عرض/أحمد الأنباري
في مقدمة كتابه "مئة وهم عن الأقليات في العراق"، يقول الباحث العراقي في شؤون الأقليات الدكتور سعد سلوم "نواجه في العراق ثقافة قائمة على أحكام مسبقة، وتاريخا من التمييز بسبب هذه الثقافة السائدة التي تقوم على تصورات ثابتة".

الكتاب -الذي صدر عن مؤسسة "مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية" في (596) صفحة- ناقش وجود الأقليات في العراق، والأحاديث التي تدور عنهم.

ينتقد المؤلف "الكتاب الغربيين الذين أسهموا في ترسيخ صورة نمطية عن الأقليات، فكانت مقاربتهم تنطلق من منظور رؤيتهم الاستشراقية للشرق الذي اخترعوه، فقدموا صورة مثيرة عن جماعات تقع خارج التاريخ"، حسب قوله.

-العنوان: مئة وهم عن الأقليات في العراق
-اسم المؤلف: د. سعد سلوم

-
دار النشر: مؤسسة مسارات للتنمية الإعلامية والثقافية.
-عدد الصفحات: 596
-الطبعة: الأولى، 2015

ويقول سلوم إن "الخلفية الأيديولوجية دينية كانت أو قومية تحكمت في آراء الباحثين العرب المسلمين فضلا عن ضعف استعداداتهم المعرفية، إذ لم يطبقوا مناهج العلوم الإنسانية ولم تتسم دراساتهم بطابع حقلي أو ميداني، بل فضلوا في كثير من الأحيان استقاء المعلومات عن الجماعة التي يدرسونها، أو استندوا إلى شهادات أفراد تخلو عن ديانتهم الأصلية واعتنقوا ديانات أخرى".

اليهود وضياع الهوية
كان العراق يضم أكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط، أما اليوم فيعيش قلة قليلة منهم في بغداد بشكل خاص، حيث لا يتجاوز عددهم ستة أشخاص فقط، حسب إحصائية قام بها مؤلف الكتاب. ويعتقد المؤلف أن "هذا الرقم القليل جدا يمثل دليلا آخر على تلاشي الوجود اليهودي هناك.

ويتحدث اليهود في العراق بلهجة عربية قديمة تطورت أيام الخليفة هارون الرشيد، والمعروفة بالعربية-اليهودية، وهي قريبة من لهجتي أهل تكريت والموصل، وهي لغة مليئة بالمفردات التوراتية والعبرية والرموز التوراتية، وخليط من الكلمات الفارسية والتركية والآرامية، ثم أضيفت لها بعد الاحتلال البريطاني المصطلحات والكلمات الإنجليزية، والقليل من المصطلحات الأوروبية.

المسيحيون بين الاختزال والتشويه
تختزل صورة المسيحيين في العراق في هوية دينية متجانسة، في حين تظهر هذه الهوية صورة أكثر تعقيدا وثراء، إذ يمكن تحديد هويتهم على أساس إثني ومذهبي، فهم متنوعون إثنيا ما بين مسيحيين: أرمن، وكلدان، وأشوريين، وينقسمون مذهبيا إلى مسيحيين: أرثذوكس، وكاثوليك وبروتسانت وإنجيليين.

يتمركز المسيحيون في بغداد وأربيل (منطقة عينكاوة)، وفي الموصل (سهل نينوى). كان عددهم قبل عام 2003 ودخول القوات الأميركية إلى العراق مليون وأربعمئة ألف شخص، أما بعد ذلك التاريخ فتراجع الرقم إلى ستمئة ألف ثم إلى أربعمئة ألف، ويقدر عددهم الآن بنحو 240 ألف شخص.

يقول الكاتب إن "هوية المسيحيين تختزل في خطاب الجماعات الإسلامية المتطرفة في تسمية "نصارى"، مع ما تنطوي هذه التسمية من تصنيف وتمييز اجتماعي جعل المسيحيين ينفرون منها، لاقترانها في حاضرهم "بشرعنة" قتلهم واستباحة أموالهم وأعراضهم".

الإيزيديون ذاكرة الفرمانات الجريحة
هناك مؤلفات عديدة عن الإيزيدية والإيزيديين في لغات مختلفة تتضارب معلوماتها وتتعارض تحليلاتها على نحو يربك القارئ ويضعه في حيرة.

معظم ما كتبه الباحثون العرب المسلمون منذ صدور كتاب أحمد تيمور باشا (اليزيدية ومنشأ نحلتهم)، يتبع خطأ أيديولوجيا يؤسلم الإيزيديين، بوصفهم فرقة ضالة نسيت إسلامها أو انحرفت عنه، وقد اتبعت خط هذه المدرسة في مقاربة الإيزيدية معظم كتابات الباحثين بعدها.

ينتقد المؤلف الكتاب الغربيين الذين أسهموا في ترسيخ صورة نمطية عن الأقليات، فكانت مقاربتهم تنطلق من منظور رؤيتهم الاستشراقية للشرق الذي اخترعوه، فقدموا صورة مثيرة عن جماعات تقع خارج التاريخ

واجه الإيزيديون منجما لا ينضب من الاتهامات والصور والأساطير منذ الفتوحات الإسلامية للعراق، وما تلاها من الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، وما تزال آثار هذه الاتهامات مستمرة في كتابات الباحثين المعاصرين، كما في صورة الناس عنهم. إنه عبء ثقيل من تراث صورهم كقطاع طرق، ومتمردين صعاب المراس، وعبدة إبليس، وإباحيين، وكفرة.

لكن بحسب الباحث، فإنه "لا توجد إحصائية رسمية بعدد الإيزيديين، لكن هناك تقديرات خاصة لشخصيات منهم تقول إنهم نحو 560 ألف نسمة.

المندائيون.. جماعة ألفية معرضة للانقراض
هناك جملة من الصور الشوهاء والأساطير والتلفيقات التي تساق ضد المندائيين مثل عبادتهم النجوم والكواكب، ومن ثم نفي التوحيد عن معتقداتهم وعدها ديانة وثنية، وإشاعة أفكار غريبة عن طقوسهم مثل خنقهم الحيوانات بدلا عن ذبحها كما يفعل المسلمون أو اليهود والمسيحيون، بل يصل الأمر إلى خنقهم المحتضر للتعجيل بموته.

أما النظرة التمييزية والتي تترتب على ما سبق من أساطير وتخضعهم لحصار اجتماعي تجعل الآخرين لا يصافحونهم ولا يشاركونهم الطعام بوصفهم "أنجاسا"، فهي مفارقة تثير السخرية، بحسب الكاتب، الذي يقول إن "المندائية ديانة تقوم على النظافة وتقديس الماء الجاري".

وبحسب الكاتب، فإن "من بقي من المندائيين في العراق الآن خمسة آلاف، رغم أنهم يقولون إنهم عشرون ألفا".

التركمان وأساطير الطورانية
يعد التركمان ثالث الجماعات العرقية الرئيسية في العراق، بعد العرب والكرد، وأغلبيتهم العظمى من المسلمين السنة والشيعة، في ما يدين قسم آخر منهم بالديانة المسيحية (الكاثوليك). وللتركمان لغتهم الخاصة (التركمانية)، وهي إحدى اللهجات القريبة من (الأذربيجانية).

قولبت السلطة التركمان أيضا في مجموعة أفكار مسبقة، وفي سياق نظرة مشككة ومرتابة، فتارة يصبح التركمان "طورانيين"، وتارة يتحولون من المكون القومي الثالث إلى مجرد "جالية تركمانية". وبوصفهم أقلية يصبحون بالنسبة للسلطة مشروعا دائما للتوظيف من قبل الأعداء.

وبسبب الطبيعة المركبة "الاثنوطائفية" للتركمان يصبحون -طبقا لتلك النظرة- مشروعا في مخططات الأعداء المؤكدين أو المحتملين، فمن كان تركمانيا شيعيا قد يصبح جاسوسا لإيران، ومن كان سنيا قد يصبح رتلا خامسا لتركيا.

ويُقدر الكاتب النسبة السكانية للتركمان في العراق بما بين 7 و10% من سكان العراق، الذين يصل عددهم إلى ثلاثين مليون نسمة، ويشكل الشيعة نسبة 50% من التركمان.

الفيليون.. هوية وتمييز مركبان
تختصر هوية الكرد الفيليين بكونها نتيجة محددين: قومي (كرد)، ومذهبي (شيعية)، لذا واجه الكرد الفيليون بسبب هويتهم المركبة تمييزا مركبا طوال تاريخ علاقتهم مع الدولة في العراق المعاصر.

وعلى الرغم من المقومات الإثنية التي تجمعهم بالكرد، فإنهم يتميزون عنهم بالانتماء للمذهب الشيعي، (معظم الكرد سنة على المذهب الشافعي)، فضلا عن تميز لهجتهم (اللورية الفيلية والبختارية) عن بقية اللهجات الكردية (السورانية والبهديانية والزازاكية).

التمييز القومي بوصفهم كردا والطائفي بوصفهم شيعة، فضلا عن التشكيك في أصلهم وولائهم الوطني (نسبتهم إلى إيران) حدد علاقتهم بالدولة، واختزلها في صورة مريبة شكلت قلقا للحكومات العراقية المتعاقبة، وبسبب ذلك يعد الفيليون أبرز مثال من الأقليات على التمييز الصريح منذ بداية تأسيس الدولة العراقية.

ولا توجد إحصائية دقيقة للكرد الفيليين، بسبب التهجير الذي لاقوه خلال العقود الماضية، وضياع هويتهم.

الشبك.. هوية مشكوك فيها
رغم أن الشبك يعيشون في العراق منذ ما يقارب خمسة قرون، فإنهم إلى حد اللحظة يتعرضون للتشكيك في أصلهم وفصلهم، وينظر إليهم كأنهم بقايا جيوش الغزاة التي اقتحمت البلاد. ويتساءل الكاتب "هل مدة خمسة قرون غير كافية لإثبات الأصل أو الولاء للبلاد".

ويذكر الكاتب "في حين يصبح الفرد مواطنا لإحدى الدول الأوروبية في غضون سنوات، واجه الشبك مشكلة التشكيك في هويتهم وولائهم وانتمائهم وطبيعة معتقداتهم، فاضطروا لفبركة هويات تتطابق مع هوية السلطة أو تتماهى مع مشروعها لبناء دولة/أمة.

الخلفية الأيديولوجية تحكمت في آراء الباحثين العرب المسلمين فضلا عن ضعف استعداداتهم المعرفية، إذ لم يطبقوا مناهج العلوم الإنسانية ولم تتسم دراساتهم بطابع حقلي أو ميداني، بل فضلوا في كثير من الأحيان استقاء المعلومات من الجماعة التي يدرسونها

الشبك مسلمون ويتحدثون لغة تتميز عن العربية والكردية، وهم يعيشون مع بقية الأقليات الدينية كالمسيحيين والإيزيديين والكاكائيين في منطقة سهل نينوى في محافظة الموصل.

كتابهم المقدس القرآن، و70% منهم شيعة والبقية سُنة. ويشير الكاتب إلى أن "التقديرات التي صدرت عن نسبة الشبك تُشير إلى أن عددهم يصل إلى 250 ألف نسمة".

السود.. ذاكرة الزنج الجريحة
ما كتب عن ذوي البشرة السوداء نادر للغاية، وحتى في اللغة الإنجليزية لا تتوفر كتابات تعكس معطيات معاصرة، وهناك استثناءات قليلة مفيدة في رسم خلفية تاريخية عنهم.

تظهر الكتابات التاريخية ثورة الزنج في صورة سلبية تشبه إلى حد بعيد الاتهامات المعاصرة بتهديد الأقليات للوحدة الوطنية، حيث تطالب الحركات السياسية ذات الطابع الإثني بحق تقرير المصير، أو ترفع شعار المساواة أو تدافع عن حقها في المواطنة.

يقدر الكاتب أعداد السود في العراق الذين يقطنون مدينة البصرة (جنوبي العراق) بمئتي ألف نسمة.

البهائيون.. جماعة تحت الظل
هناك تراث هائل من الكتابات التي تناولت البهائية بالتشويه واتهمتها بسائر التهم، سواء ما كتب منها بدوافع عقائدية أو سياسية.

واجه البهائيون سيلا من الاتهامات التي تتدرج خطورتها من كونهم فرقة من فرق الإسلام الضالة إلى كونهم جماعة دينية مارقة، مرورا باتهامات بالإباحية والإلحاد، وانتهاء بعمالتهم للدول الكبرى مثل روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

كما روجت تشويهات حول عدم اعتراف البهائية ببقية الأديان أو إنكارها لها وترويجها الإباحية. ويقدر الكاتب أعداد البهائيين بنحو "ألف شخص".

الكاكائية.. أساطير سرية وغموض
الكاكائية مثل المندائيين والإيزيديين واليهود تبدو في صورة معتقد غير تبشيري، أو لا تقبل التحول الديني، فإذا لم تولد كاكائيا فلن تكون كاكائيا أبدا، وهي شبيهة في سريتها وانطوائها على ذاتها بجيرانها من الإيزيديين والشبك، وهو ما فتح الباب لكثير من الاتهامات والأساطير حول الجماعة وطبيعة معتقداتها.

عدد الكاكائيين -بحسب المؤلف- يقدر بنحو مئتي ألف شخص في العراق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك