أضرت بإسرائيل فيقول: أصعب تحد كان أن نشرح للإسرائيليين دعم أوباما للإخوان المسلمين المصريين. فعلى عكس ما تلقيته من تأكيدات من أن الإدارة الأميركية لن تتعامل مع الإخوان، أنشأت وزارة الخارجية الأميركية روابط مع قادة الإخوان في يناير/كانون الثاني 2012، وبعد ستة أشهر عقب انتخاب الزعيم الإخواني محمد مرسي -بما يزيد بقليل عن 51% من الأصوات- تحولت الروابط إلى احتضان. وقاد توم نيدس نائب وزيرة الخارجية وفدا من مائة رجل أعمال أميركي إلى القاهرة لدعم الحكومة الجديدة ماليا.

يؤكد أورين على حاجة أميركا لإسرائيل تماما كحاجة الأخيرة إليها، بالطبع ليستا متناظرتين، ولكن وجود حليف في المنطقة التي تتقاطع فيها المصالح الحيوية، وقدرة ذلك الحليف على نشر جيش حجمه أكبر من ضعف جيشي إنجلترا وفرنسا مجتمعتين، أمرٌ لا يمكن تجاهله
في وقت عمل جاي كارني جاهدا ليغطي على تصريحات مرسي التي تحتقر أوباما وتصمه بالصهيونية، وتصف اليهود بتجار الحروب والقردة والخنازير. كان كارني يقول: "إن سياسة الولايات المتحدة هي التركيز على الأفعال وليس الكلمات". بينما يمضي أورين قائلا: "الحقيقة هي أن رفض مرسي أي اتصالات مع الحكومة الإسرائيلية ودعمه غير المحدود للجناح الفلسطيني للإخوان المسلمين "حماس" لم يمنع البيت الأبيض من دعوته لزيارة رسمية للولايات المتحدة".

ويضيف الكاتب إلى تلك الأخطاء تحرك أوباما تجاه حل مسألة الأسلحة الكيميائية السورية، فالنظام السوري استفاد من ذلك بظهوره مفتاحا للحل بدلا من كونه جزءا من المشكلة بمجرد نقله تلك الأسلحة، وتمتع بالحصانة بينما يذبح شعبه بالبراميل المتفجرة والذخائر الأخرى، ورغم أن التقارير قد أكدت الهجمات بالغازات على المناطق التي يحتلها المتمردون في دمشق واستخدام غاز السارين في قتل أكثر من 1500 مدني ربعهم تقريبا من الأطفال اختنقوا حتى الموت، فإن عبارة "الأسد لا بد أن يرحل" اختفت من مفردات أوباما.

ليلة عصيبة في الكيبوتز
يختم أورين كتابه بذكر تلك الليلة في "كيبوتز ناعن" والتي حولتها قذائف فلسطينيي غزة من ليلة احتفال إلى ليلة عصيبة مرعبة.. "تلك الليلة في كيبوتز ناعن وبينما تواصل صفارات الإنذار دويها، كنت أنا وسإلي ملتصقين مع "لي" و "دار" وضيوف "بار ميتزفه" تحت المظلة المتعرجة. والوالدان الشابان يحميان أطفالهما بجسديهما. كنت قلقا أين ستهبط الصواريخ الفلسطينية وكم من الناس سيصابون؟

أمسكت بيد سإلى ونظرت من فوق كتفي عندما زأر صاروخان من قذائف حماس، ثم دوى انفجاران هزا السقيفة والأرض تحت أقدامنا حيث انفجر الصاروخان في الهواء. فالقبة الحديدية التي ابتكرتها إسرائيل ومولتها الولايات المتحدة، قد حققت نتائج باهرة".

وتبدو أهمية مذكرات أورين في توضيح رؤيته لتلك الفترة أثناء عمله سفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة، بأن معظم من ذكرهم بوصفهم لاعبين أساسيين في الجانبين الأميركي والإسرائيلي ما زالوا في مناصبهم، لذا أثار الكتاب ضجة في واشنطن وتل أبيب، حيث اتُهِمَ أورين بأنه يضرب عرض بالحائط أهم تحالف لبلاده لمجرد ترويج كتاب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك