عرض/هيثم أبوزيد

يضم هذا الكتاب حصيلة تغطية المؤلف الصحفية لأنشطة روابط الألتراس الرياضية في مصر خلال سبع سنوات، شكل فيها أعضاء هذه الروابط ظاهرة سياسية وثورية لافتة، حيث كان لهم دور بارز في الفعاليات الجماهيرية، ولا سيما بعد ثورة 25 يناير.

يحاول المؤلف الإجابة عن الأسئلة الشائكة بشأن الرابطة، وتنظيمها، ومصادر تمويلها، وعلاقتها بالقوى السياسية المختلفة، وحالة العداء المستمرة بينها وبين وزارة الداخلية وأفراد جهاز الشرطة، ورفض كل محاولات الهيمنة أو تقييد الحرية، ومقاومتها أي شكل من أشكال الوصاية.

كما يتناول الكتاب تحول روابط الألتراس من موقف رفض الاقتراب من السياسة إلى الاشتباك المباشر مع نظام مبارك، والتخطيط والمشاركة في ثورة يناير، ولعب دور محوري ومهم في إسقاط جهاز الشرطة في جمعة الغضب، ومقاومة الهجوم على ميدان التحرير يوم موقعة الجمل.

-العنوان: جمهورية الألتراس
-المؤلف: عمرو الأنصاري
-الناشر: دار نهضة مصر – القاهرة
-عدد الصفحات: 263
-الطبعة: الأولى، 2015

ويلقي المؤلف الضوء على مناطق غامضة، مثل قاموس الألتراس الخاص، وخلافات المجموعات، وطريقة إدارة الرابطة لملف الإعلام، وكيفية انضمام عضو جديد للرابطة، وسبل التأكد من ولائه، والاقتصاد الخاص للألتراس، وتجارة الشماريخ، وطرق تنظيم الدخلات في المباريات، وغيرها من التفاصيل التي يصر قادة الرابطة على إحاطتها بسياج من السرية والغموض.

والألتراس كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق عن الحد، وتفسرها بعض القواميس بمعنى الجماعة المتطرفة، في إشارة إلى الحب الزائد من قبل أفراد الرابطة لناديهم، وكان إشهار أول مجموعة ألتراس مصرية من نصيب ألتراس "وايت نايس" المنتمي لنادي الزمالك في مارس/آذار 2007، وتبعها ألتراس "أهلاوي" المنتمي للنادي للأهلي في أبريل/نيسان من العام نفسه، لتنطلق بعدها روابط الألتراس لتغزو أندية مصر ومحافظاتها.

التوظيف السلطوي للرياضة
يخصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لرصد تاريخ الأنظمة المصرية في التوظيف السياسي للرياضة عموما، ولكرة القدم خصوصا، ففكرة الدوري العام -المسابقة والبطولة الأهم في تاريخ الكرة المصرية التي انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 1948- جاءت بإيعاز من مستشاري الملك السابق فاروق للتغطية على هزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين من العام نفسه.

وعقب قيام ثورة يوليو عام 1952 وإعلان الجمهورية فطن قادة الثورة إلى أهمية كرة القدم في دعم حركتهم، فتولى معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة رئاسية الاتحادات الرياضية، وقاد المشير عبد الحكيم عامر -الرجل الثاني في الدولة ووزير الحربية وقتها- كرة القدم المصرية بعد أن تولى رئاسة الاتحاد، وحرص على تعيين نجومها في خدمة القوات المسلحة كنوع من التكريم والتأمين المالي، إلا أن هزيمة 1967 دفعت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى إقالة كل القيادات العسكرية من رئاسة الأندية والاتحادات الرياضية.

الألتراس كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق عن الحد، وتفسرها بعض القواميس بمعنى الجماعة المتطرفة، في إشارة إلى الحب الزائد من قبل أفراد الرابطة لناديهم، وكان إشهار أول مجموعة ألتراس مصرية من نصيب ألتراس "وايت نايس" المنتمي لنادي الزمالك في عام 2007

وكان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك الأبرز من بين الأنظمة المصرية في محاولة استغلال شعبية كرة القدم لتجميل وجهه، فحرص على حضور المباريات، وقيادة التشجيع، ورافق ابناه علاء وجمال المنتخب الوطني المصري حيثما ذهب، ثم خطط النظام للانتقال من استغلال المباريات في إلهاء الشعب عن مآسيه إلى الدعاية والترويج لجمال مبارك باعتباره الوريث المنتظر للحكم.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2009 تعامل النظام مع مباراة مصر والجزائر التي كانت تفصل المنتخب الوطني عن التأهل لكأس العالم باعتبارها موقعة حربية حشد لها أنصاره من السياسيين والفنانين واللاعبين، أملا في تحقيق الحلم المصري بالصعود إلى البطولة، على أن يعود جمال مبارك على رأس بعثة المنتخب في حافلة مكشوفة وسط حفاوة ورضا شعبي، لكن كل هذا المخطط ذهب هباء مع هزيمة المنتخب المصري في مباراة دراماتيكية، وأجواء من التحريض تركت شرخا عميقا في العلاقات المصرية الجزائرية.

ويرى المؤلف أن محاولات السلطة تسييس الجمهور الكروي المصري باءت جميعها بالفشل، بسبب افتقاد هذا الجمهور أي رابطة تجمعه وتنظمه، وعدم تجمع المشجعين إلا في المدرجات، مع وجود بعض القيادات النمطية التي اقتصرت علاقتها بالسياسة على المساندة الفردية لبعض مرشحي البرلمان مقابل أموال أو عطايا قبل أن تظهر روابط تشجيع الأندية عام 2004، والتي تحولت بعد ثلاث سنوات إلى مجموعات ألتراس التي غيرت وجه المدرجات في مصر، وتصدر نشاطها وسائل الإعلام في العالم.

على طريق الثورة
مع الظهور القوي لمجموعات الألتراس داخل المدرجات حاول نظام مبارك استمالة قياديي الرابطة واستثمار إمكاناتهم التنظيمية وقدرتهم على الحشد، لخدمة النظام والترويج له، واستخدمت السلطة أساليب الترغيب والترهيب، وعرض مقربون من جمال مبارك تقديم مليون جنيه مصري للرابطة، ونصف مليون لقياداتها مقابل رفع صورة نجل الرئيس في المدرجات، لإكسابه مزيدا من الشعبية، وهو ما رفضته الرابطة.

ومع زيادة الضغوط الأمنية بدأت روابط الألتراس المصرية في تغيير عقيدتها التي كانت تحظر المشاركة السياسية، وتقصر الأنشطة على المجال الكروي، وتخلى شباب الرابطة عن شعارهم القديم "خذوا كل شيء واتركوا لنا المدرجات" ليتولوا تدريجيا أدوار بطولة في معارضة النظام، وفرض تأثير فعلي على الأرض.

وفي عام 2008 رفعت مجموعة "يللو دراجونز" المنتمية للنادي الإسماعيلي "دخلة" كتب عليها "الثورة مبدؤنا" في مباراة مع المصري البورسعيدي، ويرى المؤلف أن هذا التصرف كان مؤشرا لم ينتبه إليه أحد لحالة الغضب المتصاعدة في الأوساط الشبابية.

كان وجود الألتراس حاسما في إسقاط جهاز الشرطة يوم جمعة الغضب، ولا سيما في القاهرة الكبرى، وينقل المؤلف عددا من الشهادات لقيادات الرابطة تبين الدور الكبير لها في مواجهة بطش الشرطة بخطط وتكتيكات غير تقليدية

وجاءت الإرهاصات الأولى لمشاركة الألتراس في ثورة 25 يناير قبيل اندلاعها بعشرة أيام في مباراة كرة السلة بين ناديي الاتحاد السكندري والجزيرة، حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين ألتراس "غرين ماجيك" المنتمي للاتحاد السكندري وبين قوات الأمن، هتف خلالها شباب الألتراس "تونس.. تونس" في إشارة إلى الثورة التونسية.

ورغم تحذيرات أجهزة للأمن للألتراس من النزول إلى الشارع فإن قياديي الروابط اتبعوا تكتيكا للخداع بإظهار استجابة علنية لمطالب الشرطة، وإعلانهم على صفحاتهم الرسمية عدم نزولهم إلى التظاهرات، ثم نزلوا إلى الميادين فرادى من أول يوم للثورة حتى يوم 28 يناير/كانون الثاني الذي شهد الإعلان الرسمي عن تواجدهم كمجموعات في الشوارع والميادين بهدف إسقاط الشرطة التي تمثل عدوهم الأول بحكم عقيدتهم.

من يناير ليونيو
كان وجود الألتراس حاسما في إسقاط جهاز الشرطة يوم جمعة الغضب، ولا سيما في القاهرة الكبرى، وينقل المؤلف عددا من الشهادات لقيادات الرابطة تبين الدور الكبير لها في مواجهة بطش الشرطة بخطط وتكتيكات غير تقليدية، وتلقي الضوء على حجم تضحيات الرابطة واستشهاد عدد من أعضائها.

وقال أحد قادة ألتراس الأهلي لم نتخيل يوما أن نكون بهذا التنظيم والقوة، وأن ننجح في إسقاط رأس النظام الفاسد، وفي أول مباراة رسمية بعد الثورة صنعنا "دخلة" مميزة رفعنا خلالها تحية للشهداء تقول "كتبتم بدمائكم الحرية لبلادكم".

استمر التوتر في علاقة الألتراس بالسلطة خلال عهد المجلس العسكري، وبلغ التوتر ذروته بعد مذبحة ملعب بورسعيد في فبراير/شباط 2012 التي راح ضحيتها 62 من أعضاء ألتراس النادي الأهلي، ووصفها رئيس الفيفا جوزيف بلاتر بأنها يوم أسود في تاريخ كرة القدم. وقد اعتبر الألتراس أن المذبحة جاءت انتقاما من الرابطة لدورها البارز في ثورة يناير وإسقاط النظام.

ويرى المؤلف أن انغماس جماعات الألتراس في السياسة أنتج ألتراسا سياسيا، ومع اقتراب موعد أول انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير اتجه مرشحو الرئاسة الذين بلغ عددهم 13 مرشحا إلى روابط الألتراس بوصفها من أكثر الجماعات قدرة على الحشد والتنظيم، وحاول بعض المرشحين استمالة قيادات الرابطة إلا أن معظم هذه المحاولات باءت بالفشل، مما دفع المرشحين الرئيسيين إلى إنشاء ألتراس خاص بحملاتهم الانتخابية، وبالطبع فقد انتهى هذا "الألتراس الانتخابي" بانتهاء الانتخابات.

ومع وصول مرشح الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي إلى سدة الرئاسة حملت مجموعات الألتراس مطالبها في انتظار تنفيذها من النظام الجديد، وهي مطالب تنوعت وفقا لأجندة كل مجموعة، إلا أنها اتفقت جميعا على مطلب واحد هو تطهير الشرطة، وإعادة هيكلة وزارة الداخلية.

مع اقتراب تظاهرات 30 يونيو التي مهدت لعزل مرسي بدا أن الألتراس يتجه لموقف حيادي، وكان المبرر المعلن هو العودة لعقيدة الألتراس الأصلية، والتوقف عن المشاركة السياسية، وهو مطلب لاقى قبولا بين أبناء الرابطة، ولا سيما ألتراس أهلاوي

ويرى المؤلف أن وقائع محاكمة المتهمين في قضية "مذبحة ملعب بورسعيد" وضعت سلطة محمد مرسي في مواجهة مع روابط ألتراس الأهلي بجناحيه "أهلاوي وديفيلز"، والبورسعيدي بأجنحته الثلاثة "إيجلز، ومصراوي، وسوبر غرين" لتصبح القضية منفذا للمجاهرة بانخراط الرابطة في السياسة بعهد مرسي تحت شعار "القصاص".

ومع اقتراب تظاهرات 30 يونيو التي مهدت لعزل مرسي بدا أن الألتراس يتجه لموقف حيادي، وكان المبرر المعلن من قيادات الرابطة هو العودة لعقيدة الألتراس الأصلية، والتوقف عن المشاركة السياسية، وهو مطلب لاقى قبولا بين أبناء الرابطة، ولا سيما ألتراس أهلاوي.

مجتمع كامل
ويخصص المؤلف الجزء الأكبر من كتابه لرصد ما يسميه "مجتمع الألتراس"، ويصفه بأنه مجتمع مستقل يضم أبناء الرابطة وفق دستور يحكم الجميع دون أي تفرقة بين فقير أو غني، متعلم أو أمي، مسلم أو مسيحي.. إلا بالعمل والتفاني من أجل المجموعة.

ويرصد المؤلف البنية التنظيمية لروابط الألتراس، حيث يكون على قمة هرمها ما يسمى في قاموس الألتراس "النيو دير"، وهم الأعضاء المؤسسون للمجموعة، ويتراوح عددهم بين 5 و25 فردا من رعيلها الأول، ويكون منوطا بهم إدارة المجموعة واتخاذ القرارات من خلال التشاور.

أما المستوى الثاني في هرم الألتراس التنظيمي فيسمى "النيو" وهم الجنود المجهولون في المجموعة، وأصحاب أفكار الدخلات والمنتجات، ويعملون بعقلية جماعية، كما يضم تنظيم الألتراس ما يسمونه "الكابو" وهو قائد المجموعة في المدرج، ومنوط به ضبط أداء الأفراد، وتحريكهم، وإلهاب حماسهم، وإنتاج مشهد متناغم لا خلل فيه.

ويؤكد المؤلف أن تمويل الألتراس ذاتي من خلال الاشتراكات الشهرية وتبرعات الأعضاء وبيع المنتجات من الألعاب النارية والملابس والشارات ورسوم بطاقة العضوية، ومعظم دخل الرابطة ينفق على التنقلات لمؤازرة الفريق، وكذلك على "الدخلات" التي تتفاوت تكلفتها بحسب حجمها وإتقانها من مائتي دولار إلى 15 ألف دولار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك