عرض/دينا العشري
تعرض تاريخ دولة الخلافة العثمانية إلى الكثير من التشويش والتشهير، في إطار تصارع المشروعات وتدافع الأمم الذي تلا تفكك آخر دول الخلافة الإسلامية منتصف عشرينيات القرن الماضي، سواء من جانب القوميات الموجودة في المنطقة، أو الدول التي نشأت على أنقاض دولة الخلافة، أو من قِبل قوى الاستعمار والاستكبار العالمي.

وشمل هذا التشويه مختلف الدوائر العاملة في مجال القوة الناعمة، بما في ذلك الأدب والسينما، وبعضها يتم دعمه من جانب قوى داخل تركيا ذاتها الآن، من مفردات النظام العلماني السابق الذي كان حاكما قبل صعود حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، قبل أكثر من 12 عاما.

وفي هذا الإطار، شُغلت الكثير من الدوائر العاملة في عالمنا العربي والإسلامي، من الكتاب والمفكرين الإسلاميين والمؤرخين، وحتى دور النشر التي تنتمي بشكل أو بآخر للمشروع الإسلامي، بالعمل على تنقية ما شاب تاريخ دولة الخلافة العثمانية من تشويه وتشويش من جانب المؤرخين والباحثين المنتمين إلى التيارات القومية والعلمانية في العالم العربي.

-العنوان: محيي الدين بيري ريس.. أمير الحرب والبحر
-المؤلفان: محمد شعبان أيوب ومحمد إلهامي
-اسم السلسلة: عظماء مجهولون في التاريخ الإسلامي (1)
-الناشر: دار القمري للنشر والتوزيع – القاهرة
-عدد الصفحات: 196
-الطبعة: الأولى، 2014

وبين أيدينا كتاب يندرج في إطار "تصحيح الصورة"، بعنوان "محيي الدين بيري ريس.. أمير الحرب والبحر"، للباحثَين والمؤرخَين المصريين محمد شعبان أيوب ومحمد إلهامي، ويعد باكورة سلسلة جديدة تصدرها "دار القمري" بعنوان "عظماء مجهولون في التاريخ الإسلامي".

يتناول الكتاب صفحة مجهولة من تاريخ الدولة العثمانية، من خلال السيرة الذاتية والمسيرة الجهادية والعلمية لأحد أبرز رموز العسكرية العثمانية المجهولين، ويُدعى محيي الدين بيري ريس، أو أحمد محيي الدين الريس كما يُنطق في اللغة العربية.

وبيري ريس هو جغرافي ورحالة وأديب إسلامي عاش بين القرنَين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، ويعتبر أحد أهم القادة العسكريين في تاريخ الدولة العثمانية، على جهل الكثيرين به، في ظل استتار الكثير من الجوانب المتعلقة بترجمته.

والكتاب الذي بين أيدينا لا يتناول السيرة الذاتية لريس، وإنما يقدم جوانب جديدة من تاريخ الدولة العثمانية، وكيف سادت العالم في ذلك الوقت، وعلى مدى قرون طويلة، مع محاولة من جانب المؤلفَين إزالة الكثير من اللغط الذي يُثار من جانب المؤرخين العلمانيين والقوميين حول الدولة العثمانية ودورها التاريخي.

الكتاب جاء في بابَين، الأول عن حياة محيي الدين ريس، منذ مولده الذي لم يتحدد بشكل دقيق، ولكنه في الغالب بين عامَي 1465 و1470، والثاني عن إنجازاته في المجال العسكري والعلمي وآثاره الأدبية، وكيف قاد معارك الأسطول العثماني في البحر الأبيض المتوسط والبحار الجنوبية الدافئة، واضعا أهم موسوعة في ذلك التاريخ عن البحر المتوسط.

الباب الأول الذي يتناول السيرة الذاتية والبدايات الخاصة بالريس، يستعرض بعض الجوانب المتعلقة بالحياة الاجتماعية والسياسية في تركيا، التي كانت مركز الخلافة العثمانية، وخصوصا في بلدة غاليبولي، حيث نشأ.

ويتجول الكتاب بنا في العديد من الأماكن التي تبرز طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية في غاليبولي وتركيا، وفي العالم الواسع الذي كانت تسيطر عليه جيوش وأساطيل الدولة العثمانية، وخصوصا في مناطق حوض البحر المتوسط، وجنوب أوروبا، حيث كانت الأقرب إلى دائرة حياة الريس.

وقد كان لطبيعة الحياة في غاليبولي، التي تقع على الجانب الأوروبي من بحر مرمرة، أثرها الكبير في تنشئته وتربيته.

فقد كانت المدينة تُستخدم كقاعدة بحرية في ذلك الوقت، وهو ما زاد من أهميتها الإستراتيجية، ولذلك سعى العثمانيون -منذ أن أسسوا دولتهم في هضبة الأناضول- إلى فتحها، وتم لهم ذلك في عهد السلطان أورخان بن عثمان عام 1357، وأصبحت منذ ذاك التاريخ مقر القيادة العامة للبحرية العثمانية، حتى اختيرت العاصمة إسطنبول مقرا جديدا لها، مع غاليبولي، في عهد السلطان سليم الثاني عام 1520.

التحق الطفل محيي الدين الريس بأحد الكتاتيب التي كانت موقوفة لتعليم الفتية القرآن الكريم والعلوم الشرعية، حتى أتم 12 عاما من عمره، ونشأ نشأة دينية، حيث كانت المساجد وبيوت العلم، تملأ المدينة.

وعندما انتهى من تعليمه، كانت طبيعة غاليبولي بدورها قد انعكست على حياته، حيث التحق بالأسطول العثماني لكي يبدأ حياته في البحر كقائد عسكري.

العثمانيون ومواجهة البرتغاليين

لا يتناول الكتاب سيرة ريس فحسب، وإنما يقدم جوانب من تاريخ الدولة العثمانية، وكيف سادت العالم في ذلك الوقت وعلى مدى قرون طويلة، مع محاولة لإزالة الكثير من اللغط الذي يثار من جانب المؤرخين العلمانيين والقوميين حول الدولة العثمانية
تزامن دخول الريس لحياة البحر والجندية، مع اشتداد الهجمة الاستعمارية البرتغالية على أرجاء العالم الإسلامي المختلفة، في مطلع القرن السادس عشر الميلادي.
 
فكان ذلك باعثا للعثمانيين نحو المزيد من الاهتمام بالجغرافيا البحرية. وقد استطاعت الأساطيل التجارية والحربية العثمانية في ذلك الحين أن تصل إلى مسافات واسعة من أطراف العالم القديم، من المحيط الأطلنطي، وحتى سواحل الهند وبحر العرب.

وكان الريس أحد الرواد الذين ارتادوا أطراف البحار الجنوبية للعالم الإسلامي، وهو الأمر الذي يتناوله الباب الثاني من الكتاب.

بزغ نجمه مع معركة مودان البحرية التي وقعت عام 1500، وكان عمره آنذاك بين 30 إلى 35 عاما، كما اشترك مع عمه -وهو قائد بحري عثماني آخر، ويدعى كمال ريس- في بعض المعارك البحرية، قبل أن يموت عمه عام 1511، ويتم تعيين محيي الدين الريس قائدا على أسطول السويس العثماني.

خاض الكثير من المعارك في المناطق الجنوبية للعالم الإسلامي، وفي مناطق لم تكن خاضعة لسيطرة الدولة العثمانية، وكانت تبذل الأساطيل العثمانية فيها جهودا كبيرة لصد الغزوات البرتغالية.

استطاع الريس الاستيلاء على مسقط عام 1551، بعد حملة طويلة قادها بأوامر من السلطان سليمان القانوني، استعاد خلالها عدن، ثم الشحر في سلطنة عُمان حاليا، ولكنه لم يستطع دخول هرمز، فاتجه إلى جزيرة قشم العُمانية، واستعادها من البرتغاليين.

كانت نقطة النهاية بالنسبة له عندما اشتبك مع الأسطول البرتغالي في البصرة، حيث هُزم في تلك المعركة، فعاد إلى مصر، ولكن والي البصرة في ذلك الحين قباد باشا، حمله مسؤولية الهزيمة، فتم إعدامه بعد أن تم استدعاؤه إلى إسطنبول، في الفترة ما بين العام 1552، والعام 1555، ولكن أرجح المصادر حددت سنة وفاته في العام 1554.

ويقول بعض المؤرخين عن فشله في البصرة، إن اهتمامه كان قد بدأ يفتر بحياة الجندية، وبدأ يميل إلى التجارة، فأهمل شؤون الحملة حتى هزيمته في البصرة، ولكن السبب المباشر في إنهاء خدمته العسكرية في البحرية، كان بسبب تحميل والي البصرة له مسؤولية الهزيمة، وربما يفسر ذلك عدم اهتمام المصادر التاريخية التركية به.

منجزاته وآثاره
تزامن دخول الريس لحياة البحر والجندية مع اشتداد الهجمة الاستعمارية البرتغالية على أرجاء العالم الإسلامي المختلفة في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، مما كان باعثا للعثمانيين لإبداء المزيد من الاهتمام بالجغرافيا البحرية
من أهم منجزاته، كتابه "بحرية"، الذي قدم نسخته النهائية الموسعة للسلطان سليمان القانوني عام 1525، وبالرغم من أنه كتبه باللغة التركية، فإنه عمل فيه على ذات نسق الكتاب العرب في العصور السابقة، حيث صاغه بأسلوب شعري.

وجاء في خمسين فصلا وقسمين، القسم الأول، تاريخ المخطوطات الملاحية، والمهارات التي يجب أن يتمتع بها راكبو البحر، وأهم المشكلات التي تواجههم وكيفية التعامل معها، كما رصد فيه تاريخ البحار، ووصف منابع النيل وزنزبار وبحر عدن والمحيط الهندي وبحر الصين والمحيط الأطلنطي.

القسم الثاني تناول فيه الكشوف الجغرافية الأوروبية في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، ووصول الأوروبيين في ذلك الحين إلى جنوب أفريقيا عند رأس الرجاء الصالح، وحتى الهند، مهددين العالم الإسلامي.

كما رسم خرائط مهمة، من بينها خريطتان للعالم، الأولى انتهى منها عام 1513، ثم قدمها للسلطان سليم الأول في مصر عام 1517، ولكنها لم تبقَ كاملة، حيث ضاعت بعض أجزائها، ويضم الجزء المتبقي منها، إسبانيا وشرق أفريقيا والمحيط الأطلنطي، بجانب الأقسام التي كانت قد عُرفت في ذلك الحين، من أميركا الوسطى وجزر الأنتيل.

أما الخريطة الثانية، فقد انتهى منها عام 1528، ويضم القسم المتبقي منها الجزء الشمالي من المحيط الأطلنطي والشواطئ الشمالية والغربية لأميركا الشمالية، وذلك من غرينلاند وحتى شبه جزيرة فلوريدا حاليا، وكانت أكثر دقة من الأولى.

وختاما، فإنه بكل تأكيد، ومهما كان تحفظ كتاب التاريخ المدني والعسكري العثمانيين قديما على الريس، بسبب هزيمته في البصرة، وإعدامه بعد ذلك، فإن سيرته الذاتية تبقى علامة مهمة على الكثير من كبار الحوادث التي شهدتها الأمة المسلمة في الفترة التي عاش فيها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات